مقاربة تاريخية سياسية : الملك الحسن الثاني وعبد الرحيم بوعبيد: إشكالات العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب

الموساوي العجلاوي…/…عن جريدة الاتحاد الاشتراكي 12/13 يناير 2013

ارتبط سؤال المؤسسة الملكية والأحزاب ارتباطا بتاريخ المغرب الراهن، سواء ما تعلق بتاريخ الحركة الوطنية إبان زمن الحماية أو مرحلة بناء الاستقلال وتعدد الأزمات ومدى التداخل أو عدمه بين المؤسسة الملكية والأحزاب..
في هذا السياق، شكل الفعل السياسي لدى عبد الرحيم بوعبيد مرجعية للتقصي والتساؤل لدى الفاعلين السياسيين والباحثين حول محطات متعددة من تاريخ المغرب الراهن، خاصة ما تعلق بأسئلة الحاضر حول المسارات السياسية التي تعرفها بلادنا.
تستند قراءتنا في اشكالات العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب من خلال شخصيتي الملك الحسن الثاني وعبد الرحيم بوعبيد، وإن كان ذلك يمر عبر علاقة بوعبيد بالملكية، خاصة بين 1656 و1991.
وبصفة عامة يمكن تقسيم المرجعية الزمنية لعلاقة عبد الرحيم بوعبيد بالملكية إلى ثلاث مراحل:

1- المرحلة الأولى وتمتد من دجنبر 1955 إلى ماي 1960، وتميزت فيها العلاقة مع الملكية بمرجعية أفضلية الوطنية في الفعل السياسي، وبناء مؤسسات المغرب المستقل، سواء حينما كان بوعبيد وزيرا وسفيرا مكلفا بالمفاوضات مع فرنسا، أو حين كان نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للاقتصاد الوطني والمالية. وارتسمت الملامح الأولى لعلاقة بوعبيد مع مولاي الحسن آنذاك من خلال التحضير للمفاوضات مع فرنسا. ويذكر بوعبيد في مذكراته نقاشاته الأولى مع مولاي الحسن في باريس في دجنبر 1955، حول موضوع حضور رضا اكديرة، صديق ولي العهد، كوزير دولة مشارك في مفاوضات الاعتراف باستقلال المغرب.
في هذه المرحلة، كان الملك محمد الخامس يدعو في خطبه إلى اقامة «ملكية دستورية». فقد ركز في خطاب عيد العرش 18 نونبر 1955 على مفاهيم متصلة ببناء العهد الجديد والتحرير القومي و»تعميم الحريات الديمقراطية واعتراف بحقوق الانسان طبقا للتصريح العالمي الشهير وقضاء على كل ميز عنصري… ووضع أنظمة ديمقراطية على أساس الانتخاب وفصل السلط في إطار ملكية دستورية قوامها الاعتراف لجميع المغاربة على اختلاف عقائدهم بحقوق المواطن وبالحريات العامة والنقابية««.
وعند تنصيب أول حكومة برئاسة البكاي 1955/12/7 ركز الملك على أولوية بناء نظام ملكية دستورية، وطلب من الحكومة »»أن تضع أسس هذا النظام الذي يمكن الشعب من تسيير شؤون البلاد بواسطة مجالس محلية ومجلس وطني««.
ومن المصطلحات الموظفة في خطاب الملك محمد الخامس وقادة الحركة الوطنية في فجر الاستقلال نجد: فصل السلط والانتخابات الحرة وسيادة الشعب والدستور والحريات و»»المجلس التأسيسي لوضع دستور للمملكة«.».
تعتبر سنة 1958، وقبل تشكيل حكومة بلا فريج مرحلة تحول لدى الملك في رؤيته للبناء الدستوري في المغرب. ويمكن قراءة هذا التحول من زاويتين: النقاش الذي جرى داخل اللجنة السياسية حول العلاقة بين القصر والحكومة، وتحول المطلب الدستوري في خطاب الملك. ففي العرض الذي قدمه حول الأزمة الحكومية داخل اجتماع اللجنة السياسية قال بوعبيد:
»»أول شيء في نظري هناك عامل اساسي. نحن في بلد فيها دستور أو دستور تقليدي مرتجل، هناك نوع من العلاقات بين رئيس الدولة وبين الحكومة، لا نخفي على أنفسنا أن الحكومة التي كانت لا يمكن أن تسمى حكومة، عندها تفويض.. كل المسؤولية في يد جلالة الملك والتفويض غير موجود. وقد يكون موجودا، ولكن القرار بين يدي المشرع. وإذا أضيف إلى ذلك ضعف رئيس الحكومة يكون هناك خلط. فإما أن تكون حكومة بمعنى الكلمة أو لا. ونحن لا نطلب المستحيل ولكن على الأقل نطلب تنظيم العلاقات بين الملك والحكومة، منها مثلا اختصاصات وزير الدفاع، ومسألة الأبناء هل هي تابعة للحكومة أو القصر، ومسألة الشرطة هل هي تابعة للداخلية أو لا كذلك الديوان الملكي والعلاقة بينه وبين الحكومة. فالعلاقات بين القصر والحكومة يجب أن تنظم. البرنامج الذي على أساسه ندخل الحكم، برنامجنا واضح، ولكن مع ذلك يجب أن يكون برنامجنا الذي على اساسه ندخل الحكومة، مثلا فيما يرجع للداخل إصلاح إداري في الخلل الموجود من عهد الحماية، مسألة التطهير نظام الحريات الديمقراطية والفردية والصحافة، في الوقت الذي تعطى فيه الضمانات للحريات، تنظم حتى لا تستعمل ضد البلاد، كذلك مسألة الانتخابات وهي مسألة أساسية درستها اللجنة التنفيذية منذ تأسست الحركة وهي تطالب بتأسيس نظام ملكي دستوري. والآن اصبحنا نتهم بأننا ضد الحريات، واصبح من الضروري ان نضع برنامجنا، وضع برلمان دستوري ونجعلها في برنامجناالمستعجل الذي يجب ان ينفذ، و الانتخابات البلدية تكون لانتخاب برلمان، ونريد ان تأخذ من اللجنة السياسية في ذلك قرارا. وهذا بلا شك سيكون في مصلحة البلاد ونطلب تعيين تاريخ للانتخابات البلدية والقروية ويجب ان تكون فرصة لانتخاب برلمان(.ينظر محضر جلسة الخميس 17 ابريل 1958) .
