بـنـبـركـة..الحـاضـر الـغـائـب…حسن اوريد

كان المهدي بنبركة رجل فكر، وكانت محاضراته وخطبه حمالة أفكار تبين تصوره للمغرب. رسم المهدي صورة عن المناضل النموذجي، الذي يناديه باسم «الرفيق».

كما وجه إلى المناضلين أيضا وصايا حقيقية من أجل ثورة ثقافية.
للرجل أيضا مكانته بين العظماء الذين عرفهم تاريخ هذه البلاد. إذ يوجد، إلى جانب محمد بن عبد الكريم الخطابي، ضمن قائمة الزعماء الذين تجاوز صيتهم وسمعتهم حدود الوطن. كان كلاهما تجسيدا حيا للنبوغ الشمال إفريقي، كل على طريقته، الأول قروي أمازيغي، والثاني حضري عربي. كانا يريدان القضاء على النظام الاستعماري على غرار سلفيهما، يوغرطة وتاكفاريناس، اللذين قضا مضجع روما. ورغم أنهما خسرا المعركة، فهما يستمران في الخلود في المخيال المغاربي، بفضل شجاعتهما ورؤيتهما والتزامهما من أجل مصير مشترك لـ«الأمازيغية». الفكرة لا تزال قائمة.
هل يمكن حصر وصف المهدي بنبركة في ناشط سياسي، بل حركي ذي حس براغماتي؟ البعض، ليس بالضرورة في صفوف محتقريه، يعتقدون ذلك. غير أن وقفة عند حياة المهدي بنبركة، القصيرة والغنية، تكشف، على النقيض مما سلف، عن رؤية، أو عن عمل يقوده فكر. فكر متطور حسب الظروف والسياق، لكن وفق خيط ناظم يطبع على طول المسار. لا يمكننا أن نصنف حياة، لكننا مضطرون إلى ذلك من أجل فهمها بشكل أفضل.
عاش بنبركة ثلاث مراحل في حياته النشيطة. مرحلة أولى قبل الاستقلال، من 1944 إلى 1956، التي امتزج فيها الحماس بالشجاعة، والثانية من 1956 إلى 1959، التي أخذ فيها العمل والفكر منحى صريحا نحو أفق إصلاحي، وأخيرا المرحلة الثالثة من 1959 إلى 1965، التي انخرط فيها الفكر في سيرورة ثورية معية حس بالنقد الذاتي والتحليل.
طيلة هذه المراحل كان لبنبركة مصدر إلهام واحد، هو الشعب، الذي كان يشكل الخيط الناظم لعمله وفكره. وعيه بمفهوم الطبقة وتعريفه للشعب لا يمكن إلا أن يجرا عليه غضب أصحاب السلطة. أولا، في العهد الكولونيالي، ثم في الفترة ما بعد الكولونيالية. لكن ألم يكن هذا الأخير استمرارا للأول بوسائل أخرى وأشخاص آخرين؟
هذا ما يتصوره هذا الرجل الاستثنائي في أحد أكثر نصوص الأدب السياسي المغربي قوة (الخيار الثوري) بعد الذي سمعه من أفواه فلاحي تافيلالت لدى عودته إليهم ليشكرهم على السنوات التي قضاها في ديارهم حين نفي إليها في الخمسينيات. سمع هذا الحكم وكأنه يوحى إليه: لقد غير للمنجل مقبضه، لكنه ظل المنجل نفسه دائما.

