مقاربة شمولية، هوية بارزة، أداة متجددة

****************************

…من موقع الفيس بوك الخاص بادريس لشكر

يعيش الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية محطة من أهم محطات تاريخه النضالي و السياسي. و لا تكمن هذه الأهمية فقط في المستجدات الطارئة، على صيرورة مجتمعات المنطقة، في سياق ما يصطلح عليه بالحراك العربي، بل تتعدى ذلك لطرح أسئلة ضاغطة و ملحة على الحزب داخليا وخارجيا. أسئلة منها ما يتعلق بالذات الاتحادية في قوتها و ضعفها، نجاحاتها و تعثراتها، أشكالها في التعبير و في العمل، منظومتها الفكرية و أساليب ممارستها    .

كما أن هناك أسئلة أكثر سياقية، في ضوء الموقع الحالي للحزب في المعارضة، بعد أن ساهم في التدبير لفترة ثلاثة عشر سنة تقريبا. هذا الموقع يطرح سؤالا استراتيجيا، حول الجانب الوظيفي للاتحاد داخل المنظومة السياسية العامة. و هو الموقع الذي يتطلب منا تدقيق هوية الحزب حتى لا تُختزل المعارضة في المشاكسة البرلمانية. ولا سبيل لنا لتوضيح المهام المطروحة على الحزب، دون ضبط مواصفات حقل الصراع في مغرب اليوم، على ضوء مستجدات المشهد الحزبي المغربي، و ما يفرزه من فاعلين جدد أو متجددين، مستحدثين أو تاريخيين.

إن صياغة أجوبة واضحة على موضوع هويتنا  و مهمتنا التاريخية، و وظيفتنا السياسية، لا يمكن إنجازها في دائرة مغلقة، نحاور فيها ذاتنا بمعزل عن التراتب الجديد لمعطيات الصراع السياسي، و المؤسسي و الأيديولوجي. فموضوع الهوية ليس فكريا فقط بل إنه عملي كذلك لأنه سيمكننا من تكييف خططنا السياسية، عند أجرأتها و تصريفها في مجالات أساسية، مثل التحالفات السياسية سواء الاستراتيجية او السياقية او الموسمية، أو مجالات ثانوية في إطار التنسيقات و الاتفاقات الظرفية.

إن مؤتمرنا التاسع مطالب بمعالجة هذه الإشكاليات، من منظور التجديد و التغيير، و ذلك انطلاقا من السؤال الكبير المطروح بشكل ملح على كل القوى الحية، و هو سؤال المغرب كمجتمع، كدولة و كاقتصاد : إلى أين يسير المغرب؟ و إلى أي حد يمكن أن نتبوأ مكانة مؤثرة في حركية تطوره المستقبلي و ما هي متطلبات ذلك؟ و هي أسئلة في الأوراق التي حضرتها اللجنة التحضيرية و سيكون على كافة الاتحاديات و الاتحاديين مناقشتها داخل تنظيماتهم و التداول بشأن نتائجها في المؤتمر القادم.

في ضوء هذه الإشكاليات الضاغطة فان قيادة الاتحاد الاشتراكي مطالبة  بالتعاطي مع العمل السياسي بحنكة و عزم و قدرة صدامية، من اجل استعادة المكانة المعنوية للحزب الذي أصبح في حاجة لطاقات بشرية، و قدرات فكرية، و أدوات تنظيمية قادرة على الفعل و رد الفعل، بصوت واضح و مسموع لا محتشم و لا متهور؛ صوت الاتحاد الاشتراكي الذي يمسك بالإشكاليات المطروحة، بعيدا عن الأسلوب الدبلوماسي، المجامل و المستوي سياسيا، المحبوس في الشكليات و العقيم في الجوهر.

إن نظرة صريحة لتجربتنا السياسية و التنظيمية، تؤدي بموضوعية إلى خلاصة أساسية، هي أننا سجنا مشروعنا السياسي في حدود إكراهات البنية الفوقية، و تحملنا عبء النظام السياسي العام، كأننا حراسه المؤتمنين على استقراره و استمراريته.

و كانت نتيجة ذلك أننا تركنا مجال التعبير الحر و المستقل، و الرأي الصريح و الصارم لآخرين، و ظهر كأننا عديمي الموقف من القضايا الأساسية التي يطرحها المجتمع على نخبه. و ما زاد الأمر ضبابية و تعقيدا، أننا لم ننتبه للإيقاع الجديد الذي أصبح يطبع الحركة الاجتماعية.  فبدل استباق الأحداث أصبحنا نجري وراءها، و بدل تأطير القوى الفاعلة في المجالات الثقافية و المجتمعية بقينا حبيسي منطق الدفاع عن المواقع المكتسبة في الماضي. و التي تآكلت بفعل التحولات العميقة و الواسعة التي طرأت على التشكيلة الاقتصادية و الاجتماعية. و ترتب عن كل هذا نوع من الشلل والعقم في تجديد الرؤى، و حتى في تحيين المواقف و المنظومة الفكرية التي تنبني عليها.

إذا كنا نعيش اليوم اضمحلال نفوذ الحزب و تأثيره على توجه الأحداث، فذلك لأن نضالنا هو ما كشف أزمة التدبير، بعد ذلك تحملنا المسؤولية في تدبير هذه الأزمة ، و توغلنا في أزمة تدبير الأزمة، و هي الدوامة التي يتعين علينا اليوم أن نكسرها بصياغة أجوبة – وليس جوابا واحدا – قادرة على ملامسة تمظهرات الأوضاع في وحدتها و في تعددها. و لا شك أننا جميعا واعون بضرورة التحدث بلغة واضحة، و بدون مجاملة و لا تردد، آخذين بعين الاعتبار شيئا واحدا، هو مصلحة الوطن و مستقبله بالنظر للمستجدات التي تفرزها تطلعات المغاربة، هذه التطلعات التي قد تتحول لتصبح تهديدات تمس في الصميم مقومات التواصل بين الدولة و المجتمع، و تعصف بالمكتسبات في مجال الحريات العامة و الفردية، و تناسق السلط، و التوزيع العادل لثمرات النمو الاقتصادي، و تماسك النسيج الاجتماعي.

إن أخطر ما يتعرض له المغرب اليوم، هو سوء تقدير درجة الحرمان و رديفه المتمثل في التطلع للأفضل، فبقدر ما يمكن أن نعتبر أن الحرمان يجد طريقه للتعبير عن نفسه، بقدر ما تبقى صياغة التطلع للأفضل من مسؤولية القوى الحية، و في مقدمتها قوى اليسار و روافد الحركة الوطنية. لذلك يتعين علينا كحزب اشتراكي ديمقراطي أن نضطلع بمهمة صياغة و أجرأة منظومة فكرية و أيديولوجية و سياسية تتكون من بدائل مدققة، تقطع الطريق على مستغلي شقاء الناس أو فطرتهم، وحشرهم في مشاريع مدمرة على المدى الطويل.

وفي هذا الصدد نقترح أن تتولى الكتابة الأولى للاتحاد الاشتراكي تعبئة القيادات الوطنية و الجهوية و الاقليمية و المحلية، الترابية والقطاعية، و اشراكها في مهمة ومسؤولية تدبير شؤون الحزب بإرادة واعية و حضور متواصل على كل الأصعدة، بهدف تجميع القوى و استقطاب الطاقات الجديدة من نساء و رجال، فاعلين اجتماعيين و ثقافيين، مبدعين و اقتصاديين و مفكرين، وكل صانعي الفعل المهيكل، و ذلك في إطار برنامج تقوده أربعة أهداف أساسية :

أولا؛ انبعاث المشروع الاشتراكي الديمقراطي،

ثانيا؛ النهضة المغربية المتأصلة و المنفتحة على الإنسية العالمية،

ثالثا؛ التحرك المتميز في المجال السياسي و العمل من أجل تطوير المنظومة السياسية برمتها،

رابعا؛ اتحاد الغد : استعادة المبادرة في الفعل و الريادة في الموقف.

