الدكتور  محمد العمري: المثقف وأسئلة التجربة السياسية الحالية في المغرب

العمري: المثقف وأسئلة التجربة السياسية الحالية في المغرب

 

سعيـد عاهـد – (صحفي بجريدة الاتحاد الاشتراكي)

الأحد 22 يناير 2012 – 22:18 …

(*)- ما هي الأسئلة الثقافية والفكرية التي يطرحها التحول الناتج عن الانتخابات التشريعية الأخيرة وفوز العدالة والتنمية بها بنسبة لم تكن متوقعة

قبل الإجابة عن هذا السؤال أضع كلمة “التحول” وجملة “لم تكن متوقعة” بين قوسين: التحول يقتضي أن يكون هناك اتجاه يُنزاحُ عنه، والواقع هو أن السياسة المغربية فقدتِ البوصلة منذ سنة 2002، وحزب الاستقلال الذي كان يقود الحكومة السابقة هو اليوم دعامة الحكومة اللاحقة ورئيسُ برلمانها، وربما يكون علتَها. إذن فما وقع لم يشكل أي مفاجأة بالنسبة إلي، وليس مصدر أي قلق، الأنسبُ لحالنا نحن اليساريين أن نقول: “الصَّيْفَ ضَيعْتِ اللبَن”. سيجعلُ الله فيما وقع خيرا كثيرا إن تفاعلت الأطرافُ كلها إيجابيا، الجميع مقيد بقيود من حديد.

إذا لخَّصنا ما يهم الثقافةَ والفكرَ في تحقيق الحرية والمساواة وقيمِ العدل وحقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا، بصفة عامة، فمن المفترض أن الوضع الراهن سيضيفُ عبئا جديدا. فحزب رئيس الحكومة متحفظ على قيم الحرية والمساواة وكثير من قيم الحداثة وحقوق الإنسان التي قضينا نصف قرن في المطالبة بها. ومن ورائه قوى سلفية متشددة ستحاول دفعه نحو مآزق ومغارات ينعدم فيها الأكسجين. نحن مستعدون لكل الاحتمالات؛ قضينا نصف قرن في مقاومة نظام مستبد يرفض التلاؤم مع المعايير الدولية في بناء حكم ديموقراطي يصون كرامة الإنسان فردا وجماعة، ومستعدون لقضاء الباقي من أعمارنا في نفس الطريق، هذا قدرنا.

(*)ألا يعني هذا الفوز نزوعا عميقا للمجتمع المغربي نحو الأسلمة السياسية؟

المجتمع المغربي متدين بعفوية ويُسر، وتديُّنه، ككل تدين شعبي، خليطٌ من تعاليم الدين وطقوسه، ومن عاداتٍ وتقاليدَ محليةٍ: أسطورية وفلكلورية احتفالية؛ قد تصل من التناقض حد الغش (في القرعة مثلا) من أجل الحج، أو التسول والسرقة من أجل كبش الأضحية. التدين الشعبي معروف، مليئ بالبدع حسب عبارة السلفيين. الشيءُ الذي لم يعمل أحد على مساعدة الجمهور المتدين على اكتسابِه هو إثمار التدين في السلوك. سلوكنا مطبوع بالأنانية والنفاق، والقسوة…الخ

هكذا الناس، أما السياسة فهي السياسة: لا يمكن تديينُها وإلا فقدتْ صفتَها، أي النسبية والمسؤولية البشرية. لا يمكن أن نُحاسب الله على عمل “سياسي” يختبئ وراء الدين، ولا يمكن أن نحاسب “سياسيا” إذا سلمنا له مبدئيا أن ما يَدعيه هو شرع الله. الله ـــ جل جلاله ـــ لم يقدم أي مشروع للانتخابات الماضية. “الإسلام السياسي” قراءات بشرية مختلفة إلى حد التناقض. وإلا ما كانت لدينا في المغرب أربعة أحزاب “إسلامية” (العدل والإحسان، حزب حقيقي غيرُ معترف به، لأنه يصر على تقديم حزب باسم الله). وعندنا أيضا عدد من الجماعات والفرق التي يصل الخلاف بينها إلى حد تكفير بعضها بعضا. العدليون والعداليون يلتقون في الجذر المعجمي لاختيارهم الإسلامي (عدل)، ويتناقضون في الاختيار السياسي! فهل الإسلام هو المسؤول عن اختلافهما، أم تأويلهما وتصورهما، أي السياسة؟ وهما معا (إلى وقت قريب) عملاءُ للمخزن أو خرافيون في نظر الجماعات السلفية المقاتلة، وطلابُ دنيا عند التبليغيين وأصحابِ الزوايا المخترَقين.

