أنقذنا وحدة الوطن ولكن وحدة الحزب تصدعت عميقا

من الدفتر الثالث من مذكرات السي عبد الرحيم بوعبيد

ترجمة وتقديم : عبد الحميد جماهري./.جريدة الاتحاد الاشتراكي/ الثلاثاء 8 يناير 2013

في الدفتر الثالث من مذكراته، ُيسلط عبد الرحيم بوعبيد، باعتباره أحد الوطنيين الذي تتبعوا عن كثب وشاركوا ودافعوا عن استقلال البلاد، السياق الدولي والوطني والداخلي لحزب الاستقلال الذي تمت فيه مفاوضات الحرية. ويقدم الفقيد الكبير إضاءات جديدة على أسئلة وتساؤلات متعددة تخص ايكس ليبان وآراء القادة الاستقلاليين وبعض الخفايا التي ترتبط بمفاوضات الاستقلال. وهو يقدم المعطيات التي عاشها ويعيد ربطها بالسياق الذي كانت تتفاعل داخله وقتها. ونكتشف معطيات جديدة، لم تسترع كبير اهتمام من طرف المؤرخين أو الباحثين من قبيل موقف اسبانيا وتاكتيكاتها حول القضية المغربية، والحياة التي كان يحياها المقاتلون في منطقة خاضعة منطقيا للاستعمار، لكنها في الوقت ذاته فضاء للتداريب والتخطيط لعمليات المقاومة. في الوقت الذي يكتب المغرب فيه تاريخه، بكثير من الجرأة والشجاعة مع الذات، وبكثير من التمحيص ايضا والمقارنات والتركيبات الدينامية للأحداث والشهادات، تعتبر مذكرات عبد الرحيم مهمة، إن لم نقل مفصلية، في ترتيب الذاكرة وترتيب الفترات التاريخية. ونحن ننشرها، لكي نتلقى بالفعل الآراء والشهادات التي نسعى إلى مناقشة ما ورد فيها من طرف الذين درسوا أو عاشوا الفترة، بالرغم من ندرتهم.
الحكومة المغربية للتسيير والمفاوضات كانت النقطة الرابعة. تشكل النقطة الأساسية في جدول الأعمال، أي قيام حكومة مغربية للتسيير والتفاوض، طبقا لما ورد في البيان الصادر في سيل سان كلو، من جهة، والتحديد الدقيق ما أمكن للنقط التي يجب أن يتناولها التفاوض. بخصوص الحكومة التي يجب تشكيلها، تم التسليم، على ضوء التحليل الذي سبق، أنها حكومة تمثل كل تيارات الرأي في المغرب، وبالتالي لم يكن الامر يتعلق بحكومة منسجمة. رئيس الحكومة سيكون هو مبارك البكاي الذي سلك، منذ 1951، سلوكا في عمومه نزيها ومنضبطا، فهذا الضابط السابق في الجيش الفرنسي ، كان يمنح للمفاوض الفرنسي ضمانة على الاعتدال، دون أن يثير الحيطة من جهتنا. ولكن كان هناك شرط مع ذلك، ويتجلي في أن تكون اغلبية الاعضاء من حزبنا، منهما وزيرا دولة مكلفان بالتفاوض ونائب رئيس المجلس قريب من وجهة نظرنا. أما بالنسبة للمناصب الأخرى، فتقرر أن نقرر في عين المكان عند المشاورات. لقد ظل محمد اليزدي ، بسبب المبدأ أو بسبب المزاج ، يرفض دوما اي مشاركة له في أية تشكيلة حكومية. أحمد بلافريج وعلال الفاسي كان عليها ، على الاقل، في ما يخص هذه الفترة الأولى أن يظلا بعيدين، بحيث يمكنهما في حالة وجود صعوبات ما أن يتدخلا باعتبارهما زعيما الحزب ، لدى الملك، نفس الشئ بالنسبة للمهدي بن بركة الذي كان عليه أن يتفرغ لتنظيم الحزب، ولتوجيه صحافة حزبنا. كانت أول مهمة، بمجرد تشكيل الحكومة الأولى هي تدبير الشؤون الجارية في انتظار ابرام الاتفاق الفرنسي المغربي حول اعلان استقلال المغرب. كان استيلام زمام أمور التسيير يتطلب مفاوضات أولية مع المندوب السامي ومساعديه من أجل أن تنتقل الى الوزراء المغاربة سلطات وصلاحيات