السؤال الديني والممارسة السياسية في المغرب الحديث

[قدمت الأفكار الرئيسية لهذا المقال، في المقر المركزي للاتحاد الاشتراكي بالرباط يوم 26 يوليوز 2012، في إطار عمل اللجنة الثقافية والإعلامية للمؤتمر التاسع. المقال اجتهاد شخصي، ومساهمة في النقاش، نتمنى أن يثير نقاشا يُعدله ويُقومه: محمد العمري].

هناك، على العموم، مدخلان لمعالجة العلاقة بين الدين والسياسة: مدخل فلسفي، ومدخل تداولي إنجازي  يتعلق بالممارسة السياسية. المدخلان مترابطان يوصل أحدهما إلى الآخر ولا يستغني عنه. ومع أن الذي يهمنا في هذه المناسبة هو الممارسة السياسية فلا بد أولا من الإجابة عن بعض الأسئلة العامة المبدئية التي يطرحها النظر الفلسفي للموضوع.

1ــ النظر الفلسفي

يتجه النظر الفلسفي في هذا المجال إلى الجواهر والعلاقات: يحدد ماهية الدين، وماهية السياسة، من أجل تبيُّن مدى التداخل والتخارج بينهما. ينتهي النظر الفلسفي عامة إلى أن الدين يقوم على نسق مكتمل[1] مطلق ومتعالٍ، (وأنه لا يعتبر الحياة الاجتماعية غاية في ذاتها)، أما السياسة فتقوم على توافق بشري في تدبير شؤون “الاجتماع” كموضوع وغاية، تَوافُقٍ قوامُه النسبيةُ والاحتمالُ والترجيح.

وعلى أساس هذا التوصيف يُطرح السؤال التالي: هل هذا الاختلاف (بين المطلق والنسبي) يَسْتَتْبِعُ القطيعةَ بين الدين والسياسة، أم أن هناك إمكانية للتواصل بينهما؛ دون أن يُفسِد أحدهما طبيعة الآخر؟

كيف يُمكن الجمعُ، وبأية صيغةٍ، بين المطلق الديني (ومن مقتضياته التقديس والتسليم والعبودية لله).، وبين النسبي السياسي الذي يقوم على التوافق والترجيح، ويستتبع المحاسبة.

عند قبول طرح هذا السؤال ومحاولة الجواب عنه يبدأ التداول في معنى الإطلاق الديني والنسبية السياسية، وصولا إلى تشقيقهما، من خلال عدة استراتيجيات تبدأ بالتفريق بين الديني والدنيوي، بين الغيبي والعلماني…الخ

وهنا يُستفتى التاريخ، فالمسألة تهم الإنسان واختياراته وكفاءاته الظاهرة والكامنة، وحاجياته المختلفة التي تبرز من حين لآخر أو تتواتر عبر التاريخ. التاريخ يقدم الشواهد الكافية للتقليل من غلواء هذا الطرف أو ذاك. وبذلك يبقى جواب المتطرفين، من الدينيين والعلمانيين، بأن “الدين هو السياسة” و”الدين مجرد سياسة” خارجَ دائرة الاعتبار والتأمل الفلسفي، لأنه جواب قطعي بسيط، وموضوع الفلسفة هو السؤال والاستشكال.

في هذا الإطار جاءت مجموعة من الاجتهادات التوفيقية والتلفيقية في القديم والحديث، أجرأُها في المجال العربي تلك التي صاغها الشيخ علي عبد الرازق في نهاية الربع الأول من القرن العشرين، في كتاب صغير الحجم، عظيم الأثر والفعل. وهو: الإسلام وأصول الحكم. جاء هذا الكتيب/البيان بعد إلغاء أتاتورك لمنصب الخلافة الإسلامية، وتأهب الكثير من الحكام العرب لاحتلال هذا المنصب، منهم ملك مصر فؤاد. لقد حوكم على عبد الرازق من طرف زملائه وشيوخه، فشطب على اسمه من لائحة هيئة العلماء. وخلاصة كلام عبد الرازق أن الإسلام لم يعين نظاما للحكم، وأن الخلافة والملك أساءَتا إلى الإسلام. ومن ذلك الوقت إلى الآن والإجراءات تتضارب بين الاتصال والانفصال.

ويقدمُ موقف كل من المرحوم محمد عابد الجابري وحسن حنفي إمكانية للحوار من داخل النسق، لكونه قائما على التفريق بين المقاصد الثابتة والإجراءات المتحولة. فهو يحقق الهدف الديمقراطي المدني مدعوما باجتهادات فقهية أصولية، واجتهادات عقلانية داخل الفكر الإسلامي نفسه. كما تدعمه سيرورة التاريخ[2].

من السهل فلسفيا أن نقيس ما لله على ما للملك، (باعتبار ما كان من صفة التقديس، وما لم يغادره الإمكان). فنحن نطالب بالملكية البرلمانية كمطلب استراتيجي، حيث الملك يسود ولا يحكم حتى لا يتعرض للمساءلة في شأن نسبي متحرك مفتوح على كل الاحتمالات.. يمكن أن نقول بأن الهدف الاستراتيجي في ضبط علاقة الدين بالسياسة هو ما قاله أردوكان: أنا متدين والدولة علمانية، تقف على مسافة واحدة من كل الأديان. والعلمانية التي نقصدها هي التي تحترم حرية العقيدة، بل تضمنها وتسهل ممارستها، في إطار القانون العام الذي يمتد في المبادئ الكونية لحقوق الإنسان.

ونحن بهذا لا نأتي بجديد، بل نسير في المسار التحرري العام الذي سارت فيه الدعوة الإسلامية، وزكته حركة التاريخ التي حرمت الرق والعقوبات الجسدية وصولا إلى جعل الكرامة الإنسانية أساسا للعهود الدولية.

هذا النظر الفلسفي مهم جدا، لا غنى عنه، ولكنه ليس المدخل الذي يفيد في ممارسة السياسة في الزمان والمكان المحددين، بل لا بد من أن نأتيه من مدخل آـخر، هو مدخل الممارسة والتاريخ، المدخل العملي التداولي الحجاجي، وهو ما يصلح وضعه تحت العنوان الذي اخترناه لهذه المداخلة: الدين والممارسة السياسية في المغرب الحديث.