فهل يتسع منبر المسجد لكل هذه الخطابات؟ سيصبح أشبهَ ببرج بابل! لا أحد يوافق على ذلك، حتى العداليون احتجوا على استعمال وزير الأوقاف لخطبة الجمعة في الدعوة إلى التصويت على الدستور، وهم متهمون من طرف اليساريين باستعمال المساجد ــــ وكانت نشأتهم الأولى فيها ــــ كانت مقراتٍ للشبيبة الإسلامية، ثم للسلفيين قبل أن ينتبه الحسن الثاني إلى خطورة ذلك ويخرجهم منها أوائل الثمانينيات.

الشيء الوحيد الممكن هو العمل من أجل تحقيق المقاصد العليا للدين في كل نازلة بما يوافق العقل والعرف ويحقق مصلحة الناس، وهذا شيء سيقبله خمسةٌ وتسعون بالمائة من المغاربة، وصدورهم متسعة ـــ كما كانت طوال التاريخ ــــ لكل اختيار تسلكه الخمسة بالمائة المتبقية، “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا”. ويمكن تلخيص هذه المقاصد في العدل والرحمة.

(*)أليس عدد النواب البرلمانيين الذي حققه حزبان محافظان، هما العدالة والتنمية والاستقلال، (167 برلمانيا) مؤشرا دالا على انحسار الفكر التحديثي والتقدمي مغربيا، إن لم نقل هزيمة للمفكرين المثقفين الحاملين لهذا الفكر؟

 

هي، في الحقيقة، هزيمةٌ للأحزاب اليسارية التي لم تستطع تسويقَ الفكر اليساري ميدانيا، وعلى رأسِها، وفي مقدمتها، الاتحاد الاشتراكي، فهو جذع اليسار في المغرب، وإذا لم يتدارك نفسَه الآن سيكون علةَ هذا اليسار. فليستِ الأفكارُ هي ما ينقص اليسار في المغرب، الذي ينقصه هو تبنِّيها وعرضُها بالملموس وبلغة مفهومة. الأصوليون المعتدلون (والمتطرفون كذلك) قاموا بدور التبليغ والتحفيز على أحسن وجه: خاطبوا الناس مباشرة على طول الوطن وعرضه، وسجلوا لقاءاتهم على فيديوهات وأذاعوها على المواقع الإليكترونية. وفعلوا ما هو أهم في مجال التحريك السياسي وهو “صناعة خصم”؛ ظلوا يرجمونه بالحصا وبالحجارة بمختلف الأحجام، يهددون ويتوعدون؛ هذه شجاعة وبطولة يحبها الناس: من لا خصم له في مجال السياسة لا قضية له. شاهدتُ أكثرَ من عشْر فيديوهات للسيد عبد الإله بنكيران، وأهنئُه على ذلك، ولم أشاهد فيديوها واحدا لزعيم اتحادي غيرَ حديث عن الذات ونشر لغسيل الملابس الداخلية.

المجتمع المغربي مجتمع غير قارئ، مجتمع أمي بمعنى الكلمة، ولا أدل على ذلك من عدد النسخ التي تباع من الجرائد والكتب (الروايات خاصة). ولذلك لا بد من الوصول إليه بالصوت والصورة. من يظن أن الشعار الذي كانت التلفزة تؤشرُ عليه كنموذج أثناء الحملة الانتخابية اختيرَ عفوا فهو مخطئ، إنه شعار أحد الأحزاب أضيف إليه اللون البني، وبقي شكله دالا عليه، اكتشفه الأميون عند التصويت بسهولة، فهم لا تشغلهم الحروف عن الأشكال.