وفي تقديم ميزانية 1959 امام المجلس الوطني الاستشاري، اكد بوعبيد على ضرورة الحرص على النمو الطبيعي للميزانية ليكون «في صالح الازدهار الاقتصادي والثقافي والاجتماعي«. وخصص نقدا صريحا لعمل القوات المسلحة التي كانت تحت امرة ولي العهد مولاي الحسن. واقر برفض الاعتمادات المطلوبة من لدن مؤسسة الجيش والشرطة والدرك وانتقد عدم التنسيق بين مكونات القوات المسلحة (تقرير مرقون قدم في جلسة علنية للمجلس الوطني الاستشاري حول ميزانية 1959)

ان هذه التحولات المالية والاقتصادية التي عرفها المغرب خاصة مع حكومة عبد الله ابراهيم، قد اثرت بلاشك في مصالح العديد من الاطراف التي كانت ترى فيها توجها واختيارا اشتراكيا، رغم دعم الملك محمد الخامس لها، ومسا بمصالحها المرتبطة حتما بمصالح فرنسا، التي لن تترك اي فرصة تمر دون عرقلة التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب. وكان لتعارض المصالح والمسارات والرؤى ومناهج العمل بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية واطراف اخرى داخلية وخارجية دوره في اشتداد المعركة بين الاتحاد وخصومه. وقد اصبح الاتحاد – خصوصا بعد اقالة حكومة عبد الله ابراهيم في ماي 1960 في موقع المعارضة القوية، والى هذا المنعطف – المحدود زمنيا بين 1960 و 1961 تعود اصول المنحى الذي سلكه جزء هام من مكونات الاتحاد الوطني، قاعدة وقيادة، كرد فعل على ماوقع في هذه الفترة.

كان عبد الرحيم بوعبيد قريبا من الملك محمد الخامس، وهو الرجل الذي اصر – اولا وأخيرا – اثناء «المفاوضات« مع فرنسا على مبدأ محمد الخامس الى المغرب قبل الشروع في اي حوار – وازداد التقارب الرجلين بالخصوص ابان زمن القرارات الكبرى التي اعطت للمغرب مؤسساته الاقتصادية والمالية الكبرى، وهي القرارات التي شكلت احالة في ما كتبه بوعبيد عن المرحلة ،(الصفحة 7 و8 من منشورات ارشيف مؤسسة عبد الر حيم بوعبيد يناير2006 وانظر كذلك كتابنا من الاتحاد الوطني الى الاتحاد الاشتراكي 159 —1983 الرباط 2002 ص 48-49) كما نجد ايضا صدى لهذا التقارب في بلاغات الديوان الملكي حول نفس الموضوع.

2 – المرحلة الثانية، وتمتد من ماي 1960 الى يوليوز 1974 وهي مرحلة الجمر في علاقة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالقصر، وحول هذه المرحلة تمحور جل ما كتب في رثاء و مزايا الرجل عقب رحيله في يناير 1992 باعتباره رجل دولة عمل في واجهة النضال الديمقراطي دون كلل او تراجع في الخطاب وفي القرار السياسي. و قد كان منتصف سنة 1960، منعطفا في حياة عبد الرحيم بوعبيد، فبعد معركة معركة ماراطونية وحساسة في ميدان الاستقلال الاقتصادي والمالي للمغرب، قرر الانغماس كليا في معركة الديمقراطية الى جانب مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهي المراحل التي تركت بصمات في العمل السياسي من سنة 1942 الى سنة 1992
احس بوعبيد في منتصف سنة 1960 ان المغرب بصدد الدخول في نفق لا احد يعرف له مخرج، فلم يتردد في اختيار المسار الذي يستجيب لمبادئه في بناء مجتمع مغربي حر وديمقراطي ورفض نظام الحكم المطلق. وعلى الرغم من العرض الذي قدم له من لدن الملك محمد الخامس لتولي شؤون وزارة الخارجية، اختار مسارا اخر ينسجم مع مبادئه. وبانتقال الرجل من مهام المسؤولية الوزارية الى النضال الجماهيري الواسع يقول بوعبيد في مذكراته – التي نشرتها الموسسة التي تحمل اسمه – استدعاه ولي العهد مولاي الحسن الى مقر سكناه، وكان مولاي الحسن يحدثه بالفرنسية بصيغة المفرد، اما هو فكان يوظف التعابير الرسمية في مخاطبة الأمير. وقد رفض المنصب الذي عرض عليه، واعترض على إقالة حكومة عبد الله ابراهيم، لان تعيينها كان على أساس انتخابات صدرت مراسيمها في شتنبر 1959 وان التسجيل في اللوائح الانتخابية سيبدأ في دجنبر، وتساءل امام ولي العهد عن اسباب اقالة هذه الحكومة، فاجاب بالقول: »«هكذا قرر الملك« كما استفسر عن الرئيس المقبل للحكومة، فاخبره بانه هو الذي سيتولى رئاسة الحكومة، و هو الامر الذي ادهش بوعبيد كثيرا، وكان قد سمع به قبل ذلك لكنه لم يعره اي مصداقية. وقال بوعبيد لولي العهدان رئاسة الحكومة هي مسؤوليات، ومتى عجز رئيس الحكومة عن تدبيرها فانه يقال من لدن الملك، والحالة هذه ان ولي العهد الذي يمثل استمرارية الحكم لا يمكنه ان يضع شخصه امام محك التساؤلات، فضلا عن انه لا يمكن معاقبته . ثم ماذا تفعل المعارضة في هذا السياق، واذا ما كان هناك موقف سيكون ضد ولي العهد. وختم بوعبيد كلامه بانه لا يفهم الاسباب التي دفعت بولي العهد الى ترأس الحكومة، فاجابه بان هذه الامور كلها جرت مناقشتها، وان القرار اتخذ، وان عرض الوزارة على بوعبيد مرده الى حرص الملك وولي العهد على تمثيلية كل الاتجاهات داخل الحكومة. ونبه ولي العهد بوعبيد الى أنه لا يجب الاعتقاد بانه ضد القرارات التي اتخذت من لدن حكومة عبد الله ابراهيم. لانه في العمق هو نفسه اشتراكي. فاجابه بوعبيد. يمكن ان تكونوا اشتراكيا لكن كانسان او مواطن، لكن لا يمكن ان يكون الامر كولي العهد. ورفض بوعبيد منصب وزير الخارجية لانه مناضل ويحمل قضية على حد قوله. و في نهاية اللقاء قال له مولاي الحسن: أنت لا تفهمني ولكن كصديق سأقول لك انك لا ترى في سوى ولي العهد.