(يبدو لي أن الحزباويين (أعني المعادين للثقافة السياسية والمثقفين، وهم موجودون بكثرة في أحزابنا) أشبهَ بالملاكمين الهواة الذين يراهنون على الموهبة والحمية، فلا يدركون مزية الاحتراف إلا حين تغطي الكدمات وجوههم فوق الحلبة أمام المتفرجين، وحلبة السياسة، في نهاية المطاف، هي صناديق الاقتراع).

2ــ الممارسة السياسية

راهنية السؤال

من الأكيد أن اليساريين الديمقراطيين في المغرب (وتونس ، وفي مصر أيضا) قد أحسوا بكثير من الغبن حين رأوا الأحزاب الأصولية تأخذ قدرا من تزكية صناديق الاقتراع (سمي اكتساحا، وهو كذلك في تشريعيات مصر) رغم أن تلك الأحزاب لم تشارك أصلا في الحراك الديمقراطي العربي (المغرب)، أو كانت مشاركتها محدودة (تونس)، أو شاركت فيه متأخرة، بعد الاطمئنان إلى مساره، كما وقع في مصر. يضاف إلى ذلك أن سقف مطالب بعض هذه الأحزاب ـــ وهذه حالة المغرب ـــ كان دون مطالب اليسار التاريخي بكثير، تلك المطالب التي لَخَّصها اليسار في “الملكية البرلمانية”. ولذلك سمعنا عبارات من قبيل القرصنة وسرقة الثورة…الخ.

من السهل تبرير هذا الإحساس، في حالة المغرب، بالتضحيات الجسام التي بذلها اليسار وحده في مقارعة النظام المخزني على مدى نصف قرن، وليس من العسير أيضا فهم لماذا وقع هذا النكوص (خاصة بين 2002 و2012)، ولكن الأهمَّ حاليا من كل ذلك هو فهم الواقع الجديد والاستعداد للتعامل معه تعاملا علميا مفيدا، ما أمكن. (ستأتي، بعد ذلك، تطورات تكبح جماح الأصوليين سنعود إليها، ولكننا نتساءل أولا ماذا وقع، وكيف أمكن أن يقع؟ هل هناك خلل، أو فراغ في الثقافة السياسية لليسار تسمح بنكوص يجعل الخطاب الأصولي مهيمنا؟ لا بد من استفتاء التاريخ)

من المعلوم أن صراع اليسار الديمقراطي في المغرب، ممثلا في الاتحاد الاشتراكي، انتقل أواسط السبعينيات، من مطلب ضبط الشرعية وقواعد اللعبة (دستور يضمن سيادة الشعب) إلى تجريب المشاركة ضمن الشروط القائمة. وبذلك صار الوصولُ إلى المواطنين ــ مَجرَّدُ الوصولِ ــ عن طريق صناديق الاقتراع الشغلَ الشاغلَ للحزب. وكان المخزن يمانع عن طريق التزوير بشتى صوره وأشكاله، بما في ذلك صناعة الأحزاب. وفي خضم هذا الصراع، حولَ الشكل، توقف الاهتمام بالجوهر، بما يجري في القاعدة الجماهيرية من تغير في الثقافة السياسية، تجلى ذلك في أمرين:

1ــ تحوَّلُ الدينِ من ممارسة تعبدية مشتركة (تدبُّرا أو تقليدا) إلى ورقة انتخابية مؤثرة،

2ـــ تحوَّل المحاوَرِ في الشؤون الدينية من أن يكون طرفا داخل الوطن (في نسيجه العتيق والمخزني) إلى طرف له امتداد في أنظمة سياسية/دينية مهيكلة ومدعومة عالميا تعادي كل ما هو حديث.

تحولت سلفية المختار السوسي وعلال الفاسي إلى سلفية “خارجية” برأسين: قاعدي معبِّئ، وجهادي مقاتل، في حين استمرت الفصائل المتفرعة عن الشبيبة الإسلاميين في استلهام البرنامج العالمي للإخوان المسلمين والاستفادة من ذراعه الإعلامي الجبار، مع إمكانيات لوجيستيكية لا تخطئها العين. كل هذا أضيف إلى النبتة المحلية، الرسمية والمعارضة: نبتة الصوفية السياسية.

وكما ظل الشيعة طوال التاريخ، وإلى اليوم، يلعنون معاوية وابنه يزيد بسبب هزيمة الحسين بن علي، فمازال الإخوان المسلمون يلعنون جمال عبد الناصر ويصرون على نبش قبره بعد أن فشلوا في قتله وهو يخطب في الإسكندرية. ومازال القرضاوي وأخرون يرددون مقدمة كتاب معالم في الطريق المؤذنة بخراب العالم وقيادة الإسلاميين القادمة لإنقاذه.

في هذا السياق التعبوي الكوني جاء إصرار حزب العدالة والتنمية (مع ذراعه الدعوي والنقابي)، عند وضع الدستور الجديد، على تسجيل لفظ “إسلامي” صفة للدولة المغربية (وهي الصفة التي تتميز بها التنظيمات السياسية الأصولية)، ولإزاحة لفظ “مسلم” صفة للمغرب لأنها صفة تصدق على جميع المؤمنين برسالة النبي محمد (ص). وقد دل حال جمود اليساريين وقتَها على أنهم لم يفهموا شيئا. (وربما جاز اليوم طرح السؤال الذي طرحته الحركة الماركسية في أواخر ألستينيات، أي غياب الرؤية الإستراتيجية والاكتفاء بـ”تصريف الأعمال”: “حتى نْوَصْلوا عادْ نْفَكْروا آشْ نْعَمْلُوا”؛ والحال أن الوصول صار مشكلا أيضا في حد ذاته، صار مرهونا بنشر ثقافة جديدة، تحملها وجوه جديدة غير مستهلكة).

