1952

تحل هذه الأيام الذكرى العشرون لرحيل عبد الرحيم بوعبيد الذي فارق الحياة في الصباح الباكر ليوم 8 يناير 1992، جموع غفيرة شاركت في الموكب الجنائزي الذي امتد من مسجد السنة إلى المقبرة المجاورة للبحر بمدينة الرباط.
تعالت الأصوات مرددة : «بوعبيد ارتاح ارتاح، سنواصل الكفاح».
كان اليوسفي في المقبرة ينتظر الموكب الجنائزي والجماهير الغفيرة التي توافدت على العاصمة من كل جهات المغرب لتكون في الوداع الأخير للسي عبد الرحيم بوعبيد.
خاطب السي عبد الرحمن جثمان السي عبد الرحيم :
«أخي العزيز، استطاعت بلادنا بفضل ما تحليت به من صبر وتبصر، أن تتجنب الكوارث، لأنك عرفت، طوال أكثر من ثلاثين عاما كزعيم بدون منازع للمعارضة الديمقراطية، كيف تقود سفينة الاتحاد في بحار هائجة بالعواصف والأهوال وهذا باعتراف أعلى سلطة في الدولة».
شخصيا أتيحت لي الفرصة لأتعرف لأول مرة على السي عبد الرحيم بوعبيد، وكان عمري ثلاث عشرة سنة : كنا مجموعة من التلاميذ في مخيم مدارس محمد الخامس برأس الماء غير بعيد عن إيفران ، عندما وصلنا إلى المخيم تم توزيعنا على ثلاثة مخيمات فرعية : الأول للبنات والثاني للصغار والثالث خصص لنا نحن «الكبار» ولهذا سيطلب منا أن نخرج من الخيمة حيث كنا ننام في وقت القيلولة حتى نكون مستعدين لترديد نشيد الترحيب بضيف إسمه بوعبيد، وكان ذلك في مرحلة كان فيها الحدث المهيمن على انشغالات المكلفين بنا في المخيم هو ما جرى في أرض الكنانة : ضباط أحرار استطاعوا بعد نجاح انقلاب عسكري اندلع يوم 23 يوليوز 1952 وانتهى يوم 26 بطرد الملك فاروق ووصلنا نحن إلى المخيم يوم 27 ، وبعد أيام حل بمخيم رأس الماء هذا الضيف الذي لم يسبق لنا أن عرفناه أو سمعنا عنه أي كلام.
هكذا التقينا نحن المخيمون في رأس الماء مع عبد الرحيم بوعبيد لأول مرة، في لحظة كان فيها الانشغال بما يجري في مصر أكثر من الاهتمام بالوطن، رجل لطيف وقف وسط الوطنيين أمثال الحاج احمد الشرقاوي والحاج عثمان جوريو ومعهما الهاشمي بناني وإدريس بن بركة، قال بصوت منخفض كلاما لم يصل إلى آذاننا وكل ما أثار انتباه الأطفال هو ابتسامته وهدوءه ، ولكنه سرعان ما غادر المخيم، ربما كانت مهام أخرى تنتظره.
هذا الرجل الذي كان في الثلاثين، لم أتخيل ذلك اليوم من غشت 1952 أنني سأكون بعد سبع سنوات على موعد معه في يونيه 1959، موعد سيكون حاسما في حياتي المهنية عند بداية تجربتي الإعلامية.
لماذا قام عبد الرحيم بزيارة خاطفة وغادر مخيمنا بسرعة؟
ربما كان الملك في إفران وكان لعضو اللجنة التنفيذية ومدير جريدة الاستقلال، أسبوعية الحزب بالفرنسية، موعد مع محمد الخامس في إطار الاجتماعات السرية التي كان الملك يعقدها مع الوطنيين بعيدا عن أعين الفرنسيين ومخبريهم، وسأعرف فيما بعد أن الأمير مولاي الحسن كان يخفي بوعبيد في سيارته ليدخله إلى القصر حتى لا تعرف السلطات الاستعمارية ما إذا كان بوعبيد قد اجتمع مع الملك أم لا.