الطفولة

لنعد إلى هذه المرحلة الحاسمة في أي مسار، والتي تطبع المراحل الثلاث الأخرى: الطفولة. أليس الطفل، مثلما يقول الشاعر الإنجليزي ووردوورث، أب الرجل؟ ولد المهدي بالرباط في 1920، لكنه ليس رباطيا، أي لا يتحدر من تلك الأسر الأندلسية التي كانت تتعامل مع المخزن بحس قوامه التفاوض والعملية. فهو يتحدر من القبيلة العربية زيايدة، بين تامسنا وزعير، قرب بنسليمان. لا شيء يوجه ابن الشعب وسليل بقال في الفترة الاستعمارية نحو المدرسة. كان ذلك سينطبق على المهدي لولا العناد الذي أبان عنه الفتى الشاب من أجل ولوج مدرسة الأعيان. وبعدما بلغ الأمر إلى علم زوجة مدير المدرسة، تدخلت وأقنعت زوجها بإدماج بنبركة فيها. لقد فطنت، بكل تأكيد، إلى ذكائه.
تلاميذ يدرسون تحت أعين آخرين يكبرونهم سنا، ضمنهم أسماء ستطبع اسمها في مسار الحركة الوطنية. في إحدى المسرحيات، تقمص بنبركة دور فقير، دور سيلعبه طيلة حياته في نص سيكون كاتبه ومخرجه. سيتغير الجمهور وسيكثر مع مرور الزمن.
في ثانوية مولاي يوسف سيحدث لقاء آخر سيحدد مصير المهدي بنبركة. إنه بكل تأكيد لقاؤه بأستاذه في اللغة العربية، اللبناني المسيحي توفيق الخياط، الذي كان يتميز بوعيه القومي العربي. ظن الوصاة الوطنيون على المهدي بنبركة أن الأستاذ الماروني كان يقود المهدي يوم اصطحبه إلى الكنسية نحو الأسوأ:اعتناق المسيحية. غير أن المهدي لم يكن إلى حدود تلك اللحظة يضع مسافة معينة بينه وبين الشأن الديني، أو على الأقل لا يحكم عليه سوى في مسرحية.
غادر الشاب المهدي إعدادية مولاي يوسف ليلتحق بثانوية غوران. وفي الثامنة عشرة، حصل على شهادة الباكلوريا /شعبة الرياضيات، محققا نجاحا مزدوجا بتسجيل اسمه ضمن قائمة أوائل المغاربة الذين نالوا هذه الشهادة والحصول عليها بميزة «حسن جدا». كان يمكنه، تبعا لهذه النتيجة، أن يتابع دراسته في الأقسام التحضيرية بثانوية ليوطي بالدار البيضاء، ثم ينتقل إلى الجزائر تحت أعين سلطات الحماية. وأنى لمساره أن يكون مختلفا؟
كان الشاب ضمن مشروع الإدارة الكولونيالية الرامي إلى تكوين شباب من «الأهالي» يتبنون قضيتها، لكونهم متشبعون بثقافتها وقيمها. كانت الإقامة العامة تراهن على مواهب هذا الشاب لتحقيق أهداف الإدارة الكولونيالية. كانت تقول يومها إنه سيساهم في صنع مجد الإمبراطورية، ويكون في الواجهة بين الأمة «أم الفنون والأسلحة والقوانين»، وأمثاله. والذين أقدموا على هذه المراهنة لم يخيبوا إلا بمقدار النصف، لأن بنبركة وقف في وجه النظام الاستعماري غير المنصف، وليس ضد فرنسا وقيم التحرر.