 

1-    انبعاث المشروع الاشتراكي الديمقراطي:

في تسعينيات القرن الماضي، تعرض المشروع الاشتراكي لهجمة قوية من طرف النمط الرأسمالي، حيث سادت أطروحة؛ “قليل من السلطة للدولة، و السلطة كل السلطة لقوى السوق”. و في هذا السياق حاولت الحركة الاشتراكية العالمية التأقلم مع هذا المد العارم عبر صياغة ما اصطلح عليه بالطريق الثالث الذي عرف أوجه مع تجربة الحزب العمالي البريطاني. و هو الطريق الذي لخصه زعيمه وقتها في مقولته الشهيرة :” ليس هناك سياسة يمينية و لا سياسة يسارية، بل هناك سياسة جيدة و سياسة سيئة”، بحيث توحي هذه المقاربة بأن اشتراكية الألفية الجديدة تحكمها البراغماتية و التحالف الاستراتيجي مع قوى السوق.

غير أن تجربة بعض البلدان في أمريكا اللاتينية مثل البرازيل و الشيلي و الأرجنتين، و في أسيا مثل الفيتنام، تؤكد أن الاشتراكية ابتكرت طرقا أعطت نتائج جد مفيدة. والسؤال الذي يطرح هنا هو : أين نحن من تلك الأطروحة التي صادفت كذلك تحملنا للمسؤولية في إطار التناوب التوافقي ؟

من المؤكد أننا كجزء من الحركة الاشتراكية العالمية مسائلون حول الطريق الذي يتعين إتباعه من الناحية البرنامجية :

·       ما هو المشروع الاقتصادي الاجتماعي الذي سيحقق التنمية الضرورية لبلادنا في هذه الظرفية بالذات، المتميزة بغياب أية رؤيا واضحة لدى الحكومة الحالية ؟

·        كيف يمكن تعبئة موارد جديدة ؟ وما هي قطاعات إنتاج القيمة المضافة ؟

·       ماذا عن توزيع الأدوار بين الفاعلين الاقتصاديين من دولة و مقاولات ؟

·       أين تكمن مَواطن الادخار و ما هي سبل تعبئتها ؟

·       كيف نواجه الاختناقات الحالية والمتعاظمة مستقبلا، و التي قد تشل  بصفة خطيرة نظام الحماية الاجتماعية ؟

·       كيف يمكن الحد من تدهور الموازنات العامة من ميزانية الدولة و ميزان الأداءات و ميزان التجارة ؟

·       ما هو النموذج البديل لسياسة الارتجال التي تطبع برامج محاربة الفقر و الأمية ؟

·       ما هي المؤسسات و الأدوات التي يتعين وضعها أو تفعيلها لصياغة سياسة إنتاجية ناجعة، في ضوء محدودية البرامج التي تم وضعها في قطاعات الصناعة و الزراعة و السياحة ؟

·       ما هي معالم منظومة تنمية الموارد البشرية خاصة في مجال التعليم و التكوين؟ الخ.

كل هذه المواضيع و غيرها تشكل إلى جانب تأهيل البنيات السياسية الفوقية، في ضوء الدستور الجديد و ما يحمله من مستجدات هيكلية بالنسبة لتوزيع و تناسق السلط على المستوى المركزي و الجهوي و المحلي، قضايا ملحة تستوجب الحل.

من بين الصعوبات التي تَعترِضُنا في المغرب حين ننكب على صياغة التصور العام للمشروع الاشتراكي تلك التي تجعل كل مقاربة للنمط الاشتراكي أمام إكراهين:

الأول : إنشاء و تفعيل الخدمات العامة المرتبطة بتيسير الإدماج الاجتماعي.

و في هذا الصدد لا بد من تسجيل التباطؤ الكبير الذي طبع السياسات العمومية بعد تجربة حكومة التناوب حيث أن الحكومات المتعاقبة لم تعد تميز بين المساعدة الاجتماعية و التنمية الاجتماعية. و بدل مواصلة الاهتمام بتقوية شبكات إعادة التوزيع و المؤازرة الاجتماعية ظلت خاضعة لمنطق التدخلات الظرفية في غياب تام للرؤيا الاستراتيجية، فكانت النتيجة فشل البلاد في الحد من الهشاشة و تدحرج رتبة المغرب فيما يخص مؤشر التنمية البشرية على المستوى العالمي. و إذا كانت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تعد خطوة إيجابية إلا أنها لن تحقق الطفرة الاجتماعية المأمولة بالمستوى المطلوب.

إننا نؤكد أن السياسة الاجتماعية المتميزة تكمن في وضع استراتيجية نوعية، تحدد مجالات التدخل بشكل دقيق لتكسر مسلسل التهميش و تطلق مساراً بنيوياً يقوم على ثلاث ركائز:

–        تقويم دور مؤسسات الحماية الاجتماعية بما يمكن من توسيع دائرة المنخرطين بها و تمنيعها من مخاطر الإفلاس،

–        وضع سياسة تمويلية تمكن من مأسسة التضامن الاجتماعي و ذلك عبر سياسة إعادة توزيع جديدة تُيسر تحويل الموارد لفائدة المعوزين و تستبق مفعول التحولات الديموغرافية و المجالية ،

–        فتح منابع جديدة لتنامي الاقتصاد الاجتماعي على مستوى الأنشطة الإنتاجية و على مستوى الخدمات التمويلية الصغرى (أو كما يصطلح عليه بالتبنيك المتوجه لذوي الدخل المتواضع).

 

الثاني : تحريك دورة الانتاج

من الواضح أن السياسة الاقتصادية و إن تمكنت من تأمين التوازنات ‘الماكرو-اقتصادية’ لم تفلح كثيرا في تحرير طاقات الانتاج رغم النوايا الحسنة التي طبعة البرامج الكبرى مثل مخطط الاقلاع الصناعي(Emergence)، و المغرب الاخضر و برنامج تطوير الصيد البحري (Halieutis) و المغرب الرقمي و رؤية 2020 للسياحة الخ. إن ما جعل هذه المخططات لا تف بوعودها، لا يعود إلى ضعف ما في صياغتها النظرية، بل هو من جهة الاصطدام بواقع ضعف رأس المال الوطني، و من جهة أخرى محدودية في تحقيق الإيقاع السريع المرتقب للتنمية.

فمن الواضح أن أهم الإنجازات المسجلة في العشرية الأخيرة تكمن في المجهود الهائل الذي بُدل على مستوى تقوية شبكة التجهيزات الكبرى بالنسبة للبنية التحتية. و هي إنجازات من صنع الاستثمار العمومي. ما يؤدي بنا للتأكيد على أن رأس المال العمومي مطلوب لتزعم دورة الإنتاج خاصة في المجالات التي يتمتع فيها المغرب بميزة تنافسية على المستوى الجهوي. هذا لا يعني أن القطاع الخاص لا دور له، على العكس من ذلك، إنما المطلوب هو وضع آليات جديدة تحدد الاستراتيجيات و توزع الأدوار و تُقَوم النتائج.

إن المشروع الاشتراكي الديمقراطي المتجدد يستهدف، من جهة، تقوية الوظائف الاقتصادية للدولة عبر الاستثمار المنتج و مصاحبة القطاعات الإنتاجية الأكثر استهلاكا لرأس المال أو المعرضة لمخاطر المنافسة الجهوية، و من جهة أخرى، خلق مبادرات مشتركة مع الرأسمال الخاص و دعم نسيج المقاولات الصغرى و المتوسطة. إنه مشروع مزدوج المقاربة : من جهة تشجيع المبادرات الخاصة، و من جهة أخرى ريادة الدولة في القطاعات الاستراتيجية.

إن المشروع الاشتراكي الديموقراطي في عالم اليوم، و خصوصا بمغرب اليوم، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار عدم رهن مستقبل الأجيال القادمة، و لذلك فإن أجرأته تحتاج لإرادة سياسية ملتزمة بتحقيق توزيع عادل للفائض الاقتصادي بين ما يهم تقليص رقعة الإقصاء و التهميش و ما يتجه نحو التراكم الاقتصادي. و من الناحية المذهبية فإنه مشروع يندرج في إطار منظور يعمل بمبدأ اقتصاد السوق و ليس بمجتمع السوق.

المشروع الاشتراكي الديمقراطي، يتطلب الابتعاد عن الحسابات الظرفية الضيقة، و يفرض المراهنة على تعبئة الطاقات التقدمية و الوطنية، المستعدة للانخراط في مسار تدريجي. و هو ما يتطلب القطع مع أساليب التردد و التدبدب. فلن يكون هذا المشروع مسموعا و قابلا للتصريف، دون وحدة الموقف  داخليا و خارجيا. و هو ما يتطلب منا طي صفحة السجالات المتنافرة و صراع الأنانيات، ونبذ أساليب الإقصاء.