هذا هو الرجل الذي رددنا نشيدا للترحيب به ولم تكن لنا نحن «الكبار» في المخيم فكرة حقيقية عنه وكل ما لاحظته شخصيا أن الحاج أحمد الشرقاوي والحاج عثمان جوريو كانا يحيطان بوعبيد بهالة كبيرة لأنهما أعرف الناس بمكانة الضيف الذي حرمنا من «القيلولة» في لحظة كان فيها الجو حارا.
عدنا كلنا ، أطفال وشباب وفتيات مخيمات مدارس محمد الخامس، إلى الرباط حيث كانت تجري على قدم وساق الاستعدادات لعيد العرش.
لماذا الحديث عن عيد العرش في شهر غشت حيث تفصلنا ثلاثة شهور عن موعد عيد الجلوس في 18 نونبر؟
الجواب بسيط هو أن الملك الذي تربع على العرش عام 1927 ، اعتبر الوطنيون أن من الواجب أن يكون الاحتفال تلك السنة بذكرى جلوسه تحت شعار «العيد الفضي» بعد مرور ربع قرن على اعتلاء محمد بن يوسف عرش المغرب. وإضافة إلى ذلك وجوب تأكيد تعلُّق المغاربة بملكهم لا بوصفه ملكا وإنما باعتباره ملكا وطنيا، وهذا ما جعل مواطنين كثيرين وخاصة في العالم القروي، يتعرضون لشتى أشكال القمع من طرف السلطات الإدارية المحلية، أي من كنا نسميهم الباشوات والقواد، بدعوى أن موعد عيد العرش مازال بعيدا وأنتم «لا شغل لكم ولا تريدون العمل وتريدون فقط ضياع الوقت».
وبعد ذلك يتعرض المواطن للضرب أو للإهانة لا لشيء سوى لأنه أراد أن يستعد مبكرا للاحتفال بالعيد الفضي. بعد أسبوعين من الاحتفال بالعيد الفضي، اغتال إرهابيون فرنسيون في تونس الزعيم النقابي فرحات حشاد.
كان المهدي بن بركة مبعدا إلى تافيلالت بقرار من الجنرال جوان في متم شهر فبراير 1951 ، وبعد شهرين وصلت إلى قيادة حزب الاستقلال في الرباط رسالة من السي المهدي مفادها أن الدور الذي كان يضطلع به قبل اعتقاله، يجب أن يتكلف به عبد الرحيم بوعبيد.
لهذا الغرض انعقد اجتماع في منزل المرحوم عبد الهادي لحلو في شهر ماي 1951 كبداية لمرحلة نضالية جديدة انطلقت في غياب المهدي بن بركة جسديا عن مدينة الرباط.
إثر اغتيال فرحات حشاد كان لعبد الرحيم بوعبيد استشعار مبكر، بل معلومات مضبوطة، بأن الجنرال غيوم يعد العدة لضرب الحركة الوطنية، وإثر إغتيال فرحات حشاد في تونس بات من الأحسن أن يكون الوطنيون سباقين لاتخاذ المبادرة : إضراب عام والخروج في مظاهرات إلى الشارع.
وهكذا يشهد التاريخ أن بوعبيد هو صاحب مبادرة إخراج أزمة العلاقات الفرنسية المغربية من الثلاجة السياسية : انفجر غضب جماهير كاريير سانترال وأقدم غيوم على تعطيل الحريات العامة واعتقال القادة النقابيين والسياسيين ومنهم عبد الرحيم بوعبيد.
منذ عودته من فرنسا نهاية 1949، أصبحت لعبد الرحيم بوعبيد عدة صفات : – محام في هيئة الرباط – مدير جريدة الاستقلال – عضو في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال مكلف بالتنسيق مع التنظيمات النقابية في الدارالبيضاء. – مستشار سري للملك بخصوص إعداد المذكرات التي كان محمد الخامس رحمه الله يرفعها إلى قادة الجمهورية الفرنسية.
بعد ثمانية أشهر على أحداث كاريير سانترال، أشرف الجنرال غيوم على تنفيذ المؤامرة ضد العرش، وبعد ما أبعد الملك وولي العهد إلى كورسيكا، قال المقيم العام الذي حل محل الجنرال جوان : «في العام الماضي قتلت الثعبان (يقصد الاجراءات التي اتخذها ضد حزب الاستقلال) وها أنا الآن قد قطعت رأس الثعبان».
