مخطوط “أمراء النزعة الانحرافية العمالية أو انحراف القيادة النقابية المغربية”

أمام أعضاء لجنة العمل النقابي للحزب ، في اجتماعها بالرباط ، بتاريخ 5 نونبر 2002 ، قال عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: ” يسعدني أن أحضر معكم اليوم هذا الاجتماع الذي يعود بي إلى ذكريات نضالية مؤثرة كان لها الفضل الكبير في تطوير الحركة النقابية وكذا تنظيمنا السياسي (…) وتجدر الإشارة هنا إلى أن طرفا آخر وهو السلطات العمومية كان دائما يعمل على ضرب وتماسك مناضلينا ، وخاصة في وسط الطبقة العاملة ، التي تميز نضالها بتجربة العمل الشعبي ، بقيادة الطبقة العاملة ، ولقد حاولنا طيلة هذا التاريخ الوقوف في وجه كل المحاولات الانشقاقية والتيئيسية حتى تبقى الحركة قائمة على المشاركة الأوسع للطبقة العاملة(…) وإذا أردنا أن نتأمل في نتائج انتخابات 27 شتنبر على المستوى السياسي ، فسنجد اندحار الهيئات التي أرادت أن تكون البديل ، لكننا حصلنا على نتائج سارة ، في الوقت الذي تكبدت فيه جماعة مغرورة أبشع هزيمة ( الإشارة إلى أنصار محمد نوبير الأموي ، الكاتب العام للكنفدرالية الديمقراطية للشغل ) . لقد فاز إخوانكم وممثلوكم في النقابة الوطنية للتعليم الأخوان عضوا المكتب السياسي الطيب منشد وعبد الرحمان شناف ، في حين جنى الانفصال الغبار في جميع أنحاء البلاد … من المستجدات أيضا الحملة التي شرع فيها مسيرو الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ونسجل هذا كحدث سياسي مهم جاء غداة الهزيمة النكراء واستكمالا للمواقف السابقة. وهنا لابد أن أمر بعجالة عبر 10 سنوات خلت ، فأقول إن المسألة التي نعيشها ليست وليدة اليوم أو نتيجة المؤتمر السادس للحزب ، بل الأزمة النقابية نتيجة مخطط استمر منذ 1992 ، حيث بدأنا نلمس مواقف ومبادرات ترمي لإضعاف حزبنا وضرب مخططه ، وافتعال محاكمة 92 كان داخلا ضمن هذا المخطط ، ونورد هنا إشارة إلى كون جريدة الرهان ، وضع ترخيصها منذ ذلك الوقت ، إلى أن وصل الحد إلى استبعاد خطاب الكاتب الأول في مؤتمر النقابة ، ليستبدل بخطاب وزير الداخلية ، وصولا إلى مؤتمر العيون الذي نظم غداة المؤتمر السادس لحزبنا ( مؤتمر العيون انعقد قبيل المؤتمر السادس )، وعند تشكيل حكومة التناوب كانت أكبر ضربة هي الخطاب الذي ألقاه ممثلو الكونفدرالية في الغرفة الثانية بحيث لم أسمع خطابا مناوئا لحزبنا مثله…” وفي تقرير سكرتارية لجنة العمل النقابي للحزب ، تم التطرق إلى أن 70 % من ممثلي الاتحادات الجهوية والمحلية والمراكز العمالية للمركزية النقابية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ، ينتمون للاتحاد الاشتراكي ، وأن المكتب التنفيذي يستمد أغلبيته فقط من غالبية أعضاء اللجنة الإدارية للمؤتمر العيون ، وأشار التقرير المذكور أعلاه ” للتوجه البيروقراطي للقيادة النقابية ، وأنها تضايقت من فعالية ومصداقية أداء الأعضاء الاتحاديين فشرعت في مضايقتهم واستفزازهم (…) ثم منع عدد منهم من الدخول واللجوء إلى تهديد آخرين واستعمال العنف…” وقف بيان لجنة العمل النقابي أيضا على ” انحراف المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل عن المسار النضالي الذي أسست من أجله المنظمة ، ودوسه على الديمقراطية الداخلية ، من خلال الانفراد بالقرارات والاستبداد بالتسيير ، ولجوئه إلى الانقلابات التنظيمية وإقحامه الطبقة العاملة في حركات فاشلة عصفت بالعديد من مكتسباتها …” لاشك أن مبادرة الحزب في الواجهة النقابية و خصوصا كلمة اليوسفي ، التي يظهر أنها ارتجلت ، ستدخل التاريخ من بابه الواسع ، ليس فقط أنها تشكل نقدا لممارسة سياسية ونقابية امتدت على مسافة عقد من الزمن ، وبالخصوص المرحلة الممتدة من 1995 إلى 1997 ، ولكنها صادرة من الكاتب الأول للحزب تجاه الجناح النقابي ، الذي كان له حضور قوي في مراكز القرار الحزبي منذ المؤتمر الخامس الذي انعقد سنة 1989. شكل الحضور النقابي في تاريخ الاتحاد الوطني / الاشتراكي ، تنظيميا وسياسيا ، شوكة مؤلمة للجسم السياسي الاتحادي منذ 1960 ، وكان إحدى الثوابت في تاريخه ، وإن كان لهذا الحضور اثر في خلق ميكانيزمات تحرك الجناحين النقابي والسياسي ، فإن الانعكاسات التنظيمية والسياسية كانت سلبية خصوصا في المنعطفات التاريخية للبلاد ، وإذا شكلت كلمة اليوسفي أمام لجنة العمل النقابي يوم 5 نوفمبر 2002 أهمية في مرحلة ما بعد المؤتمر الخامس للحزب ( 1989 ) لاعتبارات قد تكون متعددة ، فإنها ليست المرة الأولى التي تتوجه فيها القيادة السياسية للحزب بالنقد الصريح والقوي للجناح النقابي ، فقد اندلع الصراع بين الطرفين منذ 1961 ، في تزامن مع التحول الذي وقع بين القصر والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، واتضحت الأمور بعد أن استطاع رضى اكديرة بناء جسور متعددة بينه وبين قيادة الاتحاد المغربي للشغل . عدد كتيب صدر عقب قرارات 30 يوليوز 1972 ، التي فصلت الجناح النقابي عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، سلوك ” الجهاز النقابي ” أو ” الجهاز ” كما كان يسمى عند مناضلي الجناح السياسي ، ويظهر من سياق هذه الأحداث أن الصراع بين مناضلي الجناح السياسي والقيادات النقابية لم يتوقف يوما داخل الحزب ، منذ يونيو 1961 ، حين صدر بلاغ مشترك بين قيادة الاتحاد المغربي للشغل وأحمد رضى اكديرة ، لإلغاء إضراب الموظفين الذي كان مقررا له يوم 19 يونيو، وذلك مقابل وعد بجمع” المجلس الأعلى للوظيفة العمومية ” . ونجد في الكتيب المذكور أعلاه عددا من الأحداث التي تبرز أن وزارة الداخلية استطاعت اختراق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من خلال الجناح النقابي ، وتصاعدت الاصطدامات بشكل جلي بين الطرفين ، و نعت فيه مناضلو الجناح السياسي ب” جماعة بوعبيد ” . في اجتماع المجلس الوطني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، يوم 17 يونيو 1961، علم المناضلون ” بواسطة الإذاعة بصدور بلاغ مشترك بين رضى اكديرة وبين ممثلي المكتب الوطني للاتحاد المغربي للشغل ، يعلن عن إلغاء إضراب الموظفين المقرر ليوم 19 يونيو مقابل وعد بجمع ” المجلس الأعلى للوظيفة العمومية ” …” تم الاصطدام بين الجناحين من جديد بمناسبة الإضراب الذي أعلن عنه رجال البريد والموظفين ، في شهر دجنبر 1961 . كان الجناح النقابي يعتبر أي عمل أو مبادرة من مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المجال النقابي تدخلا في شؤون النقابة ، وأن ممثلي الاتحاد المغربي للشغل في الكتابة العامة ( قيادة الاتحاد الوطني ) طالبوا بإقصاء كل من تبث في حقه المس بالاستقلال النقابي . أدى الصراع بين الجناحين إلى عقد المؤتمر الثاني للحزب في ظل ثنائية سياسية نقابية واضحة ، وتم تغييب التقرير الذي أعده المهدي بن بركة في منفاه ” الاختيار الثوري ” ، في حين تم تقديم التقرير الذي وضعه عبد الله إبراهيم : ” التقرير المذهبي ” . لم يحل المؤتمر الثاني دون استمرار الصراع بين الجناحين وصل في عدد من الحالات إلى الاعتداء الجسدي . في نونبر 1962 أعلن رسميا عن إجراء استفتاء حول الدستور ، فوقع خلاف بين الجناحين حول الموقف اتباعه ، ففي الوقت الذي قرر فيه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مقاطعة الاستفتاء ، أصر الاتحاد المغربي للشغل على الدعوة إلى التصويت بلا. في يناير ومباشرة بعد عملية الاستفتاء انعقد المؤتمر الوطني الثالث للاتحاد المغربي للشغل ، وتم اختطاف عمر بنجلون ، الذي جاء ممثلا لجامعة البريد . واعتبر الجناح السياسي أن المؤتمر الثالث بداية للانحراف النقابي الواضح . بعد صدور أحكام مارس فيما عرف ب” مؤامرة 16 يوليوز 1963 ” قدمت دعوى من لدن شركة أمبريجيما ( تابعة للاتحاد المغربي للشغل ) ضد محمد الفقيه البصري ، الذي حكم عليه بالإعدام ، وطلبت الشركة الحجز على المبالغ التي كانت بالحساب البريدي لجريدة التحرير ، وتم التبليغ بالقرار القضائي لمحمد الفقيه البصري بالسجن ” . وفي غشت 1964 تمت تصفية مناضلي الجناح السياسي من قيادة بعض الجامعات وخاصة التعليم والطاقة الكهربائية ، ومطاردة المنتسبين إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية . وبلغ التوتر بين الجناحين حدا كبيرا بعد اختطاف المهدي بن بركة ، إذ التزمت القيادة النقابية الصمت ” لأن الأمور غير واضحة ” ، ووصلت الأمور أن صرح أحد أعمدة الجهاز النقابي أمام تجمع لعمال ميناء الدار البيضاء ، أن المهدي اختطف لأنه كان ” يتاجر في الأفيون ” .( الكتيب الخاص بقرارات 30 يوليوز ) وتشكلت ” لجان التنظيم ” تحت إشراف أحد المناضلين النقابيين ( سيصبح فيما بعد وزيرا للشغل ) لتصفية مناضلي الجناح السياسي من التنظيمات النقابية . رغم بيان الوحدة الموقع بين الجناحين في غشت 1967 ، لم يعرف الصراع بينهما أي هدنة ، إلى أن استطاع الجناح السياسي في اجتماع اللجنة الإدارية للحزب طرد الجناح النقابي بالقرار المشهور المؤرخ في 30 يوليوز 1972 . كان من أهم نتائج المؤتمر الاستثنائي ، في يناير 1975 ، تفعيل لجنة العمل النقابي المتفرعة عن الهياكل الحزبية التي انتخبها المؤتمر ، وأدى هذا المسلسل إلى تأسيس مركزية عمالية في نوفمبر 1978 ، أطلق عليها اسم الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ، اكتسبت بعدا جماهيريا ، و تعددت المحطات النضالية في مراحلها الأولى خاصة بين أبريل 1979 ، تاريخ إضراب رجال التعليم والصحة ، والذي قوبل من لدن الحكومة بطرد واعتقال مئات المناضلين ، و14 دجنبر 1990 تاريخ الإضراب العام ، الذي شكل منعطفا في تاريخ المغرب ، لازالت انعكاساته سارية إلى يومنا هذا . كان تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل سنة 1978 حلما يتحقق لعدد من المناضلين سواء في القاعدة أو القيادة ، والذين عانوا الأمرين مع قيادة الاتحاد المغربي للشغل من جهة ، ومن جهة أخرى من عدم تحرك قيادة الاتحاد السياسية للحسم مع الجناح النقابي في قضايا تهم الحزب قبل النقابة ، وكان الغائب الحاضر في لحظة التأسيس عمر بنجلون ، الذي اغتيل ظهيرة 18 دجنبر 1975. يشبه خطاب عبد الرحمان اليوسفي يوم 15 نوفمبر 2002 ، شيئا ما خطاب عبد الرحيم بوعبيد عندما ألقى كلمة أمام أعضاء اللجنة الإدارية المجتمعين يوم 30 يوليوز 1972 ، ( تاريخ طرد قيادة الجناح النقابي من الحزب ) ، لكن كلمة عبد الرحيم بوعبيد كانت بمثابة نقد ذاتي علني للحدث الذي سمي اتفاق الوحدة الذي عقد بين الجناحين في غشت 1967 ، يقول عبد الرحيم بوعبيد : ” ولقد رأيت أنا شخصيا أنه من واجبي ، بصفتي عضوا في الكتابة العامة ونظرا لغياب بعض الإخوان ، القيام بمبادرة في الموضوع ، وقمنا جميعا ، جميع مناضلينا ، نعمل إلى جانب الاتحاد المغربي للشغل نسانده في محنته في الوقت الذي عجزت فيه أجهزته البيروقراطية عن اتخاذ أي قرار يتعلق بمحنة الطبقة العاملة يوم اعتقل كاتبها العام وأصبحت مهددة بالتصفية ( يونيو 1967 ) . لقد قام الاتحاديون جماعات و أفراد في كل مكان واتصلوا بإخوانهم النقابيين للعمل معا ضد المؤامرة ، ضد القمع ، خصوصا وأننا قد تعودنا القمع وأساليبه وخططه ، فلا بد من تزويد إخواننا النقابيين بالدروس التي استفدناها نحن من القمع المتواصل ، ولا بد من العمل معهم جنبا إلى جنب ضد المؤامرة .