المهدي المناضل

أصبحت العاصمة الجزائر في بداية سنوات الأربعينيات عاصمة فرنسا الحرة بعد بعد استسلام فيشي. كانت المدينة تغلي ولم يكن الطالب الشاب ليخرج منها «سالما». ويمكن أن نبسط الأفكار الكبرى التي طبعت مساره بالجزائر. أولا، فرنسا ليست بلدا لا يقهر: فقد صارت فرنسا بعد استسلامها أمام هتلر تبدو مثل عملاق بأقدام من طين. ثانيا، هناك تشابه بين أوضاع الشعوب المستعمرة، ولذلك وجب أن تكون المعركة كونية. ثالثا، ثمة إمكانية للاستفادة من التجربة النازية على مستوى تنظيم الشبيبة. لكن هذا لا يعني تبني إيديولوجيتها، رغم أنه كان يراهن، في العالم العربي، كرد فعل هنا وهناك، على ألمانيا.
احتفظ المهدي من إقامته في الجزائر بصداقات وتعاطف. إحساسان سيندمجان بشكل موضوعي، وباعتبارات قلما تكون ذاتية في أفق معركة كونية للمحرومين في مختلف مناطق العالم ضد الإمبريالية و»رموزها» و»توابعها».
مرة أخرى، ستقرر الصدفة ليس فقط مسار هذا الشاب، الذي أخذ مزاجه المتهور في التبلور، بل مستقبل المغرب كذلك. في طريقه إلى الجزائر، في مارس 1941، توقف المهدي بمدينة فاس لإلقاء محاضرة حول «مناهج تأطير الشباب المتبعة من قبل ألمانيا النازية». وبفضل هذه المحاضرة سيلتقي بمعلم شاب يشتغل في المدينة «العالمة». قدم المعلم نفسه تحت اسم عبد الرحيم بوعبيد.
وابتدأت اللعبة الكبرى. أخذت الإمبراطوريات الإمبريالية تفقد بريقها، وباتت الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بلعب دور هذه الإمبراطوريات.في الشرق الأوسط كانت الولايات المتحدة الأمريكية تصبو إلى أخذ مكان بريطانيا الكبرى في المنطقة، وهو ما تأتى لها فعلا، كما صارت تشكل مصدر إزعاج للحضور الفرنسي في المغرب العربي. كان هناك إعلان للنوايا الحسنة في المعاهدة الأطلسية لعام 1941، ثم تبعها مؤتمر آنفا في 1943. في حين كانت الترجمة المحلية لهذه اللعبة الكبرى تعني اتصالات تقارب وزوايا للمعالجة. كيف يمكن أن نتصور شجاعة الشباب الوطنيين، الذين تجرؤوا على المطالبة بالاستقلال، المفهوم الذي كانت الإقامة العامة تقرنه بنعت «المرتد»، بدون دخول أمريكا على خط اللعبة، وربما من أجل حمايتها؟ هل كان العمل النقابي سنوات الأربعينيات والخمسينيات مجرد مطلب عمالي؟ لماذا اغتيل النقابي التونسي فرحات حشاد؟ لا، لم يكن العمل النقابي في تلك الفترة «بريئا» سياسيا، ولم تكن السلطات الكولونيالية الفرنسية لتنخدع.
لنعد إلى هذا الميثاق المؤسس للحركة الوطنية المغربية، وثيقة 11 يناير 1944، المقدمة من قبل أعضاء من حزب الاستقلال. لقد كان المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد ضمن الشباب الموقعين على هذه الوثيقة، وهو الذي وقع عليه الاختيار لتسليم نسخة من الوثيقة للقنصل الأمريكي. وانقطعت بذلك علاقة هذا الشاب بالإدارة الكولونيالية. في الفترة نفسها، أي بدءا من 1943، تعرف المهدي أيضا على الأمير مولاي الحسن. إذ كان أستاذه في مادة الرياضيات بالمدرسة المولوية. ألا يقول المثل العربي إن الغمد لا يمكن أن يتسع لسيفين؟ لكن كم كانت الحميمية كبيرة بين الأستاذ والطالب؟
خلال الفترة التالية للحرب العالمية الثانية، التي تميزت بـ«تضعضع» السلطات الكولونيالية في مواجهة «الأهالي»، الذين سالت منهم دماء غزيرة في سبيل الحرية، امتاز بنبركة باهتمامه بمشاريع طليعية مثل وضعية المرأة، ثم المؤسسات التربوية الخاصة- طبعا بمساعدة آخرين- التي ستحمل اسم مدارس محمد الخامس. كان المهدي أيضا وراء تأسيس صحافة حزب الاستقلال، بما فيها جريدة «العلم».
في 9 أبريل 1947، سيقوم السلطان محمد بن يوسف بزيارة طنجة. اختيار السلطان طنجة لم يكن اعتباطيا. إذ كانت المدينة تتمتع بنظام دولي، وكان بإمكانه أن يتحدث فيها بحرية وإسماع الآخرين وحدة البلاد. وقد أكد السلطان في خطابه بطنجة أن المغرب ينتمي إلى الأمة العربية، وهو ما لم يرق للإدارة الكولونيالية الفرنسية. شارك المهدي في تلك الزيارة، بل كان محورها. ويذكر التاريخ حدثا آخر، ليس عابرا، وهو خطاب الأميرة لالة عائشة على هامش خطاب السلطان محمد بن يوسف. فتاة شابة تخاطب جمعا غفيرا بوجه مكشوف. وقد كان المهدي كاتب خطاب الأميرة.
زمن المنفى