الجنرال غيوم ومن معه لم يكن في حسبانهم أن المغاربة يمكن أن يستسلموا للأمر الواقع في لحظة ما، ثم سرعان ما تأتي الإنتفاضة.
كما هو معلوم كان التهامي الكلاوي باشا مراكش أكثر من غيره من الباشوات والقواد اندفاعا لخلع الملك، العملية التي اعتبرها الجنرال غيوم بمثابة قطع رأس الثعبان.
الاستاذ عبد الصادق الكلاوي يقدم في كتابه عن والده الباشا شرحا دقيقا بشأن استغراب التهامي الكلاوي لما حصل ببلادنا بعد المؤامرة ضد العرش :
«لم يكن الباشا يتصور أبدا أن نفي السلطان سيثير ثورة بالمغرب، ففي ذاكرته كان لا يزال يحتفظ بالصورة الجامدة لتنصيب مولاي حفيظ على العرش وهزيمة مولاي عبد العزيز ، إذ ظل يتذكر كيف أن كل شيء تم وسط اللامبالاة الشعبية…. كان المغرب في ذهن الباشا هو نفسه لم يتغير، يسكنه المغاربة أنفسهم ممن لا يعيرون اهتماما لاستبدال سلطان بسلطان آخر». لم يدرك التهامي الكلاوي يقول إبنه الاستاذ عبد الصادق أن ثمة وعيا وطنيا جعل مغاربة 1953 لا علاقة لهم بما كان عليه مغاربة 1907 .
بعد نفي الملك أصبحت المقاومة المسلحة واقعا يهيمن على الحياة اليومية، وفي الذكرى الأولى لنفي الملك انتفضت مدينة فاس في مرحلة سياسية فرنسية تميزت بتولي بيير مانديس فرانس محل جوزيف لا نبييل رئيس الحكومة التي أبعدت الملك.
كانت لمانديس فرانس عدة أسبقيات سياسية، كالحرب بالهند الصينية ومشاكل «الفلاكة» في تونس التي منحها الاستقلال الداخلي في خطاب قرطاج نهاية يوليوز1954 .
أما بخصوص المغرب فقد فرضت التعقيدات السياسية للجمهورية الفرنسية الرابعة، على مانديس فرانس أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه : «قضية رجوع الملك السابق غير واردة»، ولكن من جهة أخرى بعث مانديس فرانس وفدا برلمانيا إلى السجن المركزي بالقنيطرة لإجراء أول اتصال مع زعماء حزب الاستقلال المعتقلين ومن ضمنهم عبد الرحيم بوعبيد.
بعد شهور سيجتمع بوعبيد مع مانديس فرانس في العاصمة الفرنسية : رئيس حكومة فرنسا ووزير خارجيتها سأل بوعبيد : «لماذا تتشبثون هكذا بالملك ولا تقبلون التفاوض معنا بدون عودته إلى عرشه؟»
السبب بسيط يقول السي عبد الرحيم لمانديس فرانس : «أنتم متشبثون بدغول كرجل نداء 18 جوان 1940 ونحن متشبثون بمحمد الخامس كرجل 11 يناير1944، يوم المطالبة بالاستقلال».
ستكون لهذا التوجه الوطني نتائجه وسيكون بوعبيد حاضرا في كل الخطوات التي أدت إلى عودة الملك واعتراف فرنسا باستقلال المغرب، وسيكون السي عبد الرحيم أول سفير في باريس من ماي 1956 الى أكتوبر حيث عاد لتولي وزارة الاقتصاد الوطني والمالية لمدة ثلاث سنوات ونصف.
يوم 6/6/1959 صدر بلاغ عن الديوان الملكي مفاده أن محمد الخامس استقبل بعثة خبراء عن صندوق النقد الدولي بمحضر نائب رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد الوطني والمالية عبد الرحيم بوعبيد وقال الملك : «إن منصب تسيير الاقتصاد الوطني والميزانية ليس بالمنصب الهين، لأنه يشتمل على مسؤوليات جسام تقبل السيد بوعبيد تحملها بشجاعة مثالية وقام بمهمة تحرير الاقتصاد الوطني من التبعية، حتى أصبح اقتصادنا مستقلا بميزانية للتجهيز يتم تمويل أكثر من نصفها بالموارد المغربية الصرفة».
