حبيب المالكي:

تتبعت خلال الدورة التاسعة للمجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأواكب بقدر ما أستطيع في مستويات مختلفة، نقاشات المناضلات والمناضلين الاتحاديين. وذلك الحوار المفتوح بينهم أو بينهم وبين آخرين حول طبيعة المرحلة الراهنة التي تعيشها بلادنا، ويعيشها حزبنا بالأخص. ويمكن القول إن جوهر هذا النقاش يصب في الأفق الممكن لكي لا يصبح حزبنا حزبا عاديا، بالرغم مما حصل وما نشهده من تطورات لا يمكنها إلا أن تجعل حزبنا حزبا عاديا، كانتظام المواعيد الانتخابية، وطبيعة العلاقات السياسية السائدة، والمسلسل التفاوضي المفتوح، وتوسيع دائرة الحريات اليوم، والجهر بالكلمة الذي أصبح ملكا عاما، وغير ذلك من المكاسب الجوهرية التي قد ينسى البعض فضل الاتحاديين، وفضل العائلة التقدمية والديمقراطية، في تحقيقها بالملموس، سواء بفضل تضحياتهم الجسيمة أو بفضل ثقافة التوافق التي ساهمت كثيرا وعميقا في إنضاج الظروف والشروط والأشخاص. هناك، إذن، الكثير من العناصر التي جعلت أو يمكنها أن تجعل حزبنا الكبير الراسخ حزبا عاديا، ولكن الاتحاديين لا يقبلون أن يصبح حزبهم عاديا. وهذا إحساس جيد ونبيل، ولكن كيف يمكننا جميعا أن نترجمه إلى إرادة خلاقة؟ أي كيف نجعل الاتحاد الاشتراكي حزبا متميزا أو حزبا مختلفا؟ خصوصا وقد بات الجميع اليوم يتحدث نفس اللغة، ويستخدم نفس الثقافة السياسية التي كان الاتحاد الاشتراكي بالأمس يُتهم باستيرادها، ويقدم الثمن غاليا مقابل تعميمها وإرسائها وترسيخها في الفكر وفي الوجدان. وواضح جدا أن الإحساس الاتحادي بالحاجة إلى التميز يجتاز الآن زمنا مغربيا مختلفا. فبالأمس كان الاتحاديون يتميزون بخطابهم الذي يكلف غاليا، واليوم يواجه خطابهم زمنا يتميز باستصغار الخطابات والأفكار عموما، وتبخيس القيم، وابتذال الرمزيات، وبنوع من التسابق نحو الفردانية المتوحشة، وبالقفز على المرجعيات الجماعية المؤسسة للذات والهوية والموجهة للسلوكات والعلاقات الاجتماعية والأخلاقية. كما تتميز اللحظة الراهنة بأنواع من التنميط والاستنساخ والتسطيح، والبحث السهل عن الأفكار الجاهزة التي تعب الآخرون في نحتها، والحلول المريحة وكأنها توجد على قارعة الطريق! وقد سبق لي أن قلت وكتبت ونشرت، في أكثر من مناسبة، ما يشير إلى أن التميز بالنسبة لحركة سياسية نضالية تاريخية كالاتحاد الاشتراكي يقتضي البحث المستمر عن نموذج، أي على الحزب أن يكون حاملا لمشروع متكامل يتجسد في نموذج يمكنه أن يساعده على إغناء وتطوير تميزه. ولا أرى من نموذج مميز ومتميز بدون أن تكون الحداثة والديمقراطية من ركائزه. وأتحدث هنا عن حداثة لا علاقة لها بحداثة الغربة أو الاغتراب، ولا علاقة لها بحداثة تَستهلك ولا تُنتج أو تستورد ولا تبدع. أقصد تلك الحداثة المتأصلة، المتجذرة في تربة المجتمع وفي وعي الناس، لا حداثة التنميط والإبهار والاستنساخ والشكليات الزائفة. وهي حداثة لا يمكنها إلا أن تكون كامنة في قلب الفكر والمجتمع والاقتصاد والسياسة والثقافة والإبداع بكل أنواعه. إن النموذج الاتحادي المنشود نموذج يدافع عن السيادة. واعتقادي راسخ بأن الديمقراطية هي السبيل الأهم إن لم يكن الأوحد للدفاع عن السيادة. وإن أي اختلال في البناء الديمقراطي، يمكن أن يكون له أثر سلبي على قوة المغرب، وموقع المغرب، وصورة المغرب. وبالتالي، فإنه نموذج يرتكز على الثقة من خلال وضع علاقات جديدة بين الدولة والمجتمع، بين الدولة والأحزاب، بين الدولة الجديدة والمواطن الجديد. وأظن أن هذا النموذج يتميز بوتيرته، خصوصا ونحن في زمن التسابق في كل المجالات. ولتدبير العامل الزمني لهذا النموذج، ينبغي أن يكون من منظور المرحلة التي نعيشها. وللأسف الشديد، ما زلنا ندبر العامل الزمني كما لو كنا نعيش البارحة ولا نعيش زمنا متسارعا يتطلب وتيرة أخرى وإيقاعا مختلفا. وظني أنه ليست هناك من حداثة بدون أن تأخذ بالاعتبار العامل الزمني. فالنموذج الذي يمكننا أن نرتضيه لأنفسنا، ينبغي أن يتجه كليا إلى المستقبل. وهذه مناسبة لأقول، بكل وضوح، إن الحركة الاتحادية لكي تستمر، لا يجب أن تظل مركونة في زاوية التاريخ، وتتغذى على ماضيها النضالي المشرق والنظيف. لا بد لنا أن ندرك كاتحاديين بأن مُحدِد الجاذبية لحزبنا هو مدى قدرتنا على وضع أسس المستقبل لبلادنا ولشعبنا. بمعنى أن العامل الزمني، في تقديرنا، متجه كليا نحو المستقبل أكثر مما يحفل بأهمية الماضي. والسؤال هنا هو كيف نجعل من القوات الشعبية، وبالأخص من الأجيال الجديدة للقوات الشعبية، الطاقة الأساسية للغد، والفاعل المستقبلي بامتياز؟ إن هذا السؤال أضحى يحتم علينا تجديد المفهوم الخاص بالعمل السياسي، تجديد صيغ الارتباط مع الأجيال الجديدة من القوات الشعبية. بمعنى آخر، أن يصبح الاتحاد أفقا للاستيعاب والتلاؤم مع آفاقها ومطامحها وتطلعاتها واهتماماتها، وأن يهيء نفسه، أفكاره وخطابه وأجهزته، لكي يجعل هذه الأجيال تفكر سياسيا من داخله أو بقربه أو معه ، أو تلتقي مع أفقه على الأقل. وهذا بالذات ما يجعلني أؤكد على بعض الجوانب الأساسية، من ضمن جوانب أخرى قد يأتي سياق آخر للحديث عنها كالحقل الثقافي، والحقل التربوي، والحقل الديني، والحقل اللغوي… وما إلى ذلك، والتي يمكنني أن أسوقها في أربع نقط أساسية وهي: 1 – الجانب الأول يخص ضرورة وأهمية التمييز بين اقتصاد السوق والليبرالية تحت غطاء العولمة. وهذا ما يحتم على الدولة تحديد وظائف جديدة لضمان التماسك الاجتماعي. 2 – في نفس السياق، العمل على تجاوز الطرح المجرد الذي يُغلب الجانب الاقتصادي على الجانب الاجتماعي، إذ أن دينامية النمو ترتكز على التفاعل الإيجابي بين الاجتماعي والاقتصادي: مَنْ يُنتج يستهلك بالضرورة، ومن يستهلك يساعد على توسيع دائرة الإنتاج. وإن الطرح الأحادي البعد يرجع بنا إلى تاريخ الرأسمالية في أبشع مراحل استغلالها المتوحشة. 3 – الاهتمام بالمقاولة، وخصوصا بالتأطير النقابي للمقاولة. وبالتالي، فالحداثة الاجتماعية لا بد أن ترتكز على التمثيلية النقابية. كما أن هذه التمثيلية النقابية لا بد أن تكون ديمقراطية المحتوى والشكل، وأن تكون مرتكزا للثقافة الديمقراطية ولثقافة التعاقد. إن هناك تلازما بين الثقافتين، وبدون تنظيمات نقابية قوية وتنظيمات سياسية قوية، يصعب أن نتحدث عن تحديث مجتمعي أو سياسي، بل يصعب أن نتحدث عن حالة استقرار، فالاستقرار مرتبط بقوة التمثيليات السياسية والنقابية. 4 – وهذا يقودنا، استطرادا، إلى استحضار أهمية حضور ودينامية ووظائف مكونات المجتمع المدني كفضاء له خصوصياته وله قيمته، وله حدوده أيضا. والمهم أن نضمن له إمكانيات التعبير عن الحاجيات الخاصة والقضايا اليومية، وبالأخص تلك القضايا التي لها ارتباط بالمستقبل، وبالديمقراطية في شموليتها التي لا شك أنها في حاجة إلى هذه التعبيرات والتنظيمات المدنية. وذلك بدون أن تُستعمل وكأنها بديل للأحزاب والحركات السياسية، أو أن تُطرح في وضعية تناقضات مصطنعة مع الأحزاب. ويمكن القول، باختصار، إن البرنامج الانتخابي الأخير للاتحاد الاشتراكي تقدم باقتراحات وبأفكار جديدة ومتقدمة في هذا الشأن، وإن لم يكتب له أن يُقرأ كما كان ينبغي أن يُقرأ. ولعل محطة المؤتمر الوطني الثامن لحزبنا تأتي لتطور هذه الأفكار، ولتفتح النقاش الواسع حولها. وهي محطة ينبغي أن يتهيأ لها الاتحاديون والاتحاديات موضوعيا، إذا كانوا يبحثون لأنفسهم عن نموذج مختلف، وعن أفق للتميز، وإذا كانت تهمهم صورة حزبهم وأمْرَ تحسينها وجعلها أكثر جاذبية وإقناعا. ذلك يقتضي منا جميعا التفكير الجدي في طبيعة هذا المؤتمر، الذي ينبغي أن يكون عاديا في توقيته، نوعيا في منهجية تحضيره، ديمقراطيا في تمثيليته، شفافا في تدبيره. كما لا بد أن يكون مؤتمرا يتيح لجميع الاتحاديات والاتحاديين أن يجدوا أنفسهم فيه وفي توجهاته واختياراته ونتائجه وقيادته. ولا أتصور المؤتمر الوطني الثامن إن لم يكن مؤتمر المصالحة مع الذات، والمصالحة في ما بين جميع الاتحاديين، أبناء وبنات الاتحاد وكافة مناضلات ومناضلي الحركة الاتحادية كلها. وهذا ما يتطلب تغليب المصلحة الحزبية على نزوعات الذات والأشخاص، وبالتالي، جعل المصلحة الحزبية جزءا من مصلحة البلاد. لذلك، فإن علينا أن نتهيأ لمؤتمر وطني يكون مؤتمرا للجميع، وفي حاجة إلى الجميع لكي ينجح، لكي يصوغ منطلقات نموذج جديد لأجيال جديدة للقوات الشعبية، وأجيال جديدة من الإصلاحات، مؤتمرا يبلور إرادتنا الجماعية في بناء الحزب – المؤسسة.