هذا هو المنطلق الأساسي بل الوحيد الذي دفعنا إلى القيام بمبادرة 1967 . وأنا شخصيا أتحمل مسؤوليته أمامكم وأعترف أني ألزمت وأرغمت عددا كبيرا منكم على قبول هذه الاتفاقية التي لم يكونوا يرون فائدة منها نظرا لتجاربهم الطويلة و المريرة مع الجهاز النقابي ( أعتقد أن عبد الرحيم بوعبيد كان يتحدث عن الموضوع ، وهو يستذكر نص المخطوط الذي أنهى عمر بنجلون كتابته في شتنبر 1964 ) ، وعلى كل حال فإني لا أتأسف على ذلك الموقف الذي اتخذته عام 1967 ، ولست نادما على الاختيار الذي اخترته والذي ضغطت عليكم حتى أصبح اختيارنا جميعا . أنا لا أتأسف على ذلك ، لأن نيتي كانت نية حسنة . وعلى الرغم من أنه يقال أنه لا دخل للنوايا الحسنة في السياسة ، فإني أومن كامل الإيمان أن أي عمل وطني ونضالي لا يصدر عن نية حسنة هو عمل فاشل ، وهو عمل بعيد كل البعد عن النضال الحقيقي ، هو عمل لا يساعد قط على تحقيق الأهداف الثورية ، فإن لم تكن هناك نوايا مخلصة صافية و إرادات حسنة نزيهة ، وإذا لم تكن هناك أخلاق ثورية فلا شيء من الأهداف الثورية يتحقق .” عمر بنجلون : 26 نوفمبر 1936 – 18 دجنبر 1975 : مسار رجل جمع بين السياسة والأخلاق ولد عمر بنجلون في بركنت ( وجدة ) يوم 26 نوفمبر 1936 ، وتم اغتياله ظهيرة 18 دجنبر 1975 ، من خلال عملية نفذتها عناصر تنتمي إلى تنظيم “الشبيبة الإسلامية ” ( أنظر مقالنا من اغتيال المهدي بن بركة إلى اغتيال عمر بنجلون ، الأحداث المغربية دجنبر 2001 ) تابع عمر بنجلون دراسته بمدينة وجدة ، ثم انتقل إلى كلية الحقوق بالرباط ، ليتحول سنة 1957 إلى باريز ، حيث كان يواصل في نفس الوقت دراسته بكلية الحقوق ( السنة الثالثة ) والمدرسة العليا للبريد والمواصلات . صادف حلول عمر بنجلون في باريز تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، فكان عنصرا بارزا في النضال الطلابي بباريز ، وفرض سلوكه المنبني على الجدية والديناميكية والإخلاص ، احترام جميع المناضلين مغاربة وأجانب ، وساهم عمر بنجلون في لحظة تأسيس الجامعات المتحدة والاتحاد الوطني للقوات الشعبية . أصبح رئيسا لجمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا لسنة 1959-1960 ، وهي السنة الجامعية التي حصل فيها على الليسانس ، ودبلوم المدرسة العليا للبريد . عاد إلى المغرب في شهر يونيو 1960 ، حيث أسندت له مسؤولية جهوية في البريد ، في الدار البيضاء ، وانغمس كليا في العمل النقابي في جامعة البريد التابعة للاتحاد المغربي للشغل . كان عمر بنجلون أول من اصطدم مع قيادة الاتحاد المغربي للشغل ، وكشف عن علاقاتها مع وزارة الداخلية آنذاك في وقت وقع فيه الانفصال بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والقصر . كان عمر بنجلون مناضلا صلبا داخل جامعة البريد ، وكان وزنه حاضرا في كل المعارك النضالية ، ومن أهمها إضراب جامعة البريد في دجنبر 1961 ، الذي جاء كرد فعل على إلغاء إضراب الموظفين الذي كان مقررا ليوم 19 يونيو 1961، واختطف عمر بنجلون من لدن ” الكتائب الخاصة ” للأجهزة الأمنية ، لدوره وحضوره النضالي داخل جامعة البريد ، ورغم اختطافه ليلة الإضراب ، نجح رجال البريد عبر إضرابهم في شل المواصلات والبريد إبان حفلات نهاية السنة الميلادية . وأدت هذه الأحداث إلى اصطدام عمر بنجلون بالجهاز النقابي ، وكان من المناضلين الأوائل الذين أعلنوا موقفهم بوضوح تجاه القيادة النقابية ، ولم يكف عن الجهر بما كان يسميه ب” الانحراف النقابي للجهاز” ، فطبيعة الرجل وصراحته وتمسكه بالمبادئ النضالية ، حولته إلى ضمير الحزب المندد لما كان يعتبره انحرافا في مسار الجناح النقابي داخل الحزب . كان حضور عمر بنجلون بارزا منذ المعارك النقابية الأولى التي اندلعت في المغرب في 1961 ، عقب تحول موازين القوى في المشهد السياسي المغربي ، وكل كتابات عمر بنجلون حول الطبقة العاملة ، تمحورت حول دور العمال في معركة البناء الديمقراطي بالمغرب ، وأن هذا الدور لن يكون فاعلا دون إشراكهم في نضال الشعب المغربي ، وإن كان هذا الطرح لا يختلف عن أدبيات الستينات والسبعينات من القرن الماضي حول دور الطبقة العاملة في معركة التغيير ، فإن مواقف عمر وكتاباته تحمل نكهة مغربية خاصة ، تكشف في نفس الوقت ، عن ثنايا التاريخ المغربي المباشر و المعيش ، وعن إشكال التعايش بين الجناح النقابي والسياسي داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية . انتقل بنجلون في بداية سنة 1962 إلى العمل بالمديرية الجهوية للبريد بالرباط ، مواصلا نضاله في جامعة البريد ، وفي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وفي نفس عاد إلى باريز لاجتياز امتحان دبلوم الدراسات العليا في القانون العام ، ونجح فيه بامتياز . في ماي 1962 ، أصبح عضو اللجنة الإدارية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، بعد انعقاد مؤتمره الثاني ، وظل صوتا منددا ” بحق الفيتو الممارس ( من لدن القيادة النقابية ) داخل الحزب وعواقبه الخطيرة في ميدان التنظيم ” . انتخب عمر بنجلون ، مندوبا إلى المؤتمر الثالث للاتحاد المغربي للشغل ، في يناير 1963 . في مدخل مقر المؤتمر اختطف من طرف ” مليشيات الجهاز النقابي ” ، واحتجز وعذب في قبو لمدة يوم كامل ، إلى جانب مناضلين آخرين من جامعة البريد . في نشرة صدرت بباريز في مارس 1964 ، بمناسبة محاكمة المتهمين في ” مؤامرة يوليوز 1963 ” ، نجد مقتطفات من رسالة بعثها عمر بنجلون إلى الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل ، تبين الدواعي الكامنة وراء مواقف عمر من القيادة النقابية ، وتفسير أسباب اختطافه وتعذيبه من لدن ” مليشيات الجهاز النقابي ” إبان انعقاد المؤتمر الثالث للنقابة . جاء في هذه الأسباب ما ترجمته : أن عملية الاختطاف وقعت ” لأنه كان يخشى أن تعرض آراؤهم ( عمر بنجلون وزملائه في جامعة البريد ) حول : – الدور الطلائعي الذي يجب أن تلعبه الطبقة العاملة داخل حركة التحرير . – ضرورة الديمقراطية الداخلية للمحافظة وتنمية وحدة الطبقة العاملة على قاعدة ثورية – خطر لا تسيس الطبقة العاملة والعزل السيكولوجي و السياسي المحاول وضعه بين الطبقة العاملة وبقية الجماهير الشعبية . – الخطر المحدق بوحدة و قوة الاتحاد المغربي للشغل ، خطر ناتج عن بعض الممارسات التي قلصت بشكل جلي نضالية النقابات …” ( Le procès de Rabat – Mars 1964 . Document n° 3. p 10 ) في نفس الزمن أرسل عمر بنجلون أيضا رسالة إلى الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وهي أعلى هيئة حزبية ، ]يقول فيها إنه ” مقتنع بالضرورة البديهية للتسوية النهائية و الملموسة لمشكل هيكلة حركتنا …” ( المصدر السابق ) أعطت هذه الأحداث مساندة قوية لبنجلون ورفاقه من لدن مناضلي جامعة البريد ، كما شكلت أيضا مرجعية في التعامل مع ثنائية الحضور النقابي والسياسي داخل الحزب . لعب عمر بنجلون دورا أساسيا في الحملة الانتخابية التشريعية التي عرفها المغرب في شهر ماي 1963 ، في كل من الدار البيضاء ووجدة . عاد مرة أخرى إلى وجدة في شهر يوليوز 1963 ، بمناسبة إعداد الانتخابات البلدية والجماعية ، وتم اعتقاله يوم 16 يوليوز في اجتماع اللجنة المركزية الموسع بالدار البيضاء ، واتهم على إثره بتحضير مؤامرة ضد النظام . صدر ضده حكم بالإعدام في مارس 1964، بتهمة تسريب أسلحة من الجزائر إلى المغرب . ابتداء من شهر أكتوبر 1964 إلى أبريل 1965 ، وقعت اتصالات بين الملك الراحل الحسن الثاني و عبد الرحيم بوعبيد حول الأزمة السياسية والاقتصادية التي كانت تهب على المغرب ، وأفضى الحوار إلى العفو يوم 14 أبريل 1965 على عدد من المحكوم عليهم ، ومنهم عمر بنجلون ، ثم تعرض للاعتقال مرة ثانية يوم 16 مارس 1966، وأمضى في السجن مدة سنة ونصف ، ليطلق سراحه في 21 شتنبر 1967 . واصل بنجلون نضاله داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، رافضا الثنائية النقابية السياسية الممارسة داخل الحزب ، ومنبها لعواقبها التنظيمية والنضالية ، وفي هذا السياق كان بنجلون في طليعة من رفضوا ” الوحدة ” التي قامت بين الجناحين النقابي والسياسي ، في غشت 1967 بمبادرة من عبد الرحيم بوعبيد . اشتغل بنجلون في ميدان المحاماة ، وعمل إلى جانب عبد الرحيم بوعبيد و محمد الصديقي في الإعداد لمحاكمة مراكش في صيف 1971 ، والتي بدأ الاستعداد لها منذ يوليوز / شتنبر 1970 ، عندما راسل عدد من المعتقلين في السجن العسكري بالقنيطرة ، عبد الرحيم بوعبيد للدفاع عنهم . كان من بين المعتقلين في السجن العسكري أحمد بنجلون ، أخ أصغر لعمر ، اختطف مع سعيد بونعيلات من قلب العاصمة الإسبانية بمدريد أواخر شهر يناير 1970 ، وبعد انطلاق حملة الاعتقالات الني مست مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، منذ 16 دجنبر 1969 ، ومن خلال أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد ( ملف محاكمة مراكش 1971 ) ، وخصوصا بعض الملفات المتعلقة بإجراءات إدارية حول مسألة استدعاء سفير المغرب في مدريد وسفير إسبانيا بالمغرب ، ووكيل الدولة بمحكمة الرباط ومسؤول الشرطة القضائية التي أنجزت محاضر ” الاستنطاق ” للمتهمين ، نلمس بعدا إنسانيا عميقا عند عمر بنجلون ، وعطف الأخ على أخيه في المحنة التي كان يواجهها ، إذ لم يتقاعس عمر عن القيام بكل الإجراءات ، ولو كانت بسيطة ، لإعداد ملف الدفاع . برز دور عمر بنجلون بعد محاكمة مراكش ، على المستوى التنظيمي الداخلي للحزب ، فقد عمل إلى جانب عدد ممن كان يطلق عليهم الأطر الحزبية ، على الإعداد للحسم في القضايا التنظيمية الداخلية ، ولذلك انبرى منذ شتنبر 1971 إلى تهييء حدث 30 يوليوز 1972 ، الذي تم فيه فصل الجناح النقابي من التنظيمات الحزبية ، وجاءت النتائج الأولى لهذا العمل في شكل كراسات صغيرة بدأت تنشر بين المناضلين ابتداء من شهر يناير 1972 . عمل بنجلون إلى جانب الأطر الحزبية في الإعداد إلى المؤتمر الحزبي الثالث ( الاستثنائي ) ،وكان العمل على قدم وساق من خلال اللجان وإعادة تفعيل التنظيمات الحزبية والنقابية ، عندما انتبهت بعض الأطراف إلى ” صحوة ” الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ورأت في الأطر القيادية الجديدة خطرا على مخططاتها ومراكزها ، فدبرت عمليتي اغتيال لكل من عمر بنجلون ومحمد اليازغي ، يوم 13 يناير 1973 ، فنجا بنجلون من الاغتيال ، في حين انفجرت القنبلة الثانية في وجه اليازغي ( القنبلة عبارة عن كتاب حول الماركسية ، ويظهر أن الأطراف التي كانت وراء عملية الاغتيال قررت منذ ذلك اليوم استعمال التنظيمات الإسلامية واجهة في عمليات الاغتيال ، وذلك ما تم في شهر دجنبر 1975 ، عندما نفذت عناصر من الشبيبة الإسلامية عملية اغتيال عمر بنجلون أمام بيته بالدار البيضاء ) . كان يوم 13 يناير خاصا أيضا في تاريخ المغرب ، فقد أعيدت هيكلة الأجهزة الأمنية الخاصة ، وفي نفس اليوم أيضا تم إعدام الضباط المتورطين في محاولة الانقلاب الثانية والتي جرت يوم 16 غشت 1972. جاء بيان اللجنة المركزية المنعقد اجتماعها في فاس ، يوم 21 يناير 1973 ، جوابا على محاولة الاغتيال التي تعرض لها بنجلون و اليازغي ، وكان أهم قرار/ رد ، هو الإعلان عن عقد مؤتمر وطني في صيف 1973 ، وتم تشكيل اللجان الوظيفية لتنفيذ القرار . في نفس الشهر وإلى غاية شهر مارس اندلعت حوادث مسلحة في مدن الدار البيضاء ووجدة ، وتأججت بالمواجهات المسلحة بين عناصر الجيش وخلايا التنظيم السري التي تسرب جزء منها من الحدود الجزائرية المغربية ، فأعلن بلاغ حكومي في شهر أبريل 1973، عن توقيف أنشطة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وتم اعتقال عشرات المناضلين وأغلبية الأطر الحزبية ، في حين تمكن بعضهم من الالتجاء إلى الخارج ، وتم اعتقال عمر بنجلون يوم 9 مارس 1973 ، وأدى هذا إلى محاكمة الحزب والمناضلين في محاكمة القنيطرة في صيف 1973، التي كشفت جلساتها عن جانب آخر من شخصية عمر بنجلون ، حينما كان الصوت الواضح بين المعتقلين ، الذي أعلن أمام المحكمة ، وفي سياق جدال سياسي بين النيابة العامة وعمر بنجلون ، أن الحزب كان بصدد الفصل التنظيمي مع قيادة الخارج ، وهي الفكرة التي تحققت لعمر بنجلون مع عقد المؤتمر الاستثنائي في يناير 1975 ، عندما تم إطلاق سراح الأطر الحزبية ، ورفع قرار التوقيف عن الحزب وأنشطته ، بشكل عملي ، في شهر غشت 1974 ، وتسلم عمر بنجلون إدارة جريدة المحرر يوم 23 نوفمبر 1974 ، مباشرة بعد خروجه من السجن . كان من المنتظر أن يعقد المؤتمر الحزبي في شهر دجنبر 1974 ، لكن ظروف التهييء أجلته إلى 10 يناير 1975 ، وهو المؤتمر الذي حسمت فيه قضية الثنائية التنظيمية ، قيادة الداخل وقيادة الخارج ، وتم التنصيص على انتخاب أعضاء القيادة من مناضلي الداخل فقط ، كما تمت الموافقة على تغيير الاسم من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد لاشتراكي ، وبذلك تحقق لعمر بنجلون ذلك الحلم الذي ولد في 1961 ، بتأسيس حزب يتمتع بصحة تنظيمية ووضوح في خطه الإيديولوجي والسياسي ، ولعب بنجلون الدور الأول في صياغة التقرير الإيديولوجي . انتخب عمر بنجلون عضوا في المكتب السياسي ، في يناير 1975 ، وترأس لجنة العمل النقابي للاهتمام عن قرب بقضية التنظيم العمالي ، وهنا انتبهت الأطراف التي تتخوف من تحول الاتحاد الاشتراكي إلى قوة تنظيمية وسياسية فاعلة ، إلى دور عمر بنجلون في عملية التحول الذي يعرفه الحزب ، فنظمت عملية اغتيال للرجل أمام بيته ظهيرة 18 يوم دجنبر 1975 ، ومرة أخرى بواسطة عناصر تنتمي إلى الشبيبة الإسلامية ، بغية إعطاء الاغتيال صبغة تناحر بين الاتحاد الاشتراكي وتنظيم الشبيبة الإسلامية ، لكن عبد الرحيم بوعبيد أعاد عملية الاغتيال إلى سياقها السياسي في كلمة التأبين التي ألقاها على جثمان عمر بنجلون .( أنظر مقالنا : ” من اغتيال المهدي بن بركة إلى اغتيال عمر بنجلون ، الأحداث المغربية دجنبر 2001 ) وثيقة بخط عمر حول : ” أمراء النزعة الانحرافية العمالية أو انحراف القيادة النقابية المغربية ” يوجد ضمن أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد مخطوط يتعرض ” للحضور النقابي ” داخل الحزب ، وأثر ذلك على المعارك التي كان يقودها ، ثم تعارض الخطاب الاتحادي القائم على المواجهة ، مع خطاب ” الواقعية ” الصادر عن قيادة الاتحاد المغربي للشغل . ويعود تاريخ الانتهاء من كتابة هذا المخطوط إلى شتنبر 1964، علما أن آخر تاريخ ورد في المخطوط يعود إلى شهر يونيو 1964 ، والحالة هذه قد تعود الصياغة النهائية للمخطوط بين يونيو و شتنبر 1964 . عند ما نربط بين خطاب اليوسفي أمام لجنة العمل النقابي يوم 5 نوفمبر 2002 ، و هذا المخطوط الذي وقع باسم ” مناضلين تقدميين ” ، فإننا نومئ إلى هذا الثابت في تاريخ الاتحاد الوطني / الاشتراكي : ” الثنائية النقابية السياسية ” ، وأثرها على الواجهة التنظيمية والسياسية للحزب ، وهي ثنائية ، إن منحت للحزب وقودا لحرق مراحل العمل السياسي ، فإنها في نفس الوقت شكلت نقطة ضعفه التنظيمية ، ويكفي مقاربة المعارك النضالية التي واجهت المجتمع المغربي منذ ماي 1960 إلى 27 شتنبر 2002 ، مع تحولات الثنائية النقابية السياسية داخل الاتحاد ، لنفهم عددا من الأحداث الحزبية الداخلية . يتعلق الأمر بمخطوط ” أمراء النزعة الانحرافية العمالية أو انحراف القيادة النقابية المغربية ” من 208 صفحة ، كتبت بخط أزرق واضح ، لكن بلغة تحمل أخطاء إملائية عديدة . لإثبات العلاقة بين المخطوط وعدد من الكتابات الحزبية حول الطبقة العاملة المغربية ، رجعنا إلى بعض الوثائق من أهمها : 1) الكتيب الذي صدر عن اللجنة الإدارية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بعد قرارات 30 يوليوز 1972 ، إذ نجد تطابقا بين الكرونولوجيا التي تشير إلى ” الانحراف النقابي ” و الأحداث الواردة في هذا المخطوط ، بل نجد نفس المصطلحات المرتبطة بالصراع بين الجناحين : ” السقوط في الاستفزاز ” ، ” جماعة بوعبيد ” ، ” مصفحات الاتحاد المغربي للشغل ” ، ” الاستقلال النقابي ” ” الاعتبارات النقابية ” ، ولذلك يمكن أن نقيم علاقة بين ما نشر في الكتيب المذكور أعلاه والمخطوط المكتوب في شتنبر 1964 . 2) في الذكرى الثانية لاغتياله ، دجنبر 1976 ، صدر كتيب عن اللجنة العمالية الوطنية ، ( والتي كان يرأسها عمر، وهي النواة المؤسسة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل ) تحت عنوان : ” الطبقة العاملة “، جاء في مقدمته : ” لقد عاش عمر من الداخل تطورات الحركة النقابية المغربية منذ أوائل الستينات ولمس الأسباب الحقيقية التي جعلتها تتعثر وتعيش أزمة خانقة أدت إلى الوضعية المأساوية التي تعيشها ( تدهور الوضع المعاشي ، تمزيق صفوفها ، ظهور بيروقراطية نقابية لا صلة لها بالجماهير العمالية…) . لذا كرس عمر حياته النضالية لتصحيح الأوضاع الذاتية للحركة النقابية المغربية انطلاقا من ضرورة حل المسألة النقابية حلا صحيحا كشرط ضروري وحلقة من حلقات الدفع بالمسلسل التاريخي إلى الأمام …” ( ص 4 ). إن عمر بنجلون كان أقرب المناضلين في قيادة الحزب إلى الاشتغال في المسألة النقابية ، وإن أي كتابة حول الموضوع لن تكون غريبة عنه ، إذ أن جل الكتابات المتعلقة بالطبقة العاملة كانت من ” توقيع ” عمر بنجلون 3) كتيب صدر في ماي 1967 بالفرنسية تحت عنوان : ” La classe ouvrière marocaine, 12 ans après ” ، نشرة داخلية خاصة ، 39 صفحة ) ، وهو تقريبا ملخص للمخطوط إضافة إلى الحديث عن المرحلة التي توقف عندها المخطوط ، شتنبر 1964 إلى ماي 1967 . ورغم تباين اللغة بين هذه الدراسة والمخطوط ، نجد نفس التحليل لمسار الطبقة العاملة منذ تأسيس الاتحاد المغربي للشغل إلى 1967 ، مع صيغة أقل حدة من نص المخطوط ، لكن نفس البناء في الجمل واستعمال نفس المصطلحات ، فعناوين الفصول مثلا تقدم كفقرات مكونة من الكلمات المحورية للموضوع المعالج ، فالفصل الأول من الدراسة حول الطبقة العاملة ، وضع له العنوان التالي : Circonstance de la formation des syndicats et installation des caractéristiques du syndicalisme semi-officiel, après le rôle d avant garde assuré par les travailleurs dans la lutte pour l’ indépendance . وجاء في الفصل الأول من المخطوط ، في أحد العناوين الفرعية ما يلي : ” الظروف السياسية الموضوعية والصبغة الشبه الرسمية للمنظمة النقابية ” .كما تم وضع عنوان الباب الأول كالتالي : ” إنجاز شروط الانحراف .1956-1960 : تكوين الإقطاع الشخصي : بانطلاق من الظروف الموضوعية والأفراح غداة الاستقلال ، تحت حماية الحركة التقدمية ، وحسب سلسلة ” من الأساليب تهدف ضمان انقياد أو تصفية ” الإطارات النقابية ” . 