لذلك نرى أن أولى الأولويات في المرحلة المقبلة، ستكون هي تجميع القوى المتشبعة بمبادئ المشروع الاشتراكي الديمقراطي، مع التأكيد على أن المنهجية المقترحة لبلوغ هذا الهدف، لا تقوم على توافقات فوقية بين القيادات، أو تصريحات موسمية،  بل إن المطلوب هو تكوين قناعات مشتركة حول الحلول المقترحة، لمعالجة الإشكاليات السالفة الذكر. فتجديد الرؤيا سيكون نتاجا لمقاربة تشاركية عبر مسلك تصاعدي، يمكن من استصدار مواقف و تصورات نابعة من الطاقات المتواجدة بالقواعد، حيث تجتمع النخبة و القاعدة، كي يتملك كل واحد الخلاصات التي ستكون هي أساس الالتزام العملي و الإشعاعي، بحيث يتحمل كل فرد نصيبه من المسؤولية دون تأثير أو استئثار.

 

2- النهضة المغربية المتأصلة و المنفتحة على الإنسية العالمية

لقد أدى تسارع التحولات الاجتماعية و الاقتصادية إلى إفرازات جديدة على مستوى البنية الديموغرافية و توزيعها المجالي، توقعتها و تنبأت بها و استشرفتها أدبيات الحزب و خاصة “التقرير الأيديولوجي” و وثيقة “أزمة المجتمع و البناء الديمقراطي”.

من نتائج هذه الإفرازات بروز نخب من نوع جديد هي في الحقيقة من صنع أزمة الحواضر التي لم تكن مهيأة لاستقبال وإدماج الطاقات البشرية سواء الناشئة أو الوافدة عليها، و التي كانت عرضة لتأثيرات متباينة نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر:

– الوسائط المستقطبة  للفئات المحرومة، والمستغلة للحرمان بإقامة شبكات زبونية تشكل مخزونا انتخابيا سريع التعبئة. إنها وسائط من عينة الأثرياء الجدد، والذين يتكئون على الحضور الموسمي الاجتماعي لنسج ولاءات محلية. لقد تجدر هذا الأسلوب في العمل السياسي، و المنقول عن منظومة الأعيان التي سادت في البوادي،

– إلى جانب هذا النوع الجديد من الوسائط هناك الفئات التي اتجهت إلى المرجعيات الدينية و السلفية. بعضها بسبب الأعمال التضامنية، و كثير منها بفعل تأثير الحركات التبليغية، و التي تنامت في سياق تكاثر الفضائيات و تدفق البرامج المعادية للحداثة و المستغلة لفطرة المشاهد.

لقد تمكن هذين النموذجين من الوسائط من استقطاب الفئات الأكثر هشاشة من الناحية الاجتماعية، سواء بفعل الحرمان الاقتصادي أو بفعل التدني الاجتماعي خصوصا منها النساء و الشباب باعتبارهما الأكثر عرضة للهشاشة.

هذا الوضع، ساهم بشكل حاسم في صنع ميزان قوة سياسي جديد لا يجب اعتباره عابرا. فبقدر ما يشير التأثير المتنامي لهذه الشبكات الزبونية على فشل، أو على الأقل محدودية، السياسات العمومية في تحقيق الإدماج الاجتماعي، بقدر ما يتضح أن  تأطير الحقل الديني، إن نجح على المستوى الفوقي، فقد ظل محدود التأثير على المستويات المتوسطة و الدنيا.

إن مقاربة واقعية للوضع الحالي، في نتائجه السياسية، ليست بالأمر اليسير ذلك أن الحركة الاجتماعية تم استقطابها إلى أطروحة الأزمة الأخلاقية، باعتبارها المتسببة في اضمحلال العمل السياسي و تنامي التفسخ السلوكي.

إن مواجهة الاتجاه المناهض للحداثة، لن يتم بتقمص لباس الدين أو تبني الخطاب التخليقي. فما سيهزم الوسائط الغير الديمقراطية في النهاية، هي الحركة الواقعية للمجتمع. هذا المجتمع الذي لا يختزل تطلعاته في ما تطرحه التيارات الدينية و السلفية، المساءلة بدورها – بعد أن أمسكت بدواليب الحكم – حول قدرتها و برنامجها و عملها على إيجاد حلول لمعضلة الاقصاء الاقتصادي و الاجتماعي. فالواقع المعاش لا يرتفع بمجرد الدعوة إلى التخليق، و المطالب لن تنته لأن “الأخلاق” ستسود فجأة بين الناس.

و لذلك فالمطلوب هو تنويع و تطوير أساليب الحضور الاجتماعي و دعم التنظيمات الجماهيرية. و تجربتنا في هذا المجال ستكون عنصر الفصل في الموقع الذي نتبوؤه كفصيل معارض أساسي.

يجب أن تكون قناعاتنا راسخة بأن النهضة المغربية منطلقها البعد الاجتماعي.  فكما تأثر المغاربة بثقافة الفضائيات جاء ،ما يصطلح عليه بالربيع الديمقراطي، لتحرير الطاقات الشبابية، فأبرز أنواع جديدة للتعبير، وفك قيود المحظور، و فرض تسريعا في وثيرة الإصلاحات، خاصة الدستورية منها، و التي كنا السباقين إلى طرحها أثناء أشغال المؤتمر الوطني الثامن.

غير أن الحركة العفوية بقدر ما كانت تحركها دوافع تحديثية، بقدر ما سهُل تحويلها عن غاياتها، بحيث تم استقطاب و استغلال دينامياتها في اتجاه غير حداثي.

لا شك أن المقاربات الجيوسياسية التي طبعت مواقف الغرب من الحراك العربي، و الهادفة إلى تطبيع العلاقة مع الحركات الإسلاموية تستدعي التأمل و التحليل. و في هذا الصدد فقد بدا واضحا أن الغرب يراهن على استدراج الأنظمة الجديدة إلى منظومة الشرعية الدولية، في كل عناصرها القانونية و الثقافية و المبدئية، والتي تجعل سيادة أية دولة رهينة بتوافر عنصري الشرعية الداخلية و الشرعية الدولية، و ما يلازمهما من متطلبات معيارية لقيام الاعتراف الداخلي و الخارجي.

بناء على ذلك فإننا كحزب اشتراكي ديمقراطي حامل لمشروع يجمع بين تأصيل المجتمع انطلاقا من  مرجعيته الدينية، و قيمه المجتمعية النبيلة، و بين الانفتاح على المنظومة الإنسية و الفكر التنويري، مطالبون بتوسيع رقعة الانخراط المجتمعي في مشروعنا المتفرد، بخصوصيته الجامعة بين الهوية و الانتماء للعصر. فالتجربة التاريخية للمغرب تؤكد أن بلادنا لم يسبق أن أغلقت أبواب الانفتاح على الحضارات الأخرى، بحكم امتدادها الأندلسي شمالا و الإفريقي جنوبا.

إن موقعنا الجغرافي في تقاطع الطرق بين مشارب حضارية مختلفة هو ثروة لا يمكن تبديدها أو تبخيسها بفعل الدعوة إلى مرجعية ماضوية تَبْتُر تاريخ الحضارة الاسلامية من ألمع فتراته الشاهدة على الدور المتميز للعلماء و المفكرين المسلمين الأوائل في الحركة التحديثية العالمية عبر نشره للعِلم الوضعي و الفلسفة العقلانية والفن و الإبداع. لذلك نعتبر أن كل محاولة تروم إلى تقليص رقعة المرجعية الحضارية للمغرب هي بمثابة بتر عضو حيوي من الجسد المغربي ،و بالتالي إضعاف مناعته الثقافية و تعقيم خصوبته الفكرية.

إن حديثنا عن الحضارة المغربية يعني الحديث عن المغرب كتجربة تاريخية في شموليتها، ،بمخزونها الثقافي المتنوع و تراكماتها الفكرية و الإبداعية و بمشاربها الأيديولوجية و أرصدتها المعرفية و ممارساتها التعددية المتنوعة.