وهكذا أصبحنا، بعد الانتخابات الماضية، أمام إشكالية جديدة، فالديني (أي المكون) الذي كان مجرد ورقة احتياطية لدى المخزن، يلعبها في لحظات استثنائية لوقف عمل الدستور، فتنكشف عيوبه أمام العالم، صار اليوم ورقة انتخابية مشروعة…

ذلك أنه رغم أن الدستور يمنع تأسيس أحزاب على أساس ديني فإننا اليوم أمام إشكال وجود حزب يُنعت علنا بـ”الحزب الإسلامي”، ويرسل كل الإشارات التي تَطلبُ من الناخب المرتقب تمييزه والتصويت عليه على هذا الأساس. وما قصة الصومعة، التي أدت إلى إلغاء أهلية بعض برلمانيي حزب العدالة والتنمية، إلا واحدة من تلك الرموز والإشارات المستمرة خطابيا.

نحن الآن أمام صيغتين “إسلاميتين”: “إسلامية” إمارة المؤمنين؛ المؤسسة العتيقة التي تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، هذه المؤسسة التي يحاول المغاربة التوافق ضمنها، وداخلها، على سقف يسمح لهم بأن يصلوا جنبا لجنب يوم الجمعة والأعياد، على أقل تقدير،(لمن رغب في ذلك مقتنعا أو تابعا)، وإ”سلامية” الحزب الذي يقود الحكومة، ضمن تصور عالمي للإخوان المسلمين يرى أن هذا القدرَ المتوافقَ عليه غير كاف. ويعتبر حصولَه على بضعة أصوات زائدة تفويضا يسمح له بفرض تصوره للدين، ودوره في الحياة!

ومع أن الأحزاب المنضوية في خطة الإخوان المسلمين تحاول، ما أمكن، ضبط خطواتها، والسير خطوة خطوة، فإن حلفاءه من السلفيين مستعجلون، يساومون على الزمن أيضا، فقَعَدَتُهم يطالبون بـ”نشر الإسلام في المغرب”، والنافرون للجهاد يطالبون بتطبيق ما يسمونه “شرع الله”. وشرع الله، عند السلفيين الجدد، هو ضرب أعناق أعداء الله الاشتراكيين العلمانيين الحداثيين الكفرة الذين يتكتلون في اليسار[3].

و “الإشارات” الخجولة التي أرسها حزب العدالة والتنمية في اتجاه حلفائه الدينيين، في فترة الحماس الأولى، أثارت عليه ردود فعل حلفائه الحكوميين (ولا أقول السياسيين) قبل أن تثير ردود فعل اليسار. ومن ذلك الموقف من إشهار اليانصيب، ومواد دينية في دفتر تحملات الإعلام. كما أثار استعمال الخطاب الديني احتجاجات في البرلمان وفي البرامج التلفزبونية (من قبيل “الأرزاق عند الله”، والدعاء للمعطلين…). وبالمناسبة فعبارة “الأرزاق بيد الله” هي نفسها العبارة التي يصرف الناس بها المتسولين: “الله يسهل”! أما أهم خطوة خطاها في اتجاه المتطرفين وصمد فيها، لأنها خط أحمر عندهم، فهي تهميش المرأة وعزلها تمهيدا لبرنامج الفصل بين الجنسين الذي سيشرعون فيه بكل تأكيد، بمجرد إحساسهم ببعض الاطمئنان، ابتداء من الشواطئ . ولكن هيهات! “اللي فراس الجمل في راس الجمالة”.

يكمن مشكل اليسار، بكل فئاته وألوانه، في غياب الثقافة السياسية الملائمة للحظة الحالية، والدخول في تآكل داخلي (مقال بن على، ومحمد الناجي وطريقة الرد عليهما). العطب موجود في حلقة الربط بين عمل العلماء وحاجيات المناضلين وجمهور المواطنين الناخبين. المرحلة الحالية هي مرحلة وضع العلاقة بين الدين والسياسة في نصابها معرفيا دعما للمعارضة الميدانية التي يمارسها المناضلون مجردين من السلاح الثقافي أحيانا.

جرد تاريخي

سيكون من المفيد في تأسيس ثقافة سياسية جديدة تأخذ المتغيرات الثقافية والدينية بعين الاعتبار مراجعة تاريخ المعارضة في المغرب. أقصد المعارضة الطبيعية التي امتدت جذورها في مقاومة الاستعمار وتفرعت أغصانها في مقاومة الاستبداد الذي حل محل الاستعمار. يمكن أن نتحدث من ذلك التاريخ إلى اليوم، عن ثلاث مراحل:

1ــ مرحلة التكامل

تمتد هذه المرحلة من بداية مقاومة الاستعمار، أواسط الأربعينيات، إلى أواخر الستينيات من القرن الماضي. في هذه المرحلة كان المكون الديني الإسلامي يتكامل مع المكون الاشتراكي التحرري الذي اجتاح العالم. بل كانت سلفية هذا الزمن تبحث عن عناصر القوة في الفكر الحديث وتحاول استلهامها للخروج بالمسلمين من ظلمات عصور من التخلف والجمود. كان سؤال: لماذا تقدم العالم وتخلف المسلمون يؤرق السلفيين، من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، إلى أبي شعيب الدكالي وعلال الفاسي ومحمد بلعربي العلوي. عشنا هذا في سعيهم الحديث إلى إدخال العلوم الحديثة للتعليم العتيق. وأحسن مثال للعالم السلفي المشبع بالفكر الديمقراطي الحديث المرحوم عمر الساحلي الذي كان مديرا للمعهد الإسلامي بتارودانت الذي ساهم في تأسيسه مع ثلة من علماء سوس.

وأكثر من ذلك أنك حين تقرأ وثائق جيش التحرير، في جنوب المغرب، الذي كان يشرف عليه المناضلان المجاهدان الفقيه محمد البصري رحمه الله، ومحمد بن سعيد أطال الله عمره، وهما من الجناح الثوري الذي اختار استمرار القتال في جنوب المغرب إلى أن يتم تحرير المغرب في حدوده التاريخية ستفاجأ بأن العناصر الحجاجية التي استعملت في تعبئة المقاتلين كانت دينية وطنية حقوقية، حيث شبه المقاتلون الذي توجهوا لتحرير الصحراء، والصحراويون الذين استقبلوا الدعوة لقتال المستعمر بأصحاب الرسول الذين هاجروا والذين آووا ونصروا من أجل نعيم الآخرة[4].