4 ) وفاء لذكرى مدير جريدة المحرر ، قامت هيئة التحرير والعاملين في جريدة الحزب ، بإصدار كتاب ، في الذكرى الأربعينية لاغتيال عمر بنجلون ، نشر فيه عدد من مقالاته ومحاضراته ، ومخطوطات بخط يده ( وظفنا هذه المخطوطات ، إلى جانب أخرى في مقارنة الخط الذي كتبت به الوثيقة مع خط عمر بنجلون ) ، ومن بين هذه المقالات ، واحد وضع له عنوان : ” 20 سنة بعد تأسيس الاتحاد المغربي للشغل ” ، ( شهيد “المحرر” عمر بنجلون ، الدار البيضاء يناير 1976 ، 204 صفحة ) ويحمل المقال نفس المصطلحات ونفس التراكيب لمخطوط ” : أمراء النزعة الانحرافية العمالية ” عرضنا مخطوط : ” أمراء النزعة الانحرافية العمالية أو انحراف القيادة النقابية المغربية ” على عدد ممن تعاملوا مع عمر بنجلون ، فأكدوا جميعهم وبدون تحفظ أن الخط لعمر بنجلون ، وللفصل في الأمر قارنا بين عدد من الأوراق التي كتبها عمر في مراحل متعددة ، و المخطوط المذكور أعلاه ، فتطابقت الكلمات والحروف ، أيضا اعتمدنا البحث في بناء الجمل والاستدلال في كتابة عمر بنجلون ، فلاحظنا تطابقا كبيرا بين ما تبث كتابته باسم عمر بنجلون والمخطوط ، وعرضنا مقارنة الخط على بعض الزملاء ، فأكدوا جميعهم تطابق خطوط النصوص المقارنة . رغم ما كتبناه حول المخطوط وانتسابه إلى عمر بنجلون ، فالواضح أن الرجل نادرا ما ينسب الكتابات إليه ، وفي هذا نكران للذات ، وهذه إحدى خصاله ، ثم أن طبيعة الاجتهادات الحزبية ، وطريقة تداولها والحسم فيها على اعتبار أنها إنتاج حزبي و مجهود جماعي ، وأن التقرير في نهاية المطاف هو تفكير وكتابة جماعية ، و رغم الحضور القوي لعمر داخل المخطوط كتابة وفكرا ، فإن المخطوط نسب إلى ” مناضلين تقدميين ” ، والحالة هذه أن النص قد يكون خضع لقراءة جماعية وتعديلات من عدد من المناضلين الذين كانوا مع عمر بنجلون ، خصوصا ما تعلق بالمراحل الأولى للاستقلال . نصوص من المخطوط نصوص كتبها عمر بنجلون المرجع السياق التاريخي لكتابة مخطوط : ” أمراء النزعة الانحرافية العمالية أو انحراف القيادة النقابية المغربية ” يعود تاريخ الانتهاء من كتابة المخطوط إلى شتنبر 1964 ، وهو الزمن الذي كان فيه عمر بنجلون ينتظر تنفيذ حكم الإعدام الذي صدر في حقه إبان ما عرف بمحاكمة ” مؤامرة يوليوز 1963 ” ، والتي أعلن عن أحكامها يوم 14 مارس 1964 ، علما انه في شهر غشت تم عفو جزئي على المحكوم عليهم بتحويل الإعدام إلى المؤبد ولذلك يجب وضع كل الأحكام الواردة في المخطوط ، وحمولة الخطاب ، في السياق التاريخي لمغرب 1960 – 1964 ، خصوصا سنة 1964 التي شهدت نشاطا ملحوظا لخلايا شيخ العرب ، و الاصطدام بين الأجهزة الأمنية والخلايا المسلحة لشيخ العرب ، واعتقال عشرات المناضلين ، في إطار الصراع المفتوح على جميع الواجهات بين المكونات المشهد السياسي . كان التوجه الفكري لعمر بنجلون يستند إلى دور الطبقة العاملة في النضال ضد ” الحكم الفردي ” ، ومحركا لنضالية الجماهير من أجل إقامة مجتمع اشتراكي . ونسجل أنه تمت إعادة النظر في عدد من الأحكام و الوقائع المذكورة في المخطوط ، سواء في الأدبيات الحزبية المنشورة عقب قرارات 30 يوليوز 1972 ، أو من خلال الروايات الشفوية التي ظهرت مؤخرا لعدد من الفاعلين في هذه المرحلة .( أنظر كتابنا : ” من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية : 1959 – 1983 ، قراءة في السياق التاريخي للحزب من خلال مساري عبد الرحيم بوعبيد ومحمد الفقيه البصري – الرباط 2002 ) . تندرج كتابة هذا المخطوط في سياق تاريخي عرف تحولا في موازين القوى في الساحة السياسية المغربية منذ 1960 ، وانتهى الأمر بصراع مكشوف بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية/ الجناح السياسي والأطراف التي كانت ترى في الاتحاد الوطني ، كتنظيم سياسي ، خطرا على المستقبل الاقتصادي والسياسي للمغرب ، ولذلك عملت هذه الأطراف على تحييد الاتحاد الوطني ، بكل الوسائل بما فيها الحملات القمعية الواسعة ، في نفس الوقت كانت فيه أدبيات الحزب من بيانات واستجوابات قوية ، نشطة تجاه ” الحكم المطلق ” ، وكان أهمها استجواب جون أفريك مع المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد في أبريل 1963 ، عندما شعر قادة الحزب بمخطط اكديرة الذي أسس ” جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية ” ( الفديك ) في مارس 1963 ، تهيئا لاستسلام ” نتائج ” الانتخابات التشريعية والمحلية . كان حضور الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بارزا في الانتخابات التشريعية التي جرت في ماي 1963 ، رغم توفر الإمكانيات المادية الهامة لجبهة الفديك ، فجاء الإعلان عن ” مؤامرة يوليوز 1963 ” لتزج بآلاف المناضلين في المعتقلات السرية والعلنية . انكشفت خروقات مسطرية أثناء جلسات المحاكمة التي جرت في بداية 1964 ، وأعلن المعتقلون عن ” المقالب ” التي وضعت لهم للمساهمة في صنع سيناريو ” المؤامرة ” . صدرت الأحكام بعدما انسحب الدفاع احتجاجا على الخروقات المتتالية للمحكمة . في الوقت الذي وصل فيه عدد المتهمين إلى 102 متهما تم إدانة 65 مناضلا اتحاديا ، 11 منهم حكم عليهم بالإعدام ، كان من بينهم عمر بنجلون و مومن الديوري ومحمد الفقيه البصري والمهدي بن بركة ، الذي نجا من الاعتقال لوجوده خارج المغرب إبان حملة الاعتقالات ، وأطلق سراح 35 من المتهمين . ( أنظر أيضا كتاب عبد اللطيف جبرو : ” 16 يوليوز 63 – الرباط 2000 ) أثناء كتابة المخطوط كان عمر بنجلون ينتظر تنفيذ الحكم ، في الوقت الذي قاد فيه المهدي بن بركة ومحمد اليازغي حملة مساندة عالمية للمعتقلين ، توجت بنشر كتيبات وثائقية حول المحاكمة ، جمعت كل رسائل الاحتجاج وعرائض المساندة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ونددت هذه الحملة بخطة تصفية ” النظام “للحزب ، وأن الاتهام بالمؤامرة سقط منذ الجلسات الأولى للمحاكمة ، فلم تقدم الدلائل الملموسة على تورط المتهمين ، وأن الأمر لم يتعد مستوى ” إبداء الرأي ” ، وأكدت الصحافة الأجنبية أن أجهزة الأمن لم تتمكن من ضبط ” مسلسل المؤامرة ” ، وأن كل ” الدلائل أدت فقط إلى ” الكوميساريات ” و فيلات ” الكتائب الخاصة BS ” ، وتوجه النقد بالخصوص إلى قاضي التحقيق ، الذي اتهمته أوساط عدة ” بالانحياز إلى أساليب الأجهزة الأمنية ” ، و انتهت افتتاحية العدد الثالث من الوثائق حول محاكمة الرباط 1964 ، إلى أن ” الاعتقالات والسجن والتعذيب والحكم بالإعدام ، لن يفرض على الشعب المغربي سياسة ومؤسسات…” اعتمد الملاحظون الحقوقيون في كتابة تقاريرهم حول محاكمة الرباط على تصريحات المعتقلين وطبيعة جلسات المحاكمة ، وما كشفت عنه من مفاجئات قلبت المحاكمة رأسا على عقب . أصبح قاضي التحقيق والأجهزة الأمنية ( الكتائب الخاصة ) موضع تساؤل ، فقد كشف محمد الحبيب الفرقاني ، برلماني آكادير ، ومحمد المنصور برلماني الدار البيضاء ، عن أساليب التعذيب التي تعرضا لها في أقبية الأجهزة الأمنية ، لكن أهم تصريح مفاجئ بالنسبة للاتهام هو شهادتي محمد بن مسعود ( المشاكل ) و مومن الديوري ، اللذان كان من المفترض أن يقدما شهادة إدانة في حق زملائهما بناء على اتفاق مسبق بينهما وبين الأجهزة الأمنية وقاضي التحقيق ، لكنهما صرحا بالاتفاق الذي تم بينهما وبين الأطراف الأخرى ، كما كشفت جلستي 7 و 8 يناير 1964 عن الخطة التي وضعتها الأجهزة الأمنية للعثور على السلاح خاصة في آكادير و الصخيرات . صرح أمحراش محمد ( بوخريص ) في جلسة 9 يناير ، أنه اعتقل يوم 1 يونيو بواسطة فرقة من عشرين رجلا ، على رأسهم مدير الأمن الوطني ( أوفقير ) ، والكابتن الدليمي ، وأن أوفقير أطلق العنان لرشاشه باتجاه بوخريص ، وحمل الرجل إلى ” فيلا أوفقير ” ، حيث استنطقه أوفقير والدليمي ورجل قصير القامة أبيض اللون ، ذو لحية ، و قال له أوفقير : ” إننا نعرف أنه لا علاقة لك بهذه القصص ، لكن خطأك أنك تشتغل مع أشخاص مخربين ، وهم أشخاص الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ” ، وأضاف بوخريص أنه هدد بالحجز إلى حين اعتقال مناضلي الاتحاد الوطني ، وطلب منه أحد رجال أوفقير والدليمي أن يتعامل مع ” البوليس ” لاعتقال قادة الاتحاد ، وأغروه بعدد من الامتيازات ، وتابع بوخريص الحديث عن اعتقاله ونقله من فيلا إلى أخرى إلى أن انتهى به الأمر في سجن العلو ، ثم نقل من جديد إلى مكان مجهول حيث مورست عليه أصناف من التعذيب . أظهرت هذه الشهادات أن المؤامرة كانت في الأصل مؤامرة ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، كما أبرز ذلك عبد الرحيم في تصريح لجريدة لوموند ( أنظر كتابنا : من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي ، الفصل الرابع ) ، لأنه تبين أن تفاصيل هذه الأحداث تعود إلى بداية شهر يونيو 1963 ، في حين أعلن رسميا أن اكتشاف المؤامرة تم يوم 18 يوليوز 1963 ، أي يومين بعد حملة الاعتقالات الواسعة . عمل الدفاع على تبيان أن الاتهام قائم على محاضر الشرطة ، وأن الاعترافات انتزعت تحت التعذيب ، وقد تدخل بوعبيد ، الذي كان ينسق دفاع المتهمين ، يوم 8 يناير ، طالبا من قاضي التحقيق إذا كانت له أدلة أخرى غير محاضر الشرطة ، وطالب بخبرة طبية تجرى على المعتقلين ، الذين منحت لهم شهادة من طبيب ، يصرح فيها أن كل المعتقلين ” يتمتعون بصحة جيدة ، ولا يحملون أي أثر للتعذيب “. أمام الرفض الممنهج لهيئة المحكمة ، تبين للدفاع أن المحاكمة تسير نحو توجه خاص ، خصوصا بعد أن تبين تورط بعض أطراف المحكمة في ” فبركة ” ملف المحاكمة ، كما أن ” الطبيب ” لا يحمل أي تفويض بإجراء الخبرة الطبية ، وأن المحكمة تبنت هذه الشواهد الطبية ، معتبرة أن ” الاعترافات ” كانت تلقائية . وأبرز بيان الدفاع الصادر ، بعد قرار انسحاب هيئة الدفاع من المحاكمة ، أن قاضي التحقيق كان حاضرا أثناء استنطاق وتعذيب المعتقلين ، وهذا مخالف للقانون ، وأن غرفة الاتهام بنت صكها على ملفات لم يتم الاطلاع عليها ، وفتحت لأول مرة في جلسات المحاكمة ، وأن المحكمة رفضت فتح تحقيق في الطريقة التي تم بها الكشف عن الأسلحة ، حيث تبين في جلسات المحاكمة أن المتهم الرئيسي ، مومن الديوري ، أعلن أمام المحكمة ، أن الأسلحة وضعها البوليس في ضيعة بالصخيرات ، ولاحظ الدفاع أن مالكي الضيعة لم يتم اعتقالهم ، ونبه بيان الدفاع ، أن وزير الداخلية ، الذي أعلن عن اكتشاف المؤامرة يشغل إبان