(*)كيف تقرأ تموقع حزبين ذوي مرجعية يسارية (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) في خندقين متناقضين بالنسبة لحكومة عبد الإله بن كيران؟ ألا يشكل هذا مصدرا إضافيا للتشويش على الأداء الفكري للمثقفين المتخندقين يسارا وعلى القيم التي يدافعون عنها؟

 

لا أريد أن أجرح أحدا، ولا استعراض تاريخ أحد! قصارى ما يمكن قوله هو أنه وقعت خسائر متوالية في هذا الرصيد الثقافي السياسي اليساري على مراحل، منذ بداية حكومة التناوب، وبلغت الخسارة أوجَها في ظروف المؤتمر السادس للاتحاد الاشتراكي. ومعنى ذلك أنه لم يعد هناك “تخندق”، بقيت التزامات حقوقية شخصية غير متعلقة بأي كيان حزبي، وبقي عند البعض، فضلا عن ذلك، ارتباط عاطفي بالتاريخ يتلاشى تدريجيا، كما هي حالة عبد ربه. بعضُ أحزاب اليسار نفضت يدها من يد المثقفين واستراحت.

وارتباطا بما وقع، وحسب متابعتي من الخارج للمجريات، فقد كانت لحظة الترقب وإعلان النتائج ملتبسة، فاختيار الحزبين لم يكن حسب علمي اختيارا سابقا، بل هو حدث وقع في الطريق! سمعنا أنه ليست هناك خطوط حمراء.. وهذا ما دفع عبد الإله بن كيــران إلى استباق الأحداث حين اعتقد أن الكتلة في جيبه، وبدأ يُلوِّح بتوفُّــر إمكانيات أخرى للتحالف خارجها رغبة في كبح شهيتها، كما بدأ يشترط شروطا محرجة في صيغة التمني، ولو أنه خاطب الكتلة مجتمعة منذ البداية فلربما اختلفت النتيجة. أضف إلى ذلك ذهاب حزب الاستقلال منفردا لا يلوي على شيء، والتململ القوي الذي اعترى شباب الاتحاد وقواعده، الشيء الذي كان محدودا داخل التقدم والاشتراكية.

(*)ما الدور المطلوب من الفاعلين الثقافيين (مؤسسات المجتمع المدني والمفكرين) في المرحلة القادمة ليستعيد الفكر التنويري والتحديثي ريادته مجتمعيا؟

 

موقفي من المخزن والأصولية الدينية المتطرفة معروف وثابت قبل قيام الثورات الحديثة؛ لي في ذلك كتاب بعنوان: منطق رجال المخزن وأوهام الأصوليين. هما عائقان من عوائق الحداثة. ولذلك فقَـــدُرُ الفاعلين الثقافيين أن يستمروا في الدفاع عن القيم التي ناضلوا من أجلها طوال نصف قرن. لا بد من الالتحام بالشباب في الجامعات والمعاهد ودور الثقافة، والنقابات، وحيثما وُجدوا. هذه هي المواقع التي تمت منها مواجهة الأصولية المخزنية في عز عنفوانها وجبروتها طوال نصف قرن. استولى المخزن على الأصوات والبرلمانات بالتزوير ولكنه لم يستطع تدجين المجتمع المدني، القوات الحية ظلت مستعصية عليه، كانت تتنفس من فضاء الله الواسع، من القيم الكونية، ومن دعم الأحرار في العالم. يجب التوجه إلى الشباب المتعلم ودعمه في مطالبه العادلة في العمل والكرامة.

سيضطر الحقوقيون، مع الأسف، إلى النضال من أجل الحفاظ على المكاسب وحُسن تأويلها، بدَلَ تنميتها وإغنائها. فآخر حروب الأصوليين المتطرفين والمعتدلين، مع الأسف، كانت ضد رفع المغرب تحفظاته على المادتين 9 و 16، وقبلها كانت الحرب على الطبيعة المدنية للدولة. لقد وصل الأمر بمُنَظِّــر الحركة والحزب الأستاذ الريسوني أن اعتبر الحقوقيين المغاربة الذين سَعَــوا لرفع التحفظات “فرنسيساً”، أي عملاء مندسين. ووصلت الحملة على السيدة وزيرة شؤون الأسرة (نزهة الصقلي) إلى حد التكفير من على المنابــر، وفي المظاهرات المساندة للخطيب الذي كفرها. وأنا أستغرب لماذا لم تتابع هؤلاء المكفرين المحرضين قضائيا!