الاقامة العامة السابقة والمدراء الرئيسيين لمختلف الادارات العمومية وشبه العمومية. أما التشريعات والقوانين التنظيمية فهي من صلاحيات الملك وحكومته فقط. وعليه كانت المفاوضات الاولية مقبولة في هذه الفترة الانتقالية. فكان المطلوب أن تصبح كبريات المديريات مصالح وزارية تحت امرة وزراء مغاربة. وفي انتظار الاتفاقيات و المساعدة التقنية، كان المدراء الفرنسيون السابقون يعينون كتابا عامين، أو على الأقل من أراد منهم وقبل مثل هذه الوظائف الادارية المحضة. واخيرا، كان من الضروري اسناد مديرية الامن الوطني إلى موظف سام مغربي، أما غير ذلك من القضايا المتعلقة بادارة المكاتب الكبرى أو الشركات الاقتصادية المختلطة، فستحل بقرارات حكومية. مضمون الاستقلال المغربي بعدها انتقلت اللجنة التنفيذية إلى دراسة القضايا الرئيسية التي سيتناولها التفاوض مع الحكومة الفرنسية، فبعد مناقشات حادة، حول مختلف الفرضيات تم تبني خط عام. لم يكن واردا بالنسبة للمغرب القبول باتفاقيات تنص على مراحل للوصول إلى الاستقلال والسيادة الكاملة. وبوضوح، لم يكن من الوارد أن يكون الرئيس التونسي مرجعا. وعليه فقد كان أمام اعضاء الحزب الذين سيكونون ضمن الحكومة الدفاع عن المواقف التالية: -حصول المغرب على وضع دولة مستقلة وذات سيادة كاملة، وهوما يفضي الى حقه في امتلاك ديبلوماسية خاصة به، ويقيم بذلك علاقات مع كل الدول على قدم المساواة وما يؤدي ايضا الى حقه في امتلاك جيش وطني للدفاع عن سيادته ووحدته الترابية. ويعني البندان الخاصان بالديبلوماسية الخاصة وبالجيش الوطني، أن الاستقلال الوطني سيكون له طابع سيادي، سواء على المستوى الوطني أو الخارجي. بالنسبة لحزبنا ، كان لا بد لأي التباس أو غموض من أن يرفع بخصوص صلاحيات السيادة الاساسية، وذلك ابتداء من تشكيل الحكومة المكلفة بالتفاوض. ولا بد من الاشارة الى هذا الموقف وتحديد شروط مشاركتنا في حكومة تمثل كل تيارات الرأي العام حسب التعبير الوارد في بيان سيل سان كلو. وفعلا، بالنسبة لبعض المعتدلين في المفاوضات غير الرسمية مع شخصيات سياسية أو بعض أوساط رجال الاعمال كانوا يقدمون مسبقا التنازلات ولا سيما بتقديم الوعود بأن القضايا المتعلقة بالديبلوماسية الخاصة والجيش الوطني لن تطرح أو سيتم تأجيلها الى ما بعد. فكان علينا أن نقطع دابر مثل هذه التوجهات الرامية الى الابقاء، لمدة غير محددة، على الوصاية التي تختزل الاستقلال في ممارسة نظرية وشكلية لسيادة داخلية. وبقي على اللجنة التنفيذية أن تحيط بالموضوع بخصوص علاقات الترابط المتبادل الحر وتبني موقف واضح وحازم. بالنسبة لحزبنا، ما كان لعلاقات الترابط المتبادل ، في غياب مرجع معين ،أن تكون، أو تكون سوى علاقات تعاون بين دولتين ذات سيادة ، يتضمن مجالات متنوعة ومعقدة. فذلك، لأن الحماية الفرنسية الحقت ، عبر ممارسات تعسفية بفرنسا مجالات الدفاع والديبلوماسية والاقتصاد والعملة ، وذلك في خرق واضح للمعاهدات الدولية بما فيها اتفاقيات الجزيرة الخضراء سنة 1906. وهكذا اصبح الفرنك الفرنسي، مثلا بالرغم من وجود معهد للاصدار (بنك المغرب) يدور في فلك العملة الفرنسية، الشيء الذي فرض تبعية شبه مطلقة لتجارتنا الخارجية. واسبانيا قامت من جهتها بخصوص المنطقة التي سلمت لها، بنفس نظام الالحاق تقريبا. أما بخصوص طنجة ، فقد كانت منطقة للتبادل الحر، بنظامها الجمركي الخاص ونظامها الخاص في تحويل العملة وتجارتها الخاصة الخارجية..