إن المغرب بلد التعدد الذي لا يمكن اختزاله في بعد واحد، أو إعطاء الغلبة لبعد على آخر.  و إذا كانت الدولة الواحدة تشكل أعلى مستوى للتعبير عن تماسك عناصر التعددية، فإنها لن تُؤَمن دورها في صياغة و تدبير تناسق مستويات و مجالات التعددية إلا إذا تمكنا من صياغة تعاقد جديد لا يختزل في دستور 2011، الذي لا يمكن اعتباره إلا بداية لصنع منظومة كفيلة بدرء مخاطر المس بالحريات أو انتهاك التعددية الفكرية و الإبداعية ،أو الاستبداد بالقرارات السياسية، أو تهميش المشاركة الشعبية في صنع القرارات و مراقبة و محاسبة تدبير الشأن العام.

و في هذا الصدد، لا بد من استحضار تجربتنا التاريخية هذه، التي تؤكد أن العلاقة بين الدولة و المجتمع المدني كانت دائماً علاقة تعاون إلا في ظروف الاستبداد أو الاستعمار أو التعسف على التعبير الحر. و المجتمع المدني هنا ليس فقط المنظمات الغير الحكومية، و لكنه كذلك كل أشكال التنظيم الاجتماعي و الثقافي التي تساهم في التنشئة و التواصل التكويني و حماية وحدة الكيان. لذلك فان مشروعنا الاشتراكي الديمقراطي، يعطي لمؤسسات و تعبيرات المجتمع المدني دورا مركزيا في صياغة توازن ديناميكي بين منابع السلطة على المستوى المركزي و الجهوي ، والمستوى المؤسسي، و المستوى المجالي.

 

إن مشروعنا يقوم على خمسة ركائز : 

‌أ-      تقوية التماسك الثقافي:

تثمين المكونات الأمازيغية للهوية المغربية يعني أن الموضوع لم يعد هو صياغة مطالب بشأن الاعتراف، و لا درجة التعامل مع القضية الأمازيغية، بل إننا اليوم أمام ضرورة التسريع بتنزيل المقتضيات الدستورية المتعلقة بها، و ذلك وفق أجندة محددة. إن موقع اللغة الأمازيغية بوصفها لغة وطنية تطرح ضرورة تفعيل هذا المبدأ حتى تصبح اللغة في متناول كل المغاربة. فلا يعقل أن تكون اللغات الأجنبية سهلة الولوج و تحظى بدعم و برمجة رسمية في المنظومة التعليمية (وهو أمر إيجابي) في حين تظل اللغة الوطنية الأمازيغية دون أية إجرائية ترقى الى المستوى المنصوص عليه دستوريا و المتفق عليه سياسيا. إن إخراج المقتضيات الدستورية في هذا الباب إلى حيز الوجود ليس مجرد شعار أو فكرة مرتجلة. بل إننا نضعها ضمن مقاربة هويياتية تقدمية لها نتائج مؤسسية أكيدة يتعين التوافق حولها. فمنطلقنا هنا هو أنه لا يمكن أن نقر دستوريا بالأهمية الكبيرة للثقافة و اللغة الأمازيغيتين دون أن نترقب لهذا الموقف توابع و مستلزمات ستظهر عاجلا أم آجلا، خاصة على المستوى المؤسسي السياسي. ولذلك من الضروري الانكباب على المنحى الذي اختاره المغرب في مقاربة المسألة الثقافية، لكي نستشرفً شروط تصريفها بنجاح، و ذلك بوضع خارطة طريق تمكن من رفع كل الحواجز عن تنمية و ترسيخ الثقافة الأمازيغية كمكون هويياتي لجميع المغاربة، و تؤسس لكل مجالاتها في إطار الدولة الواحدة واللاممركزة. و في هذا الصدد لا بد من الانتباه إلى أن تعددية المشارب الثقافية التي أقرها الدستور ليست مجرد تِعداد لمساهمات متنوعة أفرزها تاريخ المغرب، بل إنها قد تفرز على المدى المتوسط مواقف تجعل كل فئة تعيش الهوية الوطنية من منظورها الخاص. و هذا بالضبط هو ما يحدو بنا في الاتحاد الاشتراكي إلى الدفع نحو تأهيل الحقل السياسي، ليصاحب و يستوعب هذه التطورات المحتملة، و التي يعتقد البعض أنه يمكن تخطيها بالاعتماد على المرجعية الدينية فقط. و الحال أن هذه المرجعية، رغم اختراقها للخصوصيات الثقافية و الجهوية، فإنها لا تلغيها، و لا يمكن أن تمنعها من الظهور. وكما هو ملاحظ في التجارب السياسية الجديدة، و التي أفرزها ما يصطلح عليه بالربيع الديمقراطي، فإن المرجعية الدينية هي بدورها مرجعيات متعددة، وهي ليست لاغية للمسألة الثقافية. و عليه فكلما تقدمنا في وضع خطة تدريجية لأجرأة مبدأ ترسيم اللغة الأمازيغية، كلما تمكنا من تحقيق الطفرة النوعية المأمولة.

‌ب-  تفعيل البعد الجهوي:

إن تفعيل مقتضيات الدستور ينذر بتحولات بنيوية، خاصة بالنسبة لإنتاج النخب و تراتبية السلط و تصريف المشروع الاقتصادي التنموي. و سيكون تنظيم المجال الترابي – في إطار الجهوية – عنصرا أساسيا في التحولات المرتقبة  في العشرية المقبلة. و حزبنا مطالب بتنزيل برامجه السياسية و الثقافية على أرض الواقع آخذا بعين الاعتبار البعد الجهوي، و ذلك تحت شعار : “مرجعية اشتراكية ديمقراطية واحدة، و منظومة تأطيرية متعددة”. و هذا يقتضي ابتكار أساليب تنظيمية جديدة على كل الأصعدة، عملا بمبدأ التأقلم المستمر مع الخصوصيات المحلية و مواكبة الابتكارات المتسارعة للحركة الاجتماعية و الثقافية.

إن السياسة الجهوية في حاجة ليس فقط إلى مؤسسات منتخبة ذات صلاحيات تنفيذية، بل إننا و في إطار مشروعنا الاشتراكي الديمقراطي يجب أن نعمل على أن لا تُختزل فكرة ومقاصد الجهوية المتجددة في مسألة البنية الفوقية. بل يجدر بنا  أن نضع لكل جهة مشروعا اجتماعيا مجاليا، الهدف منه صياغة برامج تنموية تشاركية تفتح الفرص أمام الفاعلين المحليين لتملك المقترحات المتعلقة بالميادين الاجتماعية و الثقافية و البيئية.

و في نفس السياق، و انخراطا مننا في مقترح الحكم الذاتي، كحل عادل و دائم لقضية الصحراء المغربية، فإننا مطالبون باقتراح وسائل تدبير محلي جديدة تتناسب و تطلعات الساكنة. من الضروري اليوم، إشراك جميع الفاعلين المحليين (منتخبين، جمعيات، نقابات، أحزاب و سلطات) في تحديد النموذج الأنسب لتحقيق النهوض الاقتصادي و الاجتماعي بأقاليمنا الجنوبية، و القطع مع ممارسات الماضي المبنية على التحديد المركزي للسياسات التنموية و تصريفها عبر القنوات التقليدية للتشاور. هذه القنوات، و إن كانت ناجعة في وقت ما، فإنها قد أثبتت محدوديتها في تأطير و توجيه المجتمع خاصة في ظل مقترح الحكم الذاتي.

إن الحزب لا يمكن أن يظل حبيس الأساليب الماضية و التي تعتمد على تدبير عمودي لخطته و برنامجه السياسي، بل إنه مدعو للسبق بتدشين منهجية تشاركية تفتح مجالات للنقاش و الحوار حول قضايا و هموم و تطلعات المواطنين انطلاقا من القرية و الحي و وصولا إلى الجهة. و ذلك بإيلاء التنظيم الجهوي أهمية خاصة و تمكينه من كل الصلاحيات في التدبير و إدارة الحزب على المستوى الجهوي.

‌ج-   تسخير أنماط التواصل و الإعلام الجديدة:

إننا في زمن السرعة و المعرفة الافتراضية و الشبكات التواصلية الموازية للبنيات الاجتماعية. و الظاهر أننا في بداية ثورة من نوع جديد، لا تتحكم فيها آليات التنشئة التقليدية، برغم أن هذا لا يعني نهاية هذه البنيات لسبب بديهي، و هو أن هذه المؤسسات التقليدية مثل الأسرة و المدرسة و الحي و الجمعية و مقر العمل و المسجد و غيرها، كلها منابع مغذية للشبكات الاجتماعية الافتراضية. غير أن الجديد هو عنصر السرعة في التواصل، و الذي أصبح ينافس القنوات القديمة في الاتصال مثل الصحافة المكتوبة و السمعية-البصرية.