لكن أنا مثلك مناضل وإنسان له طموح للعب دور في حياة بلده. أنت تعرف، أبي مازال في مقتبل العمر، ولا أريد أن أنتظر حتى أحمل طاقم أسنان لخلافته، إ ن هذا عمق تفكيري.
ويضيف بوعبيد في مذكراته أنه قرأ في كل هذا عودة إلى مفهوم الملكية المطلقة بالاستناد إلى تمزيق الأحزاب، وتلبية لرغبة أعيان البادية أبناء وأقارب بشاوات وقواد الحماية، وأن الأحداث التي تلت لقاءه بولي العهد أثبتت هذا التوجه. لكن تدخل بعض الشخصيات في الحكومة الجديدة أقنع الملك بتعيين ابنه نائبا لرئيس الحكومة الذي هو الملك.
وفي هذه المذكرات يشير بوعبيد إلى التحولات التي طرأت بعد موت محمد الخامس وتولية الحسن الثاني والدور الذي اضطلع به اكديرة في رسم السياسة الجديدة نحو الحكم المطلق.
وعلى إثر هذه التطورات والأحداث انخرط بقوة في حملة ضد ما كان يسميه تحول نحو الملكية المطلقة، وساهم – مباشرة بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم في 20 ماي 1960 – في الحملة الانتخابية بتاريخ 29 ماي 1960، وأطر تجمعت كبرى مثل تجمع بيكس بالرباط، موظفا كلمات قوية تجاه »النظام« حيث قال في تجمع الرباط بتاريخ 27 ماي 1960.
»»إن بعض السياسيين يحلمون بإقامة نظام فاشستي بالمغرب، ويدعي الخصوم أن من الواجب أن تفرض على المغرب مدة للحكم الديكتاتوري حتى ينضج الشعب، وهذا ليس غلط فحسب، ولكنه سوء نية مبيت من أناس يعرفون كل المعرفة أن الشعوب لا تتعلم الديمقراطية وقواعد الديمقراطية وتقاليدها في ظل النظام الديكتاتوري أو النظام الفاشستي، بل لا يتعلم أي شعب الديمقراطية إلا إذا مارس الديمقراطية. يجب أن ننتصر في هذه الانتخابات لأن انتصارنا سيكون في الحقيقة انتصارا للديمقراطية وبذلك سيخيب ظن العبيد.. عبيد المناصب« (الرأي العام 29 ماي 1960).
ومع غياب بن بركة غداة ما سمي »ب»المؤامرة« الأولى» ضد ولي العهد، لعب بوعبيد دور الموجه السياسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وهو الشيء الذي أهله للحضور القوي في الواجهة الحزبية ابتداء من شهر أكتوبر 1960. فقد تقدم بعرض سياسي أمام اللجنة الإدارية، استهله بتعقيب على تدخلات مندوبي الأقاليم التي أكدت تزايد الاستفزازات ضد مناضلي الاتحاد واتساع الهوة بين الحاكمين والمحكومين، وبرهنت على أن منطق المسؤولين في مواجهة هذه الوضعية هو منطق القوة والتضييق، و هو ما ينم عن ضيق في التفكير. ثم تعرض الي موقف الاتحاد من الدستور وقال: »»فموقنا من قضية الدستور ليس مبدئيا فقط، ولكنه منطقي أيضا،لقد قلنا انه في قضية الدستور لا يمكن أن يهيئه إلا مجلس ينتخبه الشعب انتخابا مباشرا، وقلنا ان الشعب المغربي ناضج لممارسة تجاربه الديمقراطية بجدارة«.» و هو نفس الموقف الذي أعاد صياغته في رسالته إلي السحن الثاني غداة الانقلاب العسكري بتاريخ 23 أكتوبر 1972.
