الإصــــلاح وتخليق الحياة العـــــــامة

مصطفى المتوكل/ تارودانت / المغرب

الاتحاد الاشتراكي : 12 – 10 – 2012

الحديث عن الإصلاح من جهة وتخليق الحياة العامة من جهة أخرى يملأ أدبيات الأحزاب والنقابات والمؤسسات التشريعية ودواليب الحكومة.. ويملأ أسماع المواطنين صباح مساء وفي المنتديات والندوات والمحاضرات والمؤتمرات والهيئات الوطنية.. كما أن المواطنين بجميع أصنافهم هم الآخرون يتحدثون بطرقهم الخاصة سرا وعلانية على نفس الموضوع ونفس الشعار/المطلب… والملاحظة الرئيسية الجامعة المانعة كما يقول الفقهاء.
الجميع يطالب ويعلق وينتقد رسميا وشعبيا وحزبيا ونقابيا وجمعويا ولا أحد بادر وخاصة الدولة والأحزاب بالقيام فعليا وبشكل حازم بما ينادى به بصيغ متعددة رغم المراسيم والقوانين والالتزامات…
فهل الإدارة وصلت في ترهلها وعدم انضباطها إلى درجة التسيب و أصبحت لا تنفع معها نصائح الدولة ولا وصايا لقمان لابنه؟
أم هل الحكومة أصبحت غير قادرة على تصريف قوانينها وقراراتها ونواياها الإصلاحية في دواليبها؟ وأنها أمام لوبيات تتحدى الجميع؟
وهل الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومة وحتى غير المشاركة قامت بتنفيذ ما تدعو له لصالح المجتمع داخل هيئاتها الداخلية وتنظيماتها وقواعدها وأصلحت اعوجاجها وبيروقراطيتها وانتهازيتها وتراخيها؟
وهل المجتمع المدني كما يقال وصل إلى مرحلة أصبح عنده أمر الإصلاح والتخليق مطالب مستحيلة ولا تكتسي الأولوية؟ أم أنه يفكر بصمت ويبحث عن حلول لتبرير أموره؟
إن الذين يدعون للإصلاح قيادة وقواعد يجمعون على القضايا التالية ويقفون على الإشكالات الرئيسية… التي نجملها فيما يلي :
1. البيروقراطية المبالغ فيها في العديد من المرافق العمومية وشبه العمومية وحتى الخاصة.
2. عدم الضبط في سير العمل الإداري والتدبير السيئ للزمن الإداري (أوقات العمل].
3. البطء في معالجة الملفات و القضايا المطروحة على الجهة الوحيدة وكيف إذا كانت الجهات المعنية متعددة و ذات صلة بنفس الموضوع…
4. تعقد المساطر الإدارية وتضاربها أحيانا…
5. هيمنة المركزية على العديد من القرارات المحلية في العديد من المجالات ..مالية، تنظيمية، تشريعية، تدبيرية، محاسبتية.. وعدم الحسم تشريعيا بالسرعة المقبولة في موضوع اللامركزية واللاتركيز والجهوية، والتدبير المحلي…
6. النقص الواضح في الأهلية الإدارية على مستوى الكفاءة والتكوين والتخصص في العديد من الأقسام والمصالح وحتى لدى العاملين العاديين.
7 . المحسوبية والزبونية في المعالجة والمواكبة وتدبير العلاقات والملفات.
8 . وجود ارتباك معنوي وفكري على مستوى الضمير المهني والمواطنة العاملة البناءة في تنظيم علاقات المسؤولين فيما بينهم ومع المواطنين.
9 . وجود خلل في مواكبة الملفات وتنفيذها في الآجال المعقولة وأحيانا إهمالها لاعتبارات مقبولة وحتى غير مقبولة أو تركها جانبا نظرا لتعقد المساطر الإدارية.
10 . عدم وضوح الرؤية فيما يخص الاختصاصات / سلطة/ المنتخبين/ مصالح خارجية…إلخ وبالتالي تعدد مراكز القرار بالنسبة للموضوع الواحد.
11 . التردد في دمقرطة الحياة الإدارية بشكل كامل بترك مجموعة من المظاهر السلبية والمخربة دون الزجر الحاسم والشامل …إلخ.
