التحليل‮ ‬الثقافى للثورات‮ ‬العربية

د.عبد الله السيد ولد اباه*

برزت في العقدين الماضيين عدة محاولات لصياغة مشروع ثقافي عربي بديل من المنظومات الإيديولوجية التي هيمنت على الأرضية الثقافية العربية منذ بدايات منتصف القرن العشرين.

أولاً: الربيع الليبرالي والمشروع الثقافي العربى:

يمكن في هذا الباب أن نميز بين ثلاث صياغات بارزة:

-الصياغة الابستمولوجية النقدية التي أخذت شكل مشاريع نقدية للتراث من منطلق تجديد العقل العربي (أو الإسلامي) وإعادة بناء أسسه النظرية من أجل دفع شروط النهوض والتحديث :أعمال محمد عابد الجابري في مشروع “نقد العقل العربي”بأجزائه الأربعة التي ختمت بمنهج لتفسير القران الكريم، وعبد الله العروي بنقده الأيديولوجي التاريخاني للثقافة العربية ومحمد أركون في مشروعه لنقد العقل الإسلامي من منظور “الاسلاميات المطبقة”، وحسن حنفي في مشروعه الضخم الذي دعاه “التراث والتجديد،”ونصر حامد أبو زيد في مشروعه التأويلي الساعي لبناء هرمينوطيقا إسلامية جديدة….) (1)

-الصياغة الأيديولوجية التي أخذت شكل إعادة تصور وتجديد المشروع الحضاري العربي من خلال المراجعة النقدية لأهدافه ومنطلقاته والعمل على إيجاد مرجعية جديدة للعمل القومي تضم المكونات الأساسية لتيارات الأمة؛ أي الاتجاهات الليبرالية والإسلامية والقومية والإسلامية (المؤتمر القومي العربي -المؤتمر القومي الإسلامي…).

-الاستراتيجيات الثقافية التي تمت على يد بعض المنظمات الإقليمية (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بتونس، والمنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالرباط..) في سياق الادبيات التنموية التي ركزت على الثروة البشرية والقيم الإنسانية في النهوض الثقافي في اطار المراجعة المفهومية الكبرى التي قامت بها المؤسسات التنموية الدولية لمفهوم التنمية بإخراجه من نطاق النمو الاقتصادي الكمي الى السياق الثقافي الاجتماعي الأوسع (مثل نظريات العدالة التوزيعية، والحكامة الرشيدة، وصناعة المعرفة….).

ومن الواضح ان هذه الصياغات الثلاث على اختلاف توجهاتها وأهدافها ومضامينها الفكرية تلتقي في نقطتين محوريتين هما :تكريس قيمة الحرية إطارا ناظما لمشروع التجديد والنهوض، وإعادة بناء مفهوم الهوية في اتجاه منفتح على قيم التعددية والاختلاف .

بيد أن المشروع الثقافي العربي في اتجاهاته التي رصدنا لها ، وان انتبه بقوة الى ثغرات ونقائص البنية الثقافية السائدة ، فإنه مال في الغالب الى بلورة خط الإصلاح الداخلي المتدرج في قطيعة مع أدبيات الثورة الراديكالية التي طبعت خطاب الأيديولوجيا العربية في الخمسينيات والستينيات.

ثانيا : من الثورة إلى الإصلاح (مأزق التغيير السياسي السلمي) :

لقد تراجع مفهوم “الثورة” في السجل الثقافي لأسباب ثلاثة أساسية هي :

أولا:انهيار المشاريع الثورية العربية التي قادها “الضباط القوميون” أثر فشلها في إحداث التغييرات الجذرية على الوضع الاجتماعي، بل إن اغلبها انتهى إلى إعادة بناء شبكة الولاءات القبلية والطائفية والاستناد اليها في التشبث بالحكم ، رغم الشعارات الثورية التقدمية المرفوعة.