الخ. ففي افق استعادة واعادة ادماج مختلف المناطق ،أي التوحيد، كان التعاون مع الشركاء الفرنسيين والاسبانيين يشترط اعادة بناء كل الانظمة الموروثة من الحمايتين طبقا للمصالح الوطنية ، في مجملها. لذلك كان مستحيلا عمليا، خلال المفاوضات القادمة إمكان تحديد مواقف مدروسة بما يكفي في اطارالسيادة الوطنية، موحدة ولاتقبل التجزيء وسارية على مجموع التراب الوطني. الموقف الوحيد الذي كان يفرض اتخاذه ، بدون التخلي عن أي من التزاماتنا، هو التنصيص على بنود تنص بدورها على اتفاقيات للتعاون لا بد من إبرامها، كل اتفاقية على حدة في كل ميدان من الميادين المعنية، يطالب بها هذا الطرف أو ذاك. وعلى كل، وبشكل عام، كل اتفاق تعاون حر هو مبدئيا اتفاق يخضع للمراجعة واعادة النظر فيه كليا أو جزئيا على ضوء التجربة والمصالح الوطنية المطروحة. وهذا أمر بديهي، بحيث أنه بمجرد الحصول على صلاحيات وسلطات السيادة يمكن للشعب سيد نفسه المتوفر على مؤسسات ديموقراطية، أن يتخذ الاختيارات الأساسية والهيكلية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلاقات الخارجية والدفاع. فلا يمكن لأي نظام تعاوني أن يكون إلا تبعا للاختيارات التي تتخذها المؤسسات الوطنية. وماذا عن وضعية الجيش الفرنسي في المغرب والقواعد العسكرية الفرنسية منها أو الامريكية. لقد تمت اثارة الجواب عن هذا السؤال في خطوطه العريضة. فقد كان لابد، باديء ذي بدء، من الانكباب على انشاء الجيش الوطني المغربي، وهي العملية التي تتطلب بالضرورة الوقت. لكن ما إن يتوفر المغرب على جيشه، سيطرح مشكل اخلاء الجيوش الاجنبية والقواعد العسكرية نفسها لا محالة. في انتظار ذلك، ولمدة اقصر ما يمكن، لا بد أن تكون حركات وتنقلات الجيوش الاجنبية المستقرة في المغرب تحت المراقبة اليقظة للحكومة. وبالتالي فلم يكن الامر يتعلق سوى بوضع مؤقت لفترة انتقالية. أما بخصوص القواعد العسكرية الموجودة فوق التراب الوطني، كان مقررا أن تكون خلال المفاوضات المغربية الفرنسية موضوع تحفظات صارمة وفورية. هذا الموقف كان لا بد من إبلاغه عن الطريق الديبلوماسي إلى الحكومة الامريكية وإلى كل الحكومات المنتمية الى الحلف الاطلسي. فالقواعد الامريكية منحت مباشرة من طرف الحكومة الفرنسية 1950-1951 في خرق واضح حتى لاتفاق الحماية. فالعاهل المغربي لم يتم لا استشارته ولا حتى اخباره بهذا الخصوص. وقد كان محمد الخامس وقتها، أثناء أحد اللقاءات مع الجنرال جوان، المقيم العام آنذاك، أن عبر عن تحفظات المغرب الذي لا يمكن أن يتم خلط ترابه الوطني بالتراب الوطني الفرنسي. غير أن التوتر بين القصر والاقامة العامة كان وقتها في أوجه فعمدت الحكومة الفرنسية وممثلها بالمغرب الى تجاهل تام لاحتجاجاتنا. وكانت الفترة ايضا فترة كان الحزب فيها قد اعلن في تجمعاته العمومية أو تظاهراته ومظاهراته أو في تصريحاته للصحافة وخصوصا منها الامريكية أن الشعب المغربي لن يكون حليفا للبلدان التي ترفض الاعتراف بحقنا في الحرية والاستقلال.