المقولة التي تقول ” إن العالم أصبح قرية صغيرة”، تعني أن المسافة الجغرافية لم تعد عنوانا على المسافة المعرفية و لا الثقافية. إننا في صلب حرب للمواقع الإلكترونية بمواصفاتها الولوجية الواسعة المتاحة للجميع، دون تمييز بين الأعمار ولا الأجناس. و هو ما يعطي لبعض الإشكاليات، كالتكافؤ بين الرجل و المرأة، و إدماج الشباب في الحياة العامة، صيغا جديدة سِمَتُها  الأساسية تعاظم التطلعات و ملحاحيتها.

‌د-     القضية النسائية في قلب صراع المشاريع المجتمعية:

اليوم أكثر من أي وقت مضى تبرز المسألة النسائية في صلب إشكالية التحديث المجتمعي و السياسي. سواء تعلق الأمر بدورها في البنيات الاجتماعية، مثل الأسرة، أو في ما يتعلق بتراتبية المواقع داخل المجتمع، أو بالنسبة للمساهمة في مجال الإبداع الاجتماعي و الثقافي، أو في ميادين صياغة القرارات المهيكلة للسلط السياسية و القانونية و الاجتماعية.

إن المرأة المغربية في قلب صراع المشاريع المجتمعية المتباينة، و لذلك لا يمكن للمشروع الاشتراكي الديمقراطي أن يتقدم و يكتسح مجالات جديدة، دون أن تتبوأ  النساء، داخل الحزب و الحركة الجماهيرية، مكانة ريادية. لذلك فإن برامجنا التنظيمية و السياسية المقترحة يجب ان تعرف تسريعا ملموسا لإدماج المرأة في الدواليب التقريرية للمشروع المجتمعي الحداثي، و ذلك عبر توسيع دائرة الحقوق، و فتح مجالات المعرفة، و تشجيع الإبداع و الابتكار الاجتماعي و الثقافي، و رفع المعيقات المادية و المعنوية لانخراط النساء في بناء المجتمع الحداثي.

لقد كنا سباقين في حكومة التناوب التوافقي الى طرح مبدأ الكوطا، و نجحنا في ذلك. غير أننا اليوم نستشعر مخاطر قد تعصف بالمكتسبات. إننا نقول بصوت مرتفع، أن حقوق المرأة و دورها مع الرجل، و على قدم المساواة، لن يقبل أي تراجع، و لا يمكن أن يخضع لتصورات أيديولوجية منافية للتوجه الذي اختارته بلادنا، و القاضي بالالتزام بالمواثيق و المعاهدات الدولية المنعشة لدور المرأة في المجتمع و الحامية لحقوقها المادية و المعنوية.

إننا عازمون على العمل من أجل التطبيق و الإعمال الديموقراطي للدستور، و الإسراع   في إحداث هيأة المناصفة و مكافحة كل أشكال التمييز، و إخراج قانون لمناهضة العنف ضد النساء يضمن الوقاية و الحماية من جهة و عدم الإفلات من العقاب من جهة أخرى، و إصلاح القوانين الجنائية، المدنية، التجارية، الشغل إلخ.، و على الخصوص مدونة الأسرة، بما يضمن مبدأ المساواة بين الجنسين.

‌ه-     إدماج الشباب في الفعل السياسي و المجتمعي:

إن أساليب إدماج الشباب في الحياة العامة تغيرت، بحيث أصبحت واقعا في الحقل الافتراضي، فكيف يمكن أن تظل افتراضية في الحقل الواقعي؟ و حتى لا نستخلص من هذا التطور أننا أمام خيار ما، في مقاربتنا لمسالك التأطير السياسي، بين الطرق التقليدية و الطرق والمستحدثة، فإننا  نقول أن الثورة الرقمية اليوم هي التربة التي تنبت فيها أساليب التنظيم و إنتاج الفكر و صنع و ترويج الخبر و صياغة الفعل قبل خروجه إلى أرض الواقع.

بناءً على هذا التحول الهائل، فإن المسألة التعليمية أضحت من الأولويات التي لم يعد ممكننا التعاطي معها من منظور ميثاق التربية و التكوين، الذي تقادم في جوانب عدة من مخططاته. إن معالجتها تتطلب تجديد الرؤى سواء على مستوى بنيات أو مناهج أو مضامين التكوين، مع الأخذ بعين الاعتبار التوجهات الحديثة في المنظومات التعليمية على المستوى العالمي. إن المنظومة التعليمية مدخل، في نظرنا، لتأمين المناعة الثقافية و الاندماج الاجتماعي. و الحزب لا يمكن أن يكون متخلفا عن هذه الثورة التي هي عنوان الحداثة بامتياز.

 

3- التحرك المتميز في المجال السياسي و العمل من أجل تطوير المنظومة السياسية برمتها

يسود إحساس شبه عام لدى المناضلات و المناضلين بأن الاتحاد الاشتراكي في حاجة إلى خط سياسي واضح المعالم، و دقيق بما يكفي ليُؤَمن له هوية بارزة المواصفات، تشكل عناصرها المتباينة منظومة متناسقة يسهل على العموم ملامستها. إننا حزب اشتراكي ديمقراطي، قيمه التكوينية هي التضامن و التكافل و العدالة الاجتماعية و إنتاج الثروات في إطار التنمية المستدامة. و هي القيم التي نتقاسمها مع الحركة الاشتراكية الديمقراطية العالمية. فمرجعيتنا الأممية هي مدخلنا كفاعلين على الساحة الدولية انطلاقا من تشبعنا بالمنظومة الإنسانية. هل هذه المرجعية الكونية مزعجة أو منافسة أو متضاربة مع الهوية المغربية أو الحضارة الإسلامية ؟ هل هي كما يقولون “علمانية”، و بالتالي نقيض للمقومات الدينية؟ لا بد من الرد على الادعاءات التضليلية، التي لا نشاطر أصحابها اختزال الدين الإسلامي في بعد واحد هو الأصولية المتحجرة.

إننا – و في إطار التوضيح – نضع هويتنا الحداثية في امتداد الفكر الإسلامي العقلاني، و هو الأمر الذي يعني رفض المقاربات التي تدعي أن سبب ما يوصف باضمحلال الحضارة الإسلامية يعود إلى شيء يسمونه التخلي عن المنظومة التي أفرزتها فترة الأسلاف الصالحين. إننا نقول لهم، إن ما يقترحون كنموذج لا يمكن أن يعيد إنتاج التجربة التاريخية السابقة، بل إنه يؤدي إلى التعصب، و الاستبداد بفرض هيمنة الرأي الواحد، و في النهاية تشجيع التشيع و التطاحن العنيف و التهميش عن التاريخ الحديث. و تشهد عدة حالات على ما أدت إليه الحركات الأصولية من انتكاسات بالنسبة للوحدة الوطنية و البناء المجتمعي.

إن خططنا السياسية ستظل وفية لتاريخنا السياسي، الذي يجعل من البناء الديمقراطي مشروعا مجتمعيا شموليا محاوره الأساسية كالآتي :

§       تنزيل الدستور عبر قوانين تنظيمية متقدمة تعطي النص التأسيسي المدى الذي يفتح المجال أمام  قفزة نوعية في البناء الديمقراطي، خاصة منها تنمية الجيل الجديد من حقوق المواطنين و المسئولية تجاه الأجيال المقبلة؛

§       تنظيم سلطة الدولة و أجهزتها انطلاقا من مبادئ فصل السلط ومراقبتها، وسيادة كلمة الشعب عبر الانتخاب الحر و النزيه و المحصن من تدخل اللوبيات، وسيادة القانون فوق كل السلط، و ذلك بإخضاع الجميع للمحاسبة على انتهاك المساطر و النصوص الضامنة للحريات الفردية و الجماعية و الحامية لحرية التعبير؛

§       مواصلة الإصلاحات الدستورية للوصول إلى إقامة ملكية برلمانية ديمقراطية و اجتماعية؛

§       إصلاح منظومة العدالة بما يحقق الاستقلال الفعلي للقضاء و دعم دور المؤازرة القضائية؛

§       توطيد مقومات المناعة الوطنية و حماية الوحدة الترابية و الوطنية؛

§       تنويع أساليب المشاركة الشعبية في صنع القرارات؛

§       حماية الحريات النقابية و الجمعوية و إلغاء عقوبة الإعدام و نبذ أساليب التعذيب، و ضمان المحاكمة العادلة;

§       التشبث بالبناء المغاربي كمشروع استراتيجي كفيل بانخراط منطقتنا في الشراكة المتوسطية و إحداث طفرة اقتصادية حقيقية؛

§       مواصلة الانخراط في المواثيق الدولية المؤهلة للأنظمة السياسية و الحقوقية و الثقافية و الجماعية و البيئية و المساهمة في استتباب الأمن الجهوي و الدولي.