إن أول مجال سيعمل المتشددون ـــ من وراء الحكومة، وفي ظلها ــــ على تعطيله وإفساده هو مجال مكتسبات مدونة الأســـرة. فغصتُها لم تنطفئ بعدُ عندهم. والتزويج دون السن القانون من الميادين التي مُورس فيها هذا التخريب قبل الحكومة الحالية، وسيستمر الآن بمنهجية، وسيمتد إلى التعدد، والولاية …الخ

وسيحاول المتطرفون، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، تجفيفَ منابع الأنشطة الثقافية والفنية التي لا تخدم أجندتهم، ومن الآن نسمع من يُحدد مواصفات المهرجانات، وما ينبغي أن يكون وما لا يكون.. السلفيون يتحفزون لدفع الحكومة نحو الهاوية والحقوقيون يتربصون، والحكومة على المحك. كتب الأستاذ عصيد في أحد المواقع الإلكترونية مقالا يؤكد فيه أن لا تراجع عن المكتسبات الحقوقية المتراكمة منذ نصف قرن، فرد عليه شيخ سلفي (حماد القباج) بأن المغاربة عندهم ما هو أجل من “حقوق الإنسان”، وهو “حقوق الله”. مثلُ هذا الخطاب المعادي لحقوق الإنسان يسُد باب النقاش. فالله لا يمكن أن يعرض ـــ كما سبق القول ـــ للتصويت المُعتمَد في حل الخلافات السياسية! وهو خطاب يتضمن نفيَ المحاوِر من الانتماء للمغرب.

سيكون من الحكمة التعاملُ إيجابيا وبحُسن نية مع الخطاب الذي تحدث به زعماء حزب النهضة في تونس، وبدأ يتحدث به زعماء العدالة والتنمية في المغرب بعد الانتخابات، نقول لهم ما قاله الرسول (ص): “أفلح إن صدق”. لا بأس أن نتغير جميعا لنلتقي عند المواطنة في دولة مدنية تصون الحرية. وبذلك ستبقى الأصوليات المتطرفة والعنصرية والانتهازية على الهامش.

(*)كيف تقارب تنزيل بنود الدستور الجديد المتعلقة بالتعدد الحضاري واللغوي للمغرب؟

 

ستخضع العملية لقانون العرض والطلب، المسألة مسألة توازن قوى، والحكومة الحالية مطوقة بأسبقيات تشغلها عن غيرها، ولها في ذلك عذرها. باستثناء الخطوات الأولية المطلوبة لأجرأة ترسيم الأمازيغية لا أتصور جديدا، فالمسألة تتطلب بناء حضاريا مستمرا. وللحزبين الكبيرين في التحالف الحكومي أسئلة معلقة بالنسبة لقضايا الهوية تخالفُ تصورَ الحليفين الصغيرين: الأمازيغية (مع الحركة الشعبية، ولو للمساومة)، واليهودية (مع التقدم والاشتراكية، للطبيعة الأممية). ربما يستعمل منطق: كم من حاجة قضيناها بتركها. يجب الانتظار، وطول النفس، هذه أمور اِستراتيجية.

(*)ألا تشكل الأغلبية الحكومية الحالية، التي هي أساسا أغلبية محافظة، تهديدا للتنزيل الديمقراطي لهذه المقتضيات؟

 

هذا هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي لليسار والدِّيمُقراطيين عامة أن يطرحوه على أنفسهم وهم يتهيؤون للتعامل مع الوضع الجديد. لن نتجنى على أحد إذا قلنا بأن تغيير الدستور لم يكن مطلبا لأي حزب من الأحزاب المشاركة في الحكومة الحالية. تصريحات زعمائها ــــ عند تقدُّم الاتحاد الاشتراكي بمذكرته ــــ موجودة وموثقة، واحدا واحدا. فكلهم كانوا يحتجون بأن الدستور القائم لم يستنفذ كل طاقاته، بل كانوا أكثر تمسكا بالفصلين 19 و24 من الملك نفسه. فكيف سيُـطبِّـــق قانوناً من لم يكُـنْ يرى ضرورة لتعديله أصلا؟

