كلمة سعادة سفير المغرب في لبنان الدكتور علي اومليل في الجلسة الأولى من مؤتمر “كلمة سواء” الثاني عشر
شكرًا سيدي الرئيس على الكلمات الطيبة التي أُرجعها إلى صداقتنا المتينة.
حضرات السيدات والسادة،

يسعدني أن أشارك في هذه الندوة في رحاب فكر الإمام موسى الصدر، شخصية لا تُضاهى في إعمال الفكر والاجتهاد في قضايانا العربية والإسلامية المعاصرة. وقد اهتممتُ بكتاباته قبل أن آتي إلى لبنان، وتفضلتْ مؤسسة الإمام موسى الصدر وأهدتني مجموعة أعماله وما زالت تمدني بالجديد مما يُطبع، مما يجعلني دائمًا أتابع ما أنتجته هذه الشخصية الفكرية الفذة.

حضرات السيدات والسادة،
إسهامي في جلسة هذا المساء تتعلق بموضوع الإصلاح والتغيير في الفكر الإسلامي. أبدأ بهذا السؤال حسب أي مفكر إسلامي حين يُطرح عليه السؤال: متى يجب الإصلاح؟ متى ينبغي الإصلاح؟ جوابه هو أن الإصلاح يكون واجبًا كلما اتسعت الهوة بين الإسلام المعياري، إسلام النصوص الأساسية الحاكمة، وسيرة السلف الصالح الأول؛ أي حين تتعمق الهوة بين هذا الإسلام المعياري من جهة وبين مجتمع المسلمين… آنذاك يتوجب الإصلاح. ويتوجب الإصلاح بردّ مجتمع المسلمين إلى الإسلام. والمرجع هنا هو حقبة كانت فيها السماء قريبة من الأرض، كان خبر السماء ينزل إلى الأرض وتمثّلته نخبة رائدة -هم أوائل المسلمين- فمثّلت الإسلام خير تمثل وبذلك وضعت القدوة لمن سيأتي.

المرجعية، إذًا، حقبة من الزمان ولكنها خارج الزمان، لأن في مفهوم الإصلاح هذا، الزمان خطر لأن الزمان انحدار يُبعد المسلمين إذا ما تُرِك الزمان لشأنه ولأمره فإنه يُبعد المسلمين عن إسلامهم المعياري وخصوصًا عن الحقبة التي هي الحقبة المرجعية. الزمان يُولِّد العادات، ولذلك ينبغي دائمًا أن تُقاس على الأصول، ويُولِّد الآراء واعتاد مفكرو المذاهب الإسلامية أن يسموا الآراء بالأهواء. لذلك المصلح الإسلامي الأصيل يحذر الزمان، والقطب الجاذب للزمان عنده هو الماضي وليس المستقبل. ولذلك ففي الإصلاح السلفي الإسلام يُصلح ذاته بذاته، ليس في حاجة إلى مكتسبات وافدة أو آتية من الخارج، ليس في حاجة إلى أن يقتبس من الغير.

لكن هذا الفكر الإصلاحي أو هذا المفهوم الإصلاحي سوف يتغير مع صدام المسلمين بالمجتمع الحديث وقواه ودوله، وسوف تتغير علاقة المسلمين بالزمان وسوف يتغير أيضًا مناط الإصلاح. سوف يدور الإصلاح حول ثنائيات جديدة تمامًا على الفكر الإسلامي: ثنائية التقدم والتأخر، بمعنى أن هناك وعيًا بتأخر المسلمين ولو لم يكن هناك اتفاق على تأخر الإسلام. الإسلام لم يتأخر… الذي تأخر هم المسلمون. وإذا كان الإصلاح بمفهومه القديم هو تخلف واقع المسلمين عن الإسلام الأصل، فإن مفهوم التأخر في الفكر الإصلاحي الحديث يعني تأخرًا مزدوجًا: تأخرًا عن الإسلام كما ينبغي أن يكون، وتأخرًا عن الدول التي بيدها أسباب القوى. لذلك لا يمكن أن نجد هذه المصطلحات في الفكر القديم، يعني إذا نظرنا إلى كبار مفكري الإصلاح سنجد أنهم جميعًا يفكرون في ثنائية التقدم والتأخر: لماذا تقدم الغير وتأخرنا؟

وهذا السؤال لم يكن يُطرح عند مفكرينا وفقهائنا وعلمائنا القدامى، لأن فكرة التقدم هي نفسها فكرة حديثة حتى في الفكر الغربي. السبب في ذلك، ما هو السبب؟ السبب هو واقعي تاريخي هو أن هناك خللًا حصل بين المسلمين وبين أوروبا. وهذا الخلل حصل بالضبط في منتصف القرن الثامن عشر بين أكبر قوة كانت تمثل العالم الإسلامي آنذاك وهي القوة العثمانية وبين الغرب. في ذلك القرن بدأت تفقد ممالك لها في منطقة البلقان بالخصوص، وانفصلت عنها اليونان، وأصبحت تفقد أهم قوة عسكرية آنذاك وهي السيطرة على البحار لصالح أساطيل أمم أخرى وخصوصًا البريطانية والإسبانية ثم الفرنسية.