بعدما نوه الملك بعلو كعب السي عبد الرحيم بوعبيد وصفاته الخلقية ونزاهته – يقول بلاغ الديوان الملكي- فقد برهن أنه جدير بالثقة التي وضعها فيه جلالة الملك : «بعدما حدد السيد بوعبيد موارد المغرب الاقتصادية، وحقق للمغرب توازنه، جابه ، بالإضافة إلى ذلك، التكاليف الجديدة التي يستوجبها كون المغرب أصبح دولة مستقلة».
أعود إلى شهر غشت 1952 لأقول بأنني لما رأيت لأول مرة السي عبد الرحيم في مخيم رأس الماء لم يخطر ببالي آنذاك أنني سأكون عنده بمنزله في يونيه 1959 للحصول على تصريح لفائدة جريدة التحرير بأمر من رئيس قلم التحرير المجاهد عبد الرحمن اليوسفي لإجراء حديث حول برامج حكومة عبد الله ابراهيم في.. الشمال.
عن الحالة في الشمال سيقول المهدي بن بركة رحمه الله في طنجة يوم 5 يوليوز1959 :
«هناك أيادي أجنبية تتآمر في الخفاء ضد بلادنا، ولكن من جهة أخرى يجب أن نعترف بأننا أخطأنا التقدير قبل أن نخطئ نحن أو يخطأ غيرنا».
هذا باختصار ما استطاع السي المهدي أن يقوله عن عصيان الريف (نهاية 58 وبداية 59). عصيان كان الخطيب وأحرضان مكلفين بمهمة إطلاق شرارته الأولى في أكتوبر 1958 .
المهم أن حكومة عبد الله ابراهيم اعتبرت أن من أولويات مهامها العمل على إخراج أقاليم الشمال من حالة التهميش وهذا ما ذهبت إلى منزل عبد الرحيم بوعبيد للحصول في شأنه على معلومات باعتباره نائب رئيس الحكومة مكلفا بالاقتصاد الوطني والمالية، فقال لي رحمه الله :
«يجب أن نعرف أن منطقة الشمال كانت مندمجة اندماجا كليا في الاقتصاد الإسباني حتى أصبح الشمال وكأنه قطعة من التراب الإسباني، لذلك تبين بعد الاستقلال وبعد عملية توحيد العملة في مجموع التراب الوطني، أن إدماج الشمال في الواقع الوطني المغربي كأنه عملية جراحية تقتضي فصل هذه المنطقة عن إسبانيا بإدخال ما يلزم من تعديلات وتلقيح لإدماج مناطق الشمال في الكيان الوطني المغربي. وإذا أردنا أن نذكر بدقة الطريقة التي تسير عليها الحكومة لتسوية المشاكل الناتجة عن هذه الحالة فيجب القول أنها تتلخص في برنامجين:
البرنامج الأول يتجلى في توحيد العملة وسحب البسيطة من التداول في الشمال، وكذلك التوفر على جهاز اقتصادي في الشمال يماثل ما في الجنوب كأداة للتنمية الاقتصادية والتطور الاجتماعي.
وهذا الجهاز يتطلب بناء الطرق الثانوية والطرق القروية وتحسين الموانئ وإنجاز برنامج فلاحي يرمي إلى تشجير منطقة الشمال وحماية غاباتها واستصلاح الأراضي وتزويد سائر المدن والقرى بالماء والكهرباء وذلك بنفس الجهد الذي يتم بذله في الجنوب.
وإلى جانب هذا يتعين إنجاز ما وضعته الحكومة من مشاريع اجتماعية ومرافق ضرورية : منشآت ومراكز طبية قروية ومدارس ابتدائية، تقنية وثانوية.
ولقد هيأت كل وزارة على حدة ما تحتاج إليه منطقة الشمال بكيفية مستعجلة لتدارك النقص والتأخر بالقياس إلى المناطق الأخرى. ويمكن القول إن الجهد المالي والتقني الموجه للشمال في ميزانية التجهيز (1958 /1959) لم تحصل عليه أي منطقة أخرى في المغرب في مدة سنتين، حيث روعيت حاجيات الشمال وأعطت الحكومة للمنطقة، أسبقية وأولوية بالنسبة لنواحي المغرب الأخرى.