12 . الرشوة أضحت مبتذلة وشبه علنية ويعرفها ويعلق عليها الجميع وأصبحت جزءا من البدائل لمعالجة جملة من القضايا والإشكالات والمطالب لدى العديد بدلا من «تضييع» الوقت» و»الجهد» في السير وراء سراب الملفات أو المصالح الضرورية …
13 . منظومة العدل و العدالة و المساواة وتكافؤ الفرص والتي تشمل ليس فقط وزارة العدل, بل كل الوزارات والإدارات العمومية وشبه العمومية والخصوصية والمراكز المفتوحة والأسواق والطرق والعلاقات العامة والخاصة بين المواطنين فيما بينهم من جهة وفيما بينهم وبين المؤسسات… الخ أصبحت تحتاج إلى تغيير جذري ومباشر وفعال ومؤكد للمصداقية والثقة…
سنكتفي بهذا الجرد الأولي على سبيل المثال لا الحصر. وسنوجه في الفقرة التالية من هذا المقال ليس أجوبة, بل تساؤلات تحمل في طياتها عناصر إجابة على ما سبق جرده:
1 . هل لدى بعض المسؤولين في أجهزة الدولة الإرادة في الإصلاح والتغيير وتطبيق ما هو مطلوب على مستوى الخطب الرسمية والتشريعات ؟
2 . هل الإدارة المغربية في عموميتها بمظاهر قوتها وضعفها انخرطت بشكل قوي في منظومة إعادة البناء وإعادة تأهيل وتخليق الحقل الإداري..؟
3 . هل الأشخاص النافذون بالإدارات أخضعوا لعملية مراقبة وافتحاص تهم مصداقيتهم ومهنيتهم وبراءة ذمتهم المالية ودرجة اغتنائهم وممتلكاتهم وطبيعة علاقاتهم…وقوة مردوديتهم وعطائهم وتعاطيهم مع المصالح العامة وخدمة المواطنين والدولة؟
4 . هل الأحزاب السياسية ومختلف الهيئات قامت بإصلاح أنفسها وتجديد هياكلها ونخبها وتصفية تنظيماتها من كل العناصر المفسدة والانتهازية وقومت سلوكها الاجتماعي والتربوي والنفسي والمالي والأخلاقي حتى تطابق بين ما تدعو له الآخرين وما تمارسه هي بنفسها؟
كل هذا وغيره مما أكتبه في هذا المقال ويكتبه الآخرون في مقالات أو كتب ويقوله المواطنون كل بطريقته الخاصة, ليس إلا الجزء الظاهر من الجبل وما خفي الله اعلم به والعارفون بخبايا الأمور لا يحتاج إلا إلى التوفر المبدئي و الأساسي لدى كل واحد على:
* الصدق (2) حب العمل و الإخلاص فيه (3) حب الوطن و التفاني في خدمته (4) محبة المواطنين وقضاء حوائجهم والسعي من أجل إسعادهم (5) النزاهة والعدل في العلاقات…(5) الخوف من الله
فإذا انعدمت أو تضاءلت هذه المبادئ فلا شيء سيتم إصلاحه ولو غيرت القوانين والتشريعات…
إلا أن المزاوجة بين الآليتين إصلاح القوانين وإصلاح النفس والذات يعتبران شرطان أساسيان لابد أن يتم التعامل معهما بقوة الساعي للحق و العدل الذي لا يخشى في الله لومة لائم ولا احتجاج مرتد أو انتهازي أو الذين يصيدون في الماء العكر.
تخليق الحياة العامة :
وللحديث عن الحياة العامة والأخلاق، سنحاول إثارة بعض المحاور لنفتح بها المجال للبحث (الأولي) وللتأمل وذلك عبر طرح بعض الإشكالات المستخرجة من قراءة تاريخ البشرية وتطورها…
ما هي مصادر الأخلاق عند الإنسان؟
الإنسان نفسه يعتبر مصدرا لإنتاج الأخلاق عبر وضعه لضوابط تنظيم الوسط والعلاقات وتحديد المقبول والمرفوض بما يضمن استمراريته ونجاحه في تطوير نفسه حسب درجة فهمه لواقعه ومحيطه ومتطلباته… ولا يمكن هنا أن نحكم على هذا النوع من القيم «الأخلاقية» بالصحة والبطلان الشرعيين إلا عندما يكون هناك وحي أو نبي أو رسول.. وهذا يهم التجمعات البشرية عبر التاريخ
فالمنظرون والمفكرون والفلاسفة داخل المجتمعات ينتجون جملة من المفاهيم الأخلاقية إما بشكل تنظيري وتخيلي لما يجب أن يكون عليه التنظيم الاجتماعي في جميع مستوياته وإما بشكل يتلاءم مع توجهات الطبقة الحاكمة منذ القدم في إطار من التحكم «السياسي والإداري» للمجتمع المعني بتلك النظريات والمنظومات الفكرية..
فالفلاسفة الأقدمون من مثل أفلاطون/سقراط/أرسطو…إلخ اهتموا بالأخلاق التي بها يبحثون عن تحقيق النظام داخل المجتمع… (المدينة الفاضلة]
والفلاسفة والمفكرون المسلمون بحثوا كذلك في الأخلاق كل من زاويته ونخص بالذكر هنا الذين عمدوا إلى محاولة التوفيق بين العقل والنقل والتقريب بين الفلسفة اليونانية والفكر الإسلامي (الفارابي/ابن طفيل/ابن رشد/ابن سينا…].