إن هذه المحاور التي نسوقها على سبيل المثال لا الحصر يمكن أن تشكل قاعدة لتكوين جبهة ديمقراطية مع القوى الوطنية و في مقدمتها قوى اليسار. إن حزبنا من موقعه الحالي، يحمل على عاتقه مهمة إصلاح النسق السياسي الحزبي، لكي تسترجع الممارسة السياسية نبلها و جاذبيتها بالنسبة للقوات الصاعدة. و في هذا الصدد فإن أبواب الاتحاد الاشتراكي مفتوحة أمام الحركة الجماهيرية الشبابية المطالِبة بالتخليق و الإصلاح. ونحن لن ندخر جهدا لبلوغ هذا الهدف، سواء في المجال السياسي أو النقابي أو الجماهيري عموما.

لقد شهد المغرب نقاشا مفتوحا و واسعا حول الاصلاحات السياسية و المؤسسية و هو ما يشكل في حد ذاته نقلة نوعية في الفضاء السياسي. لقد سقطت الطابوهات، و أُطلق العنان للتعبير الحر، و أثر كل هذا في صيرورة الإصلاح. و لا بد أن نقول بأن باب النقاش لا زال مفتوحا، و لا يمكن للاتحاد أن يتخلف عن القيام بدوره في إغناء هذه الصيرورة بتجربته و حنكة مناضليه. إن البلاد في حاجة للنطق بالكلمة الجريئة الملتزمة و التي لا يُطلب منها شهادة حسن سيرة كي تُسمع من أي جهة كانت. و في هذا الصدد لا بد من الرد الصارم على كل من يتخيل بأن الاتحاد في حاجة لنبراس خارجي يقود تفكيره أو مواقفه أو عمله.

إن الموقف المستقل ليس مطلبا بل إنه أمر حيوي. و ما يؤمن استقلال القرار هو وضوح الخط المذهبي و السياسي و الجرأة في الدفاع عن قرارات الحزب في كل محطة محطة، و المحاسبة المستمرة للقيادة التي لا تتصرف بموجب تفويض بل بحكم دفتر للتحملات ينص على الأهداف و يحدد الوسائل و يضبط تقويم النتائج. و هذا يعني أن قيادة الاتحاد في المحطة المقبلة يجب أن تكتسي طابع الزعامة الجماعية فالمنتظر هو استرجاع زعامة الحزب داخل المجتمع و ليس إفراز زعيم أو زعماء داخل الحزب. إن الاتحاد الذي سينبثق عن المؤتمر التاسع لا يمكن أن يعيد إنتاج أساليب في التعبير و الفعل داخله لا تتناسب و تطلعه نحو التحديث و الدمقرطة. إن رهان المؤتمر التاسع هو التجديد في إطار الثوابت و أهمها هو أن يعلم الجميع بأن اتحاد اليوم هو ذلك الحزب الذي جعل من النضال من اجل الديمقراطية و التحرير عنصرا بنيويا في تشكيل كينونته.

و إذا لم نعمل بمبدأ الجرأة في الخطاب و الإقدام في الحركة، فإننا سنكون قد تخيلنا عن هويتنا و عن ديمومة رسالتنا. فقيادة الاتحاد إما أن تكون مِقدامة أو لا تكون. الحركة الجماهيرية تنتظر منا أن نُهيئ إطارا لاستقبال الرأي الديمقراطي و الحداثي المتميز، مهما كلف ذلك على المدى القريب. فالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لن يحيا إلا على كلمة الحق و لن يسمو إلا بحمل هموم و تطلعات الجماهير الشعبية.

المطلب الديمقراطي اليوم واضح، تتوسطه إشكالية تطوير المنظومة السياسية برمتها بما فيها المؤسسة الملكية. و نحن الذين ناضلنا عقودا عديدة من أجله، أدرى بمتطلبات ذلك و خاصة عندما يتعلق الأمر بالتدرج نحو الملكية البرلمانية. نحن، الاتحاديات و الاتحديون، بوعينا التاريخي نقول أنه يتعين التخلص من الطقوس و العادات المخزنية، و توضيح أكثر لتراتبية السلط و توزيعها. إننا بقولنا هذا، لا نساير نوعا من الموضة الخطابية، بل إننا نضع مطلبنا هذا ضمن مقاربة تاريخية تَعتبِر أن الملكية اليوم فاعل أساسي في المشروع الحداثي بقدر ما كانت بالأمس عنصرا حاسما في المشروع الوحدوي و قبله المشروع التحريري.

التغيير و الابتكار المجتمعي يتم عبر قناتين : إما أنه ينبثق من القاعدة عبر نضج التحولات الاجتماعية و الثقافية، أو من القمة عبر تدخل الدولة في سن قوانين و ضوابط تحديثية. إن تجربة المجتمعات النامية شاهدة على ضرورة تدخل سياسة و أجهزة الدولة في مسار التحديث. لذلك فحين نقول بضرورة تطوير نظامنا الملكي فإننا نربط هذا بتحليل مفاده أن ملكية عصرية أنجع من ملكية تقليدية في الدفع بالتحديث السياسي و المجتمعي. إن مطلب الاصلاح يجب أن لا يظل محبوسا في مقاربة معيارية قانونية بل يجب أن يسمو إلى المستوى التاريخي كي يكون التأهيل الديمقراطي شموليا و غير قابل للانحراف عن مقاصده الحداثية. فالملكية في بلادنا تقف على رجلين : من جهة إمارة المؤمنين التي تسهر على تأمين وحدة العقيدة و المذهب، و من جهة ثانية على تحفيز و مصاحبة دينامية التحديث.

إننا سنكون قد دشنا لعهد و تعاقد جديد إذا تمكن كل فاعل، من موقعه، من إقامة توازن ذكي و فعال بين المكونات الأصيلة للحضارة المغربية و انفتاحها على منظومة القيم الإنسانية الكونية.

إلا أننا لن نبلغ هذا الأفق اذا لم ننتبه إلى استراتيجيات الفاعلين السياسيين تجاه الدولة. و في هذا الصدد فإن الدولة بُعدين : أجهزة الدولة التي يمكن أن يلجها الفاعلون السياسيون عبر صناديق الاقتراع، و سلطة الدولة التي يجب أن تخضع للمقومات التأسيسية لدولة الحق و القانون، و نعني بها الكتلة القانونية و المبدئية التي لا تتأثر بتغير الأغلبيات الانتخابية، و في مقدمتها الوحدة الوطنية و الترابية و الخيار الديمقراطي. إنها كتلة مرجعية، لا شك أنها قابلة للتطور في أفق توطيد الحقوق الفردية و الجماعية و الانخراط الأوسع في منظومة المبادئ المنصوص عليها في الاتفاقيات الدولية. فقوة هذه الكتلة هي التي تمنع المنافسة السياسية من أن تتحول الى إقصاء سياسي، و التفوق الانتخابي إلى هيمنة مؤسسية، و سلطة الدولة إلى استبداد شمولي، و الصراع السياسي إلى شقاق مجتمعي.

إننا مطالبون بمواصلة النضال من أجل توسيع و تقوية هذه الكتلة التي تمنح المشروعية للحاكمين أو تنزعها عنهم اذا تخطوا حدودها أو انتهكوا حرمتها. إن الدستور بوصفه الإطار الجامع لمكونات هذه الكتلة القانونية و القيمية هو المرجع الذي يتعين على بلادنا أن تحسم في مكوناته الأساسية في الأجل المنظور حتى تتوضح للأجيال الصاعدة الآفاق المستقبلية للانخراط في تشييد مغرب الغد.