والمتجول الذي يجهل كل شيء عن المجهود الذي بذل هناك، عليه أن يلاحظ الفرق بين ما كانت عليه منطقة الشمال في سنة 1956 وما هي عليه اليوم… إنه فرق عظيم : طرق بنيت ومستشفيات ومدارس وغيرها من المرافق.
لكن رغم كل هذا، فإن المشاكل مازالت قائمة والعلاج يتطلب مجهودات مستمرة طوال سنوات، لقد كانت منطقة الشمال في عزلة عن المغرب طوال خمسين سنة، فلا يمكن مهما كانت الوسائل التي بيدنا، أن نعالج الحالة الناتجة عن 50 سنة، في سنة واحدة. ولهذا فنفس الجهد سيستمر خلال التصميم الخماسي المقبل (1960-1964) .
أما البرنامج الثاني لسياسة الحكومة في شأن إدماج أقاليم الشمال في الاقتصاد الوطني، فيتعلق بالصناعة الحديثة والتقليدية. إن جل الصناعات كان لها في الشمال جهاز قديم لمنافسة صناعات الجنوب.. كما أن هذه الصناعات كانت توجه منتوجاتها إلى الأسواق الاسبانية.
أما اليوم وقد تم التوحيد، فهذه الصناعات مضطرة لتوجيه منتوجاتها إلى الأسواق المغربية الداخلية وكذلك إلى أسواقنا في الخارج. وهذه الوضعية الجديدة تفرض على صناعات الشمال التوفر على تجهيزات عصرية للتغلب على شتى العوائق.
وعلى هذا المستوى، فالحكومة جادة في تشجيع صناعات الأقاليم الشمالية وإخراجها من الضيق إلى حالة التوسع والتقدم وهذا ما يتطلب المزيد من الوقت للتأمل وإجراء دراسات معمقة ودقيقة.
ويجب على إخواننا في الشمال أن يشعروا بأننا نضع مشاكلهم في المقدمة ونعطيها الأسبقية ».
إلى أي حد كنت قادرا على استخلاص كل ما يجب استخلاصه من كلام السي عبد الرحيم ذات يوم أحد صباحا في شهر يونيه 1959 بخصوص سياسة حكومة عبد الله إبراهيم لإدماج أقاليم الشمال في الواقع الاقتصادي للمملكة المغربية؟
قبل أن أحصل على موعد من السي عبد الرحيم، كنت ضمن الصحفيين الذين حرص المرحوم أحمد العلوي وكان ملحقا صحفيا بالديوان الملكي، ليكونوا مرافقين للموكب الملكي في رحلة إلى الشمال : الناضور، الحسيمة والشاون. كان ضمن الصحفيين كل من المرحوم مصطفى العلوي مدير جريدة العهد الجديد، والأخ عبد الجبار السحيمي شفاه الله، وكاتب هذه السطور، حيث تعرفنا في عين المكان على أوضاع «المنطقة» أعني بذلك منطقة الشمال. أقول «تعرفنا» في حدود ما يمكن التعرف عليه في إطار زيارة ملكية رسمية ومع ذلك فما سأنقله إلى جريدة التحرير لن استوعب كل مضامينه إلا بعد سنوات.
الإخوان في التنظيم الاتحادي المحلي بالعاصمة سيواجهون مشكلا يتمثل في اختطاف المناضلين الهاشمي بناني وعبد الفتاح سباطة في شهر فبراير 1960، اختطاف بسبب مظاهرة كبرى بمدينة الرباط جرت احتجاجا على استعدادات فرنسا لتفجير قنبلة ذرية في منطقة الركان…
آنذاك كان محمد الخامس رحمه الله يقوم برحلة إلى الأقطار العربية ( مصر، السعودية، الكويت، العراق، الأردن، سوريا ولبنان) ويرافقه رئيس مجلس الوزراء المرحوم عبد الله إبراهيم وفي غيابهما كان ولي العهد الأمير مولاي الحسن يقوم مقام رئيس الدولة وكانت له في تلك الأيام لقاءات يومية مع السي عبد الرحيم.