وإلى هذين البعدين الوطني والديني أضيف المكون القومي الاشتراكي، بل احتل الواجهة نتيجة التقاطب بين المعارضة والمخزن الذي سعى للتخلص من جيش التحرير، من جهة، ونتيجة أيضا لانقسام العالم العربي إلى “تقدميين” قوميين متحالفين مع المعسكر الاشتراكي (مصر، سوريا العراق، الجزائر، المعارضة المغربية…)، و”رجعيين” يرفعون شعار الإسلام ويتعاملون مع المعسكر الرأسمالي (تركيا، الباكستان، السعودية، المغرب الرسمي…).

ومعنى ذلك أن المكون الديني لم يكن عنصرَ تمييزٍ في المغرب، في بداية الحركة الوطنية، فأحرى أن يكون عنصر تفريق وأزمة، برغم ظهور بوادر الدفع في هذا الاتجاه مبكرا عند من اقترحوا إضافة صفة (أوظيفة) “أمير المؤمنين”، في لحظة من الصراع، بعد موت محمد الخامس الذي كان يجسد هذا التداخل. ولذلك استمرت المكونات الوطنية الدينية والاشتراكية القومية تعمل في تناغم إلى أواخر الستينيات معتبرة المعطى القومي قيمة مضافة. كان في قيادة الاتحاد خريجو التعليم الأصيل، وخريجو التعليم العصري الحديث.

يتبين مما سبق أنه لم يكن في الثقافة السياسية المغربية، إلى أواخر الستينيات، ما يدعو إلى ظهور اختار سياسي على أساس ديني خالص. وهذا بخلاف ما وقع في الشرق العربي حيث ظهر فكر الإخوان المسلمين كبديل انقلابي، ليس على الوضع في مصر والعالم العربي حسب، بل كبديل كوني، يسعى لإنقاذ البشرية جمعاء مما اعتبره سيد قطب ترديا في القيم. وهذا يناقض الفكر السلفي التقليدي الذي تولد عن ظروف النهضة. لن يدخل هذا الفكر في التداول السياسي المغربي إلا في المرحلة اللاحقة، كما سنبين.

2 ــ المواجهة الأيديولوجية

لا شك أن طرح مشروع الكتلة، أوائل السبعينيات، في أفق اندماجي، يدل على أن الخَرقَ لم يتسع بعد. فقد ذكر الأستاذ الحبابي (من قيادة الاتحاد الوطني وقتها)، في تصريح له حديثٍ، أن المرحوم علال الفاسي كان منفتحا ومتسامحا إلى أقصى الحدود اتجاه هذا الخيار.

ولكن الأكيد كذلك أن الاتحاد الوطني كان بين نارين، بل بين عدة نيران: نار الجهاز النقابي المعرقل، ونار المخزن المراوغ، ونار الحركة الماركسية الحالمة، الزاحفة على النخبة المتعلمة، خاصة في الجامعة، جارة معها خيرة شبيبة الحزبين اليساريين: الاتحاد الوطني، والتحرر والاشتراكية. كان المرحوم عمر بن جلون مِجَسَّ، أو محرار (Thermomètre) سخونة هذا المكون الثالث، وأكثر فهما لخطورته وتفاعلا معه. وقد وعد في حوار عسير له مع الجبهة الماركسية، بكلية الآداب بفاس (وكانت تطالب بفك الارتباط بـ”الرجعية”، هكذا)، بأن الصيف سيأتي بالجديد، وطلب الانتظار إلى الصيف. وفعلا عرف صيف 1972 أحداثا كان عمر من المتحمسين لها، من أهمها ظهور الاتحاد الاشتراكي، في امتداد الاتحاد الوطني.

لم يحدث اهتزاز كبير في الثقافة السياسية المغربية إلا في أواخر الستينيات، خاصة بعد هزيمة العرب 1967، حيث اعتبرت الهزيمة هزيمةً للأنظمة العربية. كانت الإدانة من الإسلاميين والماركسيين على حد سواء. غير أن ظروفا محلية وقومية وعالمية، (طابعها الاستبداد والفساد المحلي، والهزيمة العربية، والفورة التحررية الكونية (ظروف 1968))، هيأت لهيمنة الحركة الماركسية أولا، وإلى حين.

كانت الحركة الماركسية التي اكتسحت الجامعة المغربية تتغذى من الأدبيات اللينينية والماوية، وتحاول أن تحاكي تجارب الحركات الثورية العالمية في ارتباط مع حركة المقاومة المسلحة في فلسطين، الجبهة الشعبية خاصة. كانت هذه الحركة في غالبها غير عابئة بالمكون الديني في ثقافة الشعب المغربي باعتبارها حركة ثورية تروم التغيير، وليس مجرد الفهم. غير أنه ما إن بدأ تصريف الأفكار والتحليلات الماركسية، في التعليم ما قبل الجامعي (الذي كان أكثر اتساعا وأكثر ارتباطا بالمجتمع)، حتى وقع رد الفعل، من أسفل هذه المرة، من عالم المعلمين والتلاميذ. والأسلحة المضادة التي تم اللجوء إليها هذه المرة كانت من جيل آخر، فالسلفية الإصلاحية (سلفية علال الفاسي مثلا) صارت متجاوزة، ولذلك تم اللجوء إلى الأصولية التكفيرية التي طورت في مصر باعتبارها خطة إسلامية للاستيلاء على الحكم (معالم في الطريق).