في يوم 4 أكتوبر 1960، نشرت جريدة الرأي العام مقالا، تحت عنوان: »»ما أشبه اليوم بالأمس»«، تنتقد فيه الملكية مباشرة بالإحالة إلى زمن ا لسلطان عبد الحفيظ أوائل القرن العشرين. افتتح المقال باستشهاد لينتهي إلى أسئلة الراهن: «بما أن الوقت قد دعا الى الإصلاح، والشبيبة العصرية قد هللت قلوبها وانشرحت صدورها له، وجلالة سلطانها الجديد (عبد الحفيظ) يعرف لزومه، فنحن لا نألو جهدا في المناداة بطلبه على صفحات الجرائد من جلالته، وهو يعلم أننا ما قلدناه بيعتنا واخترناه لإمامتنا وخطبنا وده رغبة منا وطوعا من غير أن يجلب علينا بخيل ولا ر جل، إلا أملا في أن ينقذنا من وهدة ا لسقوط التي أوصلنا إليها الجهل والاستبداد، فعلى جلالته أن يحقق رجاءنا وأن يبرهن للكل على أهليته ومقدرته على ترقية شعبه وعلى رغبته في الإصلاح وجدارته بإدارة ما قلدته الأمة«.»
هذا كلام قيل في المغرب منذ أكثت من خمسين عاما، قالته الطبقة الواعية من الشعب المغربي على صفحات جرائدها قبل الحماية وهو كلام لو قيل اليوم فقط لما ظهرت فيه آثار الماضي، ولكان مطابقا للواقع تمام المطابقة.. فما أشبه اليوم بالأمس»..«

أبانت هذه الأحداث عن اشتداد الصراع بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من جهة، وبين الأطراف التي ترى في وجوده تهديدا لمصالحها من جهة أخرى. وعندما توفي محمد الخامس في 26 فبراير 1961، دخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مسارا معقدا أنتجته موازين القوى الجديدة التي بدأت في البروز بالخصوص منذ صيف 1959.
في هذا السياق التاريخي أعدت المذكرة التي رفعها الحزب آنذاك إلى الملك الجديد الحسن الثاني، والمؤرخة في 13 مارس 1961. وقد حددت هذه المذكرة ثلاثة اعتبارات، يتصل أولها بربط النظام الملكي بمؤسسات تمثيلية ينتخبها الشعب، وبرفض النظام الرئاسي أو الفردي للحكم، ويتصل ثانيها بآليات وضع الدستور، والثالث بالهيئة الحكومية.
وانتهت المذكرة الي بيت القصيد فيما يلي: «»ونحن نؤكد بكل صراحة أن فكرة الاستمرار التي تسود كل نظام ملكي، تتنافى كل المنافاة مع ممارسة الحكم مباشرة من طرف جلالة الملك، وأن عواقبها خطيرة بالنسبة إلى استقرار البلاد، وأن من يقول بهذا الأسلوب في الحكم المباشر إنما يريد أن لا يتحمل مسؤولية منصبه أمام رئيس الدولة وأمام الرأي العام المغربي. هذا وأن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية يرى في ثورة الملك والشعب التي كانت نقطة الانطلاق التاريخي في تحرير البلاد من السيطرة الاستعمارية ميثاقا حيا مستمرا، يتلخص مدلوله في الثقة الكاملة المتبادلة بين الملك والشعب، والثقة في تاريخ الشعوب لا تأتي من اسفل الى الأعلى فقط، ولكنها يجب في ظروف معينة ان تأتي من الاعلى الى الاسفل، حتى يتم التجاوب الحقيقي الصادق. ولا طريقة لذلك الا بتنظيم انتخابات حرة عامة تخرج البلاد من الخلط والغموض، وتمنحها مؤسسات حرة تكون الضمان الحقيقي للاستقرار والنظام«.
وقد لعب بوعبيد دورا قياديا في تأطير اللجنة الادارية او التجمعات الجماهيرية التي تمحورت حول الجلاء ومساندة الثورة الجزائرية والدستور الذي طرح للاستفتاء اواخر 1962 وتمحورت المفاهيم الوردة في خطبه حول الدستور الذي اعتبره «وسيلة لتنظيم البلاد من اجل تحقيق غايات معينة، وهذه الغايات هي بالطبع مطامح الشعب التي تتجلى بواسطة المؤسسات الدستورية« وربط وضع الدستور برغبات الشعب واجماع الامة، وحذر من دستور عبارة عن ميدان من الميادين السياسية وفتح المجال للاطماع بكيفية منظمة، وبذلك سيكون القضاء على جانب اساسي في الاتجاه الذي يجب ان يعطي للدستور، وبذلك سنعود الى الوراء بدلا من ان نتجه الى الأمام، و هذا ما نحن اليوم في أمس الحاجة الى تجنبه.. ان الدستور – في نظرنا – اذا لم يكن يتوفر على اطارات قوية ووسائل كافية لحل المشاكل الموضوعية سيكون عبارة عن دستور ممنوح لا وزن ولا قيمة له شأن «دساتير» الاقطار التي فيها نظم رجعية» «ولو ان التعبئة جرت في نطاق حياة نيابية وتنظيم ديمقراطي شعبي لكانت امكانيات النجاح ولكانت النتائج ا فضل» وقد اعطى بوعبيد دورا للدستور في ضمان الحريات بالتأكيد على أن الدستور هو الذي يراقب الحرية ويعطي مدلولا لحرية الصحافة والحرية الاجتماعية والاقتصادية،لانه اذا كان هناك تدخل من طرف الادارة لاي ميدان من الميادين، ففي استطاعة الامة بواسطة ممثليها ان توقف المسؤولين عند حدهم… ففيما يخص القضاء مثلا: صحيح ان هناك «فصلا» للسلطات، لكن مدلول فصل السلطات فارغ. وهناك «استقلال» القضاء، لكن مدلول هذا «الاستقلال» فار. ولا يتم هذا «الاستقلال» الا اذا لم يخضع القضاء الى بعض التوجيهات، والارشادات، والاشارات، او تهديد بعض القضاة بنقلهم من الرباط مثلا الى الصحراء، وتنفيذ هذا التهديد.. ان هذا القضاء ليس له لا رقابة ولا ضمانة، والدستور هو الضمانة الوحيدة، هو الوسيلة الوحيدة لجعل هذه الحريات ذات مدلول وكيان ووجود، ويمكن للشعب ان يطمئن له (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، النشرة الداخلية، سلسلة جديدة رقم 3 شتنبر 1962 16 صفحة

وعندما عرض مشروع الدستور على الاستفتاء في نونبر 1962 كان جواب الاتحاد الوطني هو ان هذا دستور «للحكم المطلق»، ونشر موقف الاتحاد الوطني في كتيب بالفرنسية. وانتقد مشروع الدستور لان الملك اعطى لنفسه سلطات مطلقة في تعيين رئيس الحكومة والوزراء ومنحه هذا الدستور قوة اكثر من البرلمان وسلطات في المجالس العليا، فصار الملك بذلك يلعب دورا مباشرا وشخصيا في شؤون الحكومة واعداد المخططات وتعيين القضاة. و قد حدد موقف الاتحاد الوطني 23 مجالا لتدخل الملك.