هذا الخلل في ميزان القوى هو الذي أدخل فكرة التقدم والتأخر في أذهان المصلحين، ولم يكن الأمر كذلك من قبل. بل لم يكن السبب هو الهزيمة العسكرية فحسب، لأن هزيمة المسلمين تجاه الجيوش الغربية أو الأوروبية في العصر الحديث تختلف عن هزائمهم السابقة؛ لأن وراء هزيمة المسلمين في العصور الحديثة اعتبار أن وراء القوة العسكرية للغرب تنظيم متقدم للإقتصاد ونظام متطور للدولة وتقدم علمي وتكنولوجي. وهذا لم يكن يفكر فيه المصلحون القدماء حين انهزم المسلمون تجاه قوات عسكرية خارجية بما فيها قوة عسكرية أوروبية لأنه لم تكن هناك الهوة الحضارية بيننا وبين أوروبا، وأعطي مثالين على ذلك:

المثال الأول: التوسع الإيبيري الإسباني والبرتغالي واحتلّا بلدانًا عربية وإسلامية، احتلّا شواطئ المغرب العربي أو الشمال الإفريقي ومدنًا في الشواطئ، واستمر هذا الاحتلال قرونًا. وقبل هذا الاحتلال، طرد المسلمين من إسبانيا وسقوط غرناطة. رغم هذا كله، الذين عاصروا هذه الكوارث والإنهزامات لا نجد عندهم وعيًا أو شعورًا أو قبولًا إذا شئتم أن هذا الذي هزمنا أقوى منا حضارة.
نأخذ مثالًَا ثانيًا: وهي الحروب الصليبية وعددها ثمانية، انهزم المسلمون -طبعًا سوف يستردون الأراضي التي استعمرها الصليبيون- ولكن إبّان الاستعمار الصليبي لبلدان في هذه المنطقة، لم يكن هناك قبول لمعاصري هذه الحملات الصليبية، أن الصليبيين وهم أوروبيين، أن أوروبا أفضل منا حضارة. دليل على ذلك الغزالي، مصلح كبير، بل قال هذا قال يعني روى حديثًا بأن على رأس كل مئة سنة يقيّض الله لهذه الأمة من يصلح شأنها، وقال أنا الذي أتصدى على رأس المئة الخامسة الهجرية لهذا الإصلاح، وكتب كتاب الإحياء: “إحياء علوم الدين”، مشروع كبير للإصلاح. الغزالي عاصر سقوط القدس، ورغم ما يمكن أن نتوقعه من وقع كارثي على نفسية أي مسلم وخاصة عالم من مقام الغزالي، فإن الغزالي لا نجده يذكر هذه الكارثة ولو بكلمة واحدة في مؤلفاته. ولكن كونه لم يذكرها لا يعني أنها غائبة، بل نعتقد أنها وراء مشروعه الإصلاحي الكبير الذي بسطه في كتابه الضخم: “إحياء علوم الدين”.

إذًا، هذان المثالان أوردتهما لأقول إن الهزيمة العسكرية وحدها لم تكن كافية لتفسير هذا الوعي بالانحطاط في الماضي، أما في الحاضر فقد أدّت إلى هذا الوعي بالانحطاط لأن المسلمين وعوا أن وراء التقدم العسكري للغرب شيء آخر: تنظيم متقدم للدولة، للإقتصاد، للإدارة، للعلم. ولذلك أصبحوا يفكرون بثنائية التأخر والتقدم وحسب مصطلحاتهم، المصطلحات التي كانت موجودة فيما قبل التي استعملوها هي التمدن والانحطاط. وأصبح هذا مقبولًا عامةً والجواب وهو كيف يمكن تجاوزه؟

ولذلك بدأت عمليات للإصلاح بالمعنيين المزدوجين: عودة إلى الإصول أي تحرير كل ما تراكم على الفكر الإسلامي والعودة إلى النصوص الأصيلة أو الأصلية، وثانيًا اقتباس أسباب قوة الغرب. من هنا كان طبيعيًا أن يبدأ هذا الإصلاح في الإمبراطورية العثمانية، وفي القرن الثامن عشر بالذات الذي –كما قلتُ- أحدث خللًا في التوازن بين عالم المسلمين وأوروبا. وبدأ هذا الإصلاح الذي قاومه جيش الإنكشارية أو الجيش العثماني التقليدي لأنه لم يكن في مصلحته. هذا الإصلاح مثلًا نجد السلطان سليم الثالث في ثمانينات القرن الثامن عشر يفتتح مدارس لتعليم العلوم العصرية والعسكرية واللغات وينشىء مطبعة تطبع مترجمات في الرياضيات والجغرافيا والملاحة؛ ونجد أن محمد الثاني يستأنف هذه الإصلاحات؛ والسلطان محمود فيما بعده يحل جيش الإنكشارية خاصة بعد هزيمة البلقان… إلى آخره.