نحن، الآن، بصدد حركة أصولية ماركسية (يقال جذرية) نازلة من الجامعة نحو الثانويات، تقابلها أصولية دينية صاعدة من التعليم الابتدائي والثانوي، بل من المساجد حيث غضَّتِ الدولة الطرف عن أنشطتها، ثم استوردت العتاد الوهابي لتدعيمها، وكذا لمنافستها، وعرقلة خطاها، عند الحاجة. سيكون أول مجال للصدام في ثانويات الدار البيضاء قبل أن ينتقل إلى الجامعات لنشاهد الصدامات العنيفة بين القطبين أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. في مواجهة كتب لينين وماوتسيتونغ صار الشباب يتداولون كتب سيد قطب وأبي الأعلى المودودي، وغيرهما من منظري الإسلام السياسي… الخ

بهذا التلقيح الإخواني تحولت سلفية المغرب الإصلاحية المحافظة ـــ كما تحولت الوهابية في الحجاز ـــ إلى حركتين تكفيريتين عنيفتين تؤمنان بالاغتيال والانقلاب ليفلت الزمام مع الجميع بظهور القاعدة وطالبان.

لقد تلقي الإخوان المسلمون الكثير من الضربات نتيجةَ سياستهم الميكيافلية القائمة على التحالف التاكتيكي مع المستبدين والطغاة، أو من يعتبرونهم كذلك، قبل الانقلاب عليهم. فنظرا لأن الأنظمة التي كانت تبدو لهم ـــ كما بدت للماركسيين الجذريين قبلهم ـــ هشةً، كانت، في الواقع، تمثل مصالح فئات وطنية ودولية تحرص على استمرارها، فإنها كانت تسحقهم بسهولة بعد كل نكث للعهد. وقع لهم ذلك من جمال عبد الناصر (أطلقوا النار عليه وهو يخطب)، والسادات (أطلقوا النار عليه وهو في منصة يشاهد استعراضا)، ووقع لهم مع ضياء الحق، ومع النميري، ولهم في كل حال قصة تستحق ان تروى. وتكرر ذلك حتى لم يعد أحد من القادة السياسيين يثق بهم. ولذلك غيروا تاكتيكهم الحالي فوسعوا تحالفهم ليشمل الضامن الأمريكي الذي وجد صعوبة كبيرة في اجتثاث جذور القاعدة (دون أن يجتث جذور المشكل، وهو رفع الظلم عن الفلسطينيين).

ساهمت المواجهة العنيفة بين الأصوليين الإسلاميين والماركسيين الجذريين في بقاء الخلاف داخل البيت الاتحادي في حدود المواجهة بين الاختيار الثوري (الذي صار انقلابيا، والاختيار الديمقراطي الذي صار ما ترون). ويوم سار عمر بنجلون، رحمه الله، في اتجاه ردم الهوة بين النظرية والممارسة من أجل التقريب بين كل مكونات اليسار قرر الأصوليين تحييده في إطار تحالف مع النظام الذي ورطهم ورجع إلى الوراء مقلما أظافرهم.

أربكت جريمة اغتيال عمر بن جلون (رحمه الله) مشروع الشبيبة الإسلامية. ولكن المخزن، الذي كان يعرف هدف العملية وحجمها، اكتفى ببتر بعض الأعضاء، وتشذيب البعض الآخر بطريقة تحفظ للشجرة نموها بالحجم والشكل الذي يريده. يظهر ذلك في حصر المتابعة في المنفذين المباشرين، والشروع في إدخال عناصر جديدة في اللعبة. المهمة التي اضطلع بها وزير الأوقاف ووزير الداخلية.

تعامل النظام، خلال السبعينيات، مع الماركسيين بصرامة وقسوة، في حين غض الطرف عن أنشطة الأصوليين، لدرجة أن بعضهم سمى ذلك العهد، أي ما بعد قتل عمر بن جلون، “دار الغفلة”![5]، الغفلة التي أسسوا فيها جمعيات سياسية بقناع دعوي.

3ــ المواجهة السياسية

بعد منتصف الثمانينيات بدأت ترتيبات جديدة: دعيت المعارضة الاشتراكية للمشاركة في الحكم، ودعي الإسلاميون للدخول في إطار الشرعية البرلمانية دخولا مرتبا، بحجم محدد. لم تصمد فكرة المساندة النقدية. لاحظ الأصوليون، كما جاء في تصريح للدكتور الخطيب، أن الاشتراكيين عازمون على تمرير تصوراتهم الخاصة، فغيروا وجهتهم نحو اليمين المحافظ، ظهر ذلك في أول امتحان حقيقي: خطة إدماج المرأة في التنمية.

أول مواجهة بين الجبهة الأصولية الصاعدة والقوة اليسارية المنهكة كانت بمناسبة طرح قضية القضايا في الفكر الأصولي، وهي قضية المرأة. فبعد نجاح العهود الدولية في فرض تحريم الإماء وما ملكت اليمين ضاق الاختيار بالنسبة للفكر الأصولي، ولذلك اعتبروا تحديث مدونة الأسرة هجوما على آخر قلعة من قلاع الإسلام[6].

لقد كانت خطة إدماج المرأة في التنمية أول اختبار يجتازه اليسار في مدى قدرته على التعامل مع المكون الديني للثقافة السياسية المغربية. بينت له هذه التجربة، كما بينت للمثقفين الحداثيين، أن كونية المبادئ والأفكار ونصاعتها، ومسايرتها للمسار التحرري لتاريخ البشرية ليس كافيا لنقلها من النظر إلى مجال الممارسة، أي لتصريفها سياسيا. هناك مسبقات أو متحجرات تأخذ قوتها من التداول والاستقرار، ومصادقة السلف بقطع النظر عن مدى عقلانيتها (أو معقوليتها)، ومدى نفعها حالا أو مستقبلا، ولكنها مدرجة تحت خانة الديني.

اكتشف اليساريون (بمرارة عند البعض) أن مقاومة هذه المتحجرات لا يمكن أن يتم بفعالية إلا من داخل النظام الذي أنتجها، بأدواتها العقدية والبلاغية، أي ببعث الجوانب الحية والعقلانية من التراث الفقهي والمقاصدي (الممارسة والنوازل المحلية: حق السعاية مثلا) وتقديمها بطريقة مقنعة. وهنا كان أثر علماء دين وفقهاء وبلاغيين شوكة في حلق الدعاوى السياسية التي تنتقي من الدين، خارج السياق، ما تبرر به مواقفها وتصوراتها الخاصة التي لا ينازعها فيها اليساريون فقط ولكن جبهات عريضة من الأصوليين أنفسهم.