 

4- اتحاد الغد : استعادة المبادرة في الفعل و الريادة في الموقف

في فترات متعددة من تاريخ حزبنا وجدنا أنفسنا أمام سؤال تقييم التجربة و النقد الذاتي.فكان لكل فترة خصوصيتها:

§       في المؤتمر الثاني، سنة 1962، طُرحت مسألة الهوية و كان التقرير المذهبي، الذي أعده الشهيد المهدي بن بركة، أول و أهم محاولة للإجابة عن الهوية بطرحه الاختيار الثوري كأرضية أيديولوجية وبسط نقد ذاتي للتجربة الحزبية. في سنة 1965، طُرح موضوع التنظيم، و جاءت المذكرة التنظيمية لإرساء قواعد التنظيم الثوري على نمط المركزية الديمقراطية، و قامت الحركة التصحيحية التي قادتها اللجنة الإدارية في يوليوز 1972 و فصلنا في موضوع وحدة القيادة و وحدة التوجيه.

§       شكل المؤتمر الاستثنائي سنة 1975 طفرة نوعية مفضلا اجتناب الخوض في تفاصيل التجربة الاتحادية و التركيز على تدقيق الخط الأيديولوجي، و حل المؤتمر الثالث سنة 1978 لإقرار خط سياسي رادكالي ينشد إقامة ملكية برلمانية و جدد المؤتمر الرابع سنة 1984الصلة بالاجتهاد الفكري عبر وثيقة “أزمة المجتمع و البناء الدمقراطي” التي ظلت معلقة،

§       كان المؤتمر الخامس، سنة 1989، مؤتمر أزمة تخلخلت فيها بنية الحزب باقتحام الحركة النقابية حلقة الصراع الحزبي الداخلي. و خلال كل هذه المحطات كانت أبواب الولوج إلى القيادة موصدة حيث كانت الفعاليات الشابة تصطدم بجدار المشروعية التاريخية. ولم تفتح نافذة المشاركة في الجهاز القيادي إلا في المؤتمر السادس سنة 2001 الذي حل و الحزب يدشن منعطفا كبيرا في تاريخه عبر تحمله مسؤولية التناوب التوافقي.

§       انعقد المؤتمر السابع سنة 2005 الذي أدى إلى كشف أزمة تقاطع السياسي و التنظيمي. و لم نحسم لافي هذا و لا في ذاك حتى تفجرت إشكالية مشروعية القيادة و هو الأمر الذي فتح النقاش حول موضوع التجديد الهيكلي لنمط تدبير شؤون الحزب و خطه السياسي. خاصة بعد إنتخابات 2007 وما تلاها من نقاش حول الجدوى من استمرارنا في العمل الحكومي من عدمه، والذي انعكس على الشوط الأول من المؤتمر الثامن الذي تأكد عجزه عن تجديد المشروع السياسي  وهو ما تم تجاوزه في الشوط الثاني من المؤتمر بسحب المشاريع التي لم يصادق عليها والتوافق على الأرضية السياسية والبيان العام. و تأكد للجميع أن تقويم دور الحزب في المجتمع لم يعد شأنا داخليا للاتحاديين فقط، بل أصبح يهم كل فئات المجتمع التي أصدرت حكما قاسيا في حقه. و لا نَعني هنا نتائج الانتخابات، بل إن أخطر ما يتعرض له الحزب هو النقد اللاذع الذي يصدر عن النخبة التي تلعب دورا أساسيا في تكوين الرأي العام.

إن استحضارا سريعا لبعض المحطات التي مر منها حزبنا، يبين أننا تطرقنا لمسألة تقييم التجربة في كل المؤتمرات و كل اللحظات الأساسية لمسارنا التنظيمي. و في كل مناسبة نؤدي بشكل أو بآخر ثمن المكاشفة غاليا. حيث أننا نظهر و كأننا نقوم بذلك التمرين لأول مرة، ناسين أو متناسين تراكمات النقاش الحاد الذي صاحب كل المقاربات المتباينة. في مؤتمرنا التاسع، نحن مطالبون باستحضار كل مغازي النقاشات السابقة آخذين بعين الاعتبار أننا لسنا بصدد هدم كل شيء لإعادة بناء كل شيء.

إننا بصدد صياغة أجوبة على أسئلة تطارد كل مناضل في كل المواقع التنظيمية و السياسية و المجتمعية. و من ثمة يتضح أنه من بين المهام الأساسية المطروحة هو أن لا نجعل من موضوع بناء الحزب و تقييم التجربة، موضوع شقاق و تنافر. نحن نَنْشُدُ ملامسة الواقع الحزبي من منظور تقريب الرؤى و رص الصفوف. كذلك فإن تفحص التجربة لا يمكن أن يكون مُوَفقا إذا اقتصر على قراءات فردية لأن هذه الأخيرة تبقى جد ذاتية متأثرة بتجربة الأشخاص وليس بالتجربة الجماعية، الشيء الذي يجعل مثل هذه القراءة الفردية عرضة لإسقاط التمثلات الشخصية على الواقع الذي أفرزته تجربتنا المشتركة.

إن المؤتمر يعتبر لحظةَ التعبير الحر و الملتزم و كذلك فرصةَ التقوية و التلاقي حول الأساسي. إننا نناشد الجميع لنضع اليد في اليد كرد على أساليب الإقصاء التي سادات في أوقات سابقة. بالمؤتمر التاسع سينتصر المنظور النضالي و الوحدوي على المنظور الانتظاري و الموقف التشاؤمي. ففي كل تراكمات تاريخ الاتحاد نجد مدخرا من الدروس التي ستساعدنا على فتح المسالك الفكرية و العملية المؤهِلة لتجميع القوة و تعبئة الطاقات المبدعة و الصانعة للجديد المنتج. إن هذه الطاقات هي حليفنا في المشروع المُجَدِد و التحديثي للحزب. فالحادثة تبتدئ باعتماد منهجية عقلانية في مقاربة تجربتنا و عند صياغة البدائل الكفيلة بتحقيق نقلة نوعية تُدَشن لعلاقة جديدة بين المناضلين من جهة و بين الحزب و المجتمع و نخبه التقدمية من جهة أخرى.

كثيرة هي التحاليل التي تُرجع أزمة العمل السياسي، و تباطؤ مسار البناء الديمقراطي، إلى تقهقر الحضور الاتحادي في ميادين الصراع الفكري و الإيديولوجي، و تخلفه عن مواكبة و قيادة الحركة الاجتماعية الواقعية. و الاتحاديات و الاتحاديون، يشاطرون خلاصات هذه المقاربات، بل إن أصواتا متعددة تطالب –أكثر من هذا- بإحياء الفكر الاتحادي و العودة بقوة إلى الساحة النضالية. إنها مسؤولية ملقاة على عاتق القيادة الجديدة التي عليها أن تتحلى بالحنكة و القتالية، وأن تدشن الطفرة النوعية التي يتطلع إليها المناضلون و المتعاطفون و الفئات الشعبية بصفة عامة. و البداية يجب أن تكون من إفراز قيادة متماسكة و متحدة حول التوجهات التي ستصدر عن المؤتمر وعن الهيئات المقررة الوسيطة. و على القيادة المنبثقة عن المؤتمر أن تكون عملية و حاضرة و مداومة على السبق و الرد و المبادرة. إنها في نظرنا قيادة و ريادة؛ قيادة تُحدث تغييرا نوعيا في التعاطي مع المطالب المجتمعية و في تدبير الشأن الحزبي.

من حيث التدبير الحزبي، على القيادة المقبلة أن تحدث قطيعة حقيقية مع طُرق الإدارة و التسيير من حيث تأهيل الموارد البشرية، تحديث الهياكل الإدارية، تفعيل الحكامة في التسيير بما في ذلك إخضاع ميزانية الحزب للافتحاص السنوي و تصفية الوضعية القانونية لكل ممتلكات الحزب، الخ.