المحاكمة منصب رئيس المحكمة العليا ، انه أعلن يوم 18 يوليوز اكتشاف مخازن للأسلحة ، في حين أن محاضر الشرطة القضائية تحمل تاريخ اكتشاف الأسلحة بالصخيرات يوم 19 يوليوز في الساعة العاشرة صباحا ، وفي المحجوزات وضع تاريخ 20 يوليوز ، أما مخزن الأسلحة بآكادير فقد وضع له في محضر الشرطة تاريخ 29 يوليوز ، وابرز بيان الدفاع أيضا عدم القدرة على جرد هذه الأسلحة . النقطة التي أفاضت الكأس بالنسبة للدفاع ، هي الحادث الذي وقع يوم 24 يناير 1964 ، إذ أن الأسلحة اختفت من قاعة المحاكمة ونقلت إلى قاعة أخرى ، في وقت كان الدفاع يطالب بإجراء خبرة حول المحجوزات من الأسلحة ، وفي يوم 28 يناير فاجأ النقيب المعطي بوعبيد عددا من رجال الأمن ، في قاعة مجاورة صحبة أحد المسؤولين في المحكمة ، منهمكين في فتح محجوز الأسلحة ، في الوقت الذي تقع فيه مسؤولية المحجوزات على أعضاء المحكمة التي تشرف على سير الجلسات . وقد أعيدت هذه الأسلحة إلى قاعة المحاكمة ، بعد الاحتجاج القوي لهيئة الدفاع ، لكن الأسلحة كانت هذه المرة مرتبة وتحمل أرقاما كتبت في نفس اليوم ، وأضيفت أسلحة أخرى إلى المحجوزات ( حالة المتهم بلمليح ). أمام هذه الوضعية قرر الدفاع الانسحاب احتجاجا على الخروقات التي عرفتها المحاكمة ، وتلقى الدفاع مساندة مطلقة من هيئات المحامين و الحقوقيين في عدد كبير من الدول ، خصوصا في دول أوربا الغربية . تميز زمن كتابة المخطوط أيضا بالصراع القوي بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وخصومه ، خاصة أوفقير والدليمي وزعماء جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية ، وتبين من أجواء محاكمة الرباط أن الأجهزة الأمنية كانت تتآمر ضد الاتحاد الوطني ، لكن مفاجآت المحاكمات خاصة شهادتي مومن الديوري والمشاكل وبوخريص ، والأخطاء التي ارتكبتها الشرطة القضائية في صياغة المحاضر ، ودور المعطي بوعبيد في فضح تصرف رجال الشرطة وعضو من المحكمة في تزييف محجوزات الأسلحة ، قلب المحاكمة ضد من أمر بإجرائها ، وفشلت في إدانة الاتحاد الوطني من خلال إدانة عدد من قياداته كالمهدي بن بركة ومحمد المنصور ومحمد الفقيه البصري و عدد من رجال المقاومة وجيش التحرير . ورغم ثقل اللحظة على المعتقلين الذين كانوا ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام ، يكشف مخطوط ” أمراء النزعة الانحرافية العمالية ” ، عن انخراط كلي للمعتقلين في قضايا الشعب المغربي . يحمل المخطوط ، إلى جانب معالجته للثنائية النقابية/ السياسية داخل الحزب ، معلومات دفينة وهامة حول مرحلة ما بعد الاستقلال ، خصوصا تلك الممتدة بين 1956 و1961 ، ونعلم أن عمر بنجلون لم يكن حاضرا في زمن تلك الأحداث ، نظرا لبعده عن مراكز القيادة ، وأيضا لوجوده في باريز لمتابعة دراسته ونضاله أيضا ، وقد يكون مصدر المعطيات الواردة حول المقاومة ودورها في بناء نقابة الاتحاد المغربي للشغل أحد القياديين ، وقد يتعلق الأمر بمحمد الفقيه البصري ، الذي كان محكوما بالإعدام حضوريا إلى جانب عمر بنجلون و مومن الديوري ، وأيضا لورود اسمه إبان الحديث عن هذه المرحلة ، ونجد تقريبا نفس المعلومات حول المرحلة في مذكرات محمد الفقيه البصري : ” تجربة الحركة الوطنية مع القصر ” ( أنظر كتابنا : من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي ، الفصل الأول والثاني ) ، كما قد يكون مصدر معلومات المخطوط محمد المنصور أحد الوجوه القيادية في المقاومة ، والذي تعرض بدوره للاعتقال والتعذيب في زمن ” المؤامرة ” . تم الانتهاء من صياغة المخطوط في شهر شتنبر 1964 ، ويظهر أن كتابته كانت أصلا على شكل فصول ، قبل أن يتم جمعه وصياغته في أبواب وفصول ، وربما سلمه عمر بنجلون إلى عبد الرحيم بوعبيد ، الذي كان مكلفا بتنسيق الدفاع المتهمين في قضية ” المؤامرة ” ، لكن نشر المخطوط آنذاك لم يكن في صالح المعتقلين ، لأنه في شهر أكتوبر 1964 بدأت اتصالات بين الملك الراحل الحسن الثاني وعبد الرحيم بوعبيد من أجل إطلاق سراح المعتقلين كشرط أولي للدخول في مفاوضات ، و ربما وضع بوعبيد المخطوط في مكان آمن في مكتبه ، وظل في أرشيفه إلى أن تم العثور عليه منذ بضعة أشهر. فقد أدت محاكمة الرباط 1964 إلى أزمة سياسية بالمغرب ، وخلفت وراءها ردود فعل من لدن الأحزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية في العالم ، وكان بوعبيد محط اهتمام من لدن الصحافة العالمية آنذاك من خلال مقالات كانت ترى فيه المنفذ الوحيد نحو فك الأزمة ، ومن هذه المقالات ، ما نشر يوم 10 فبراير 1964 في جريدة جون أفريك ، من أن دخول بوعبيد إلى الساحة الحكومية يسكون الحدث الوحيد لصدمة سيكولوجية ، تعيد المغرب إلى وضع عادي ، لكن بوعبيد ، تضيف المجلة ، لن ينسى أنه عضو حزب ، وهو ليس رجل متسرع نحو السلطة ، طالما لم يناقش ويحدد شروط مشاركة الاتحاد الوطني في مسؤوليات حكومية …ولذلك كان زمن الانتهاء من صياغة المخطوط ، هو في نفس الوقت بداية اتصالات بين القصر والاتحاد الوطني ، والتي ستفضي في نهاية المطاف ، وبعد حوادث مارس 1965 ، إلى العفو الملكي على المعتقلين ، بما فيهم ممن حوكموا بالإعدام ، فربما لهذه الأسباب لم ير المخطوط النور في زمنه ، وربما أيضا لم يسمح اعتقال عمر من جديد من 16 مارس 1966 إلى 21 شتنبر 1967 ، من نشر المخطوط ( صادفت هذه الاعتقالات وحجز جرائد الحزب ، فترة إجراء محاكمة المتورطين في اختطاف واغتيال المهدي بن بركة في محكمة الجنايات بباريز ) ، إضافة إلى أن اتفاق الوحدة بين الجناحين النقابي والسياسي في شهر غشت 1967 ، و أسباب أخرى لم تساعد آنذاك على ” ظهور المخطوط “. مخطوط : أمراء النزعة الانحرافية العمالية أو انحراف القيادة النقابية المغربية يتكون المخطوط ، الذي كتب بقلم أزرق في ” كناش ” من مربعات صغيرة ، من تمهيد ومقدمة وثلاثة أجزاء ( أبواب ) وإحدى عشر فصلا . وتحت عنوان ملف يجب فتحه ، كتب تمهيد من صفحتين ، هو عبارة عن نداء إلى ” النقابيين الواعيين ” و ” المناضلين الواعيين بالدور الطلائعي الذي يرجع إلى الطبقة العاملة في كفاح الجماهير الشعبية ” ، وإلى “النقابيين الذين نقصهم الوعي أو الصبر …” ، وإلى ” العدد الكبير من الشبان والمثقفين الذين تقتصر تقدميتهم على التعليق عن الجمل الصحفية الرنانة…” ، و ” إلى النقابيين والتقدميين الأفارقة …” إلى هؤلاء جميعا قدم ” ملف النزعة الانحرافية العمالية الذي طالما بقي مغلقا وراء ما يصدر من جمل رنانة نارية في الخطب وعناوين الصحافة العمالية المزعومة ” و الهدف من هذا الملف وفق كاتبه ، هو فتح نقاش حول ” انتهازية النزعة الانحرافية العمالية “. تمحورت المقدمة ( 9 صفحات ) حول الإطار الزمني الذي يعرض فيه الملف ، ذلك أنه ” نتجت الأحداث التي عرفها المغرب خلال سنتي 1963-1964 عن سلسلة من التطورات السياسية المتولدة عن هياكل الحركة الوطنية التي كافحت من أجل الاستقلال – إلا أن هذه التطورات ترجع قبل كل شيء إلى أن الإقطاعية اعتبرت استقلال البلاد كمجرد استرجاع للسلطات التي كانت لديها قبل الحماية الفرنسية – ليس من الغريب إذن أن يكون أول من تعرض للاختطافات و الاعتقالات والأحكام بالإعدام والاغتيالات الفعلية هم قادة وإطارات المقاومة المسلحة ضد الحماية – ذلك أن المقاومين عارضوا تحويل الاستقلال وكفاح الجماهير لصالح نظام إقطاعي موال للاستعمار– “. ( ننقل النص كما هو مكتوب في المخطوط مع بعض التعديلات الإملائية والنحوية ) وركزت المقدمة على ارتباط الطبقة العاملة بحركة المقاومة ، وأنها أصبحت محرومة في عهد الاستقلال من منظمة خاصة بها ، وأن ” الجهاز ” عزل نفسه عن الجماهير ، وأن ” هذه حقيقة تكلف الحكم الإقطاعي نفسه بإبرازها بمناسبة حوادث صيف 1963-بالفعل يوجد كثير من المناضلين العماليين من بين المعتقلين والمحكوم عليهم في قضية المؤامرة المزعومة – إلا أن دعاية النظام ، قدمت الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل إلى جانب أوفقير و اكديرة كأحد الأشخاص الذين قرر المتآمرون المزعومون اغتيالهم- هكذا عين القائد النقابي المحجوب بن الصديق كأحد أعداء الحركة التقدمية البارزين…” ، وأن التقدميين رفضوا وضع قائد المنظمة العمالية إلى جانب الحكم ” في عملية مدبرة لتصفية الاتحاد الوطني للقوات الشعبية – لهذا وضع المسؤولون والمتهمون على المحجوب أن يتقدم إلى المحكمة كشاهد وأن يكذب ادعاءات النظام – لكنه رفض ، مختارا تزكية هذه الادعاءات والبقاء في الموقع الذي عينته الإقطاعية له ” ويسرد التقرير أمثلة عن ” الانحراف النقابي ” الذي لا يمس فقط الطبقة العاملة ، ” بل مجموع الحركة التقدمية والشعب المغربي والإقليمي ” . حاول التقرير أن يبحث ” للانحراف النقابي ” عن مثيل له في أوربا وآسيا ، وأن أمر القيادة النقابية المغربية لا يشبه خطة Père Gapone ، الذي قام بتحويل أنظار العمال عن النضال ، ” والذي كلفته بها شرطة روسيا القيصرية المعروفة باسم Okhrana ” المنطبقة للفرق البوليسية الخاصة التي تسمى في المغرب ” كاب آن ” (CAB1) (…) أما الجهاز النقابي المغربي ، فإنه يستعمل بالعكس جملا نارية رنانة ضد الإقطاعيين و ما يلي ذلك من نثر – لكن من الناحية العملية ، يرتكز الانحراف في المغرب – على نفس الخطة المستعملة في روسيا القيصرية في بداية القرن (…) بل اكتسى ذلك في المغرب صبغة أكثر خطورة ، حيث تتكلف القيادة النقابية بشل الحركة التقدمية من الداخل وتتصرف في صفوفها كطابور خامس تابع للنظام الإقطاعي..” أرجع كاتب التقرير سبب ” الانحراف النقابي ” إلى الكاتب العام للنقابة : ” على أن المسؤولية في ذلك الاختيار السياسي وناعورة الانحراف الناجمة عنه ، ترجع إلى الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل ، لأنه كان متوفرا على حرية مطلقة حينما وضع على الحركتين السياسية والنقابية اختيار حاسم لا يقبل أنصاف الحلول(…) وهذه الحرية المطلقة في الاختيار أساسها سيطرة الكاتب العام على الجهاز النقابي ، الذي نصب فيه شبكة من الأشخاص عينهم بمقياس الانقياد والوفاء لشخصه ، حيث كان في أوقات النعيم واللذة ينسب لنفسه