من هؤلاء الفقهاء الأستاذ إدريس حمادي، أستاذ الأصول بشعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب بفاس، ومحمد الهبطي المواهبي، وعبد الهادي بوطالب، وأحمد الخمليشي، ومحمد المرابط، وآخرون. والنتيجة العامة لهذه الآراء، على تفاوت فيما بينها، تنسيب المسالة، وإخراجها من مجال القطعية إلى مجال الاجتهاد…[7] وقد كتب لي أن أشارك في هذه المعركة بنقد الخطاب الأصولي بلاغيا وبيان تهافته، وذلك بمجموعة من المقالات بعنوان: الإعنات والمغالطة فيما شأن الأخذ والعطاء. (موجودة في موقعي على الأنتيرنيت).

ولا أدل على ما نقوله من أن أغلب المقترحات التي ثار الأصوليون ضدها وجدت صيغة ومبررا شرعيا، وتمت المصادقة عليها بدون تحفظ، عندما وُضع الملف بين يدي الملك. ومن أشهر الاعتراضات الطلاق، و الولاية، وسن الزواج، وتقييد التعدد..الخ.

إن ضبط المفاهيم والمبادئ، وتمحيص الأيديولوجيات، مُهِمٌّ جدا، ولكن الأهم منه هو تسويغها، وتسويغها يقتضي ثقافة سياسية واعية بحاجيات المتلقين الفكرية والعاطفية، كما يقتضي معرفة بحجج الخصوم والقدرة على تفنيدها. وهذا يقتضي برنامجا وطنيا.

الحاجة إلى ثقافة سياسية: هل مازال الاتحاد مدرسة؟

هناك عطب في مجال الثقافة السياسية بالنسبة لليسار عامة وللاتحاد الاشتراكي خاصة. والمقصود ليس ثقافة القادة ولا ثقافة المثقفين الاحتياطيين المجمدين على هامش اليسار، بل الثقافة التي تجيب عن أسئلة اللحظة في العلاقة بالجمهور المصوت والخصوم المنافسين. بل الأخطر من غياب هذه الثقافة هو غياب الإحساس بالحاجة إليها. فلشدة وضوح دور الثقافة وبداهته في التوجيه السياسي والحشد الجماهيري يكف المناضلون عن النظر في الموضوع، بل تظهر نزعات ميدانية سياسوية وشعبوية تعادي العمل الذهني والثقافي، ومع الكف عن الاستشكال يقع أمران:

1ـ أولهما، عدم أخذ المستجدات بعين الاعتبار، والاستمرار في اجترار حلول لمشاكل متجاوزة، والعجز عن الجواب عن أسئلة آنية. وفرارا من شعور العجز نلجأ إلى التعالي والانطواء على الذات، إلى أن تكشفنا الانتخابات، فنبدأ في التبرير.

إذا قارنا بالحملات التي قادها الأصوليون ضد الصيغة الأولى للدستور الجديد، ثم في التعبئة للتصويت على الصيغة التي ارتضوها، ومدى تجاوب مستعملي بعض المواقع الأكثر انتشارا، سندرك مدى الأزمة التي يوجد فيها خطاب اليسار حاليا: عدم استيعاب اللحظات، وغياب الاستجابة السريعة المناسبة.

2ـــ تعطيل الآليات المنتجة للثقافة الجديدة لعدم إدراك الحاجة إليها. ومن ذلك تنظيم لقاءات بين المثقفين والمناضلين والجماهير الحزبية. تنظيم أنشطة تنويرية لفئات من الشعب حسب انتماءاتها وأسئلتها: الأطر، الطلبة، … الخ وهذا المجال مُشتغَّـل اليوم من قِبَل الأصوليين بشكل قوي ومنهجي.

وحتى لا يساء فهم كلامي ويمس بجهود الأفراد العاملين في الإعلام الحزبي، وتضحياتُهم غير خافية، والمعادلة التي هم مطالبون بتحقيقها صعبة، ومستحيلة أحيانا، أنبه إلى أن ما أطلبه هو ترتيب الأولويات: اعتقد أن لكل لحظة أولويات، وأولوية هذه المرحلة هي الحسم في الثقافة السياسية لليسار في حوار مع أسئلة الهوية، وفي مقدمتها السؤال الديني. وقد سجل واقع الحال، في أكثر من مناسبة، عدم مسايرة الاتحاد الاشتراكي لهذه الوتيرة، خاصة في اللحظات الحاسمة.

المعركة السياسية الحالية هي معركة ثقافية، ولذلك أعتقد أن على الاتحاد الاشتراكي أن يعتبر أي مثقف حداثي، أو عالم نزيه، اتحاديا ويقصده ويخاطبه ويحتضنه، ويفتح أمامه الطريق للقاء المناضلين، وجمهور المواطنين، حسب فئاتهم، بعيد عن أي احتفالية جماهيرية التي تترك لوقتها ومكانها. وحتى من انتقد الممارسة الاتحادية، أو سلوكَ فئة من المناضلين بمقاييس علمية ونضالية حقيقةً او زعما ينبغي الاستماع إليه ومناظرته بدل قذفه ونبذه. فالقذف والنبذ يصنع القلاع المحصنة ويستر العورات، من الطرفين.

