الدبلوماسية المغربية… الأسئلة والآفاق

تارودانت …مصطفى المتوكل

إن التطور الذي عرفته التكنولوجيات الحديثة وتنوع وتشعب العلاقات بين البشر اعتمادا على المصالح المشتركة بين الشعوب من جهة أو بين لوبيات المال والأعمال على المستوى الدولي أو بين الحركات السياسية والفكرية لمنظومات وهيئات لليسار والخضر والشيوعيين واليمينيين…

وإن التقدم القوي الذي عرفته الصناعات بمختلف أشكالها وتدبير المناطق الزراعية والثروات المعدنية والمائية والمصالح المركبة والمختلطة بين الدول المصنعة والدول المالكة للمواد الخام…

… إن كل ذلك وغيره جعل العلاقات الدبلوماسية وما ينبني عليها إيجابا وسلبا تحتل مركز الصدارة في تدبير وإنجاح مصالح كل دولة على حدة أو تعرضها للضغوط والاستفزازات بناء على مواقفها وسياساتها سواء الداخلية أو الخارجية أو تبتلع وتصبح إمعة وذيلية…

وفي هذا الباب فكل دولة تريد أن تجعل لها موطئ قدم قوي ومتقدم، فلا بد لها أن تضع استراتيجية متحركة متأقلمة ومبدئية في علاقاتها الخارجية تقوم على دبلوماسية الدولة وعلى دبلوماسية البرلمان وعلى دبلوماسية المؤسسات المنتخبة (الجماعات/المجالس الإقليمية/المجالس الجهوية) وعلى دبلوماسية المجتمع المدني (الجمعيات والهيئات : السياسية من جهة والاجتماعية والنقابية والمهنية والفنية… من جهات أخرى)

ومن هنا لنسائل أنفسنا، هل الدبلوماسية المغربية تعتمد حقا وبشكل هيكلي وثابت على الدبلوماسية غير الرسمية أو غير الحكومية أم أن التجاءها إليها أو تحرك هذه الأخيرة لا يكون إلا بشكل اعتباطي ومناسباتي؟

الجواب يعلمه الجميع دولة وأحزابا ونقابات ومجتمع مدني، فنحن لم نضع التعاون اللامركزي والعلاقات الدولية في موقعها المفترض والمتقدم في صناعة سياستنا الداخلية ولبناء سياستنا الخارجية…

  1. داخليا بتقوية الديمقراطية وفضاءاتها وهياكلها ببسط تجليات ومرتكزات دولة الحق والقانون بالإدارات والمحاكم والمؤسسات الأمنية…
  2. بتطوير عقلية السياسة الاجتماعية في برامج الحكومة وبرامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والمؤسسات الوطنية والاجتماعية… بهدف تقوية الحماية والرعاية والتضامن الاجتماعي.. للحد من الفوارق ومحاربة الإقصاء الاجتماعي والتشرد والفقر.. وتعميم الخدمة الصحية وإجبارية ذلك على المؤسسات الصحية العمومية…إلخ
  3. باعتماد الشفافية والتنافسية وتكافؤ الفرص.. وخلق منافذ ومبادرات لتحريك عجلة التشغيل… إلى غير ذلك من قواعد البناء والتقدم والتطور…

وهذا هو الذي يطلق عليه البناء الذاتي أو الجبهة الداخلية… التي بها تظهر قوة الدولة وبها تبنى القدرة على التنافسية والمواجهة في عالم يموج بالصراعات والمصالح.

ما الذي وضفته الدولة والمجتمع المدني على مستوى التعاون اللامركزي والعلاقات الخارجية؟

  1. ما الذي قمنا به لتوظيف التواجد القوي لليد العاملة والأطر المغربية بأوربا وأمريكا وغيرهما وبمد جسور قوية مع المجتمع المدني والتعريف بقضايانا الوطنية واهتماماتنا وجعلها محط اهتمام ودعم الآخرين.
  2. ما الذي قمنا به لتأطير وعقلنة وتوجيه آلاف الخرجات نحو الدول الأخرى في إطار العمل الحزبي (الأحزاب الاشتراكية/أحزاب اليمين/أحزاب الوسط…) لعرض والدفاع عن ثوابتنا في المجال الوطني والتراثي والاقتصادي والاستراتيجي أو لمواجهة كل محاولات الإضرار بمصالحنا مع الآخرين في جميع المنتديات والهيئات بشكل مؤسسي وليس مناسباتي…
  3. ما الذي تعتمده المؤسسات المنتخبة كمنهجية/البرلمان بغرفتيه والجماعات المحلية/والإقليمية والجهوية في مجال التعاون اللامركزي؟ وما هي طبيعة برامجها وحقيقة تحركاتها بالخارج وكيف توظف الزمن والمال العامين لفائدة قضايانا المصيرية؟
  4. ما الذي تقوم به النقابات والهيئات المنتجة (الفلاحة/الصناعة/الصيد البحري/الصناعة التقليدية…) في علاقاتها الدولية مع مثيلاتها على مدار السنة لخلق توازن أو على الأقل حيادية إيجابية تضمن عدم اصطفاف الطبقة العاملة والمهنيين أو هيئاتهم ضد مصالح بلدنا وأمتنا…إلخ

إن قوى المجتمع المدني بأوربا والغرب عموما هي التي تتناوب على السلطة بالانتخابات عبر الأحزاب التي تمثلها أو تتعاطف معها أو تتقاسم وإياها الأفكار والتوجهات… فإن كانت علاقاتنا نحن كأحزاب وكقوى حية سياسية واجتماعية واقتصادية قوية وبناءة ومتكاملة وشفافة لضمنا استمرار الدعم والتأييد لقضايانا… فالمصالح الوطنية بعالم اليوم تكتمل مع المصالح الخارجية لدول ومنظومات أخرى… ومن هذا المنطلق لا يجب أن نعتبر الآخر عدوا أزليا لأنه اتخذ موقفا أو عدة مواقف ضدنا… بل نبحث عن أسباب ودواعي وخلفيات اصطفافه ضدنا وضد مصالحنا المقدسة… ثم نعمل من أجل المعالجة المتأنية والمتعقلة والمتسلسلة للإشكالات بهدف الوصول إلى ما يرضي الآخر ولا يضر بمصالحنا وتوابثنا… وعندما يتبين أن العداء متأصل ولا يمكن استئصاله نحافظ على خطنا الديمقراطي لإقناع الآخرين وتجنب السقوط في استفزاز شعوب الدول التي تستهدفنا بعض أحزابها أو قياداتها.

إننا اليوم ببلدنا مطالبون بالإجابة القوية والفورية على سؤال أية سياسة ديبلوماسية سنعتمد لتقديم وطننا للأخرين وللدفاع عنه بصورة مشرقة وحضارية وغنسانية تكشف العمق التاريخي وتعرف بالإرث والتراث والإبداع المغربي وتبرز المؤهلات والقدرات الإقتصادية والتنموية والاستثمارية والعلمية لشعبنا ودولتنا… وكيف نجعل كل القوى الحية ببلادنا منخرطة في صياغة وبلورة دبلوماسية رسمية وحزبية ومنتخبة وجمعوية ترقى وتملك القدرة على التأثير واستقطاب وخلق لوبيات قوية ومتعاطفة مع المغرب وقضاياه؟

وكيف نبرمج ميزانياتنا مع دعمها القوي لتنفيذ إستراتيجية الدبلوماسية الرسمية والشعبية مع إخضاعها للمراقبة والتقييم والتقويم حتى لا تتحول إلى سياحة سلبية أو سياسة مضادة لمصالح المغرب…؟