أنقذنا وحدة الوطن ولكن وحدة الحزب تصدعت عميقا
ماذا لو أن الحكومات الفرنسية، من باب الافتراض المحض، طلبت من المفاوضين المغاربة، مقدمة لنظام الترابط المتبادل، إبرام اتفاق عسكري للدفاع المشترك بين البلدين. مثل هذا الاحتمال لم يكن مستبعدا. وإذا كان قد قُدر له أن يكون، كان ولابد من إبداء رأي واضح بدون عداء ولا حزازات عوض اللجوء الى حذلقات غير مجدية. وفي هذا الباب، لا يمكن أن نقول بأن بعض الشخصيات الرسمية، ولا سيما في الكي دورسيه (وزارة الخارجية) لم تكن تتوفر على ملفات مهيأة جيدا. وهكذا ذكروني بتصريح سابق لصحيفة «فران- تيرور« أدلى به علال الفاسي إبان اقامته في باريز في ابريل 1947. ففي هذا التصريح، دعا زعيم حزب الاستقلال إلى «معاهدة« للتحالف بين فرنسا والمغرب تعوض معاهدة الحماية.. وقتها «ستدرك فرنسا بأن المغاربة الذين كانوا إلى جانبها خلال المراحل العصيبة، لمدة خمس وثلاثين سنة ، لم يغيروا موقفهم في ما يخص علاقاتهم مع حليفتهم فرنسا«. (هذا التصريح الذي صدر في الصحيفة الباريزية فران تيرور، في ابريل 1947، تمت اعادة نشره حرفيا تقريبا في كتاب علال الفاسي «الحركات الاستقلالية في المغرب العربي« ، ص 329.) وقد كان التذكير بهذا التصريح ، أقل ما يقال عنه أنه مزعج. وقد حاولت إقناع بعض المخاطبين أن هذا الموقف كان يخضع لسياق سياسي مخالف للسياق الحالي. وبالتالي فإن المفاوضات الفرنسية المغربية لا يمكن أن تتم إلا على الأسس التي حددتها الوثيقة الرسمية الوحيدة، هي اتفاقية سيل سان كلو.

كان علينا أن نؤكد بأن مغربا جديدا ومستقلا ستكون له انشغالات أخرى ذات أولوية: انشغالات اقامة مؤسسات ديموقراطية ، وانشغالات تحديد أهدافها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، انشغالات ادماج الاغلبية الكبرى من شعبنا في القطاع العصري الموروث عن الاستعمار. وهو ما يعني اذن النهوض بالانتاج والتربية والتكوين والادخار والاستثمار. وعليه فإن مشكلة اتفاق الدفاع المشترك، في نظرنا، ما هي سوى مشكلة مغلوطة أو طريقة ما للقبول بشكل من التبعية والخنوع. وقلنا إنه لا نرى ماهو التهديد الخارجي الذي يخيم على بلدنا المستقل حديثا لكي يفرض على نفسه الانشغال بابرام اتفاق عسكري أو تحالف دفاعي. زد على ذلك أن اتفاقا للدفاع المشترك مبرما مع فرنسا ، لا يمكنه أن يمر بدون أن يدفع الحكومة الاسبانية إلى أن تطلب التعامل معها على قدم المساواة، ولماذا الولايات المتحدة الامريكية التي يمكنها أن تشترط من جهتها أن توضع الاسس القانونية بالنسبة لقواعدها العسكرية القائمة سلفا، والتي تفتقد هذا السند القانوني. [ من باب التذكير، نورد هنا حكاية وقعت إبان الحكومة الثانية التي ترأسها البكاي. فقد قام وزير الشؤون الخارجية احمد بلافريج بتقديم مشروع اسباني للدفاع المشترك الى مجلس الوزراء. وقد كان من الوارد جدا أن اسبانيا كانت تسعى بواسطة هذه الوسيلة الى الابقاء على جزء من جيوشها في المناطق التي كانت تسيطر عليها خلال الحماية. اعترضت بالقول : ما هي الاسباب التي تدفعنا الى القبول