من حين لآخر يقوم بعض المثقفين والصحفيين بمبادرات مفيدة في استنفار العلماء والمثقفين لإبداء الرأي في قضايا حساسة فيكشف هذا الإجراء عن طاقات علمية فكرية ونضالية كامنة، في حكم النائمة، في حين يظل الفضاء النضالي ضحلا. استحضر هنا مبادرة الأخ الأستاذ أنور المرتجي بإعداد مجموعة من الأسئلة المحيطة بإشكالية الربيع العربي في اللحظة المناسبة وتعميمها على عينات من العلماء والمثقفين، ومنهم من خفَتَ صوتُه منذ سنوات يأسا من الواقع، ومنهم من لم يعتَدْ الخوضَ في القضايا السياسية بشكل مباشر، ومنهم المستأنسون بالمجال. وقد قرأت أجوبتهم بعناية كبيرة راصدا مواضع التقاطع والاختلاف، فأثار انتباهي أن لدى الصامتين من الأفكار والحماس والعبارة البليغة ما ليس عند المستأنسين بالحديث في الموضوعات السياسية الذين صار لديهم وهْمُ التملك فمالوا إلى الاستسهال فتسطحت أفكارهم. مازلت أتذكر عمق أجوبة الأستاذين محمد المصباحي (فيلسوف)، وسعيد بنكراد (سيميائي). فأنا أعرف بحكم الزمالة مكانتهم العلمية الرفيعة وانتماءهما الحداثي، ولكن الجديد بالنسبة إلى هو اندماجهما في اللحظة، واجتهادهما الإبداعي في صياغة الأمل. وهذه الطاقات هي التي زهدت فيها أحزاب اليسار، وصارت تقتاتُ من ثقافة مستهلكة ضحلة مما يسمح به وقت المناضلين المشغولين اليومي.

أتمنى أن يضطلع أحد الصحفيين الأَكْفاءِ، أو المثقفين المناضلين، بعمل مماثل في موضوع “الديني والسياسي”. توضع أسئلته بعناية فائقة من قبل مفكرين حداثيين ذوي اختصاص ودراية، فالموضوع أرق من حد السيف، والسير فيه محفوف بكثير من المزالق التي ينتظرها المغرضون[8]. كما أتمنى بذل جهد لتجميع هذه المواد وتنسيقها وتسهيل الوصول إليها، وفتح النقاش حولها ورقيا وإليكترونيا.

المعرفة المطلوبة

ما هي المعرفة التي يحتاجها المناضلون والمواطنون عامة لكي يخرجوا من العمائية الأصولية ويمارسوا قناعاتهم واعتقاداتهم عن يقين وبينة؟

1ــ يحتاجون إلى معرفة علمية نقدية بالتاريخ: تاريخ الأساطير والديانات والأفكار، تاريخ يجعل المواطن يعرف نفسه بنفسه، ويعي أبعادَ شخصيته، وخفايا نفسه وثقافته. يجب أن يعرف شبابنا إلى أي عصر ينتمي، ولن يتم ذلك إلا بمعرفة مسار التطور البشري. يجب أن يعي المثل المغربي الذي يقول: “ما طَحْنُوهْ حتَّى عْياوْ مَنْ تَغزازُو”[9]، حتي لا يقضي حياته في تغزاز مواد علَكها أجداده من بني البشر قرونا، ثم تخلوا عن تغزازها عندما اقتنعوا بعبثية مسعاهم. تاريخ التحرر من إكراهات الطبيعة والمجتمع مهمة جدا، ومنها تاريخ الرق وكيف تحررت منه البشرية تدريجيا، ومنها تاريخ العقوبات والسجون، الانتقال من نظام العقوبات الجسدية المشوهة إلى العقوبات الحبسية التي يتم فيها إعادة التربية والإدماج في المجتمع: من الانتقام إلى التربية. من لا يقرأ التاريخ جيدا يكرره. الأصوليون لا يتعظون، مهمتهم في الحياة هي التغزاز والتكرار، لعجزهم عن رؤية المستقبل، ولذلك نعتوا، منذ كانوا، بالظلامية. ومن غباء شعب من الشعوب أن يضع مصيره بيد أصولي لا يتبين أين يضع خطاه.

2ـــ يحتاجون إلى معرفة حقيقية بنشوء الأحزاب والفرق والمذاهب في الإسلام. ولماذا يكفر بعض المسلمين بعضا، على طول التاريخ، من القرن الهجري الأول إلى الآن! أليس هذا سؤالا جديا، في الجواب عنه عبر تخدم الإسلام.

الطوائف القوية المسيطرة من الشيعة تكفر أهل السنة، قديما وحديثا، لأنهم لا يؤمنون (في نظرهم) بأصل من أصول الدين وهو إمامة علي وبنيه، وطوائفُ من أهل السنة (من الوهابية خاصة) تكفر الشيعة لهذه البدعة نفسها، ولأنهم يقدحون في صحابة رسول الله (ص) ويعتبرونهم مرتدين إلا قليلا منهم.

والقرضاوي الذي يُعتبر المرشدَ الحقيقيَّ للإخوان المسلمين، ليس أكثرَ من عميل عند الكثير من الفرق السلفية، (مثل الأحباش وحزب التحرير)، بل اعتبره بعض السلفيين (مقبل بن هاني الوداعي) مجردَ كلب ينبح، فألف فيه كتابا بعنوان: إسكات الكلب العاوي، يوسف بن عبد الله القرضاوي. وهو أكثر الكتب تحميلا على الأنتيرنيت.

فمن المغالطات التي تُمارسُ اليوم “الحديث باسم الدين” من قِبَل جميعِ الفرق والأحزاب الأصولية الحديثة، الخائضة في معمعان السياسة. والواقع أن تصورات الفرق الدينية للشأن السياسي (بل والعقدي كما تقدم) مختلفة، بل متناقضة لدرجة تكفير بعضهم بعضا. فالخوارج المغاربة الذين صاروا يدعون سلفيين (مقاتلين وقَعَدَةً) يسفهون الاختيار الصوفي للعدل والإحسان، ويعتبرون المنتمين إليه خرافيين. وهذا مسجل في كتبهم، وموضوع بأصواتهم الحية على الأنتيرنيت.

بل إن الخوارج يسفهون بعضهم بعضا، على نحو ما قاله المغراوي في الفزازي أبا وابنا، وما قال محمد الفزازي في المغراوي. ترتفع الأصوات وتخفت حسب الظروف. وهؤلاء جميعا يعتبرون المؤسسة الدينية الرسمية خارج الاختيار والاختبار. ويتطلعون لـ”نشر الإسلام من جديد”!

وهذا الاختلاف والتناطح المحلي امتداد في الجغرافيا والتاريخ لواقع المسلمين، من القرن الأول الهجري إلى الآن. في ظل هذا الصراع، بين التصورات لما ينبغي أن يكون عليه الحكم الإسلامي، أُغتيل الخليفة عمر بن الخطاب، وعثمان با عفان، وعلي بن أبي طالب، وابنه الحسين…الخ.