وإذا عرجنا على المعتزلة فسنجد من ضمن مبادئهم مسألة الحسن والقبح العقليين من باب أن ما يستحسنه العقل يستحسنه الشرع وما يستقبحه العقل يستقبحه الشرع كذلك.
لكن هل الأخلاق مطلقة وموحدة بين جميع الناس؟ أم أن لكل مجتمع أخلاقه الخاصة وأخلاقه المشتركة؟ وبذلك تكون الأخلاق نسبية.
وهل يعتمد تطبيق الأخلاق داخل المجتمعات على الالتزام الإيماني سواء كان عقليا أو دينيا أم يعتمد على الإلزام إما بسلطة المجتمع أو سلطة الدولة؟
يقول «جان جاك روسو» أن الإحساس بضرورة احترام الواجبات يعتبر فطريا في الإنسان واعتبر أن مصدر الشر هو التملك والنزعة الفردية التسلطية ويضيف بأن مصدر الوعي بالتنظيم الأخلاقي الواجب لدى الإنسان هو علاقته بذاته والحفاظ عليها وعلاقته بالآخرين أفرادا وجماعات…
ويقول «نتشه» بأن الوعي الأخلاقي باحترام الواجب ليس فطريا وإنما مصدره العلاقات الاجتماعية واستدل بأمثلة منها : العلاقة بين الدائن والمدين التي ينتج عنها تفاعل الضمير الذي يلزم الفرد بإرجاع موضوع الدين.
ومن هنا نطرح السؤال التالي : هل احترام الواجب نابع من سلطة المجتمع؟ أم من التزامات الإنسان بواجباته تجاه الآخرين؟
يقول «دوركهايم» أن احترام الواجب مصدره سلطة المجتمع بالرقابة التي تتمثل في : الدين/الثقافة/القانون/التربية…
المسألة الثانية في هذا المبحث : هي تخليق الحياة العامة الفردية في الإسلام. تقول القاعدة الشرعية «الأصل في الأشياء الإباحة»، وحاجة الإنسان البيولوجية والتواصلية والاجتماعية وحاجته إلى محيطه والعالم والكون تفرز حاجيات تنظيمية وتراتبية واقتصادية (الزراعة/الرعي/الصيد/جني الغلال/تنظيم عمل السنة بتعاقب الفصول…) (العلاقات بين الذكور والإناث/الزواج/البنوة/النسب/القبيلة/العشيرة/المجتمع…) (الملكية/تنظيم الملكية الفردية والمشتركة…).
كل هذه الحاجيات وما يطرأ عليها من تطور وتغير وتجدد يفرض إنتاج أنظمة وتشريعات أشرنا ضمنيا إلى البعض منها… جعل الوحي الإلهي عبر الأنبياء والمرسلين يخاطب الأمم والشعوب جيلا بعد جيل بنوع من التدريج في الخطاب والتكليف ومنها اليهودية والمسيحية والإسلامية…وما سبقها.
وسنركز هنا على الدين الإسلامي الذي أرسى ونشر عقيدته بجميع مكوناتها : الكتاب/السنة النبوية الشريفة وبنى بذلك مجتمعا وأمة ودولة جديدة ثورية في أفكارها وسياستها. عادلة في معالجتها لقضاياها، بناءة في إرساء قواعد الدولة، قوية بإشعاعها نقية وطاهرة في عقيدتها… ذات مهمة مثالية هي نشر الفضيلة وتصحيح المعتقدات ومحاربة البدع والخرافات والوثنية..وواضعة لأسس التماسك الاجتماعي والاقتصادي والتربوي…
عموما هي عقيدة جاءت لتخرج البشرية من الظلمات إلى النور وجاءت لتصحيح المجتمع والنظام السياسي ولتنشر الأخلاق في كل مجالات التدبير والفعل البشري.
وهنا نجد أن المعايير الأخلاقية في الإسلام ترتكز على الأوامر والنواهي :
النواهي : الكذب/قول الزور وشهادة الزور /النفاق/البخل/الإسراف/الكبر والعجب/الحسد والطمع/الكسب الخبيث/الظلم/السرقة/المحسوبية/الرشوة/الشطط في استعمال السلطة/خيانة الأمانة/الإيذاء/الغدر والخداع/كثمان الحق/قول السوء/السخرية/احتقار الناس/التجسس/الافتراء والغيبة/سوء القصد وسرعة تصديقه/اللامبالاة بالشأن العام.