ثانيا:انحسار الزخم المعرفي والرمزي لمقولة “الثورة” في المدونة الفلسفية والاجتماعية العالمية إثر المراجعات النقدية المتواصلة للفكر الماركسي وبروز نماذج جديدة في العلوم الإنسانية تركز على التاريخ اللاحدثي والثوابت البنيوية والأنساق المغلقة…

ثالثا:جمود حركة التغيير الداخلي وإظهار الأنظمة التسلطية العربية قدرة متزايدة على البقاء والتماسك على الرغم من استفحال الأزمات السياسية والاجتماعية ، بالإضافة الى تراجع دور المؤسسة العسكرية في قلب الأوضاع السياسية ، مما فرض على الفاعلين المختلفين التكيف مع الموازين القائمة .

وهكذا أصبح مفهوم “الإصلاح” هو البديل النظري والأيديولوجي من مقولة “الثورة”. لا يعني الإصلاح هنا المفهوم الذي اعتمده سراة الفكر النهضوي العربي في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الذي يتلخص في مقولة “التمدن” أي التقدم الاجتماعي والأخذ بأسباب القوة العلمية(رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي، ومحمد عبده، وجمال الدين الأفغاني …. ).

للإصلاح في مفهومه الجديد دلالتان مترابطتان :إطلاق الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان من جهة، وتفعيل منزلة المجتمع المدني في التحديث الاجتماعي، وحراسة القيم الإنسانية الكونية من جهة أخرى.

ومن الواضح أن زمنية الإصلاح ليست هي زمنية التغيير الفجائي الجارف وإنما زمنية التحول المتدرج البطئ، الذي يأخذ شكل الإجماع التوافقي، ويعتمد آلية الخطاب التداولي المفتوح .

ثالثا ً : ثورات بدون أيديولوجيا

تبين من خلال رصد الحركات الاحتجاجية العربية أنه من الصعب صياغة مطالب الشباب الثائر في مشاريع سياسية أو رؤى أيديولوجية منسجمة .

وما يبدو راهنا من صعود للأيدلوجيا الإسلامية بحسب معايير الحضور الانتخابي والإعلامي والتحشيدي ليس مؤشرا على انتصار هذا اللون الأيديولوجي على غيره من ألوان الطيف الأيديولوجي العربي.

فما نلمسه هو تشتت الأرضية الإسلامية الى اتجاهات وتيارات متباينة ليس بمقدور أي منها احتكار الشرعية الدينية، ولا فرض خيار مجتمعي بعينه على ساحة معقدة يطبعها التنوع ، مما حدا بالكاتب والخبير الفرنسي أوليفييه روا الى اعتبار عصر الثورات العربية نقطة تحول للدخول في عصر “ما بعد الحركية الإسلامية”.postislamisme (2). إن ما نشهده راهنا هو انقسام التيارات الإسلامية إلى ثلاثة تيارات لا ينبغي الخلط بينها :تيار أصولي متشدد رافض لمكاسب التنوير والحداثة من منطلق الهوية والخصوصية (على غرار الأصولية الكاثوليكية والإحيائية البروتستانية)، وتيار يساري بمرجعية إسلامية (على غرار مجموعات لاهوت الثورة في الكنيسة الكاثوليكية اللاتينية )، وتيار ليبرالي محافظ هو وحده القابل لمقاييس وقواعد الديمقراطية التعددية :أي فكرة الفرد الحر المسؤول عن خياراته في الشأن العمومي .ليس الإشكال إذاً في الاستناد لمرجعية دينية في تحديد المقومات الثقافية والقيمية للهوية الجماعية كما هو شأن العديد من الديمقراطيات الغربية التي تعترف دستوريا بديانة رسمية للدولة كبريطانيا والدنمارك وايسلندا واليونان والأرجنتين….فالمهم أن لا تصطدم المرجعية الدينية بالمدونة العامة لحقوق الإنسان، وبنظام الحريات الجوهرية الذي هو الأساس المشترك للتقليد الليبرالي.ولا شك أن بعض الحركات الإسلامية لا تزال عاجزة عن دفع الاستحقاقات النظرية والاجتهادية للمرور من النمط الأصولي الى النمط الليبرالي التعددي الذي نجحت فيه الحركة الإسلامية التركية (حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ عقد كامل ).

