كسر الخاطر

ألفنا أن نسطر كل سنة التغييرات التي طرأت علينا أو التي ستطرأ علينا في السنة الجديدة. وعادة ما يكون هكذا فعل، من زاوية شديدة التشاؤم. وتلك حالة من العقلانية الشقية والشيقة التي لا بد منها، لأن التفاؤل، غالبا ما يكون بسبب نقص في المعطيات!
ولعل أكبر غياب للمعطيات هو أننا نخرج العالم الخارجي من شبكة التوقعات.
فما الذي سيحدث في عالم أصبح كل صوت أمريكي فيه يحدد مستقبل شعوب تبعد عن أمريكا بآلاف الكلمترات؟
ما الذي سيحدث عندما ستحرر أمريكا من البترول السعودي، كما توقعت ذلك الوكالة الدولية للطاقة، في تقريرها السنوي المنشور في شهر نونبر؟
العالم من حولنا سيتغير رأسا على عقب في السنوات القليلة القادمة. وبما أن البترول، في جزء منه هو نقطة الضعف القوية في ميزاننا التجاري ، وفي تأثيره على التوازن الاجتماعي (صندوق المقاصة) وعلى فرص النمو، فهل يمكن أن نغفل انقلابا بهذا الحجم، أي أن تتحرر أمريكا كليا من نفط الخليج،؟
من الصعب أن نتصور العالم مستقبلا وواشنطن غير ملزمة بأي توازن إقليمي أو استراتيجي مع شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
الوكالة الدولية للطاقة تقول بأن أمريكا ستتحول في الفترة ما بين 2017 و2020 إلى أول منتج للبترول. وهي بذلك مرحلة «إعادة انتشار استراتيجية» جديدة على حد تعبير التقرير، ستكون له عواقبه الكبرى في المنطقة.
الخليج سيتوجه ولا شك نحو الصين، التي بدأت تؤمن طريقها البحري، وهي بدورها ستعمل على تعميق التغييرات، بما أنها ستصبح أول سوق في العالم.
فهذه الدولة، التي تكنى اليوم بورش العالم أو مصنعه، ستصبح أكبر سوق بقرابة 500 مليون نسمة من .. الطبقة الوسطى.
وهي، أيضا، تقترب ما، بل وتشكل جزءا من توجهاتنا، التي لا يمكن أن تغفل ما يمور في الصين وما ستخلفه تغيراتها على المدى البعيد.
نحن نتصرف كأننا جزيرة، لا جزءا من العالم.
ويمكن لهذا المنحى أن يتقوى، ثقافيا مع النزوعات المحافظة والماضوية.
بل يمكن أن نسير نحو التقوقع الحضاري الذي سيكلفنا الكثير من حيث قيمة الوجود والقدرة على الاستمرارية..
هناك تغييرات عالمية مهمة ذات كلفة أخلاقية ووجودية عالية، لا يمكن أن نستل منها أنفسنا غدا.
مثلا؟
الشبكات الاجتماعية وحركة التحرر مثلا ؟
عندما يصبح المخزون الوراثي الإنساني( الجينوم ) بلغة أهل العلم يباع، بما يقدر(حسب يومية لوموند) بألف دولار، أي حوالي 10 آلاف درهم!!
إننا بهذا المعنى على شفا تحول جذرى كبير، يستحق أن نفكر من خلاله في ثورة ثقافية حقيقية لا بد من الاستعداد لها بقوة.
فمن يجيب غدا عن الأسئلة التي سيطرحها هذا التحول العلمي والطبي والأخلاقي علينا، هل سننحو نحو جواب الهوية أو جواب المسايرة النقدية والذكية للتقدم البشري؟
إننا نرى أن شيئا من هذا القبيل، سيحل ولا شك معضلات كبيرة تتعلق بكل أنواع الأمراض، بل وحتى بالتغطية الصحية ومعناها، لكنه سيطرح الكيان الثقافي والسلم الأخلاقي موضع مساءلة.
ولحد الساعة يبدو أننا لا نعد سوى الأجوبة المحافظة والمنزوعة من العقل البشري وآفاقه المفتوحة.
ويبدو أنه من النفط إلى الطب ومرورا بالتوازنات الإقليمية، لا يمكن أن نعفي أنفسنا من سؤال الغيرية سؤال درجة حضور العالم، غدا في حدودنا. لأننا جزء لا جزيرة، ولا يمكن أن نسقط من حساباتنا، مثلا، تحولات المنطقة المحيطة بنا بدون أن نرتكب أفظع خطأ ممكن ارتكابه.