Union Nationale des Forces populaires une constitution pour le pouvoir absolu anallyse du projet de constitution soumis a referendum
تبرز مواقف عبد الرحيم بوعبيد من الملكية من خلال إعداد مسودات قراءات ونقد الدساتير والخطب الملكية، كما تبرز مواقفه من المؤسسة الملكية، ومن الملك الحسن الثاني على الاخص من خلال الصحافة الوطنية والدولية. ففي استجواب مع صحيفة «افريك اكسيون» بعنوان «برنامج لانقاذ الملكية المغربية»Comment sauver la monarchie اعيد نشر جزء منه دون عنوان – في جريدة التحرير بتاريخ 11 ابريل 1961 ربط بوعبيد بين الملكية والديمقراطية والتنمية الاقتصادية، وخلص الى خيارين، كان ثانيهما عنوانا للمرحلة التي تلت 1960 واستمرت الى 1974 حين ظهرت قضية الصحراء وتبدلت الرؤى والحسابات. واحتد الصراع بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والقصر، واصبحت بلاغات وتصريحات الحزب وقياداته تتسم بالقوة تجاه «النظام» وفي هذا السياق يأتي الاستجواب الذي اجرته مجلة «جون افريك»مع المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد بتاريخ 8 – 14 ابريل 1963 عدد 128
وقد جاء في تصريح بن بركة وبوعبيد غداة تأسيس حزب جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية الذي رأى فيه قادة الحزب مؤشرا على تحول في سياسة القصر نحو تحييد الاتحاد الوطني من الساحة السياسية – ما يلي «انها السياسة التي سلكها القصر منذ الاستقلال، اي تفتيت الحركة الوطنية الى احزاب، بشكل لا يجد القصر امامه خصما قويا، الحركة التي اسست لها هد ف تجميع عدد من رجال القصر، وان النظام الذي يدعي في الدستور منع الحزب الوحيد، هو في الواقع يؤسس بهذا العمل (انشاء جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية) الحزب الوحيد، اي حزب الادارة و البوليس… ولا يعرف هل سينجح هذا العمل، اولا، ولكن في حالة اقامة الحزب الوحيد، سيكون فعلا بداية نظام فاشستي واضاف»:»ان الخصم الحقيقي هو الذي يرفض ان يقوم بالمهمة التي اسندت له، اي الحكم الذي يجب ان يسمو فوق الاحزاب، والذي تحول الى زعيم لتحالف المصالح. اننا نتحدث عن الملك. و اكديرة ليس الا ظله، وليس له وجود سياسي حقيقي، اللهم الا التعبير بوفاء عن آراء سيده.»
في 16 يوليوز 1963 عقد اعضاء اللجنة المركزية للحزب والكتاب الاقليميون والنواب الاتحاديون اجتماعا، بمقر الكتابة العامة للحزب بالدار البيضاء، لدراسة الموقف الواجب اتخاذه في موضوع الانتخابات البلدية، وكان موقف بوعبيد يعكس حالة التوتر التي سادت الساحة السياسية انذاك. فقد ركز على قضية النضال من اجل الديمقراطية: »»انه اذا كان من ميزة اساسية للاتحاد الوطني، بالاضافة الى المزايا الاخرى، فهي ميزة الوضوح. الوضوح في كل المواقف، والوضوح في الاتجاه الثوري ولهذا فقد انتهت الامور في المغرب الى أن اصبحت تتسم بوضوح كاف ومتزايد، فكل مواطن مغربي يدرك اليوم ان الحكم القائم حكم رجعي يتعاون مع الخونة والاقطاع والاستعمار لتركيز وضعه. وقد كانت مشاركتنا في الانتخابات التشريعية مناسبة مهمة لتأكيد هذا الوضوح. حيث ان الحكم كان يعتمد على التزوير والاضطهاد وتطبيق الاساليب والنظريات التي ورثها عن الحماية. و كان يعتقد ان الشعب سينقاد لارادة السلطة والحكم، في الوقت الذي يرى فيه هذا الحكم مصمما على القمع والارهاب، لكن نتائج الانتخابات زادت في توضيح المعركة، واكدت ان الشعب ضد الحكم وسياسته ودستوره، حيث انه لم يحصل الا على ما يقارب 33 في المئة من اصوات الناخبين. وكانت نتيجة هذا ان الحكم قرر واضطر الى أن يذهب الى ابعد مما وصل اليه من قبل. فقد كانت الانتخابات التشريعية مناسبة له ليستعمل جميع اساليب الحماية، ولكنه اليوم تعدى تلك الاساليب وقرر اللجوء الى نظام الفاشستية لفرضه على البلاد. ذلك ان مجموع القوانين التي وضعها الحكم، والتي نرفضها، انما هي موضوعة للاستهلاك الخارجي. اما في الداخل فان التعاليم تؤكد وتوجب على كافة المسؤولين في الادارة المحلية عدم مراعاة اي قانون مكتوب، وانما تطبيق التعليمات الشفوية. واذا كنا نتأسف على أن يسود بلادنا نظام اللامشروعية، فاننا نرى كمنظمة ثورية، ان هذا اللامشروعية ستعجل بالحكم التاريخي.. وهكذا فان الانتخابات الجماعية لن تكون وليست انتخابات بمعنى الكلمة، وانما مجرد تعيين. اذ ان هذه النتائج ستعلن لفائدة الجبهة» (التحرير 17 يوليوز 1963