وما تبينه التجربة الغربية ، هو أن لكل التشكيلات الفكرية والأيديولوجية حق التنظيم والتعبير في المجتمعات الديمقراطية بما فيها التيارات المعادية لليبرالية طالما ابتعدت عن العنف واحترمت قوانين التعددية .وما نلمسه اليوم في مصر وتونس وليبيا بعد الثورات الأخيرة من قيام أحزاب سلفية مؤشرا إيجابيا ، حتى ولو كانت هذه التنظيمات متطرفة في فكرها وغير قادرة على التكيف مع قيم الحداثة السياسية وان قبلت شكلياتها الإجرائية.

لم تعد أي حركة قادرة على احتكار اللون الإسلامي ، ومن شأن هذه التعددية أن تفتح آفاقا جديدة لنمط الليبرالية المحافظة ضمن المرجعية الإسلامية .

في مقابل الصعود الإسلامي الظاهر، نلمس تراجعا جليا للتيار الليبرالي في المواقع الانتخابية ، بحيث انهارت التشكيلات الليبرالية العريقة ، بما فيها تلك التي ارتبطت بحركات التحرر الوطنية، وبالديناميكية التحديثية .

في مصر ، انهار حزب الوفد الذي قاد منذ بدايات القرن الماضي حركية المقاومة وبناء الدولة الحديثة ، ولم تحصل الكتلة الليبرالية في مجملها إلا على مكاسب هزيلة في الانتخابات التي نظمت في نهاية سنة 2011.

حدث الأمر ذاته في تونس ، فشل التحالف الليبرالي الذي قاده المحامي اللامع “أحمد نجيب الشابي” في انتزاع مواقع هامة في الاقتراع الذي فازت فيه حركة “النهضة” الإسلامية، على الرغم من تجذر وعمق التجربة التحديثية في تونس.كما سجل الاتجاه نفسه في المغرب بتقهقر “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” حزب النخب الليبرالية الذي ارتبط بحركية النضال الوطني ضد الاستعمار، وبالكفاح السياسي الطويل من أجل الديمقراطية.

كيف يمكن تفسير ظاهرة تراجع التيار الليبرالي في تلك الاستحقاقات الانتخابية الحرة الأولى التي عرفتها البلدان العربية في مقابل صعود الاتجاهات الإسلامية التي كانت القوة الأيديولوجية والسياسية المستفيدة من الربيع العربي؟

يتعين منذ البداية الإقرار أن صانعي الثورات العربية لم يكونوا في غالبهم من المنتمين أيديولوجيا وتنظيميا للتيار الإسلامي، بل كانوا أقرب في شعاراتهم وممارساتهم الاحتجاجية للاتجاه الليبرالي، حتى ولو كان للتنظيمات الإسلامية حضورها الذي لا ينكر في هذا الحراك.

قد يذهب البعض في تفسير انهيار التيار الليبرالي العربي إلى إحدى مقاربتين:

أولاهما:اعتبار المجتمع العربي غير مهيأ ثقافيا للفكر الليبرالي، إما لغلبة الأنساق العقدية الدينية المحافظة أو لهيمنة السلطة الأبوية والبنيات القرابية والطائفية التي تعيد إنتاج أشكال التفاوت والتراتب السابقة على القيم الديمقراطية التعددية والمعيقة لاستنباتها وتجذيرها في الأرضية المحلية.

من هذا المنظور ليس “المطلب الديمقراطي” حاجة موضوعية في النسق الاجتماعي ، بل إن “المطلب الاستبدادي”(حسب عبارة عالم الاجتماع الموريتاني عبد الودود ولد الشيخ) هو الخلفية المؤطرة للمجال السياسي العربي.وبغياب الأفق الليبرالي كخلفية فكرية ومجتمعية يتحول الرهان الانتخابي القائم على احتساب موازين القوة الاجتماعية إلى أرضية ملائمة لصعود وانتصار التيارات الدينية.

ثانيتهما:الاستناد إلى تجربة الثورات الحديثة الكبرى (الفرنسية والأمريكية…) للتدليل على أن منطق التحول السياسي في العهود ما بعد الثورية يقتضي المرور بمراحل انتقالية من الفوضى والنظم الراديكالية المتطرفة، وصولا في نهاية المطاف إلى حقبة الديمقراطية التعددية المستقرة القائمة على الخلفية الفكرية الليبرالية.