الأوامر : الاستقامة/العفة/التحكم في الأهواء/كظم الغيظ/الصدق/اجتناب سوء الظن/التبات والصبر/الاعتدال/القدوة الحسنة/التنافس البناء/حسن الاستماع/الوفاء/أداء الأمانة/الوفاء بالعهد/إصلاح ذات البين/الإحسان/العفو/العدل…إلخ
كل هذا وغيره من الأوامر والنواهي الهدف من ورائه بناء نفسية وفكر/وقلب/ونوايا/وسلوك طاهر عند كل فرد ومن خلالهم لدى المجتمع والإنسانية جمعاء على أسس طيبة/إيجابية/متكاملة/متخلقة… بإعادة البناء على أسس أخلاقية فاضلة عند الفرد وعند المجتمع وبهدم السلبي داخل المجتمع وداخل النفس، قال عز وجل : «إن الله يامركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل» النساء 58. وقال صلى الله عليه وسلم : (ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم)، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : (أما بعد، أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع إليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه إنشاء الله.. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا أخذلهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء… أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)، وقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه : (يا بني اجعل لنفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم وأن قل ما تعلم ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك).
(يتبع)
قال صلى الله عليه وسلم : (أفاضلكم أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون أكنافا الذين يالفون ويؤلفون وتوطأ رحالهم) الكنف هو الجانب أو الناحية (أي المضياف].
قال صلى الله عليه وسلم : (إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء فما جاع فقير إلا بما تمتع به غني، وما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيع، وعجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه].
* الإدارة عند عمر بن الخطاب :
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (أيها الناس إني قد وليت عليكم، ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم وأقواكم عليكم ما توليت ذلك منكم، ولكفى عمر انتظار موافقة الحساب…) وأضاف : (ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خلقي شيئا إن شاء الله، إنما العظمة له وليس للعباد منها شيء، فلا يقولن أحد منكم أن عمرا تغير منذ ولي، أعقل الحق من نفسي وأتقدم) ويقول : أنا مسؤول عن أمانتي، لا أكله إلى أحد إلا الأمناء وأهل النصح منكم، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله).
ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (القوة في العمل ألا تِؤخر عمل اليوم إلى الغد، والأمانة أن لا تخالف سريرة علانية، واتقوا الله عز وجل..) وقال : (الا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تحمدوهم فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم]
وتعتمد الأخلاق الإسلامية على قاعدة منهجية «لا ضرر ولا ضرار» ولها تطبيقات واسعة في الفقه الإسلامي في مجالات العدل والإنصاف والإصلاح ودرء المفاسد…
وفي هذا قال الشاطي : (… ومنه التعدي على النفوس والأموال والأعراض والغصب والظلم.. ويدخل تحته الجناية على النفس أو العقل أو النسل…) /الموافقات للشاطي.
ووصف الخالق سبحانه وتعالى قوة وخطورة الأمانة في مفهومها العام والخاص : يقول عز وجل : «إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان أنه كان ظلوما جهولا» صدق الله العظيم.
وسئل الإمام الصادق عليه السلام عن حسن الخلق فقال : (تلين جناحك/ وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حسن].
وقال تعالي : «إنه لا يحب الظالمين» الشورى.
قال تعالى : «ولا تعاونوا على الاثم والعدوان» المائدة 2.
قال تعالى : «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين» الحجرات 6.
قال تعالى : «.. لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون» المائدة 78/79.
قال تعالى : « إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها» النساء 58.
قال تعالى : «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا» الإسراء 34.
قال تعالى : «اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم» الأنفال.
قال تعالى : «والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس» آل عمران.
قال تعالى : «إن الله يأمر بالعدل والإحسان…» النمل 90
وقال تعالى : «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون» البقرة 188.
قال صلى الله عليه وسلم : (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما] .
قال ابن تيمية : (إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة].
قال صلى الله عليه وسلم : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق].
قال ابن القيم رحمه الله : ( الدين الخلق، فمن زاد عنك في الخلق زاد عنك في الدين، ومن نقص عنك في الخلق نقص عنك في الدين].
وقال صلى الله عليه وسلم : (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)رواه الترمذي حديث صحيح.
إن الدين الإسلامي في تخليقه للحياة العامة يرتكز على التصورات المبدئية الأولى :
– إن الحكم لله والقصد به بالخلق/ بالقضاء والقدر/ بالقدرة والإعجاز/ بالأمر كن فيكون/ بالأمانة/ بالبعث/ بالحساب…/ بشرعه ووحيه…/
– وإن الإنسان مستخلف في الأرض فعليه الحكم بما يرضي الله وبالطريقة التي ترضي عيال الله بغض النظر عن عقيدته .
– إن الشعب أو الأمة أو الأسرة أمانة في يد من يتولى أمرها أو يدبر شؤونها.