بمجرد مبدأ هذا الاتفاق. اجابني أحد الزملاء المعروفين: «لا يمكننا أن نبقى بدون تحالف عسكري! فاذا حدث أن وقعت حرب غدا سنجد أنفسنا وحيدين ومعزولين«. أجبته «إذا كانت الحرب ستقع، فهي لن تقع سوى بين القوى العظمي وبين حلفائها. وفي هذه الحالة افضل أن تبقى بلادنا بعيدة، معلنة حيادها«. وفي الأخير لجأنا الى تحكيم محمد الخامس ، فبقي المقترح الاسباني حبرا على ورق .] ويتبين من خلال ما سبق ، أن دورة اللجنة التنفيذية للحزب التي انعقدت بمدريد، قبل تشكيل أول حكومة مغربية مكنت من تبديد حالات سوء الفهم التي تراكمت منذ سنوات، ومكنت من تحديد خط عام أكثر دقة ما أمكن. وفي النهاية، وجد علال الفاسي واحمد بلافريج انفسهما معا، وسط اخوانهما. وتجدر الاشارة ايضا الى حضور عبد الكبير الفاسي ، ابن عم السي علال ومساعده الذي قام بمقرر اللقاء. اتاحت لنا رحلتنا الى مدريد كذلك اللقاء ببعض اعضاء المجلس الاعلى للمقاومة وجيش التحرير. واثناءها علمنا بقرار الطرد من هذا المجلس في حق عبد الكبير الفاسي لأسباب يصعب التسليم بصوابها. بعد عقد ندوة صحافية في فندق «فيلاسكويز« حيث كنا نقيم ، افترقنا للعودة الى المغرب، وبقي سي علال وحده شهورا في طنجة. غير أن قناعتنا المشتركة بين الجميع كانت هي أن عملية التوضيح والشرح تفرض نفسها عاجلا لفائدة مناضلي القاعدة الحزبية، ولا سيما رفاقنا المقاومين. وقد تبين من بعد أن هذه المهمة كانت صعبة. فقد تعرضت وحدة الحزب لهزة كبيرة، لكن وحدة الوطن سلمت ، بحيث أن عودة محمد الخامس إلى الرباط اتاحت استكمال المراحل الاخيرة من تحرير البلاد من وصاية الحماية. وبذلك انفتح أمامنا عهد جديد ، بآماله وأوهامه، وبخيباته أيضا.

لماذا غِبنا عن الرباط يوم عودة محمد الخامس الى المغرب؟
القول بأن عودة محمد الخامس يوم 16 نونبر 1955 كانت عودة مظفرة، تعبير لا يعبر عن قوة الأمر، فقد كان ذلك اليوم يوما لاينسى في تاريخ الأمة المغربية. فقد استقبلت العاهل وأبناءه بمجرد أن لاحوا تكبيرة عميقة للغاية، كما لو أنها قادمة من أعماق القرون: الله أكبر! عشرات الآلاف من المواطنين حجوا الى المطار، ومئات الآلاف وقفوا على طول المسار الملكي الذي قاده إلى المشور، تبجيل اسطوري وجماعي لشعب بكامله، صلوات تعالت بها آلاف الحناجر، واغاني وطنية واهازيج شعبية، حركات محمومة لنساء وأطفال وشيوخ دامعة عيونهم ووجوهم بللها البكاء« سيدي محمد مول الجلابة حرير ..« بداية الاغنية الشهيرة لـ (محمد افويتح) كان هنا بلحمه ودمه، بابتسامة مضيئة ، التي كانت ، قبل ايام من هذا اليوم تُرى في القمر، كنا كما في حلم، نظرا لأن حضوره نفسه كان يبدو كحلم، كرؤية في الانتشاء الجماعي للشعب كله. من بعد، ومن بعد فقط، يمكننا أن ندرك أبعاد وحجم هذه الظاهرة الاستثنائية. ففي السياق، وخلال القرون الماضية كان الملوك ينصبون حسب طقس معين وبروتوكول محدد، يقيم فيه العلماء واعيان المخزن أما الشعب فكان يهمَّش، ُيبعد عن الاحتفال، وكل ما هو مطلوب منه هو أن يلتحق وينضم للاختيار الذي لم يكن اختياره. في ذلك اليوم 16 نونبر