في مثلث السلطة المكون من الإقامة العامة وتابعيها، ومن السلطان والوطنيين، كان هذان الأخيران يتقاربان من بعضهما البعض قدر ابتعادهما عن الإقامة العامة. أرادت سلطات باريس مواجهة هذا المعطى الجديد، فأقدمت على تعيين مقيم عام جديد. تم تعويض الدبلوماسي إيريك لابون، الذي نعت بـ»الجبان»، بالجنرال ألفونس جوان، وليد قسطنطينية وعربي اللسان، فوقف وراء تمرد الباشا الكلاوي على السلطان ونظام القبائل والقياد ونقباء الزوايا. وكان المقيمون العامون، الذين تربطهم علاقة حميمية بـ»الأهالي»، الأكثر إيلاما وأذى. أولا، جون، ثم غيوم الذي كان يتحدث نسبيا العامة المغربية، والذي أقسم بأن يجعل الوطنيين يأكلون القش، وبعدهما بوايي دولاتور، المتزوج بأمازيغية، والذي كان يتحدث الأمازيغية بطلاقة، وكان يكنى في بلاد الأمازيغ بموحا أولاتور.
وبدأ المهدي بنبركة ينتقل بدءا من مارس 1951 من منفى إلى آخر من قصر السوق، (الرشيدية حاليا) إلى بودنيب، فتالسينت، ثم إملشيل، وأخيرا أغبالو نكردوس. كوّن المهدي فكرة عن المغرب، وكان ثمة وعي بالانتماء إلى الأمة المغربية التي تتعالى عن الاختلافات الجهوية والإثنية واللغوية.

بنبركة الإصلاحي

يستحق المهدي بنبركة اللقب الذي التصق به غداة الاستقال: «الدينامو». إذ كان وهو في السادسة والثلاثين من عمره حاضرا على صعيد جميع الجبهات: رئيس المجلس الوطني الاستشاري، رئيس لجنة التربية، المكلف بقضايا التنظيم بحزب الاستقلال قبل انشقاقه في 1959… والقائمة طويلة، نكتفي بالوقوف عند بعضها. كان بنبركة منغمسا في العمل، وأيضا في التفكير. كانت هذه السمة تلتصق، كثيرا أو قليلا، بسياسيي تلك الفترة. غير أن المهدي تمتع بأسلوب خاص يميزه ويتفرد به عن الآخرين. كانت تراوده فكرة كبرى يتصورها، مثل مختبر يجمع بين العمل والفكر، عن مغرب جديد، مغرب المستقبل: طريق الوحدة، الذي سيربط بين طرفي المغرب المجزأين من قبل القوتين الاستعماريتين، فرنسا وإسبانيا.
لكن بنبركة كان كذلك رجل فكر. كانت محاضراته وخطبه حمالة أفكار تبين تصوره للمغرب. رسم المهدي صورة عن المناضل النموذجي، الذي يناديه باسم «الرفيق». كما وجه إلى المناضلين أيضا وصايا حقيقية من أجل ثورة ثقافية: أولا إنكار الذات، والتغلغل وسط أطر الشعب (الأطباء والمهندسين والأساتذة)، حس الإنصات، التحكم في الذات، التواضع، أو ما يسميه المهدي محاربة الفردانية بجميع أشكالها. لكن الإطار صار جاهزا، وتكمن المهمة في الاستمرار في التعلم، في الآن ذاته، من تجارب الآخرين، والمعرفة عبر المطالعة والبحث، بما فيها التجارب الشخصية، في الميدان. لا مجال للدوغمائية والجمود، وإذا كان للمعجزة وجود، فلأن الشعوب تصنعها.

زمن الأوهام

عوضت الأفكار الكبرى والأحلام العظيمة الواقع المرير والخيبات المتواصلة. لم يكن حزب الاستقلال مرصوصا كفاية، وما كان جبهة في السابق، بات يتهاوى تحت تأثير المصالح الشخصية والهجمات الكيدية. حدث انشقاق في الحزب في 1959، حيث انفصل جناح تقدمي عن التيار المحافظ وأصبح يسمى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وقد اقتُرح منصب وزير التربية على المهدي في حكومة عبد الله إبراهيم، دجنبر 1958، لكنه رفض، ودعا بعد ذلك بأربعة عشر شهرا إلى انقلاب.
كان المهدي بنبركة في باريس بتاريخ 26 فبراير 1961 بمعية عبد الرحيم بوعبيد حين قال بوعبيد لصاحبه: «تصور لو يموت الملك في هذه الظروف» قبل أن يضيف «سيكون ذلك، بدون شك، سيناريو الكارثة». في المساء، علما عبر المذياع أن الشيء الذي كان مجرد سيناريو صار واقعا. عاد بوعبيد إلى المغرب لتقديم التعازي إلى الملك الجديد، الحسن الثاني، بينما أرسل بنبركة برقية تعزية ووفاء موقعة بـ»خادمكم».
كان بنبركة ذكيا كفاية ليستغل البنيات الجديدة المحدثة قبل وفاة الملك محمد الخامس بدل أن يشخصن العلاقات بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وأرباب القصر. وبمناسبة المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ففي عام 1962 أدلى المهدي بتحليل، نوقش داخل هيئات الحزب، وسيعتبر مستقبلا بمثابة الخيط الناظم للخيار الثوري، الذي عمم بعد ثلاث سنوات، غداة اختفاء بنبركة، الذي نجا بأعجوبة من محاولة اغتيال في نونبر 1962، وفضل من جديد المنفى بباريس وجنيف والقاهرة.