تقوم المقاربتان معا على مصادرة “تخلف ” المجتمع العربي وعدم نضجه للبناء الديمقراطي، واعتبار الثقافة الليبرالية الإطار النظري العضوي للنظام الديمقراطي.

وبغض النظر عن الإشكالات النظرية العديدة التي يطرحها هذا التصور، فإنه مما لا شك فيه أنه يقود إلى متاهات مسدودة .فما هو البديل من الاستحقاق الانتخابي :هل هو الديكتاتوريات العسكرية التي فشلت طيلة العقود الطويلة السابقة في تحقيق مشروع التحديث القسري، أم هو تمديد المراحل الانتقالية لتهيئة الأرضية الملائمة للديمقراطية الليبرالية عبر خلق ثقافة بديلة، وإحداث خلخلة عميقة للبنيات الاجتماعية؟

إن ما نريد أن نبينه هنا إن علاقة الثقافة الليبرالية بالديمقراطية التعددية ليست بالتلقائية أو العضوية.فالأفق الليبرالي هو أفق الحرية الذاتية والفردانية الحرة ، والديمقراطية التعددية هي آلية للتنظيم السياسي تعكس موازين القوة داخل مجتمع ما بغض النظر عن نمط تركيبته الاجتماعية ومستواه التحديثي، ولقد سبقت الأفكار الليبرالية والتنويرية النظم الديمقراطية بقرنين ولم تتأقلم معها بسهولة.

ومأزق الليبرالي العربي راجع إلى عقدة مستحكمة في التعامل مع الحقائق الاجتماعية تتلخص في مصاعب التوفيق بين السردية الكونية للحداثة الليبرالية وإكراهات الواقع العيني التي تقتضي تسويات مرحلية وأنماطا من التكيف والتأقلم مع الثقل الاجتماعي والثقافي. لقد قادت هذه المصاعب جيلا كاملا من الليبراليين العرب إلى الاصطفاف إلى جانب الأنظمة الديكتاتورية سعيا لفرض صنوف التحديث الثقافي والاجتماعي بأدوات القهر والتسلط، مما أفقده حبال الوصل مع القاعدة الشعبية العريضة دون أن يتحقق في الغالب المكسب المقصود.

وهكذا كان من الطبيعي أن يدفع هذا الجيل ثمن أخطائه الاستراتيجية، في الوقت الذي فازت عليه التيارات الأيديولوجية التي عانت من قمع وبطش الأنظمة الديكتاتورية المنهارة.

بيد أن هذه النتيجة يجب أن لا تقرأ بصفتها هزيمة للأفكار والقيم الليبرالية، وانتصارا للتقاليد والمعايير الماضوية البالية.فغني عن البيان أن الشعارات والمفاهيم الليبرالية هي التي حركت وأطرت الحركات الاحتجاجية الشبابية وليس المقولات التراثية أو العقدية الدينية.

ولم يستقطب التيار الإسلامي الجديد الشارع الثائر إلا بتأقلمه مع التصورات الليبرالية وتعهده بحمايتها حتى في جوانبها الشخصية الفردية.ولم يفتأ قادة الأحزاب الإسلامية المنتصرة في تونس والمغرب يكررون أن مشروعهم سياسي وليس دينياً، ولا دخل لحريات الأفراد الشخصية فيه ، ولا إقصاء فيه لأي لون سياسي أو أيديولوجي.

فالذي حدث هو تشبع الحقل السياسي بالقيم الليبرالية بما فيه التشكيلات الإسلامية التي أصبحت مضطرة – أو برضاها – للتقوقع داخل الشرعية الليبرالية بدل الاكتفاء بالاتكاء على خطاب الهوية الدينية.

لم تنهزم الليبرالية العربية، بل كسبت مواقع قوية وفرضت نفسها على مختلف الفاعلين السياسيين بمن فيهم الإسلاميون، وإنما انهزم الليبراليون العرب الذين توهموا أن القيم الليبرالية مجموعة معتقدات دينية تنشر بلغة الوعظ والتبشير والجهاد والصدام.