– إن إرضاء الناس ورعايتهم والاهتمام بشؤونهم بغض النظر عن إسلامهم من عدمه مسؤولية كبرى سيحاسبون عليها فلا ظلم ولا اعتداء ولا تمييز ولا تفاضل إلا بالخير والعمل الصالح والسعي من أجل خير الناس.
– إن أحب الناس إلى الله أحبهم لعياله/لأمته/لشعبه/لوطنه…
– إن إيمان المسلم لا يكمل إلا إذا أحب لنفسه ما يحب لغيره.
لهذا يمكن القول بأن الإسلام دين وعقيدة عادلين وصحيحين إيمانا وتطبيقا وسلوكا ونية بالنسبة للمسلم.
وهو دين الحق ودين الصالح العام ورعاية كل الشعب بالنسبة لغير المؤمن به.
تخليق الحياة العامة مدنيا :
… يقصد بها مختلف الجهود الفكرية والمادية والتنظيمية… التي تبذلها الدولة والمجتمع المدني من أجل مناهضة الفساد بجميع مظاهره كان من الدولة ومرافقها أو من الجماعات والأفراد، وجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار مع اعتماد قيم الشفافية والوضوح وتكافؤ الفرص في كل الأفعال العامة والخاصة… ومحبة العمل والإخلاص فيه، ومحبة المجتمع والتضحية من أجله ومحبة الدولة برعايتها ونصحها وتطويرها وحمايتها من كل الانزلاقات الداخلية والخارجية… مع سيادة الديمقراطية والشورى في كل المبادرات وجعل كل ذلك يخضع لمقاربة تكريم الإنسان والدفاع عن كرامته واحترام معتقداته وتنظيم الاختلاف وعقلنته.
… ويمكن أن نقول أن المقصود بالإصلاح الإداري هو برنامج عمل ومخطط يهدف إلى تغيير منهجية وأسلوب الإدارة العامة والتي تتجسد في مختلف أجهزة الدولة وكذا إصلاح المنظومة الإدارية لشبكات العلاقات المجتمعية بين القطاع العام والشبه العمومي والخاص والمرافق الخاصة ذات الطابع العمومي.. بما يحقق ويخلق إدارة مواطنة/فاعلة/متفاعلة إيجابا/مقاولة/منتجة/منخرطة في عملية التنمية والتأهيل/قريبة/مفتوحة ومنفتحة/منضبطة/متوازنة/قائدة وضامنة لتقدم الدولة/راعية لمصالح المواطنين بجميع طبقاتهم وأطيافهم/متجاوبة وكفؤة في علاقتها مع الأمم والحضارات الأخرى/تعيد تكوين وتأهيل وتطوير نفسها بشكل مرن وفعال/معاكسة لكل المفاهيم البيروقراطية/..معقلنة للتحملات المالية.
وقد أقدمت العديد من الدول في العالم على القيام بثورات في المجال الإداري حققت بها قفزات وتقدما هائلين ببرامج مثل برنامج مخطط بنيوزيلندة وبرنامج «إعادة ابتكار الحكومة» بأمريكا في عهد كلنتون… والبرامج المبتكرة بكندا…الخ
فعملية الإصلاح تلامس بشكل جوهري العنصر البشري/والخدمات التي يقدمها ونوعيتها/وتقليص التكاليف/وإرساء الأسلوب الإنتاجي بضبط التشغيل الذاتي/وضمان المردودية والتدبير المفوض والخوصصة عند الضرورة/وتقوية وتحصين الخدمات العمومية وجعلها ذات مردودية جيدة ومنتجة.
إن القفز من مرحلة الإدارة البيروقراطية المتخلفة والمتسلطة والمتعفنة إلى الإدارة المواطنة والصالحة يتطلب الوقوف على الإشكالات ومكامن الخلل من جهة وعلى الإكراهات التي تعترضها وعلى المتطلبات والإجراءات الواجب إقرارها لتحقيق المطلوب.
إن المتتبع لكل ما يكتب ويقال في هذا المجال لابد أن يقف على أن هناك إجماعا على تحديد وتدقيق أماكن الخلل، وعلى أن هناك إجماعا على أن ما ينجز لحد الساعة لا يحقق المطلوب والمتوقع، وعلى أن هناك إرادات تفشل وتجهض عمليات الإصلاح التي تطلق.