لقب ” أمير العمال ” ذلك أنه كان يعتبر الطبقة العاملة والاتحاد المغربي للشغل كإمارة وإقطاع شخصي ( الشيء الذي جعلنا نقتبس من كلامه عنوان هذه المراسلة ) . أما السيطرة على التنظيمات النقابية ، فإنها أنجزت تحت حماية الحركة التقدمية التي عارضت كل كفالة برجوازية على الطبقة العاملة من طرف قيادة حزب الاستقلال ، ثم عملت من أجل الدفاع عن وحدتها ضد مناورات الرجعية بعد انفصال 25 يناير 1959- فنجم عن ذلك أن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وجد نفسه في الدور الذي كان يريده له المحجوب بن الصديق ، دور واجهة سياسية وترس يتلقى ضربات الحكم – ثم صمم العزم على إبقاء الاتحاد الوطني في هذه الوضعية حيث عرقل بجميع الأساليب كل مجهود جدي في التنظيم – إن هذا التحطيم الداخلي ، ما هو في الواقع إلا جانب من جوانب الانحراف والتعاون مع الحكم ، الذي امتدت عواقبه إلى الميدان النقابي والمجال الدولي (…) حتى أصبح في نهاية الطريق يملي عليها المواقف الواجب اتخاذها ، وذلك بصفة علنية وعن طريق صحفه ” كلارتي ” و” ليفار ” (Les phares –Clarté) –هكذا أخذ التواطؤ مع الحكم صبغته العلنية في أوائل 1963 بكل ما رافق ذلك من عواقب على الطبقة العاملة والحركة التقدمية …” وتنتهي المقدمة بعرض لأبواب وفصول الدراسة بالإضافة إلى ملاحظتين منهجيتين . وضع للباب الأول عنوان : إنجاز شروط الانحراف : 1956-1960 ، وتم فيه التطرق إلى الظروف التاريخية التي ساهمت في بروز الحركة العمالية المغربية ، وتأسيس الاتحاد المغربي للشغل يوم 20 أبريل 1955 ، وأن التنظيمات النقابية شكلت بداية من النواة المؤسسة بدرب بوشنتوف ، وأن هناك ظروفا وضعت المنظمة في تبعية تامة إزاء الدولة ، فيما يخص الوسائل المادية للتسيير ، إضافة أن المقاومة فرضت شخص الكاتب العام على رأس النقابة ” باعتباره عنصرا ثوريا يعارض كل وصاية برجوازية على الطبقة العاملة ” ، ويتكون الباب الأول من ثلاث فصول ، يتمحور أولها حول ” الظروف الموضوعية التي أقيمت فيها التنظيمات النقابية ” ، والتي شكلت نقاط ضعف في الأجهزة النقابية ، من ظروف صبيحة الاستقلال وقلة الأطر ، ودخول عناصر غريبة عن القطاع العمالي من خلال إنشاء الشبيبة العاملة ، وأن الظروف التاريخية لمغرب الاستقلال جعل من المنظمة النقابية ، شبه هيئة رسمية ، تمدها الدولة بالإمكانيات المادية ، الشيء الذي جعلها في ” موقف تبعية مادية إزاء الحكم ” . تشرح هذه الوثيقة إذن كيف نشأ الاتحاد المغربي للشغل في ظل الصراع داخل حزب لاستقلال بين الجناح ” المحافظ ” و الجناح ” التقدمي ” ، وكيف أن الجناح المحافظ عارض تأسيس المنظمة النقابية ستة 1955 ، لأنه كان يخشى إعادة أحداث 1955، وأن هذا الوضع حتم تأسيس ” النقابات بسرعة وفي جو من الحماس ، وأقيمت الجامعات والاتحادات المحلية والنقابات العامة والنقابات الموحدة من القمة عن طريق اللجن التحضيرية – أما سلسلة المؤتمرات المنعقدة خلال سنة 1956 ، فإن دورها الأساسي تجلى في إعطاء الشرعية لهذه اللجن التحضيرية وجعلها “نهائية” أو أبدية في بعض الأحوال – …” ( الوثيقة .ص. 18 و 19). وتتابع الوثيقة شرح ظروف قيام المنظمة النقابية ، الذي ضخم من عدد الذين انضموا إلى التنظيم العمالي ، وشبهت هذه العملية ب” وثوب وسباق نحو النقابية ، لا يختلف في شيء عن الوثوب المشهور نحو الذهب (…) هكذا جاء إلى النقابة جمهور من العناصر لم يسبق لها أن أعطت أي برهان في ميدان الكفاح النقابي الفعلي ..” وبينت الوثيقة الانعكاسات السلبية لحضور هذه العناصر في واجهة التأسيس ، وأنه ” باسم قلة الإطارات وقع اجتذاب وتعيين شبان برجوازيين ، أغلبيتهم من قدماء التلاميذ الثانويين الذين فشلوا في دراستهم …” وفي مقابل ذلك كان هناك أيضا تسابق من لدن العمال نحو ” النقابية ” ، ” ذلك أن الاستقلال كان يعني بالنسبة للعمال تحسين ظروف عيشهم ” ورفع التمييز العنصري والإهانات التي يتعرضون إليها في عملهم اليومي . وفي نفس المحور تتعرض الوثيقة إلى ” الظروف السياسية والصبغة الشبه الرسمية للمنظمة النقابية ” (ص 22 ) ، ( تعكس الوثيقة في هذا الفصل جو التوتر الذي كان قائما بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والقصر ، إذ أن النص كتب في السجن في الوقت الذي كانت فيه قد صدرت أحكام بالإعدام والسجن على عدد من المناضلين في ما سمي آنذاك بمؤامرة يوليوز 1963 ) وأن النقابيين والمقاومين لم يغتروا بالطابع شبه الرسمي للمنظمة النقابية ، و” في أول مقابلة لهم مع القصر الملكي ، سهر قادة المقاومة على أن يتقدموا برفقة الطيب بن بوعزة الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل إذ ذاك ، وإبراهيم الأعرج الذي لعب دورا رئيسيا في تكوين النقابات بالدار البيضاء – وذلك أنهم أرادوا إشعار الحكم القائم بأن القوات التي انتصرت على الاستعمار لن تتفتت في الحماس والأفراح(…) من جهة أخرى ، ليس الإجماع بين الفئات التي ورثت سلطات الحماية إلا ظاهريا . إن القيادة البرجوازية لحزب الاستقلال مع أنها تساهم في الحكومة ، تعلم أن القصر الملكي لا يرى بارتياح وجود حزب يجمع وراءه الأغلبية الساحقة من الشعب المغربي ، فنهجت إذن إزاء الملك خطة وسلك الممثل والناطق باسم القوات الشعبية المنظمة بما فيها الطبقة العاملة ومنظمتها . والقصر من جهته لا يقبل أن يحتكر غيره تمثيل الجماهير والكلام باسمها …” ( الوثيقة ص. 22 و 23 ) وفي ظل هذا الوضع أعطيت عناية خاصة لقيادة المنظمة النقابية ، فقد شارك المحجوب بن الصديق في أول وفد مغرب إلى الأمم المتحدة بصفته ممثل النقابة ، وأن ضيوف الاتحاد المغربي للشغل كانوا يعاملون كضيوف حكوميين ، إضافة إلى برنامج إذاعي أسبوعي خاص بالنقابة ، وتعتبر الوثيقة أن الجانب الأهم في ” التعاون مع الحكم ” ، هو مساهمة المنظمة العمالية في عدة هيئات : المجلس الاستشاري و المجلس الأعلى للوظيفة العمومية والمجلس الأعلى للتهذيب الوطني والمجلس الإداري لصندوق الضمان الاجتماعي وغيره من المجالس والهيئات ، وأن الدولة كانت تتصرف تجاه المنظمة ككفيل ، وتضيف الوثيقة ، أن كل هذا ” لم يمنع الحكم من مباشرة أعمال خفية موجهة ضد الاتحاد المغربي للشغل ومدبرة من طرف الإقطاعية “الشبه الرسمية” ، خاصة بعد انفصال 1959 وتأسيس المنظمة المزيفة التابعة لحزب الاستقلال والمعروفة باسم “الاتحاد العام للشغالين بالمغرب” ( ص 24 ) ، وأن الجميع يعرف النشاطات التي كانت تشجع العمل التقسيمي للطبقة العاملة ، وأنه كانت هناك محاولة لإرغام الحكومة على قمع إضراب 15 مارس 1960 ، الذي نظمه الاتحاد المغربي للشغل والحركة التقدمية دفاعا عن الوحدة العمالية ، في الوقت الذي كانت تحضر فيه آخر الإجراءات لتصفية جيش التحرير المرابط في الجنوب ، بينما كان قادة وإطارات المقاومة في السجن . وبعذلك تشرح الوثيقة التبعية المادية إزاء الدولة ، خصوصا ما سمته بالدتاشما ، وأن عددا من المصالح المادية التي منحت لبعض النقابيين خلقت منهم بنية تدافع فقط عن مصالحها ، وتضيف الوثيقة ، إلى جانب هذه المزايا في التسيير ، منحت النقابة مباني في كل المدن خاصة برصة الشغل في الدار البيضاء ، وأشارت الوثيقة (ص 26 ) إلى اختلاسات الاشتراكات ، وتضيف أن المقاومة أرادت أن تخفف من التبعية المادية للنقابة تجاه الدولة ، فقدمت بعض الوسائل منها منحة من 100 مليون لإقامة مدارس محلية للإطارات ، وجمع أسهم شركة للطبع لتتمكن النقابة من إصدار صحافة عمالية مستقلة عن قيادة حزب الاستقلال ، ومنحت المقاومة أيضا إلى النقابة التجهيزات والتمويل لتنظيم مخيمات صيفية للعمال وأبنائهم. تطرق الفصل الثاني من الباب الأول إلى ” دور الواجهة الذي لعبته الحركة التقدمية – عواقبه على هياكلها – ” . يفتتح هذا الفصل بالحديث عن قيام الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، الذي انبنى على جبهة مكونة من الاتحاد المغربي للشغل والمقاومة والعناصر التقدمية من قيادة حزب الاستقلال ، وأن الحلف بين هذه المكونات كان يهدف الحيلولة دون تحويل استقلال البلاد لصالح الفئة الإقطاعية البرجوازية ، ” إلا أن اختلاف المصالح بين القصر الملكي والقيادة البرجوازية وضعف هذه الأخيرة ، جعلا التناقض الأساسي في الحياة السياسية يتمثل في التعارض بين الحكم المطلق من جهة ، والجماهير الشعبية من جهة أخرى – اختارت الجبهة التقدمية إذن أن تعمل داخل حزب الاستقلال ، وأن تستمر في نشاط يرمي إلى حل مشاكل هياكل الحزب وتمثيلية هيئاته القيادية – لكن العناصر البرجوازية ، خوفا من تصفيتها كقيادة ، فضلت التحالف مع الإقطاعية والمساهمة في المناورات المدبرة ضد القوات الشعبية التي كانت نفس العناصر تزعم كفالتها والكلام باسمها – هذا الذي انتهى إلى انفصال 25 يناير 1959 ، ثم تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية يوم 6 شتنبر 1959، ودخوله في صراع وجها لوجه ضد النظام وعملائه…” ( ص 29 ) وتسترسل الوثيقة في شرح دور الواجهة الذي لعبته الحركة التقدمية في هذه المرحلة ، وكيف أدى ذلك إلى جعل المقاومة وجيش التحرير موضوع إجراءات تستهدف تصفيتهما ، وأنه قبل نهاية هذه العملية بدأت محاولات القمع الموجهة ضد الاتحاد المغربي للشغل ، ففضلت الحركة التقدمية إعطاء الأسبقية إلى مهمة حماية المنظمة النقابية . إلا أن الوثيقة تقول إن هذه المساندة سخرت من لدن الكاتب العام للنقابة لحماية شخصه ، وأنه نصب على رأس النقابة خرقا لكل شرعية عمالية ، لأن المقاومة فرضته على قيادة حزب الاستقلال وعلى النقابيين الذين أسندوا ثقتهم إلى الطيب بن بوعزة ، الذي انتخب كاتبا عاما في اجتماع درب بوشنتوف ، ثم في المؤتمر الأول سنة 1956 . تشرح الوثيقة أيضا السبب الذي جعل المقاومة تساند الكاتب العام للنقابة ، إذ أنه كشخص مكون في مدرسة س.ج.