الأخطر من ذلك هو أن السيد رئيس الحكومة الحالي لا يؤمن بالملكية البرلمانية التي يحلم اليساريون بالوصول إليها! لا أدري أي تنزيل سينزلونه؟ نسمع الآن أن السيد رئيس الحكومة بصدد التنازل عن وزارات لاعتبارات غير دستورية..أو التشاور بشأنها؟ يجب التنديد بأي تنازل ولو بسيط عن السلطة التي يخولها الدستور للحكومة.. كما يجب التصدي لأي خرق أو تأويل رجعي.. هذه مهمة اليسار الآن.. سبق لي أن كتبتُ مقالا بعنوان: “الكلامْ علاش تعول” في الدفاع عن الوزير الأول، داعبتُ فيه ادعاء السيد عباس الفاسي إمساكَه بكل خيوط الوزارة الأولى، والحال أن الصحف كانت تتندر بالطريقة التي سُلمت له بها لائحة حكومته في ضريح مولاي إدريس.

(*)يبدو أن العدالة والتنمية لن يمس حرية الإبداع من موقعه في الجهاز التنفيذي. لكنه دأب على تفويض مهاجمة هذه الحرية (خاصة في مجالات السينما والمسرح والغناء) لذراعه الدعوي (الإصلاح والتوحيد) أو لبعض منتسبيه ليجني هو ثمارها. في ظل هذا المعطى، ألست قلقا على حرية الإبداع مستقبلا؟

 

كان يؤخذ على خطاب العدالة والتنمية الخلطُ بين السياسي والدعوي. وقد بذلوا الآن مجهودا للخروج من هذا الخلط، ولو شكليا: فوضوا “التدافع” فيما ليس تدبيرا سياسيا صرفا للذراع الدعوي: جمعية التوحيد والإصلاح. المسألة تبدو عادية، بل محبذة، وما على الأطراف الأخرى المطالبة بالحرية والمساواة وحقوق الإنسان إلا أن تراقب وتندد بأي استغلال للنفوذ السياسي لصالح الذراع الدعوي.

من الأكيد أنه ليس في صالح الحزب أن ينزلَ حلفاؤه الأيديولوجيون (وهم، لحد الآن، الجمعية المذكورة وأطياف السلفيين: الأصولية المتطرفة) إلى الشارع لمعارضة المطالب الكونية التي يدافع عنها خصومهم ــــ كما وقع في خطة إدماج المرأة في التنمية ــــ وإلا تسبب ذلك في إرباك الحكومة، ووضعَها في مواجهة مع المسار الكوني الحقوقي، ومعروف ما سيترتب على ذلك من مشاكل لا قِـبَــل للمغرب بها. فالمغرب ليس دولة بيترولية بوسعها أن تولي ظهرها للعالم وتفعل ما تشاء؛ المغرب ليس إيران ولا السعودية. إن أي تمرد أو تراجع عن المسار الإنساني التحرري سيؤدي، لا قدر الله، إلى الفتنة، ثم إلى الاختناق. والمغرب يسيرُ وفي حذائه حجرُ “الجوار الشقي”، وهو محتاج لتنمية تعاطف القوى الكبرى مع مساره النموذجي ــــ في العالم العربي المتخلف ــــ لإنهاء قضية وحدته الوطنية على خير. الأصوليون المتطرفون مسكونون بالحقد على الحداثة والعلمانية وحقوق الإنسان، وهي ـــ لسوء حظهم ــــ مرتبطة بالمسار الكوني الحقوقي، والمغرب مفتقر إلى الاندماج في هذا المسار افتقارَ وجود وعدم.