فإذا كان يقال أن العالم أصبح قرية واحدة في مجال التواصل وتنقل المعلومة، فإنه أصبح أو كاد يصبح كذلك على مستوى التأثير والتجاذب الاقتصادي والمالي إيجابا وسلبا.. كما أن المفاهيم الأخلاقية العالمية والأممية المتبناة من طرف الدول العظمى والمهيمنة تحولت إلى سلطة معنوية تتحكم في القرار السياسي والإداري العالمي، بل وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية كما نرى ونتتبع «إمبراطورية» «عظمى» تنتقد هذا الرئيس أو هذه الحكومة وتدعوه إلى إصلاح نفسه أو تدعو إلى الإطاحة به علنا أو ضمنا كما تدعوا إلى متابعته قضائيا على مستوى بلده أو عالميا… وتدعو إلى مقاطعته اقتصاديا وعسكريا… وتخطط لمواجهته ميدانيا… وأصبحت وزارة الخارجية الأمريكية تتنقل عبر جل دول العالم وبأعمال سفرائها للتدخل في الشاذة والفادة وكأن أمريكا هي «أم» العالم وباقي الدول حتى البعض من الدول العظمى أقاليم ذات استقلال سياسي لكن تسبح وتسير وفق تيار عالمي تتزعمه الدول الغربية اللهم إلا بعض الاستثناءات…
وكدنا نقول أنه إذا كان لليونان معلم أكبر هو أفلاطون صاحب المدينة الفاضلة فإن زعيم أمريكا يعتقد بل ويوحي لدول العالم أنه معلم أكبر لهذه الحقبة يعلق ويقترح ويأمر وينهي ويستنكر، ويستغرب، ويرى، ويثمن ويشكر وينوه وينقط بمؤسساته لدول العالم ويشفع على رأيه زعماء الغرب…
إن التواصل الاقتصادي واحتكار الدول الكبرى للتكنولوجيات والصناعات المؤسسة جعل العالم عبارة عن فضاءات مفتوحة للاستثمار العالمي حسب الحاجة العالمية.. وبات مؤكدا أن لهؤلاء شروطا قوية في تحديد منظومة تحركهم واستثمارهم تهم «البناء الديمقراطي» وإصلاح «المنظومة الإدارية» و «النهوض بحقوق الإنسان» و «استقلال وعدالة القضاء»…إلخ
وإن المغاربة الذين استقروا بمختلف دول العالم والذين يتحركون ذهابا وإيابا نحو الغرب من وإلى المغرب تشكلت لديهم قناعات جد متقدمة وتبلورت لديهم صور للمقاربة والمقارنة بين وطنهم والآخرين وارتفعت أصوات الجميع تطالب بالإصلاح الجوهري في كل المنظومات التي تتقاطع مع مصالحهم ?إصلاح الجمارك-إصلاح مؤسسات الأمن-تخليق الحياة العامة ومحاربة كل مظاهر الرشوة وفي كل أماكن تواجدها-تكافؤ الفرص ووضع حد للمحسوبية والزبونية-إصلاح والنهوض وتقوية خدمات قطاع الصحة العمومية التي أصبحت في وضع معقد وغير طيب-إصلاح المؤسسات العمومية المهتمة بالاستثمار وتشجيعه… إصلاح القضاء/ إصلاح التعليم… الخ
ومن هنا نرى ضرورة التأكيد على :
1 . إلحاحية الإصلاح الإداري نظرا لخطورة انتشار الفساد وتهديده للاستقرار والتنمية والعدل.
2 . الحاجة المستعجلة والقوية لتطوير وتحسين عمل ودور الإدارة ومواكبة التطور العالمي على مستوى الأهداف والتسيير والمردودية والآفاق المتجددة إيجابا.
3 . ضرورة محافظة الدولة على دورها العمومي وعلى الأهداف الإستراتيجية للتنمية والتوازن التنموي بين المناطق وإرساء العدالة التنموية بعيدا عن كل أشكال المحاباة والمعالجات الطبقية السلبية والمناسباتية…
4 . ضرورة إعادة تنظيم وتوزيع وتأهيل الموارد البشرية وخاصة في القطاعات المهيكلة والضامنة لنقاء الدولة : التعليم/الصحة/العدل/الأمن/المالية…
مع أهمية التفكير كما بعض الدول المتقدمة في إرساء منظومة الخدمة المدنية الإجبارية والخدمة العسكرية حسب القطاعات والفئات والاختصاصات نظرا لما لهذه المرحلة من دور في الخدمة العمومية وفي تفعيل الحسن الخدماتي الإجباري لمصلحة الوطن والحفاظ عليه في نفوس كل الفئات…
ولم لا توسيع العمل بمنظومة التعاقد في العديد من القطاعات وفق دفاتر تحملات تلزم الموظف العمومي كما تلزم الدولة بضرورة التحقق من إرساء المردودية والدينامية في جميع المجالات تحت طائلة عدم قبول المجتمع والدولة بكل من يأكل النعمة وأموال الشعب ولا يقدم أية خدمة أو يقدمها مغشوشة أو يتلاعب بها أو يستغلها لمصالحه الشخصية…
5 . محاربة الروتين الإداري والسعي نحو التحول بالإصلاح من منظومة أفكار واقتراحات وإجراءات شكلية إلى منظومة تنموية ترجع الثقة لدى المواطن في إدارته ومؤسسته وبالتالي إلى سياسة دولته.