سيظل يوما فريدا في تاريخ البلاد? فقد كان محمد الخامس الملك الوحيد الذي نُصب وقُدس بالاقتراع الشعبي المباشر. فتمت تنحية الطقوس والتقاليد، بخياناتها، فتحقق نظام جديد، نعم، نظام الملكية الشعبية. غير أنه، وبعد الايام المجنونة والأمل المفرط تأتي الاوقات العصيبة لحصيلة سنوات مديدة من الكفاح.. لقد تم احترام الميثاق، العهد الوطني الذي عقده الملك والحركة الوطنية فاستعادت البلاد كرامتها بتكسيره لاغلال التبعية الاستعمارية واستعادت مكانتها في محفل الامم الحرة وذات السيادة، غير أن الجانب الآخر من الميثاق الوطني المتعلق بدمقرطة المؤسسات كان لا يزال ينتظر التحقيق، وفُقِدت الاندفاعة من أجل بناء مغرب جديد ، في عالم جديد. فكان أن أفسدت السياسة الروحانيات وغطت عليها، هل كانت تلك وقتها خيانة النخب(في اشارة إلى كتاب ج. بريدنا الذي يحمل نفس الاسم -المترجم) على كل ، في الوقت الذي نفكر به بهذه الطريقة لا بد لنا من أن نقر بهذا الواقع: الغد لا يفي دوما بالوعود التي قدمها في الأمس. اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال (مدريد نونبر 1955) لنعد الى ليلة 16 نونبر. فقد تم الاتصال باحمد بلافريج، الأمين العام للحزب وبعلال الفاسي، من أجل اجتماع استثنائي للجنة التنفيذية بمدريد. وتم تحديد موعد اللقاء يوم 17 نونبر 1955. استأذنا من محمد الخامس، ومن ولي العهد، يوم 15 نونبر ونحن نلح على اهمية هذه الدورة من اللجنة التنفيذية لحزبنا، عشية المفاوضات القريبة مع الحكومة الفرنسية. حيث أن الافتراق لمدة سنين عديدة ، وغياب التواصل المنتظم مع رفاقنا في القاهرة خلق سوء فهم و تأويلات مغلوطة للاحداث المتعاقبة التي طبعت هذه الفترة. وعليه، كان من الضروري أن نقوم بتحليل شامل للوضع وتحديد الخط العام الذي يجب اعتماده. وقد تفهم الملك انشغالاتنا دون أن يفوته التعبير عن اسفه لغيابنا عن الرباط، يوم عودته. استقلينا القطار الى مدريد ، الحاج عمر بن عبد الجليل وأنا، ليلة 17 نونبر، كان الحاج عمر بن عبد الجليل منشغل البال، وأسر لي بأن هذا الاجتماع بالرغم من أهميته يكدره ويقلقه أيما قلق، فقد كان يخشى أن يتحول الى مأساة، لأن علال الفاسي وأحمد بلفريج كانا على جفاء، بحيث لا يكلم أحدهما الآخر منذ مدة. وكان لكل منهما طبع يناقض الآخر ويتعارض معه، ولم يكن الخلاف حول العمل،اساسا، بل حول قضايا تافهة، إن لم نقل بئيسة. فقد كانت بعض عباراته وردوده لاذعة وقاسية السخرية، وكانت تمس الآخر في أنفته وكبريائه الرهيف والمرتاب للغاية ، فيرد عليه بانفعال، احيانا يصفق الباب، وقال لي أنهما طبعان لا يمكن الاصلاح بينهما.. فعلال الفاسي، كما روى لي المهدي ، لم يغفر لرفاقه أنهم اختاروا، في غيابه، عندما كان في المنفى بالغابون، احمد بلافريج أمينا عاما. فقد كان يعتقد بأن الأمر مؤامرة ضد شخصه، ومسّا بهالته ووضعه، لأن عمله النضالي لم يكن له لدى القاعدة الحزبية التجذر والاتساع الكافيين. عند عودته من المنفى، كان يلمح إلى أن رئاسة الحزب من حقه هو، لكن بلافريج كان يعارض ذلك.. كما أن