كان هذا الخطاب يحمل في طيه الجواب، فقد انتهى بوعبيد – رجل الحوار الى أن لا مفر من المواجهة ونستخلص من كلمته التي ألقاها امام اللجنة المركزية الموسعة ان هناك مخططا لاقصاء الاحزاب السياسية في البلاد، وهو ما يؤكده تعدد الاعتداءات على الاملاك الحزبية وعلى قادة الاتحاد، وخاصة محاولة اغتيال بن بركة في نونبر 1962
وجاء الاعلان عن مؤامرة يوليوز 1963 ردا على مواقف الاتحاد الوطني، وتبين من اجواء المحاكمة التي اعقبتها ان الاجهزة الامنية كانت وراء استغلال بعض الاحداث التي تورط فيها بعض المناضلين لضرب الحزب، فانبرى بوعبيد الى ابراز الخلفية السياسية للمحاكمة، ودأب فعل نفس الشيء في كل المحاكمات السياسية التي عرفها المغرب منذ ذلك التاريخ، معللا كل ما جرى بطبيعة النظام السياسي وغياب الديمقراطية الحقيقية.
لقد أدت محاكمة الرباط في 1964 الى ازمة سياسية بالمغرب. و خلفت وراءها ردود فعل من لدن الاحزاب والمنظمات الحقوقية في العالم. وكان بوعبيد محط اهتمام الصحافة العالمية انذاك، من خلال مقالات كانت ترى فيه المنقذ الوحيد لفك الازمة، ومن هذه المقالات ما نشر في جون افريك بتاريخ 10 فبراير 1964، من ان دخول بوعبيد الى الساحة الحكومية سيكون الحدث الوحيد لصدمة سيكولوجية تعيد المغرب الى و ضع عادي. لكن بوعبيد تضيف المجلة، لن ينسى انه عضو حزب، وهو ليس رجل متسرع نحو السلطة، طالما لم يناقش ويحدد شروط مشاركة الاتحاد الوطني في مسؤوليات حكومية.
في هذا الجو السياسي المشحون، حاول عبد الرحيم بوعبيد ان يحافظ، في نفس الوقت، على قنوات الاتصال مع القصر ومع قيادة الاتحاد الوطني، رغم تعدد المحاولات لاقحامه في المحاكمات التي جرت، ثم جاء الاتصال الثاني في اوائل ابريل عندما استقبل الملك كلا من بوعبيد وحسن صفي الدين بافران بعد حوادث الدار البيضاء في مارس 1965 وكنت فرصة لمناقشة المشاكل التي تعرفها البلاد، كما اثيرت في نفس السياق مسألة المعتقلين. ولما اقترح على الاتحاد الوطني الدخول في حكومة ائتلاف وطني، كان جوابه ان الافراج عن «المعتقلين يعتبره الاتحاد كمبادرة تدل على استعداد لتحسين الجو السياسي وفتح صفحة جديدة لعلاقة الاتحاد مع الحكم، اما المشاركة في الحكم فتكون مشكلا خاصا يتطلب تحديد برنامج واضح وشروطا دقيقة لمعالجة المشاكل القائمة«« وجاء العفو الملكي على المعتقلين في خطاب رسمي ابريل بعد يوم عيد الاضحى من سنة 1965 لكن بعض الاطراف ارادت ان تنسف هذا التقارب بين القصر والاتحاد الوطني فاشاعت خلال شهري ابريل وماي ان اتفاقا سريا ابرم بين الملك والاتحاد الوطني، وان هذا الأخير سيشارك في الحكومة مقابل الافراج عن المعتقلين. فاصدر الاتحاد شبه مذكرة رسمية في غشت 1965 بعنوان خطتنا الوفاء للشعب وللمبادئ الديمقراطية والاشتراكية «حدد فيها مسار المفاوضات وشروط المشاركة في الحكومة بعد احداث مارس 1965 اشار فيها الى أنه على الرغم من «الحالة المتدهورة والخطيرة التي توجد عليها البلاد فان الاتحاد الوطني مستعد لتحمل مسؤولياته الوطنية امام الشعب، على شرط ان تترك له الوسائل الضرورية لتطبيق برنامج الانقاذ، وعلى شرط ان تكون حكومة منسجمة في الاشخاص والبرنامج. هذا هو الموقف الذي عبر عنه الاتحاد بصفة رسمية اثناء المقابلة الاولى وهذا هو الموقف الذي تمسك به خلال المقابلة الرسمية الثانية حين قدم مذكرة، جوابا عن مذكرة الملك.»
يعبر هذا البيان عن تحول ونضج في مسيرة الحزب، لأنه يشير إلى المشاركة في حكومة وطنية ببرنامج قصير أي حكومة انتقالية تؤسس لمرحلة العمل الديمقراطي السليم. إلا أ اختطاف واغتيال المهدي بن بركة في أكتوبر 1965، والتصريحات الرسمية التي تلت هذا الحدث أبعد كل مبادرة عن الإصلاح السياسي والدستوري بالبلاد.
وفي زمن الرصاص، تراوحت مقاربات بوعبيد تجاه الملك والملكية بين النزوع إلى بناء ملكية ديمقراطية والنقد المتكرر والقوي لما كان يسميه الملكية المطلقة.