6 . مأسسة الإصلاح الإداري يقتضي ويتطلب إدارة الإصلاح بالمتابعة، بالمراقبة، بالتقييم بإقرار أنظمة الشفافية… وبوضع فلسفة مواكبة له ذات صلة بإدارة الميزانية سواء العامة أو القطاعية أو المحلية… تجسد الأولويات وتسطر السياسة المالية بمرونة وتكيف مع كل القطاعات الملحقة بتسيير إدارة الإصلاح وإدارة مالية الميزانية.
7 . إن الإصلاح ليس مسؤولية الدولة فقط ولو أنها تمثل فيه القسط الأكبر وإنما هو مسؤولية جماعية يجب أن يشارك ويشرك فيه المواطن والموظف لأن هذين الأخيرين هما المعنيين المباشرين به يوميا…
8 . إن الإصلاح مسؤولية الأحزاب والهيئات، فلم يعد ممكنا القبول بوجود أحزاب تتحدث اكثر مما تعمل، تنتقد الإدارة وهي أكثر منها في حاجة للنقد، تدعو إلى التغيير وهي أحوج إليه، تطالب بالديمقراطية وهي تكرس عكسها بتنظيماتها، تدعو إلى الحريات العامة وحقوق الإنسان وهي لا تبلور ذلك في سلوكاتها الداخلية ولا حتى في بعض الحالات داخل المؤسسات العمومية التي يتواجد بها الحزبيون (البرلمان/الجماعات/الإدارات العمومية…]
9 . اعتماد معيار وطني متجدد /عام لقياس النتائج وتقييم الأعمال بالإدارة والمرافق العمومية وشبه العمومية وحتى الخاصة، ومواجهة كل مظاهر الانحراف ويضاهي أو يماثل المعيار العالمي…
10 . تطوير وهيكلة وتأهيل وتكوين المؤسسات المختصة بأعمال الرقابة والمحاسبة لتملك آلية الفهم والمواكبة والنصح والنقد والتقويم الموضوعي والمنهجي المنشئ للأثر الإصلاحي والمثمن للإدارة المواطنة… فتعقد وتعدد مصادر التشريع وتباين زمن التشريع من بداية الحقبة الاستعمارية حتى اليوم واستمرار العمل بنفس المنظومة القانونية، كما أن تنوع التنظيمات والتشريعات الخاصة بكل قطاع سواء على المستوى المالي أو على مستوى القوانين الخاصة بالموظفين والأنظمة الأساسية أو على المستوى الإداري وتداخل الاختصاصات بين إدارات الدولة ومؤسساتها مثلا (التعمير(وزارة الإسكان)/الوكالة الحضرية/مفتشية التعمير/العمالة/السلطة المحلية/البلدية…) ومثلا (أملاك الدولة تخضع لعدة مساطر وتشريعات حسب الجهة التي تؤول إليها : أراضي الجموع/أراضي الجماعات المحلية/أراضي الأحباس/أراضي الأملاك المخزنية/الأراضي الغابوية…) ونسوق هنا مثالا فقط : (الجماعات المحلية ملزمة بتحفيظ أراضي الدولة أما الأملاك المخزنية والأحباس… فغير ملزمة…) يبطئ كل العمل التنموي والتواصلي ويوقف عجلة التنمية أحيانا أ يعرقلها…
11 . حماية المؤسسات العمومية وتطوير خدماتها وإيلائها الأهمية القصوى لترقى إلى مستوى يشرف المواطن ويحقق لديه الاطمئنان والشعور بالانتماء مثلا : الصحة العمومية..؟!/العدل../التعليم والتعلم../الأمن.. وهنا نطرح فقط مثالين دون التفصيل لأن الموضوع مستوعب من طرف الجميع : هل كل المغاربة الذين يحتاجون إلى علاج وأغلبهم فقراء يجدون ما يريدون وما تتطلبه حالتهم المرضية بالمستشفيات وبالخدمة المواطنة الضرورية بالمستشفيات العمومية…؟!
..وهل المراكز الأمنية وخاصة لدى الأمن تتوفر فيها كل شروط أداء الخدمة الجيدة بالمعايير الحقوقية المتعارف عليها لفائدة كل المواطنين ونخص بالذكر هنا البنايات نفسها كيف هي؟ أماكن الحجز الاحتياطي كيف هي؟ التجهيزات والآليات كيف هي وما حجمها؟ قسم البطاقة الوطنية هل يستجيب وتتوفر فيه شروط أداء خدمة مرنة وجيدة أم لا؟ (جل المراكز تعاني من مشاكل وتزاحم وطوابير ونقص في الأطر..].