إذن – يقول الإخوان في التنظيم الاتحادي للعاصمة – يجب أن نطرح هذا المشكل مع نائب رئيس مجلس الوزراء. من سيربط للإخوان موعدا مع السي عبد الرحيم؟ كان محمد اليازغي يحمل صفتين : عضو في التنظيم الحزبي ومدير مصلحة ميزانية التجهيز بوزارة المالية ويعرف أن السي عبد الرحيم لا يقبل الخلط بين المهام الحزبية والمهام الإدارية ولهذا قال المرحوم محمد الحيحي بأن عبد اللطيف هو الذي سيأخذ لنا موعدا مع السي عبد الرحيم.
بسرعة حصلت على الموعد الذي طلبته من كاتبة الوزير بدون أن أخبرها بموضوع الزيارة و…. دخلت مع الأخ الحيحي رحمه الله والأخ محمد بوعنان وبدون مقدمة طويلة قال لنا السي عبد الرحيم:
«من المحتمل أن يطلق سراح الأخوين وهما على كل حال يوجدان في وضعية خاصة تليق بمكانتهما بعد ما تم نقلهما إلى الحسيمة. ومن الأفضل الآن أن توقفوا الحملة الإعلامية وأعتقد أنهما سيعودان إلى الرباط بعد العطلة الأسبوعية».
هذا ما حصل بالفعل وسأعرف فيما بعد (أي بعد سنوات) أن عبد الرحيم بوعبيد في أحد اللقاءات اليومية مع ولي العهد، طرح قضية اختطاف كل من عبد الفتاح سباطة والهاشمي بناني، إذاك حصل نائب رئيس الوزراء من نائب رئيس الدولة على وعد بالإفراج عنهما وهذا ما تم بالفعل بعد عطلة نهاية أول أسبوع من فبراير1960 في مرحلة امتدت فيها حملة القمع في إطار ما اعتبرته الصحافة الفرنسية «أول تجربة قوة» في مغرب عهد الاستقلال.
بعد أقل من أربعة شهور ستقال حكومة اليسار لتبدأ مرحلة نضالية جديدة- خارج الحكومة – سيقول اليوسفي ( يوم 10 يناير 1992) في شأنها بخصوص الدور الذي اضطلع به عبد الرحيم كزعيم بدون منازع للمعارضة الديمقراطية : «لقد عرفت طوال أكثر من ثلاثين سنة كيف تقود سفينة الاتحاد في بحار كلها عواصف وأهوال وذلك باعتراف أعلى سلطة في الدولة».
ليلة العاشر من دجنبر 1960 عاشت العاصمة أربعة أحداث:
– عودة المرحوم علال الفاسي إلى الرباط من رحلة في إطار وفود رسمية إلى الخارج للتعريف بالقضية الموريتانية.
– عندما كانت سيارة زعيم التحرير تمر قرب مدارس محمد الخامس لاحظ من كانوا معه أن البوليس بصدد معاينة حادثة سير تعرض لها وزير الخارجية آنذاك إدريس المحمدي وكان مصحوبا بسيدة متزوجة مما أثار غضب الملك محمد الخامس رحمه الله، ولهذا لم يظهر المحمدي في أي مناسبة رسمية إلا بعد ثمانين يوما…. في موكب جنازة الملك.
الحدث الثالث في ليلة العاشر دجنبر 1960 هو هزة أرضية بالعديد من المدن الشاطئية، هزة أثارت الهلع لأنها وقعت بعد مرور 285 يوما على زلزال أكادير.
أما الحدث الرابع فهو أن عبد الرحيم بوعبيد كان في لحظة الهزة الأرضية يلقي محاضرة في سينما اكدال كأول لقاء له مع جماهير الطلبة والشباب «كزعيم بدون منازع» للمعارضة الديمقراطية. وأتذكر أنني سجلت تلك المحاضرة بقلم استلفته من الهاشمي بناني ولم يسترده مني وأن المحاضرة تم نشرها على صفحة كاملة في جريدة التحرير إما في نهاية 1960 أو بداية 1961 .
وهكذا بدأت مرحلة جديدة في علاقاتي مع السي عبد الرحيم استمرت إلى ذات يوم جاء فيه إلى مقر الحزب بأكدال ليودع الحزب، قبل تسعة أسابيع من التحاقه بالرفيق الأعلى.