لا خيارات عدا الثورية

في 1963، سيطبع حدثان العلاقات بين زعيم المعارضة، وهو المهدي بنبركة، والقصر. إذ ستفكك الشرطة جناحا للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بتهمة الإعداد لمؤامرة، فيما يحيل الحدث الثاني على حرب الرمال بين المغرب والجزائر، حيث أدان بنبركة تقاتل الإخوة من القاهرة. هل أمكنه أن يقتصد في هذا التصريح، الذي اعتبر مبالغا فيه، حتى من قبل مناضلين من حزبه؟ أي هامش مناورة يحتفظ به فاعل سياسي حين يكون منفيا؟ أخذ الجيش تصريح بنبركة على محمل الجد وأصدر في حقه حكما غيابيا بالإعدام، فصار المنبوذ في بلاده نبيا هناك، وبات قائد جبهة ضد الامبريالية.
وما يثير في هذه المرحلة من تفكير بنبركة في المقام الأول هو القطيعة التي حدثت بين رؤيته السياسية الجديدة وبين خياره الإصلاحي سابقا. إذ صار ثوريا ويبشر بـ»الخيار الثوري».
أفل مفهوم الأمة لصالح مجموعة صغيرة للغاية: الطبقة العاملة، وقطب كبير ضد الإمبريالية. وسيذكر التاريخ هذه الجملة التي قالها المهدي بنبركة بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم: «لكن الواقع يتأثر بكل هذه الأوهام، والسياسة الحقيقة الوحيدة هي السياسة الحقة».تبسط هذه العبارة غير المسبوقة في الأدب السياسي المغرب تحليلا قطعيا للنظام الاجتماعي الاقتصادي بالمغرب. ويتعضد هذا التحليل أيضا بنقد ذاتي للحركة الوطنية. ماذا يقول بنبركة في هذا النص الذي لا يعلم منه في غالب الأحيان سوى العنوان؟ أولا، بني النظام على توجهين اثنين: أن يكون استمرارية لنظام الحماية، وهو ما يسميه بنبركة النظام النيوكولونيالي، واقتباس مفاهيم خاصة باليسار. وحلل بنبركة كذلك قوة النظام وعلاقات القوة ودعائمه، إذ قال عن المؤسسة العسكرية: «لم تترك السلطة يوما الجيش يتواصل مع الشعب، وكانت تعارض دائما أي شكل من الخدمة الشعبية المدنية التي من شأنها أن تخلق روابط متينة بين الجيش والشعب الذي يحميه». هل كان هذا التحليل منطويا على مخاطر؟ لا، يجيب بنبركة، مضيفا «يوشك أن يفقد السيطرة على هذا الجهاز الذي قد ينقلب ضده».
أولى بنبركة قليلا من الاهتمام لرفاق الماضي خلال معركة الاستقلال: البورجوازيون: راكمت البورجوازية امتيازات سياسية واقتصادية وصارت شبيهة بالفيودالية التي انتقدتها سابقا. حكم بنبركة على البورجوازية لا غموض فيه: «سيكون خاطئا الاعتقاد بإمكانية جعل هذه البورجوازية وفية لتوجهها الديمقراطي، كما سيكون وهما رؤيتها تتكفل بمهمة التحرير الاقتصادي».