وهذا ما يتضح من رواية محمد الحبابي – أحد الرجال المقربين من عبد الرحيم بوعبيد – في شهادته على مخاض المرحلة الممتدة من يناير إلى أبريل 1972، حيث أكد أبوعبيد كان يصبو إلى إقامة ملكية ديمقراطية وشعبية وحداثية، وأن الاتصالات التي جرت بين الملك والكتلة غداة فشل الانقلاب الاول، أفضت إلى اتفاق يتمحور حول دستور جديد وإعلان عفو عام على المعتقلين والمنفيين، وأن هذا الاتفاق بعث أملا كبيرا داخل مكونات الكتلة الوطنية التي تم الإعلان عن تأسيسها يوم 27 يوليوز 1970، بناء على ميثاق مشترك بين حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية صدر في سلا بتاريخ 22 يوليوز 1972. وعلى إثر هذا الاتفاق سافر بوعبيد الى باريس. ثم ألقى الملك خطابا يوم 17 فبراير 1972 أعلن فيه عن دستور جديد وعن انطلاق حملة التصويت عليه في اليوم الموالي، أي يوم 18 فبراير 1972، وضمنه لهجة تهديد تجاه الطلبة والتلاميذ المضربين. وقد خلف هذا الخطاب – الذي فوجئ الحبابي بمضمونه – صدمة داخل الكتلة التي كانت تنتظر الإعلان عن خطوط الاتفاق الذي تم بينها وبين الملك، غير أن الإعلان عن دستور لم يطلع عليه أي طرف من أطراف الكتلة قد خلف مرارة لدى مكوناتها.
وتلخص المذكرة ،كتبها عبد الرحيم بوعبيد إلى الملك الحسن الثاني بتاريخ 14 أكتوبر 1972 موقفه من مسألة الحكم بالمغرب، وهي مذكرة جوابية على مذكرة الملك – المؤرخة بـ 23 شتنبر 1972 – التي صدرت أعقاب محاولة الانقلاب الثانية،. حيث لم يعتبر بوعبيد ما وقع حادثة سير«، بل »إن هذه الوضعية تجمل في أزمة ثقة، فالشعب المغربي.. قد فقد الثقة في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، الذي ساد البلاد منذ أزيد من عشر سنوات، الذي يتحمل وحده
مسؤولية الوضعية المتدهورة التي يعشها ويعاني منها الجميع. وليس هناك من سبيل لإعطاء نوع من الاعتبار لخطب ووعود الحاكمين إلا بتغيير جذري لمفهوم الحكم نفسه لمختلف مراكز التقرير، فهذه الخطب والوعود اصبحت تستقبل بحذر بل إنه تساهم في إعطاء الجماهير المستغلة وعيا أكثر وضوحا، بأن هذه المناجاة المكررة بأشكال مختلفة حسب الظروف لم تعد تستحق أي اعتبار.
إن خطورة الساعة التي تم حولها الإجماع فيما يبدو، ليست مجرد نتيجة لـ »حادثة سير«، بل »إنها تبلور خيبات الأمل المريرة التي تراكمت طيلة أزيد من عشر سنوات، ومع ذلك فقبل محاولتي الانقلاب لـ 10 يوليوز 1971 و16 غشت 1972، بكثير كانت البوادر الأولى للأزمة ملموسة في كل مكان، يعتبر الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أن نظاما يقوم على الديمقراطية السياسية الحقة ولو في بلد مختلف، هو الضمان الوحيد لبناء ديمقراطية اقتصادية واجتماعية«.
وذكر أيضا أن عهد الحكم المطلق أو الانتخابات المزيفة قد ولي، وأن الحكم بهذا الإجراء السياسي يود إتاحة الفرصة لممثلي الشعب أن يقرروا بكامل السيادة في المصير الجماعي للأمة، وذلك في مستوى قبلته الأمة بحرية ووعي.
لم يسلم بوعبيد من نقد التنظيم السري داخل الاتحاد الوطني حول موقفه من الملكية في سياق المفاوضات التي جرت مباشرة بعد فشل محاولة الانقلاب الثانية في غشت 1972. ففي الحلقة 81 من برنامج إذاعي – بتاريخ 1972/9/2 – تمت مناقشة تجربة الحركة الوطنية، وبعد الرجوع إلى إحالات معروفة في التاريخ المغربي، تم تحذير الحركة الوطنية من الدخول في مفاوضات مع القصر بعد فشل عملية الانقلاب:
»»على الحركة الوطنية، بل على قيادتها في الحقيقة، أن تقوم بنقد ذاتي صريح حتى لا تنقلب مرة أخرى أزمة النظام الى صفوفنا، وتصبح أزمتنا أزمة الشعب كله. كما يجب عليها أن تطهر صفوفها من الأفراد الذين لازالوا مقتنعين بمشروعية الملكية، لأنها لصالحهم ولصالح الاقطاع وليس لصالح الجماهير الشعبية، وتصحيح من هذا النوع – أي فصل الأحزاب عن الملكية – من شأنه أن يجعل حدا للاحتراق الداخلي وللتناقضات وللمعارك الجانبية التي نعاني منها الشيئ الكثير».«. وقد شكل التفاوض بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والقصر نقطة اختلاف جوهرية بين قيادة الداخل وعدد من قادة الخارج..