على الصعيد الإعلامي، نحن مطالبون بدعم الإعلام الحزبي الداخلي و الصحافة الحزبية و تأهيلها لتحتل مكانة متقدمة في المشهد الإعلامي الوطني. فالاتحاد حزب التواصل و الحضور المستمر و الناجع في كل المنابر : هذا هو ما سيساهم في قطع الطريق على المغرضين الذين يبتغون النيل من صورة الحزب داخل المجتمع. فلا بد أن نعي أن الاتحاد معرض بشكل خطير لحملات تنكيل الهدف منها تيئيس الرأي العام من العمل السياسي الملتزم و مضايقة التعبئة الجماهيرية من طرف القوى التقدمية. لا يمكن للحزب أن يخسر المعركة الإعلامية التي تبقى من بين التحديات المطروحة بإلحاح على القيادة الحزبية و في كل المستويات.

مصاحبة الطبقة العاملة عبر حركتها النقابية المناضلة في تطوير موقع قوة العمل داخل دورة الانتاج و في منظومة التوزيع العادل لفوائد التنمية الاقتصادية. و في هذا الصدد فإن حزبنا سيكون بجانب دينامية التقارب بين مكونات الحركة النقابية اليسارية و وحدة العمل النقابي الذي يشكل بالنسبة لنا صلب الحركة الجماهيرية المتجهة نحو التحديث و الديمقراطية.

على الصعيد الدولي، فإن حزبنا الذي يحظى بحضور هام على الساحة العالمية يعتبر من الروافد الأساسية للحركة الاشتراكية الأممية و التي تساهم في صنع التوازنات الناجعة و الحاسمة مع النزعة الشمولية لقوى السوق. لذلك فالقيادة ستكون مدعِمة للتواجد الحزبي على الساحة الدولية و في ذلك إشارة للجميع على انخراط بلادنا في القيم التقدمية و التحررية الكونية.

من حيث الأنماط التنظيمية، فالاتحاد الاشتراكي حزب ذو تجربة طويلة و متنوعة في صياغة أنماط متقدمة مكنته من إنجاز الكثير في مجال تحديث أشكال التعبير و العمل و السلوك الحزبي في بلادنا. و لعل ما يميز تجربتنا أكثر هو قدرتنا على ابتكار مناهج كانت دوما عنوانا على الحداثة. و ليس بغريب ان تكون المسألة التنظيمية دائماً في صلب الإشكالات التي تباحثنا و تجادلنا و تصارعنا حولها و كانت النتيجة دوما هي مقاومة المقاربات المحافظة. و لم يقتصر عملنا الدؤوب في سبيل التحديث التنظيمي على تطوير أساليب و أشكال الحضور الحزبي في الساحة النضالية، بل يلاحظ أن مناهجنا أثرت في المشهد الحزبي العام في المغرب.

نحن اليوم بصدد تحولات سياسية و مؤسسية عميقة في البلاد، و لا يمكن أن نصاحبها و نؤثر فيها دون إدخال ابتكارات على مناهجنا، و ذلك عبر الأخذ بعين الاعتبار ما يحمله مجتمع التواصل من مستجدات في مجال التعبير و التعبئة و الفعل و التوجيه. مما يستدعي ادماج مداوم في كل مقر حزبي متمكن من طرق التواصل الحديثة.

 

إن الثورة الرقمية توفر لنا فرصة ليعم العمل العقلاني و الحضور المتواصل كل فضاءات التنظيم الحزبي عموديا و أفقيا. و في هذا الصدد سيكون علينا أن ننكب و بسرعة على وضع خطة رقمية مع جدولة زمنية يكون أمدها الأقصى ستة أشهر قبل انطلاق الانتخابات المحلية و الجهوية. كما سيكون علينا حل مشكل المقرات بدءاً من الجهات التي لا بدا أن نوفر لكلٍ منها مقرا وصولا الى الأقاليم و الفروع. وأخيرا لا بد من مرجعة جدرية لطريقة عمل تنظيماتنا القطاعية خاصةً الشبيبية والنسائية.

إن الانبعاث الجديد للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لن يتحقق بالمشروع المجتمعي والخط السياسي والبرامج والأفكار وحدها، بل يحتاج إلى رجال ونساء وشباب من مختلف فئات المجتمع تؤمن بتلك المشاريع، وتترجمها في حياتها اليومية، وتجعلها نبراسا لها في خدمة مصالح الفئات الشعبية التي تستهدفها. وهو ما يقتضي النهوض بالوضع التنظيمي للحزب على جميع المستويات، للتغلب على الأعطاب التي رصدها الاتحاديات والاتحاديون في التقرير التركيبي لاستحقاقات 2007، وفي مشروع المقرر التنظيمي الذي عرض على المؤتمر الوطني الثامن وأحاله على الندوة الوطنية للتنظيم، وفي التقرير الصادر عن الندوة الوطنية حول التنظيم، وأيضا في التقارير والمقترحات التي أعدتها لجنة تفعيل الأداة الحزبية والتكوين المنبثقة عن المجلس الوطني، وأخيرا في مشروع المقرر التنظيمي المعروض على المؤتمر الوطني التاسع. إن هذا التراكم الغني بالأفكار والمقترحات، يمكن الحزب اليوم من التوفر على الأدوات والمساطر الكفيلة بمعالجة الأوضاع التنظيمية، علما بأن المساطر ليست كافية وحدها لاستنهاض هِمَم الاتحاديات والاتحاديين، بل يلزم أن تلعب القيادة الحزبية دورا أساسيا في إعادة اللحمة بين المناضلات والمناضلين في مختلف المواقع، واسترجاع روح الأخوة وقيم التضامن التي جعل منها قادتنا ومعلمونا في مدرسة الاتحاد أساسا وسندا في مواجهة المحن والشدائد ومحاولات الاجتثاث التي استهدفت الحزب في مسيرته الكفاحية الغنية بالدروس والعبر.

 

 

 

لنجعل من سنة 2013 سنة إعادة البناء وتوحيد العائلة الاتحادية:

إنني ألتزم أمام جميع الاتحاديات والاتحاديين بأن أعمل في حالة وُفقت لتولي مهمة الكاتب الأول للحزب، أن أجعل من مهمة إعادة بناء تنظيمات الحزب إحدى المهام الملحة والمستعجلة، حتى يكون الحزب جاهزا لمواجهة الاستحقاقات المقبلة بما يلزم من الحزم والجدية، وبما يمكن من إيقاف مسلسل التراجع الذي انطلق منذ الاستحقاقات الجماعية لسنة 2003.

سأحرص في القيام بهذه المهمة على ضمان انخراط جميع الاتحاديات والاتحاديين في مسلسل تجديد جميع الهياكل الحزبية خلال سنة 2013، انخراطا مسؤولا وواعيا، دون إقصاء أو تهميش لكافة الطاقات الحزبية العاملة منها والمُعطلة وسأحرص كل الحرص، إلى جانب أخواتي وإخواني في قيادات الحزب وطنيا، جهويا، إقليميا ومحليا، على جعل مناسبة تجديد الهياكل الحزبية فرصة لاستيعاب الطاقات والكفاءات التي يزخر بها المجتمع وتُقاسمنا قناعاتنا الاشتراكية الديمقراطية الحداثية، بما يساعد على انفتاح حزبنا على محيطه، وعلى تجديد نخبه، وعلى جعل تنظيماته جذابة، فاعلة، ومنغرسة في تربة المجتمع.

كما ألتزم بالعمل على إعادة توحيد الطاقات الاتحادية التي يجمعنا وإياها التاريخ النضالي المشترك، وفرقت بيننا وبينها ملابسات تدبير الخط السياسي في مراحل سابقة، يقينا مني أن هذه الوحدة هي رغبة جماعية لكل الاتحاديات والاتحاديين، وهي أيضا ضرورة نضالية تفرضها التطورات السياسية التي نعيشها اليوم، وحاجة مجتمعية يفرضها علينا جميعا مستقبل بلدنا وحماية مكاسبه الديمقراطية التي دفعنا من أجلها جميعا التضحيات الجسام.

ولتكن أهدافنا التنظيمية خلال هذه المرحلة:

–      توسيع قاعدة الحزب في أفق تغطية 50 في المائة من الجماعات الترابية بفروع حزبية مهيكلة،

–      تحقيق نسبة تغطية 70 في المائة من الدوائر في الانتخابات الجماعية المقبلة،

–      توسيع قاعدة المنخرطين الى 50.000 منخرط في أفق المؤتمر الوطني العاشر.

 

لهذه الأسباب مجتمعة وغيرها، نقترح أن يكون شعار المرحلة الحزبية المقبلة هو : “استعادة المبادرة”، بكل ما يتطلبه هذا الشعار من مسئولية و عزم وثقة.