واليوم مازال الشيعة يلعنون أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعائشة، رضوان الله عليهم جميعا، ويتمنون استخراج معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد من قبريهما للانتقام منهم.

آفاق المد الأصولي مسدودة

مع كل ما سبق، لا مجال لليأس، فمن التسرع غير العلمي ما وقعت فيه بعض المنابر الإعلامية من تشاؤم مبكر من مصير الربيع العربي نتيجة مشاركة قوى أصولية فيه، ثم توسع هذا التشاؤم بعد الصعود غير المتوقع لحركة النهضة في تونس واكتساح الساحة من قبل الإخوان المسلمين والسلفيين في مصر.

والواقع، كما نبهنا إلى ذلك في حينه، أن اللحظة تتعلق باستحقاق تاريخي حقوقي لم نكن مؤهلين لإنجازه في وقته؛ منذ ثلاثة عقود 1979. استحقاق الكرامة وحقوق الإنسان، كانت هناك انتفاضات وقمع دموي، ولكن اللحظة لم تكن مسعفة. الآن انطلق المسلسل، ولا شك أن عجلاته ستصطدم أثناء سيرها نحو الهدف، بهذا الحاجز أو تلك الحفرة، ولكنها ستصل إلى هدفها، وهو الديمقراطية والحداثة، لا ريب في ذلك.

الأصوليون يحسون اليوم بكثير من الارتياب والشك، وهم يرون “حركتهم العالمية” التي تخيلها القرضاوي مكتسحة ماسحة للنُّظم وللعلمانيين والحداثيين على حد سواء.. يرونها تتكسر على عدة صخور:

1ــ صخرة الواقع الذي لا يلينُ إلا بالعمل العلمي والتكنولوجي والخبرة الإدارية والإنسانية، وهذه خيرات وخبرات لا توجد إلا في أيدي العلمانيين الحداثيين. وما لجوؤهم، في المغرب ومصر، إلى التيكنوقراط وبقايا أجهزة النظام الذي أدانوه، إلا دليل على هامشية تصورهم وتكوينهم. الدولة الحديثة لا يمكن أن تضبط وتسير بعقلية الدوار والقرية.

2ــ صخرة القوى الحداثية الديمقراطية التي استرجعت أنفاسها، وتُعيد تقييم الوضعية ورص الصفوف. ومن ضمن هذه القوى القوى الحقوقية التي تتابع وتحتج على كل محاولة للتراجع عن المكتسبات. بل تجس النبض هنا وهناك. وهذه القوى مدعومة بمنطق التاريخ الذي يسير فيه العالم وترعاه قواه الحية المتجددة المتوقدة من خلال فرض حقوق الإنسان بالوسائل الضرورية لكل حالة.

3ــ ثم أخيرا صخرة المنتفعين وبقايا الأنظمة وجيوب مقاومتها. وهي صخرة كان يمكن زحزحتها بسهولة أكثر بإشراك جميع الطاقات الحية في البلاد الراغبة في محاربة الفساد، ولكن القوم يخافون من فتح هذا الباب بطريقة لا يتحكمون فيها وحدهم، وربما يودون أيضا تلافي انفجار ألغام في وجوههم تفصم عرى تحالفهم الحكومي، وتنزع ثقة الجهات الأخرى. وهذا ما يفسر الفلسفة الجديدة في تسويغ الفساد باستعمال القرآن لتبرير الإفلات من العقاب.

رغم أن هذه الكوابح موجودةٌ في جميع البلاد العربية التي عرفت ثورات أو تحركات فإن قوة كل منها تختلف من بلد لبلد. لقد استطاع اللواء شفيق، آخر رئيس وزراء سابق للرئيس مبارك، أن يزعزع يقين الإخوان المسلمين، ويكسر غرورهم، وقد ظنوا في لحظة انتشاءٍ أنهم أخذوا مُلكَ مِصرَ، وصار نهرُ النيل يجري من تحت أقدامهم. وقد انكشف هذا الغرور من خلال تنكرهم لرفاق ميدان التحرير بالتوقف عن التظاهر والشروع في التنسيق مع المجلس العسكري والتراجع عن كل الالتزامات السابقة، وعلى رأسها عدم الترشح لرئاسة الجمهورية، وعد اكتساح الساحة. وسار الأمر بهم اليوم إلى حدود قبول توسط وزيرة الخارجية الأمريكية لدى المجلس العسكري.

ثم كان عزوف الشعب الجزائري عن الخوض في اللُّجة، لأسباب تاريخية وظرفية، عائقا لحسابات خاصة بالمغرب الكبير. (كانت جولة رئيس تونس لدول المغرب العربي، وزيارة وزير الخارجية المغربي للجزائر مراهنة كبيرة على ما سيؤول إليه الوضع في الجزائر، فجاءت الخيبة، وعادت الحكومة الجزائرية إلى دَيْدَنِها). وأخيرا جاءت المفاجأة الكبرى من ليبيا، فمن الأكيد أن من تابع، من الخارج، عمليةَ الماكياج الكثيف التي أنجزتها قناة الجزيرة وهي تقدم إسلاميي ليبيا، ومقدار التوسيخ الذي مورس على صورة أحمد جبريل المعتبر ليبراليا، قد اقتنع بأن الأصوليين سيكتسحون الساحة. (أنا نفضت يدي من “الثورة” الليبية عندما شاهدت الطريقة الهمجية التي عوملت بها جثتا القذافي وابنه، وزهِدت في نخبتها عندما سمعت المستشار عبد الجليل يقدم المرأة غنيمة حرب بدون حياء).

أما في المغرب فرغم أن بطتنا عرجاء، منذ البداية، وليس في نيتها الطيران منذ البداية، فإن ما يجري في الساحة وعلى الأرض يقتضي الكثير من الحذر. فالأمر ينذر بالرجوع إلى الصفر.

منقول عن موقع الكتروني ” جهات نظر”