نجد في مصر محمد علي، بعد قضائه على الممالك، يُحدِّث جيشًا وبحريةً حديثين، ويقوم ببرنامج إصلاحي للإدارة ونظام الضرائب ووضع قاعدة لإقتصاد عصري، ويرسل بعثات إلى الخارج. في تونس، أول دستور في العالم الإسلامي سُميَّ القانون الأساسي في 1860، وقبله يصدر محمد باي عهد الأمان الذي ينص على مبادىء الحرية والعدل والأمن، ونجد في المغرب محمد الرابع ابتداءً من أواسط القرن التاسع عشر وينشىء مدارس للمهندسين فيها مساحون طبوغرافيون مدفعيون ويرسل بعثات إلى الخارج، ويقوم بإصلاح ضرائبي…

ولا أريد أن أفصِّل في عملية الإصلاح الكثير، أعطيتُ فقط أمثلة مقتضبة، وإنما أقول أن هذه الحركات الإصلاحية ما كان لها أن تنجح، لماذا؟ ليس لأنها سيئة، كلا! كان ضروريًا إصلاح الجيش، والجيش أولًا لأن التحدي والخطر على البلدان العربية والإسلامية كان خطرًا عسكريًا بالأساس. فكان لا بد من إنشاء جيش حديث. لكن إذا أردت أن تنشىء جيشًا حديثًا، فعليك أن تنشىء مدارس عصرية لتعليم ما يحتاجه الجيش العصري أي مدارس تكوينية في الرياضيات، في الطبوغرافيا، في العلوم الطبيعية، في الجغرافيا… وهذا كان لا بد وأن تعارضه النخبة العالمة التقليدية لأنه رأت فيه أنه يضرب مراكز التعليم التقليدي وينشىء نخبة عالمة جديدة. أيضًا هذا الإصلاح وجد عراقيل لأنه طُرِحت مشكلة تمويل الإصلاح، كل إصلاح يحتاج إلى تمويل. تريد تدريب جيش، تكثير العديد، تجهيزه بمعدات حربية، شراء أسلحة… من أين يموّل الجيش؟ هناك لا بد من فرض ضرائب جديدة، هذه الضرائب الجديدة معناها إثقال الضرائب على كاهل السكان، وخاصة وأن زيادة الضرائب اقترنت بإنهيار إقتصادي حقيقي في مجموع البلدان الإسلامية نتيجة للضغط الأوروبي لفتح الأسواق، أي هناك سلع مطروحة رخيصة لأنها تُصنّع بكثرة وبكثافة وبسرعة، تنافس البضائع التقليدية. مثلًا، حذاء (حاشاكم الله)… معمل يُنتج آلاف الأحذية يوميًا ينافس البُلغة التي… الصانع إذا صنع بُلغة في اليوم… فكثير هذا، وهكذا.

أيضًا هناك نوع من المقايضة غير المتكافئة، معامل النسيج في بريطانيا تحتاج إلى قطن وتحتاج إلى صوف. فيأتيك مثلًا بمقايضة، يبيع لك صندوق سلاح، صندوق بنادق بباخرة من الصوف، وفرضوا على العالم الإسلامي هذا التبادل الإقتصادي غير المتكافىء.

أيضًا ما كان يمكن لهذا الإصلاح أن ينجح لأنه جاء في ركاب ضغط خارجي، فرق بين إصلاح ينبع من دينامية أصيلة للمجتمع وفرق بين إصلاح يأتي في ركاب ضغط خارجي، بل مفروض من الخارج. الدول الغربية كانت تضغط لفرض هذه الإصلاحات، كانت تضغط مثلًا لإصلاح نظام الضرائب، لإصلاح النظام المالي، كانت تضغط لإصلاح الجيش… وهم الذين كانوا يدربون الجيوش في البلدان التي ذكرتها والإصلاحات معروفة. إذًا، كان لا بد لعامة الناس أن تتحفظ على هذا الإصلاح إن لم ترفضه لأنه لغير صالحها.