ليس من المهم أن يكون الإسلاميون قد تقبلوا القيم الليبرالية تقية وبرجماتية، ففي هذا التحول وحده الدليل الملموس على عمق المنعرج الليبرالي واستعصائه على التجاوز والاختراق.

رابعاً :مأزق التغيير العربي.. الثورة أو الديمقراطية؟

إن المشكل الأكبر المطروح اليوم على ديناميكية التغيير العربي هو تضارب حركية الثورة ومطلب التحول الديمقراطي. ومهما يكن الموقف من الأحداث الحاسمة التي شهدها العالم العربي، فإن الحقيقة التي لا مراء فيها هي ان منطقتنا دخلت في أفق تاريخي جديد له منطقه ورهاناته وأبعاده الدلالية والرمزية الكثيفة.

ومع أن أغلب التحليلات والتأويلات التي تناولت الربيع العربي ركزت على جوانبه السياسية بالنظر إليه بصفته حركية انتقال ديمقراطي بإيقاع سريع عنيف، إلا أن الثورات العربية الجديدة تقترن فيها – كما يبين الباحث الفرنسي – الجزائري زكي العائدي (3) ديناميكيات ثلاث:

– ديناميكية ليبرالية تتجسد في المطالب الديمقراطية.

– ديناميكية اجتماعية تتركز في مطالب العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد والغبن والتفاوت.

– ديناميكية هوية تتمثل في مطالب الكرامة والحفاظ على حقوق الإنسان الفردية والجماعية.

ولذا من الخلف توهم أن حركية الثورات العربية قابلة للامتصاص في حل المعضلة السياسية الآنية من خلال الانتخابات الحرة والشفافة ، وإن كان الانفتاح السياسي من الشروط الأولية والضرورية للتعامل السليم مع أزمات الزمن العربي الراهن.

ما نلمسه اليوم في مختلف الساحات العربية هو صدام الثورة والديمقراطية، بمعنى تصادم منطق الحل السياسي الذي يقتضي البناء المؤسسي الثابت والمستقر ومنطق التمرد والثوران الذي يرمز للقطيعة والانفصال وتحريك السواكن وزعزعة الثوابت.

يعيد زمن الثورة فتح الأسئلة الجوهرية الكبرى التي تتعلق بالوجود الإنساني ، بما فيها مسألة الشرعية السياسية، ومفارقة المرور الإشكالي من منزلة الحرية الذاتية غير المقيدة والمساواة الأصلية إلى منزلة السلطة التراتبية والتفاوت الاجتماعي.والمعروف أن هذه الإشكاليات تعتبرها المجتمعات المنظمة من المسلمات وتتعامل معها كلحظات أصلية متجاوزة، في حين تغدو هي الأسئلة الأساسية في حقبة الثورات الجذرية.

وعندما اختارت البلدان العربية الثلاثة التي نجحت فيها الثورات الشعبية (تونس، ومصر، ولبيبا) مسار التأسيس الانتقالي وجدت نفسها في إحدى اللحظات الفارقة التي يعاد فيها بناء النظام الاجتماعي من الصفر، على الرغم من الصياغات المؤسسية المؤقتة التي أريد من خلالها تاطير واحتضان السيلان الثوري.

من الطبيعي أن يحاول الجيش في مصر توجيه مسار التحول السياسي المفتوح على المجهول من خلال السياج الدستوري المسبق، فتكون النتيجة هيجان ثوار “ميدان التحرير” المتشبثين بالأفق التاريخي المفتوح.