اعتقد أن المجتمع المدني المغربي لا ينتظر من الحكومة الحالية ـــ إلا إن فتح الله بصيرتها أكثرَ مما نتوقع ــــ أن تبادرَ بالتوقيع على مزيد من الحقوق الإنسانية الكونية، ولكنه لن يسمح بتشويه المكتسبات وإفراغها من روحها بشتى الحيل. وقد بدأ هذا التحايل منذ الآن: فما كان “يسمى شرع الله” صار الآن يُسمى قانونا وعرفا. وهذا هو التفسير الذي صار يُعطى مثلا لواقعة احتجاج بنكيران على الصحفية، فالأمر لم يعدْ (في الخطاب الحالي) باسم الإسلام، ولكن باسم العرف أو القانون: يفترض أن يكون للبرلمان زي ما، أو شيء من هذا القبيل. وهذا باب للانزلاق قد يكون خطيرا، لأن كثيرا من المكاسب المرتبطة بالحياة العصرية غيرُ موثق في التشريع المغربي نتيجةَ نفاق الدولة، التي كانت تغض الطرف عن كثير من الممارسات، ولكنها لا تسجلها كحقوق مشروعة. كانت هذه استراتيجيةً مخزنية تحكمية تجعل الحقوق مِنَّــة، أو تتحاشي إحراجَ “علمائها”، وتمارسُ المضايقة والعقاب على خصومها متى شاءت جراء ممارستهم لتلك “المحرمات” المباحة.

(*)في البلدان العربية التي عرفت استحقاقات انتخابية في سياق ما يصطلح على وسمه بـ”الربيع العربي”، اكتسحت الأحزاب ذات المرجعية الدينية صناديق الاقتراع. ألم يؤثر هذا المد على القرار الانتخابي للمغاربة، أم أن سلوكهم الانتخابي أملته عوامل داخلية محضة؟

 

لا يتعلق الأمر بالانتخابات، لأن تونس هي الوحيدة التي سبقتنا، بل يتعلق بالجو العام الذي خلقه تطور الأحداث نحو مزيد من العنف في مصر وليبيا واليمن (وسوريا أيضا) حيث أدى امتداد الصراع إلى دخول الأصوليين بقوة، وهيمن الخطاب الأصولي تدريجيا حتى سمعنا رئيس المجلس المؤقت بليبيا يقدم المرأة للثوار كغنيمة حرب، ومكافأة نهاية خدمة، وهو يعلن تحرير ليبيا، يا له من تحرير مُرغ في التراب مرتين!

هناك اختلافٌ كبير بين حالة تونس والمغرب وحالة ليبيا وما وراءها شرقا (وقد بَيَّنتُ ما يخص المغرب في مقال سابق بعنوان: المسار المغربي في الحراك العربي). يمكن الحديث عن الاكتساح بالنسبة لِــــ ليبيا واليمن بدون انتخابات، و مصر بالانتخابات، والبقية في الطريق. أما في المغرب وتونس فالأصوليون المعتدلون الذين تزعموا الانتخابات لم يحققوا أي اكتساح، فالاكتساح يفترض تجاوز الأغلبية المطلقة بكثير، فهم “بَطُّةٌ عرجاء”، كما يقول الأمريكيون.

في تونس وجدوا أمامهم مكتسبات ضخمة في المجال الاجتماعي (وضعية المرأة والتعليم)، وفي المجال الاقتصادي أيضا (صناعة مؤهلة وسياحة مجهزة). وفي المغرب أمامهم مجتمع مدني وحزبي سياسي متمرس على مقاومة الطغيان. ولذلك بقي حظهم نسبيا ومعقولا. والذي سهلَ حصولهم على النتائج المتميزة نسبيا هو الفساد السياسي والردة التي وقع فيها النظامان: البطانة الفاسدة التي أوقفت الإصلاح في المغرب بعد انطلاقه، والبطانة الفاسدة التي أتت على رصيد البورقيبية في تونس.

من العوامل المساعدة التي تفسِّر الوضع في المغرب إنهاكُ الأحزاب اليسارية المعارضة بإقحامها في اللعبة وتكبيلها لإظهار عجزها، ولا أريد أن أتحدث عن الفقر والأمية…الخ. هناك رغبة في التغيير، وهذا أمر طبيعي بالدين أو بغيره. إنها بداية تناوب بشروط أحْسِنَ، ولكن بأي رجال؟ هذا هو السؤال الذي نتركه معلقا إلى حين.