ساعة النقد الذاتي

ثلاثة أخطاء قاتلة نزلت بثقلها على الحركة الوطنية. ثلاثة منعطفات كانت مطالبة بتجاوزها بنجاح.
الخطأ الأول:الميل إلى التوافق، لكن هذا الأمر يقود إلى الوثيقة المؤسسة للاستقلال، ومحادثات إيكس ليبان. ويتمثل معيار تقدير وثيقة الاستقلال في قياس تأثيرها على المد الثوري في الجهة بشكل عام، وما اعتبر نصرا، أي الاستقلال، أصبح ينظر إليه كخدعة حيكت من قبل القوى الاستعمارية ولم تفطن إليها القوى الثورية إلا بعد فوات الأوان. لا مجال للدوغمائية في حياة بنبركة، والذين عرفوه عن قرب يعترفون بثبوت هذه الخصلة لديه.
الخطأ الثاني: الغموض الحاصل في خيارات الحركة الوطنية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وهو شيء كان لزاما تفاديه. وسيكون البديل خيارا ثوريا في مواجهة القوى الرجعية والديماغوجية، الماسكة بزمام السلطة. أما السلاح المعتمد لإنجاح هذه المهمة فهو حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمعية جميع مكوناته الجماهيرية، القوى العاملة، ثم الشباب، ولا سيما الطلبة منهم. فماذا نستنتج من هذا؟ أن الخيار الثوري ليس خطابيا، بل تحليليا. وهو ليس محددا في فضاء معين، بل في نطاق شامل، خصوصا أن الظرفية تساعد على ذلك. يتضح أن تحليل بنبركة للنظام السائد وقتها كان مصيبا وقويا، لكن إطار هذا النظام وُجّه مرتين اثنتين ضد من يزعم أنه يخدمهما. كان لا بد من مصالحة، ولو جزئية، مع الحركة الوطنية في 1975 لكي يتم، أخيرا، إقرار توافق تاريخي. وبين الحدثين، دفع بنبركة حياته ثمنا لذلك.

وماذا عن الملكية؟

المؤكد أن القيادي اليساري ارتكب أخطاء في التحليل والاختبار. وعلى غرار ما قاله المؤرخ إيدوارد جيبون عن سيزار، في مصنفه الخاص عن أفول وسقوط الإمبراطورية الرومانية، فإن أخطاء بنبركة لا تمس في شيء عظمته. كان الرجل مسكونا برؤية معينة عن المغرب، بل بدور للمغرب في محفل الأمم. وسيظل هذا السؤال مطروحا: ماذا كان موقف بنبركة من الملكية؟
لا تبدو الإجابة عن هذا السؤال صعبة. فقد كان بنبركة واعيا بدورها، ولاسيما في مسألة الاستقرار. كيف يكون رأيه في الملكية مغايرا هو الذي خدمها؟ لقد كان شاهدا على المنعطفات التي مر منها شخص الملك والمؤسسة. وفي هذا الصدد، يقول الحسن الثاني عن بنبركة: «كان يقر بأن الملكية أساسية لصون الوحدة».
وإذا كان نص الخيار الثوري، بعد إعادة تحريره، قويا، فإنه وجب عدم نسيان أن بنبركة كان جريحا: محاولة اغتيال، وحكم بالإعدام، وملاحقة للحزب.
كيف للأمور أن تجري لو بقي على قيد الحياة؟ سؤال غير ذي جدوى في التاريخ. وينبغي ألا تطمس القضية المسماة «بنبركة»، والمطالبة بكشف عن الحقيقة، حياة هذا الرجل. رجل بقبعات متعددة، عاش حياة نضالية وغنية امتزج فيها العمل بالفكر. فالعظمة في السياسة تكمن في التصرف كرجل فكر وتفكير ورجل عمل وميدان. وقد كان بنبركة من هذا النوع من الرجال.
للرجل أيضا مكانته بين العظماء الذين عرفهم تاريخ هذه البلاد. إذ يوجد، إلى جانب محمد بن عبد الكريم الخطابي، ضمن قائمة الزعماء الذين تجاوز صيتهم وسمعتهم حدود الوطن. كان كلاهما تجسيدا حيا للنبوغ الشمال إفريقي، كل على طريقته، الأول قروي أمازيغي، والثاني حضري عربي. كانا يريدان القضاء على النظام الاستعماري على غرار سلفيهما، يوغرطة وتاكفاريناس، اللذين قضا مضجع روما. ورغم أنهما خسرا المعركة، فهما يستمران في الخلود في المخيال المغاربي، بفضل شجاعتهما ورؤيتهما والتزامهما من أجل مصير مشترك لـ«الأمازيغية». الفكرة لا تزال قائمة.
بتصرف عن مجلة «زمان»

حسن أوريد/جريدة المساء/31 دجنبر 2012