ت ، كان معروفا منذ الحماية بمعارضته الصريحة لقيادة حزب الاستقلال ، والتي كانت بدورها تكن له نفس الشعور ، ” لكن الأساليب التي استعملها دائما ، جعلت رفاقه في الكفاح الوطني والنقابي يرفضون إسناد المسؤولية الأولى إليه في الاتحاد المغربي للشغل – ورغم تفوقه من حيث التكوين المذهبي والسياسي ، عبروا عن ثقتهم للطيب بن بوعزة الذي انتخب كاتبا عاما في اجتماع درب بوشنتوف التأسيسي ، ثم من جديد في المؤتمر الأول سنة 1956 ، وذلك رغم المجهودات التي بذلها المحجوب وصديقه عبد الله إبراهيم الذي لم يتمكن من إقناع لا قيادة حزب الاستقلال ، ولا النقابيين المنبثقين من الكفاح – لهذا افتعلت أزمة (مزيفة) على صعيد المكتب الوطني ، تهدف نيل انسحاب الطيب بن بوعزة المنتخب بصفة شرعية ( سنرى فيما بعد أن أسلوب افتعال الأزمات سيستعمل باستمرار )- هنا تدخلت المقاومة بوزنها ومجدها لإقناع النقابيين ولتجاوز معارضة حزب الاستقلال . إن قيادة الحزب كانت تساند في الواقع قيادة حزب الاستقلال لأنها اعتبرته عنصرا من السهل أن تتحكم فيه حتى يتسنى لها أن تضع المنظمة العمالية تحت وصايتها – هذا هو السبب الذي جعل المقاومة تساند ترشيح المحجوب وتفرضه على رأس الاتحاد المغربي للشغل ، لتمنع البرجوازية من وضع الطبقة العاملة تحت رحمتها . هكذا أخذ تعويض بن بوعزة بالمحجوب معنى ومدلولا مذهبيا بالنسبة للمقاومة !!….تكلف محمد البصري بمهمة تغطية المرشح بمجد المقاومة ووزنها ، لتنصيبه وتزكيته أمام القاعدة (…) أما النقابيون الموجودون في الهيئات المركزية للاتحاد المغربي للشغل ، فإن إقناعهم تطلب مجهودات طويلة – عرض عليهم محمد البصري فردا بعد الآخر ، المعنى الذي تعطيه المقاومة لمساندتها للمحجوب ، وهو ضمان وجود قائد كفء قادر على الحيلولة دون أي وصاية برجوازية على الطبقة العامة – هكذا انتهى الأمر إلى اجتماع نهائي صادقوا خلاله على تعيين المحجوب مع التعبير عن تحفظاتهم حول شخص وأساليب المعني بالأمر ، الذي يعرفونه أكثر مما يعرفه المقاومون ( ستقع تصفية أولئك النقابيين من الجهاز أحد بعد الآخر ، في حين ن المقاومين والتقدميين سيؤدون ثمن تواطؤ المحجوب مع النظام الإقطاعي ) فلنرجع للطيب بن بوعزة لنقول بأنه ، أمام موقف المقاومة وقبول رفاقه ، قبل الانسحاب والإبعاد – سيعين سفيرا في الخارج وسيرافق هذا النفي بحفلة ضخمة لشرف ” العامل السفير !… ” لكن انسحابه لن ينهي كل شيء ، حيث وجد المحجوب نفسه في وضعية بعيدة عن أن تكون مريحة – هناك أمر واقع من الصعب تعزيزه وإعطاءه صبغة شرعية ، خصوصا وأن بن بوعزة كان إذ ذاك المسؤول الوحيد الذي له تأثير على الصعيد الوطني – ومرة أخرى وضعت المقاومة وزنها ومجدها في الميزان على كفة المحجوب طبعا – لذلك نظم أول مهرجان لذكرى المقاومة ، في برصة الشغل يوم 18 يونيوه 1956 – ( أنظر تفاصيل هذه الأحداث في كتابنا : من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي ، الفصل الأول ) كما أن اتصالات المحجوب الأولى مع القاعدة استلزمت حضور وتزكية قادة المقاومة ، خصوصا في المواني والمراكز المعدنية التي كان لبن بوعزة فيها أكثر تأثير – ستعدد هذه الاتصالات وكذلك الندوات الصحفية في الخارج وستجري بكيفية تمهد تشكيل الإقطاع الشخصي مع جميع عواقبه- هكذا فرض ، ثم نصب الشخص الذي أيدته المقاومة لضمان قيادة ثورية للطبقة العاملة – هناك كثير من مناضلي الاتحاد الوطني النقابيين ، الذين عارضوا منذ ” البداية هذه العملية ” والذين سينتقدون محمد البصري ويحملونه مسؤولية هذه القضية – لكن الأوان سيكون قد فات حيث ستكون الحركة التقدمية بأجمعها قد سخرت كحماية للأساليب الانحرافية التي سمحت بتكوين الإقطاع الشخصي ” ( ص 31 و32 ) وتواصل الوثيقة الحديث عن ” الإمكانيات المادية التي حولت إلى امتيازات لخلق وحدة المصالح بين أعضاء الجهاز وجعلتهم أدوات للانحراف ” ، وأن هذه الإمكانيات هي نتيجة المجهودات التي بدلتها العناصر التقدمية في وزارتي الاقتصاد والشغل ، إلا أن الوثيقة تركز على الدعم السياسي الذي قدمته العناصر التقدمية إلى الاتحاد المغربي للشغل ، وأن قيادة النقابة سخرت هذا الدعم ل” تركيب الإقطاع الشخصي “، وأنها كانت تدافع عن استقلال النقابات ، وهو شعار استعمل من لدن القيادة النقابية ” عندما كانت قيادة الحركة التقدمية تتضمن أغلبية من المسؤولين النقابيين ( الشيء الذي لا يضع مشكل استقلال النقابات ، بل عكس ذلك ، أي استقلال المنظمة السياسية بالنسبة للقيادة النقابية ) . تقول الوثيقة أن هذه الخطة كانت معتمدة قبل انقسام حزب الاستقلال ، حيث كان مفتشو الحزب يطرحون قضايا كانت موضوع شكاوى من النقابيين الحزبيين ، لكن العناصر التقدمية كانت ترى في ذلك تدخلا في الشؤون العمالية ، وزاد هذا الدعم قوة بعد الانفصال بدعوى حماية التنظيم العمالي من ” مناورات الرجعية والإقطاعية ” ، وتشير الوثيقة إلى حدث إضراب 15 مارس 1960 ، عندما قدم إلى المجلس الوزاري إجراءات قمع ، وكان موضوع الإضراب العام ” الاحتجاج ضد مناورات التقسيم المدبرة من الرجعية ” ، وأن الوزراء التقدميين نددوا بالإجراءات ، وفضحوا فيها الاستعمال المغرض لوسائل الدولة ، وأن ذلك لم يمنع قوات الأمن من استفزاز العمال ، لأن مدير الأمن لم يكن خاضعا لسلطة الحكومة، ونتج عن هذا أحداث عنف في المدن والموانئ الرئيسية ، خاصة في العرائش وآسفي والبيضاء وخريبكة ، وفي هذا السياق أصبحت الأساليب المستعملة داخل النقابات شيئا ثانويا ، وأصبح الجميع مرغم على كتم الفضائح داخل الجهاز ، وتحولت الحركة التقدمية إلى واجهة للجهاز النقابي ، فقد أعطت الحركة التقدمية الأسبقية للدفاع عن وحدة ومنظمة العمال . وتؤكد الوثيقة أن تاريخ 16 دجنبر 1959 ، الذي يمثل من الناحية السياسية تطورا حاسما في تاريخ المغرب المستقل ، و زمن اعتقال عدد من المقاومين وأعضاء جيش التحرير وعلى رأسهم محمد البصري وعبد الرحمان اليوسفي ، وتجلى رد الفعل في مظاهرات جماهيرية وإضرابات التجار ، و ” هنا تدخل المحجوب بن الصديق لإيقاف الإضرابات ومنع الاتحادات المحلية من أي مبادرة ، وأن رفاقه في الكتابة العامة استفسروه عن الأمر أجاب أنه من الضروري الاكتفاء بحملة صحافية – في الوقت بالذات كان ستون من المقاومين ينوءون في مراكز التعذيب ” ، وتعتبر الوثيقة أن هذا الحدث هو أول انقلاب للقيادة النقابية ، و” وفي نفس الوقت الخدمة الأولى التي قدمها للحكم بصفة مباشرة ” (ص 37 ) في يونيو 1960 انتهت عملية تصفية جيش التحرير فحرر المقاومون ، تؤكد الوثيقة ، فأصبح الاتحاد المغربي للشغل القوة الشعبية المنظمة الوحيدة . في الفصل الثالث من الباب الأول تتحدث الوثيقة عن ” أسس وأساليب تكوين الإقطاع الشخصي ” ، ويتعلق الأمر بتفسير تحول النقابة إلى إقطاع تحت تصرف شخص واحد ، ويرى كاتب الوثيقة أن الكاتب العام للنقابة نهج أسلوب ” السيطرة التامة على التنظيمات النقابية باسم شعار ” الامتثال ” – وفي المكتب الوطني الذي سيعين في نهاية المؤتمر الثالث لسنة 1963 ، لم يبق من رفاق درب بوشنتوف إلا محمد التباري ، لأنه يكتفي بوضعية مدير صوري لجريدة ” الطليعة ” التي لا يقرأها باعتراف منه – إلا أن المشكل لا ينحصر في الهيئات المركزية ، بل يمس جميع النقابات على جميع المستويات – فأصبح العمل جاري بعدة طرق تهدف إلى نيل حياد أو مساندة أو طاعة الإطارات ، وإلى تصفية المعارضين- وهذه الأساليب التي طبعت النقابات وسيرها ، ليست خاصة بفترة تنصيب الإقطاع – ستزداد خطورة يما بعد وتصبح أكثر فأكثر ” جذرية ” بمقدار تفاقم انعزال الجهاز عن القاعدة …” ( ص41 و42 ) واصلت الوثيقة بعد ذلك شرح مفهومي إقطاع وجهاز ، وأن الأمر لا يعني الطبقة العاملة أو الإطارات النقابية . ثم تطرقت في نقطة أخرى إلى ” تركيب الإقطاع ” المستند إلى وحدة المصالح والامتيازات ، وأن كل هذا أدى إلى تصفية النقابيين المتشبثين بمبدإ الديمقراطية تحت شعار وحدة الطبقة العاملة . تعدد الوثيقة أمثلة للامتيازات والمصالح التي يعتمدها الجهاز ، وتسخيرها لضمان شبكة من العلاقات ، بل إن ” علاقات التعاون مع الحكم كثيرا ما ترجمت بقرارات إدارية تنقل الإطارات المعارضة التابعة للقطاع العمومي أو شبه العمومي وتبعدهم عن المراكز التي يتوفرون فيها على ثقة العمال ” وتتحدث الوثيقة عن العناصر التي تختار خارج الطبقة العاملة لينصبوا ” فيما بعد كموظفين وهميين يقتضون رواتبهم من مؤسسات كالضمان الاجتماعي الذي يراقب المسؤولون النقابيون مجلسه الإداري…” ( ص 46 ) أولى كاتب الوثيقة أهمية إلى موضوع ” سير النقابات وأساليب خنق الديمقراطية “، وعرضت طرق ممارسة الرقابة والتحكم في الأجهزة النقابية باسم ” الامتثال ” ، وتصفية العناصر التي لا تخضع لهذا الامتثال وتعويضها بعناصر أجنبية عن القطاعات التي تمثلها ، وأن النواب في المؤتمر الوطني يعينون دون علاقة بالقاعدة التي يمثلونها ، وتعطي الوثيقة نماذج عن هذا السلوك النقابي ، كتعيين شخص منذ سنة 1959 ككاتب عام بالنيابة ، وتقول الوثيقة أن هذا الشخص ليس له أي ماضي نقابي ، وأنه سيلعب دورا حاسما في ” انحراف القيادة ” ، وتعدد الوثيقة أمثلة أخرى ، وأدى هذا الوضع إلى وضع رجال في قيادة النقابة منفذين لجميع أنواع المهمات ، وتذهب الوثيقة إلى حد تسمية أحدهم كان مختصا في ” الاستفزاز والاتصال مع البوليس ” (ص 50) وتتطرق الوثيقة بعد ذلك إلى نماذج وأمثلة عن الصراع الذي كان قائما بين الكاتب العم للنقابة وعدد من الجامعات ومن بينها جامعة البريد ، التي كان عمر بنجلون ينتمي إليها ، فقد ” حلت أو طردت نقابات وجامعات جزافا ودبرت مناورات لتفتيتها ، لا لسبب إلا رفضها لتجميد النضال من أجل المطالب العمالية أو ومطالبتها باحترام إرادة القاعدة – نشير في هذا الصدد إلى المثل الأكثر وضوحا وأهمية رغم أنه حدث في الفترة التي كان الانحراف قد أعطى خلالها جميع عواقبه – إنه يتعلق بجامعة البريد التي كان يسميها المحجوب ” بمصفحات الاتحاد المغربي للشغل ” نظرا لإضراب الهائل الذي شنته يوم 20 دجنبر 1961 – بعدما حاول منع هذا الإضراب بجميع الوسائل تبنى نجاحه وفي نفس الوقت عمل كل ما في وسعه لتفتيت هذه الجامعة التي تحدت معارضته ومست بمبدإ ” الامتثال ” المقدس – تم طردها جزافا بمناسبة المؤتمر الثالث بعد اختطاف أحد مسؤوليها وتهجمات ضد ممثليها الذين تحملوا الضرب علنيا في الشارع أمام شرطة متواطئة امتنعت عن أي