لا أريد أن أطيل، وإنما أقول ما زال الإصلاح على رأس جدول أعمالنا، ولذلك تبقى الأمور التي عرقلته ممكن أن تعرقل الإصلاح في أي وقت، وأهمها الضغط الخارجي من أجل تمرير الإصلاح؛ سيظل الإصلاح مرفوضًا إلى آخر الزمان ما دامت هناك قوة أجنبية تضغط لتمريره لأنه إصلاح لصالحها وليس لصالح الناس.

ثانيًا، إذا لم نحل قضايا أساسية جوهرية فلا يمكن أن ينجح أي إصلاح، وهنا دعوني أقارن مقارنة سريعة… اهتممتُ سيداتي وسادتي طويلًا بالمقارنة بين فكرنا الإصلاحي والفكر الإصلاحي في بلدان بعيدة لم نعتد أن نقارن نفسنا بها، فاهتممتُ بحركة الإصلاح في الصين وفي اليابان. لا داعي لكي أسرد لكم حديث الإصلاح هناك هو حديث طويل. ولكني أقول الذي جعل إصلاحهم هناك ينجح أكثر مما نجح عندنا عدة أشياء منها:

أولًا، أن المسألة الدينية لم تكن رهانًا عندهم مثلما هي رهان عندنا… لسبب بسيط هو اختلاف مفهوم الدين عندهم وعندنا. الدين عندهم يختلف: ليس فيه لا أنبياء، ولا رسل، ولا كتاب، ولا جنة، ولا آخرة، ولا يوم حساب، ولا عقاب، حتى العالم لا نهاية له بخلاف المسألة الدينية عندنا. إضافة إلى شيء أساسي وأنه ليست عندهم شريعة، نحن لدينا شريعة: الدين يفصِّل في حياة الفرد وحياة الجماعة. ولذلك عندهم الاختلاف بينهم وبين الغير متصورٌ حضاريًا وليس دينيًا. إذا كانت مصطلحات ولو أنها لا تستعمل الآن: دار الحرب ودار الإسلام أو المؤمنين والكافرين… عندهم لا. المقابلة هي بين المتحضرين والبرابرة؛ المتحضرون هم الصينيون واليابانيون والبرابرة الغير والأوروبيون الذين هاجمهم في عقر دارهم.

إذًا، ما دمنا لم نصل إلى اجتهاد يُدمج الفكر الديني في الفكر الإصلاحي فسيظل إصلاحنا مبتورًا، ولا يكفي أن نكتفي بما اكتفينا به أن نردد كلامًا عامًا أن الدين لله والوطن للجميع و… لا. أعتقد أن الذي يميز السنوات الأخيرة أننا دخلنا في نقاش عام وربما عميق لأول مرة في قضايا تتعلق بالأحوال الشخصية، تتعلق بالنظام المالي والإقتصادي، تتعلق بهل الدولة عندنا مدنية أو دولة الشريعة؟ الآن هذا نقاش عام، وينبغي أن يستمر لنصل إلى توافقات حول هذه المسائل وهو ما لم يكن موجودًا من قبل… لأننا اكتفينا بالعموميات، مثلًا المسلمون يقولون نحن جميعنا مسلمون (وخلاص)، أو يقولون الدين لله والوطن للجميع… لا، ينبغي أن ندخل في تفاصيل الأمور وأعتقد أننا الآن بدأنا.

الشيء الآخر وهو أن المسألة الديمقراطية لم تكن على جدول أعمال مفكرينا الإصلاحيين، كانت مسألة العدل، مسألة حكم صالح، نعم… لكن مسألة الديمقراطية لم تُطرح إلا في السنوات القليلة الماضية. لم تُطرح.

الشيء الثالث وهو ضآلة مساهمة الفكر الإقتصادي في الفكر الإصلاحي عمومًا. الذي يميز حركات الإصلاح فيما ذكرته عن اليابان والصين وهو أن الفكر الإقتصادي كان له دور رائد في عملية الإصلاح. نحن لدينا كبار مفكري الإصلاح والمفكرون والإعلاميون… من أين يتخرجون عادة؟ أغلبهم من كليات الآداب والحقوق وهكذا. الفكر الإقتصادي لم يدخل حقيقة في معمعة الفكر الإصلاحي ولذلك نجد ضآلة الفكر الإقتصادي تسهّل تمرير كثير من الأمور مثلًا، حين راجت منذ سنوات الليبرالية الجديدة وجدت لها رواجًا عندنا. ليس هناك فكر إقتصادي قوي ومحصن، ربما في النقاش لم يكن هناك مجال لاستدراك بعض أمور لم يكن لدي الوقت للتفصيل فيها وأشكركم على حسن استماعكم.