علال الفاسي، في علاقاته مع الملك في فترة ايريك لوبون، لم يكن يحظى بنفس التعامل المتميز الذي يحظى به رفاقه. والحال أن مصالح الإقامة العامة وبعض شخصيات المخزن ، كانوا يلعبون بمكر لاثارة الحذر، بل الارتياب، بحيث كان هناك خطر أن لا تبقى زعامة الحركة الوطنية حكرا على القصر. كانت هناك الكثير من التنقلات والخطب الطويلة، حيث كان البعض ينتقون منها كلمات وعبارات كانوا يعطونها تأويلات، أقل ما يقال عنها أنها مغرضة… ففي عشية تعيين الجنرال جوان بالرباط، طلبت اللجنة التنفيذية من علال الفاسي أن يذهب في مهمة إلى باريز، ومن تمة إلى القاهرة من أجل الدفاع عن القضية الوطنية لدى الدول العربية. وهكذا بدا أن غيابه من الداخل يناسب الجميع.. ولم يعد الى المغرب، بعد اقامته في القاهرة أو في طنجة، الا بعد اعلان الاستقلال.. وكان الزعيم يحس بنوع من الاحباط وبنوع من المرارة. شخصيا لم أكن اعرف علال الفاسي الا عن طريق ما اسمعه عنه.. ولم أتعرف عليه عن قرب سوى عند الاقامة في باريز، وقد قدرت فيه ميزاته التي لا غبار عليها، ميزات المناضل ونشاطه الفياض: فقد كان الفعل عنده يسبق التفكير، ومن هنا كانت تتأتى ، احيانا بعض الاخطاء في التقدير، وبعض التحليلات غير الكاملة ، ونوعا ما مرتجلة. أما المهدي، الذي كان يعرفه معرفة شخصية، عندما كان عمره بالكاد 16 سنة، كان يعرف الكثير عن الزعيم? غير أن القاعدة السارية كانت هي الصمت المطلق بحيث أن مشاكلنا الصغرى الداخلية لا يجب أن تتسرب الى المناضلين في القاعدة! ولا بد من الحفاظ على واجهة الاجماع? وكانت للحاج عمر ومحمد اليزيدي المهمة الصعبة في تسوية الخلافات. خلال الرحلة من باريز الى مدريد، كاد عمر بن عبد الجليل أن يتوسل إلي بأن ابذل مجهودا في الأخذ بعين الاعتبار بحساسية علال الفاسي. وردد مرارا خلاصته بالقول «لدينا في الحزب هذين الطبعين، ولا بد لنا من أن نتعايش معهما، إذ أنهما ضروريان لنا معا ..«. في محطة القطار بمدريد ، كان علال وحيدا في انتظارنا، وبدا كما لو تغير جسديا قليلا. نفس النظرة الزرقاء، التي تبدأ نفاذة قبل أن تذهب بعيدا كما لو أنها تبحث عن حلم داخلي. كان اللقاء تنقصه الحرارة العفوية والتلقائية..« بدا الحاج عمر كما لو أنه يقول لي «الجو مكهرب..«. بعدها جاء بلافريج واليزيدي ، في سيارة امريكية ضخمة ، تبدو فارهة أكثر من اللازم في نظري.. كان اللقاء صعبا على رصيف القطار، حاول الحاج عمر واليزيدي خلق نوع من اللطافة في الجو، في حين بقي بلافريج أكثر شحوبا من العادة، بعيدا، ومطبق الشفاه. خاطبه علال بصريح العبارة قائلا أنا لا أملك سيارة شخصية، وقد جئت بالطاكسي للقاء رفاقي! فأجابه الآخر، بأن أقسم ألا يضع قدميه في نفس السيارة معه. تسمرت في مكاني لا أحير عملا، ثم، وبدون مقدمات عانقت علال الفاسي ، فرأيت الدموع في عينيه. جلس في السيارة، وأنا بجانبه. أما اليزيدي والحاج عمر فقد جاءا يصحبان معهما بلافريج. تم اغلاق ملف الحادثة فاتجهنا نحو فندق فيلاسكويز. وعاد التفاهم بيننا ، واستطعنا الشروع في القضايا الجدية.

8/1/2013