في ليبيا واليمن (وفي سوريا أيضا) انهار البناء السياسي برمته ، وظهر عجز المؤسسات الإدماجية عن استيعاب حركية التحول.وليس ما يظهر من استفاقة للمعطيات القبلية والطائفية دليلا على النكوص لوضعيات اجتماعية ما قبل حديثة، وإنما هو تعبير عن العودة الضرورية لإشكالات التأسيس السياسي والمؤسسي في أبعاده الجوهرية وبداياته الأولى. في تونس ، استطاعت الطبقة السياسية التوافق حول قواعد الانتقال الديمقراطي، فتجاوزت أزمات الديناميكية الليبرالية دون أن ينحسر الزخم الثوري الذي يتغذى من الأزمات الاجتماعية المستعصية.والمشكل الكبير المطروح على القوى السياسية برمتها هو كيف يمكن احتواء المطالب الثورية بكامل كثافتها في الملف السياسي الذي لا غبار على حسن إدارته وإحكام تسييره؟ ليس الإشكال هنا متعلقا بطبيعة الخيار الأيديولوجي والسياسي المنتصر في صناديق الاقتراع.فقد يكون في التصويت للون الإسلامي بحثا عن منطق التغيير الجذري خارج موازين ورهانات الواقع السياسي والاجتماعي ، بيد أن التيار الإسلامي نفسه سيجد نفسه بالتأكيد في مواجهة المد الثوري الذي لا يصدر عن منطق الحسابات السياسية، ولا يتقيد بسقف الواقع الممكن.

يميز الفيلسوف الفرنسي المعروف “الان باديو” في كتابه الصادر بعنوان ” يقظة التاريخ”(1) بين ثلاثة أصناف من الانتفاضة هي:”الانتفاضة المباشرة”، و”الانتفاضة الكامنة”، و”الانتفاضة التاريخية”.

الانتفاضة المباشرة محدودة وجزئية تكون ردة فعل على واقعة ظلم وتجاوز، والانتفاضة الكامنة تكون تعبيرا عن ردة فعل صامتة خرجت للعلن إثر حدث عارض.أما الانتفاضة التاريخية التي يرى »باديو« أن الثورات العربية تندرج فيها فتحدث عندما يتحول الثوران المباشر الى وضعية ما قبل سياسية تفتح أفقا جديدا للتاريخ.

نجحت الثورات التاريخية العربية –كما يرى باديو- عندما توافرت شروط ثلاثة :الفضاء التحشيدي المستقر(ميدان التحرير في القاهرة أو ميدان القصبة في تونس)، والخروج من ضوابط وأطر التمثيل السياسي والاجتماعي بحيث تتداخل الطبقات والاتجاهات والتيارات، والتوصل لشعارات تعبوية جامعة .

والمفارقة التي ينبه إليها »باديو« هي أن الفاعلية التاريخية لا تتحقق إلا بالخروج من مبدأ الاغلبية الذي هو معيار الديمقراطية التمثيلية :فالذين أسقطوا بن علي ومبارك هم عشرات ألوف هائجة وليس الأكثرية التي تحسم عادة المنافسات الانتخابية. ومن هنا تبرز لنا معضلة الوضع العربي الراهن الذي لا يبدو أنه في طور الاستقرار السياسي والاجتماعي، فليس بإمكان الهياكل السياسية الشرعية أن تؤمن في المدى المنظور حالة الأمن الاجتماعي والسلام الأهلي. ستنعكس هذه الإشكالات ضرورة في النقاشات الدستورية المفتوحة في الاتجاهات كلها، وقد تفضي إلى ثورات أخرى لا تستهدف هذه المرة الأنظمة الاستبدادية القمعية وإنما الحكومات الديمقراطية التي ليس لها من القوة إلا سلاح الشرعية .

ماذا يحدث لو أسقطت الأقلية الثائرة حكومات الأكثرية الناخبة

حدث هذا الاحتمال في مناطق عديدة من العالم في لحظات سابقة، واتخذ أشكالا متعددة من أخطرها عودة الاستبداد باسم الشرعية الثورية (احتجاجا وردة فعل على المؤسسات الديمقراطية الفاسدة أو المشلولة وحالة الانسداد السياسي). ليست إذاً لحظة الثورة هي لحظة الديمقراطية ، وليس من الحتمي أن يقود الانقلاب الجذري الى الحالة التعددية المنظمة والمستقرة.

ما حدث في العالم العربي هو انكسار الأنظمة الاستبدادية السلطوية، وتجدد الفاعلية التاريخية للإنسان العربي مما يمهد الأرضية الملائمة للمنعرج الليبرالي، بيد أنه من السذاجة الرهان على تجاوز الاستحقاقات الفكرية والمجتمعية لهذا المنعرج بمجرد الآليات الانتخابية والنظم المؤسسية، فالطريق إلى الديمقراطية ما زال في الخطوات الأولى.