12 . وضع معيار وطني مختلف لفهم وتدبير الزمن… فالزمن ليس ملكية فردية ولو أنه يبدو كذلك.. إننا يجب أن نتعامل مع زمن عمل الموظف، والعمر الافتراضي للوظيفة/وزمن معالجة الإشكالات والملفات/وزمن تدبير المتطلبات اليومية التي لا تقبل التأجيل/وزمن التخطيط والتدقيق في المستقبليات القريبة والبعيدة ?تجعلنا ويجب أن تجعلنا نتعامل مع الوقت والزمن الإداري- على اعتبار أنه مقدس كزمن أداء العبادات من صلاة وصوم وزمن أداء مناسك الحج التي تصح ولا تتحقق إلا بوقتها وضوابطها، ويجب أن توضع معايير لاحتساب مردودية كل فرد فرد ومدى صلاحيته لأداء الخدمة العمومية أو الشبه العمومية وحتى الخاصة وهل هو مؤهل للبقاء بها ولو أنه أصبح عالة على الصالح العام ومفسدا لأمور الناس ومعطلا لمصالحهم…
وهنا لا بد كذلك أن يعاد النظر في العديد من التشريعات حتى تحدد المسؤوليات بشكل كلي وحاسم حتى يدار الزمن الإداري بشكل كامل : فأعمال التداول والتخطيط والتصديق وتصريف القرارات يجب أن تتحملها كل جهة على حدة مع أحقية المراقبة والمحاسبة المواكبين والمراقبة البعدية، مثلا : الجماعات المحلية لتقوم بتدبير مدة انتدابها تعتبر قراراتها قابلة للتنفيذ بمجرد التصديق عليها بالدورات وأن ما يتبقى للتصديق يجب أن يحول للعمل في الجانب الإداري والقانوني والمالي، وللمالية الإقليمية أن تقوم بدورها كاملا بدل أن يكون مجزءا بينها وبين الجهة والمركز مع تمييز القرارات القابلة للطعن والتي يمكن عدها على رؤوس الأصابع… وهنا يمكن أن نتحدث عن المرونة في إعداد وتنفيذ الميزانية الجماعية وجعلها هي الأخرى قطاعية، تخضع لضوابط المصلحة العامة والأولويات التي توضح في مخططات الجماعة (قد نعود بحول الله إلى هذا الموضوع في مقال آخر حول الميثاق الجماعي والمالية المحلية].
13 . جعل الإدارة فاعلة ومتفاعلة مع كل قضايا ومطالب المواطنين وليست إدارة سلبية ومحايدة في علاقتها مع المصلحة العامة في مجال الإعداد والتدبير التشريعي والقانوني والتنظيمي لإجراء كل الاستحقاقات الجماعية والبرلمانية… في جو من التنافسية الشريفة بعيدا عن كل مظاهر الإفساد والارتشاء الانتخابي وتبييض المفسدين لمركزهم بالدخول للمؤسسات المنتخبة وتحويلهم إلى شخصيات عامة. ولهذا الاستحقاق تأثير كبير على مصداقية قرارات الدولة وسياساتها، وعلى حقيقة وطبيعة الديمقراطية المعتمدة، وعلى صلاح الإدارة… إذ من البديهي أن تفسد الأمور إذا كان من بين المعنيين بالإصلاح وبالانتخابات هو نفسه يحتاج إلى إصلاح وإلى تغيير في عقليته وسلوكه ونمط حياته.
إن تخليق الحياة العامة هو نفسه من صميم مفهوم الأمن العام والاستقرار بأي بلد. لهذا فكلما كانت المقاربة المعتمدة فيه مقاربة تنظيمية شمولية عملية… مقاربة أخلاقية مواطنة راعية للشعور بالمواطنة وكرامة المواطن… مقاربة أن المواطن تصبح الإدارة إدارته بشكل فعلي يدافع عنها ويتبناها ويدعمها… مقاربة حب الوطن وحب المواطن… مقاربة الخوف من الله والدفاع عن مصالح الشعب وحمايتها… كلما ربحنا المواطن وربحنا الوطن وربحنا رضى الله
ونختم موضوعنا هذا الذي حاولنا فيه ملامسة بعض قضايا الإصلاح الإداري وتخليق الحياة العامة ببعض النصوص الدينية :
يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : (ليس منا من لم يحاسب نفسه كل يوم) ويقول: (ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حتى يفطر،والإمام العادل ودعوة المظلوم، يرفقها الله تحت الغمام ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب وعزتي لأنصرك ولو بعد حين) رواه الترمذي يقول : (.. كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته…]