تدخل …” (ص 53 ) وانتهى كاتب الوثيقة أن هذا السلوك مع جامعة البريد يجسد تناقضا بين مفهومين للوحدة العمالية : الأول مرتبط بإنجاز الوحدة العمالية ، بالاعتماد على ” إرادة وحماس القاعدة ، إي على الديمقراطية العمالية الداخلية ” . والمفهوم الثاني ” الذي يجعل من الوحدة مجرد شعار فارغ مسخر لتبرير الأساليب التي تسمى بالامتثال …” ويصل كاتب الوثيقة إلى خلاصات الجزء الأول ( الباب الأول ) ، والتي تمحورت حول التباين بين الخطاب الثوري و المواقف الفعلية للجهاز . وعندما طرح الاختيار بين ” التعاون مع الحكم الإقطاعي و بين الكفاح المباشر العلني “، تقول الوثيقة اختارت القيادة النقابية في مرحلة أولى ” التخلي عن الكفاح والاكتفاء بمعارضة شفهية محضة – لكن ضعف و هشاشة الجهاز الذي شكله على أساس وحدة المصالح المشبوهة ، جعله ينزلق بسرعة إلى مرحلة ثانية – ذلك أنه وضع صيانة جهازه وانتظار ” أيام وظروف أحسن ” فوق جميع الاعتبارات ، بدأ النقاش إذن مع الحكم ، حيث لا يعرف الجهاز حل مشاكل الشغل إلا ” بالاتصالات ” – هكذا سيلاحظ الحكم الاستعداد الموجود داخل الجهاز وكذلك وسائل التهديد التي يتوفر عليها إزاء القادة النقابيين – هذا يعني أن ناعورة الانحراف انطلقت في سيرها …” ( ص 56 ) خصصت الوثيقة الباب الثاني لموضوع ” ناعورة الانحراف ودواليبها 1960 – آخر 1962 ” ، ووضعت فقرة مفسرة وممهدة لهذا الباب : ” عمل التجميد داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ناتج عن سير ناعورة الاتصالات والاتفاقات المبرمة مع الحكم ، الشيء الذي ترجم بشل وتحطيم كفاح العمال من أجل مطالبهم وبالتلاعب الموالي للأمبريالية في الميدان الدولي ” . يتكون هذا الباب من أربعة فصول ، أولها يتمحور حول موضوع : “” نشاط التجميد المباشر داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ” ، حيث أن تكوين الاتحاد الوطني كان يفرض عليه أن يبقى واجهة شعبية للاتحاد المغربي للشغل ، ” فأصبح من المستحيل أن تستمر وضعية كهذه عندما اختارت الحركة الكفاح العلني المباشر ضد الحكم – لم يبق الأمر منحصرا في عمل التوضيح ، بل أصبح يستلزم تنظيم الاتحاد الوطني على أسس ثورية قادرة على مباشرة الكفاح بالفعالية الضرورية …” ( ص 61 ) وهنا تقول الوثيقة ظهرت خطة الجهاز داخل قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، من حيث افتعال أزمة مزيفة في الأجهزة الحزبية ، وهي خطة ، تقول الوثيقة ، كان الحكم هو المستفيد الوحيد منها ، وأن الرأي العام وأغلبية العمال لم يميزوا بين الاتحاد المغربي للشغل وبين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، لأن قيادة الاتحاد الوطني ” اختارت تجنب كل ما من شأنه أن ييسر المناورات الموجهة ضد وحدة الطبقة العاملة ” وعدم الوقوع في المعارك المفتعلة ، وتنتهي الوثيقة إلى حكم مفاده أن ” الحكم الإقطاعي عمل كل ما في وسعه ليجعل الجماهير تعاف الأحزاب وتشمئز منها ” ( ص 62 ) وتطرقت الوثيقة إلى محددات موازين القوى بين الجناح السياسي والنقابي داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وأن الجناح النقابي لم يستطع فرض ” الانحراف على الاتحاد الوطني بمناسبة المؤتمر الثاني المنعقد في ماي 1962، والذي كان آخر محاولة لحل مشاكل الحركة التقدمية – إن هذه الأخيرة ظهرت بطبيعتها الحقيقية كمجهودات يقوم بها طابور خامس تابع للنظام الإقطاعي …” (ص 62 ) حددت الوثيقة علاقة الصراع بين الجناح النقابي والسياسي داخل الحزب في أربعة نقط : أولا : طرحت من خلال هذه النقطة ” الأساليب المختلفة المستعملة لشل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ” ، ومن ذلك مثلا محاربة الجهاز النقابي لكل أشكال تنظيم الشباب والفلاحين والنساء ، وتعدد الوثيقة مظاهر الصراع حول الهياكل الحزبية التي كان الجهاز النقابي يرى فيها تهديدا للهياكل العمالية ، وأبرزت تأثير هذه الأحداث على تنظيم الحزب نفسه ، الذي كان يرى فيه الكاتب العام للنقابة ، حسب الوثيقة ، مجرد اتحاد مكلف بتنسيق نشاطات القوات الشعبية . تؤكد الوثيقة أن الهدف من شل الحزب هو تجنب المواجهة مع ” الحكم ” في سياق تاريخي حتم التعبئة الجماهيرية من أجل فرض جلاء القوات الفرنسية من المغرب ، وأن حكومة عبد الله إبراهيم أقيلت في ماي 1960 للحيلولة دون تطبيق البرنامج الذي حضرته لفرض جلاء القوات الأجنبية ، وأن من بين نقاط البرنامج الحكومي تجنيد السكان المدنيين لمنع تحرك وتمويل الجيوش الفرنسية ، وأن الكتابة العامة لاتحاد الوطني للقوات الشعبية قررت تجنيد الشعب من أجل فرض الجلاء ، وفي هذا الإطار وقعت المظاهرات الشعبية في أكتوبر 1960 حول القواعد الفرنسية ، لكن المظاهرات ووجهت بقمع قوي ، ” لكن الجميع لاحظ غياب الإطارات والمندوبين النقابيين ، فتأكد أن تعليمات صارمة صدرت إليهم من طرف الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل ..” ، وطرحت الوثيقة أيضا في نفس السياق موقف الجهاز النقابي من المظاهرات التي نظمها الحزب أيام 1 و 11 و 18 نوفمبر لأن الكاتب العام للنقابة لا يريد ” أن يحرق إطاراته بدون جدوى في أعمال لا آفاق لها مقررة من طرف متطرفين لا مسؤولين ” ( ص 68 ) ، وأن ” هذه العقلية جعلت القيادة النقابية تتصرف داخل الحركة التقدمية كطابور خامس للنظام …” ( ص 69 ) ثانيا : تمحورت هذه النقطة حول ” موقف قيادة الاتحاد الوطني وأسبابه ” ، أي مواقف الجناح السياسي تجاه عمل الجناح النقابي داخل الحزب ، وأن الحزب اختار الكفاح المباشر ضد النظام ، وهذا ” جعل من المستحيل على الحركة التقدمية أن تستمر في دور الواجهة السياسية الذي كان مفروضا عليها …” ( ص 69 ) ، وأن التعليمات التي صدرت للنقابيين لمنعهم من المشاركة في مظاهرات أكتوبر 1960، كانت تعني أن رضى الكاتب العام للنقابة ضروري لمباشرة أي عمل جدي ، وتضيف الوثيقة أن هذه العملية ” يريد بها إخضاع المنظمة السياسية لمطامحه كما أخضع الجهاز النقابي ” ( ص 69 ) ، وفي الصفحة 70 من الوثيقة ، يكشف كاتبها عن أحداث داخلية دفينة في علاقة الجناح النقابي بالسياسي وأثر ذلك على هيكلة القيادة الحزبية والإعلام الحزبي الذي كان يتجسد آنذاك في جريدة ” التحرير ” : ” في هذه الظروف لخريف 1960 ، وبهذه الروح اقترح على المحجوب توزيع المهام بين أعضاء الكتابة العامة فقبل هذا التوزيع لأنه يضع حدا لمبدإ القيادة الجماعية ويجعل منه قائدا للحركتين النقابية والسياسية ، وضع عبد الله إبراهيم على رأس مجموع الصحافة ، بينما كلف عبد الرحيم بوعبيد بمكتب الدراسات الذي يقتصر دوره على تحضير الدراسات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لنشاط المنظمات – أما الأعضاء الآخرون من الكتابة العامة ، فإنهم ينتظرون المهام التي ستعين لهم – لكن هذا الحل نفسه حطم في مرحلة التطبيق . والمبرر المستعمل من أجل ذلك ، هو أن المناضلين الذين يكونون قلم جريدة ” التحرير ” طلبوا من المسؤول الجديد أن يشرح لهم كالعادة توجيه الجريدة – فتنازلت الكتابة العامة لدرجة أنها قبلت التضحية بهؤلاء المناضلين واقترحت تعويضهم بفرقة جديدة يعينها المسؤول الجديد المكلف بالصحافة – لكن هذا الأخير لم يرجع بعد إلى الجريدة ولم يغير الاقتراح المذكور شيئا في موقفه- ذلك أن العقلية التي تعتبر الطبقة العاملة إقطاعا ، كان قد لعبت دورها وأثرت على موقف أصحابها – هكذا حطم في التطبيق توزيع المهام ، بعدما تقرر بالإجماع ، وهذا لسبب واحد ، وهو تخوفات المحجوب وأصدقائه من إمكانية الاتصالات المباشرة بين العمال وبعض الأعضاء من الكتابة العامة ، خاصة عبد الرحمان اليوسفي وعبد الرحيم بوعبيد اللذان لعبا دورا رئيسيا في تأسيس النقابية المغربية ..” وتشرح الوثيقة مظاهر ” النزعة لانحرافية العمالية Ouvriérisme ” ، وأن هذه الفترة مهدت لتأسيس ” النشرة السياسية الداخلية ” للاتحاد المغربي للشغل . أمام هذا الوضع تساءلت الوثيقة عن أهم موقف يمكن أن تتخذه القيادة الحزبية ” أمام هذه الخطة التي تعتمد على الالتباس الموجود فيما يخص علاقة الحركة مع القيادة النقابية ، خصوصا وأن أهم متزعمي الجهاز ينتمون شكليا ورسميا إلى الهيئات المسؤولة للحركة ؟ إن الموقف الذي حدد ينبني على اعتبارين : تجنب كل مجادلة عقيمة من جهة ، لكن من جهة أخرى الاستمرار من الناحية العملية في النضال والتنظيم . أما المجادلات العلنية العقيمة ، فإن تجنبها ضروري للسبب الرئيسي الآتي : استعمل النظام الإقطاعي جميع الوسائل لجعل الشعب المغربي يشمئز من الأحزاب السياسية ، حتى يتمكن من إقامة ” الحكومة القوية ” (…) ولا يمثل وجود الأحزاب وصحافتهم بالنسبة إليه إلا وسيلة دعاية واستهلاك في الخارج ، حيث يقدم المغرب كالقطر ” الديمقراطي الوحيد في القارة الإفريقية ” بناء على أسطورة طالما طبلت بها الصحافة الفرنسية…” ( ص 71 ) وأكدت الوثيقة أن قيادة ومناضلي الاتحاد الوطني باشرت النشاط التنظيمي رغم معارضة الجناح النقابي ، وأن الأحداث أكدت لقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ” أن الجهاز لن يكتسي أهمية إلا في الدار البيضاء ، وأن الاتحادات المحلية الأخرى تعمل بتوافق مع جامعات الحزب الإقليمية ، وتوسعت أنشطة الحزب في واجهة الشباب والنساء والفلاحين والتجار الصغار والحرفيين من خلال هياكل تنظيمية قارة . ثم تصل الوثيقة إلى فترة نوفمبر 1961 حيث انطلقت مظاهرات مساندة الشعب الجزائري في معركته ضد الاستعمار ، وأن الجهاز ” قام بمهام البوليس أمام العمال ” ( ص 74 ) ، وأن الجهاز النقابي والى تقديم احتجاجات للكتابة العامة ضد ” الإطارات الثورية ” ، ثم غير من تاكتيكه من خلال استعمال التعليلات المذهبية ، وأن الكتابة العامة سايرته في منطقه الجديد للحفاظ على الوحدة ، وأنها قبلت مرة أخرى ” جميع التنازلات الممكنة التي لا تمس الأساس ، أي تنظيم الحزب والكفاح من أجل تحقيق برنامجه (…) بهذا الروح وطبقا لهذا الاعتبار الأخير ، تهيأ وانعقد المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني يوم 26 ماي 1962 كمحاولة نهائية في حل مشاكل الحركة التقدمية