في الثروة …

عبد السلام بنعبد العالي

الثروة صعبة: صعبة المنال وصعبة التحديد. أكثر النعوت تناقضاً تَصْدُق عليها، فهي مصدر البلوى، وهي أيضا مفتاح كل خير. لا يعكس هذا التناقض اختلافاً في الرؤى وتنوعاً في المنظورات، وربما المواقع التي ننظر منها إليها فحسب، وإنما أيضاً أشكال التحوّل التي لحقت بالثروة عبر التاريخ.
ولكي لا نبتعد كثيراً عن عصرنا، نقتصر على التحوّل الذي عرفه المفهوم في المجتمع الصناعي بمختلف مراحله. ها هنا أيضاً نلفي التحديد ونقيضه، بين مالك لثروة لا يرى فيها وسيلة للاستمتاع الدنيوي فينهج طريق التقشف والتوفير، وآخر يذهب عكس ذلك تماماً فينهج سبيل الإكثار من الإنفاق والتبذير.
وعلى رغم ذلك، بإمكاننا أن نستخلص مفهومين متمايزين اتخذتهما الثروة في ذلك المجتمع، تبعاً للمنظور الذي نُظر إليها من خلاله، ففي مرحلة أولى اقتُصِر على النظر إليها من زاوية الإنتاج، وهنا اعتُبرت مصدر كل الإيجابيات، فهي الخالقة للشغل ما دام قَدَرها أن توظَّف في الاستثمار وإعادة الإنتاج، وبناء على ذلك، ليس السعي وراءها جشعاً وتكالباً، وإنما هو علامة على حيوية وفعالية وقدرة على أخذ المبادرة.
أما في المنظور الثاني، الذي يُعلي من قيمة الاستهلاك، فإن الثروة تعمل كبقايا، إنها ما عندك ولن تنفقه، ما يفيض عن حاجتك. ينبغي أن نفهم مفهوم البقايا هنا لا بمعناه الاقتصادي فحسب، لا بمعنى الفائض، وإنما في أقرب المعاني إلى الفضالة و »وسخ الدنيا« les déchets. من هنا تلك النظرة التنقيصية التي أخذت تلحق المفهوم، والنعوت السلبية التي بدأت تُقرن به، ونظرة الاتهام التي صار يُنظر بها إلى مالك الثروة على أنه »إنسان جشع« ينهج دوماً طريق »الإثراء الفاحش«.
فبينما يُنظر إلى الثروة في المفهوم السابق على أنها منتِجة مُوَلِّدة، على أنها تهب وتعطي، تخلق الفرص وتتيحها، فإنها هنا تبدو ملتهمةً ذاتَها، خجولةً من نفسها.
ارتأى البعض أن المفهوم الأول كان يقوم على تحليل اقتصادي، بينما الثاني يلحّ على المنظور الأخلاقي. وإن كان هذا التمييز يجد ما يبرره في ما أخذنا نلحظه من تزايد التوظيف لمفهومات أخلاقية في تحليل الثروة، وخصوصاً مفهوم الفساد corruption الذي لا يكاد أي خطاب سياسي أو اجتماعي يخلو منه اليوم، إلا أننا لا ينبغي أن ننسى أن العامل الديني الأخلاقي كان دوماً إما وراء تكديس الثروات أو الكف عن الجري نحوها.
وعلى أي حال، ليس بإمكاننا أن ننفي الارتباط الذي أصبح قائماً اليوم بين الثروة وبين مفهومات سلبية متعددة ربما يُجْمِلها مفهوم الفساد هذا. على هذا النحو، يمكن أن نؤوّل حمى الاستهلاك وهوس الإنفاق في مجتمعنا المعاصر على أنهما محاولة لدرء هذا »الفساد« وإعطاء معنى لما يعمل كبقايا، فكأنها عمليات يراد منها »ألاّ تُبقي إلا على أقل بقايا«، وتتخلص ما أمكنها مما »يفضل«، فتدفع عنها كل تهمة. وربما لهذه الغاية عمل تنظيم حياتنا المصرفية على تيسير هذه العمليات، بأن جعل الموزعات الآلية في متناولنا في كل مكان وحين، وخلق بطاقة الائتمان محارَبة للتوفير، وتطهيراً من »الأوساخ«، ودرءاً لـ »الفساد«.?
< عن «الحياة»

9/1/2013