كما أن النقاش الذي أعقب محاولة الانقلاب الثانية حول تنسيق القيادة الاتحادية مع الانقلابيين، دفع بوعبيد إلى الإدلاء لجريدة «France Soire» الفرنسية بتاريخ 22 أكتوبر 1972 ، بحديث كذب فيه ما ورد في تصريح أمقران حول التنسيق بينه وبين أوفقير بوساطة إدريس السلاوي، وأن السبب في هذا الاتهام يرجع إلى خطة الدفاع التي انتهجها أمقران، وأن جثة المهدي بن بركة تقف حاجزا بينه وبين أفقير، وأنه مستعد للشهادة أمام المحكمة العسكرية (ينظر محضر استنطاق أمقران من لدن الدرك الملكي، قطعة 110، بتاريخ 21 غشت 1972)
كان موقف بوعبيد متميزا في زمن ما بعد حوادث يناير / مارس 1973، ورغم الملابسات التي رافقت هذه الحوادث داخليا وخارجيا، فقد انبرى ، ودون تردد ، لفضح المؤامرة التي حيكت ضد الحزب، ووضع كل ثقله الوطني والدولي لإخراج قضية توقيف نشاط الحزب ، بعد البلاغ الحكومي في أبريل 1973 ، إلى دائرة الصراع السياسي في البلاد، وأصر على أن الأمر مرتبط بتحول خطير في علاقة الدولة بالمنظمات السياسية جميعها، وهو الموقف الذي وجد له صدى في المحافل الإعلامية العالمية ولدى المنظمات السياسية والنقابية بمختلف مشاربها، يقول في هذا الصدد، «أني شخصيا وكجميع أعضاء الحزب متشبث بالحل المشروع والديمقراطي، وضد كل عمل عنف، غير أني عملت دائما وبالضبط حتى لا يلجأ المغاربة كيفما كانوا وخاصة بين الشباب الى العنف، وهذه خطة حزبي.. وإذا لم استنكر هذا النشاط الموازي الذي جاء في بلاغ وزارة الداخلية، فلأنه لم يوجد لحد الان حل ديمقراطي للأزمة التي يجتازها المغرب، وإذا توفر هذا الحل غدا، فإني على كامل الاستعداد لإقناع جميع من يمكن أن لا يميلوا الى اللجوء الى العنف» (تصريح بوعبيد أمام الشرطة، وهو التصريح الذي قرئ في المحكمة، من صفحات مرقونة منقولة عن جريدة العلم بتاريخ 10 غشت 197)
3- المرحلة الثالثة وامتدت من غشت 1974 الى وفاة بوعبيد في يناير 1992، وهي مرحلة لم تكن متجانسة بالمرة، لكنها حملت قواسم مشتركة حول المسالك المتشعبة جدا للديمقراطية بالمغرب. لقد شكلت التطورات التي عرفتها قضية الصحراء منعرجا حاسما لجل مكونات المشهد السياسي والوطني المغربي، إذ تعاظم فجأة اهتمام إسبانيا والجزائر وليبيا بمنطقة الصحراء، الشيء الذي أرغم الطبقة السياسية بالبلاد على رص الصفوف من أجل مواجهات متنوعة ومتعددة، وهو المعطى الذي أدى إلى بناء علاقات جديدة بين هذه المكونات في إطار ديمقراطية ارتدت كل الأزياء. وقد تميزت هذه المرحلة عند بوعبيد برحلات المسافات الطويلة، وعرفت تراكمات مهمة في ميدان الممارسة الديمقراطية سواء داخل الهيئات الحزبية ، وخاصة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، أو تجاه المؤسسات المختلفة للدولة.
وقد أثار بوعبيد في نهاية المؤتمر الاستثنائي للحزب (يناير 1975)، الدور المنوط بهذه المؤسسة السياسية للسير نحو الهدف المرسوم وهو إنشاء ديمقراطية اقتصادية واجتماعية وثقافية. وقال بخصوص علاقة الخط المذهبي بالسياسي« فأصبح القرار فيما يرجع للخط السياسي قرارا مستنتجا من انطلاق وتفكير مذهبي، ومعنى ذلك أن الخطط السياسي لابد أن يكون له ارتباط بالاستراتيجية العامة للحزب التي ترمي إلى إنشاء مجتمع جديد عادل ديمقراطي واشتراكي عن طريق الديمقراطية». وأضاف «وفي الخط السياسي دائما.. إننا متشبثون بمذكرة أربعة عشر أكتوبر 1972، ومازال الوضع يتطلب نفس التدابير. ونحن نقول إننا إذا أردنا أن نخرج من طور الى طور آخر: طور الديمقراطية الصحيحة، يجب أن يكون العفو العام الشامل لكل المعتقلين السياسيين».
وفيما بين سنة 1976 و سنة 1984، كان على بوعبيد أن يقود معركتين: معركة حزبية داخلية داخلية لإقناع المناضلين بأهمية النضال الديمقراطي داخل المؤسسات. يظهر هذا من قوله بعد نكسة الانتخابات المحلية في نونبر 1976: « وعلى كل حال، فإ القضية المطروحة ليست قضية حزب، بل هي قضية الشعب المغربي بأجمعه. فنحن نعمل لصالح الشعب ولصالح الديمقراطية في المغرب كيفما كانت النتائج العملية بالنسبة للاتحاد الاشتراكي… ونحن نعتقد في النهاية أن مسيرة الديمقراطية للشعب المغربي ستحصل على مكتسبات، وأن طريق الديمقراطية سيفتح المجال لمسلسل جديد من أجل تعميق الوعي والتعبئة».كان خطاب بوعبيد في ختام أشغال المؤتمر الثالث للاتحاد الاشتراكي – الذي ركز بيانه السياسي على مسألة تأميم الدولة – يراعي في نفس الوقت حماس المؤتمر والمرحلة و بنية النظام الملكي في المغرب. بيد أن لحظة الأزمة في علاقة الرجل بالملك الحسن الثاني تجلت في بيان المكتب السياسي في شتنبر 1981 حول موضوع الاستفتاء في الصحراء، والاعتقال الذي تعرض له، والحكم عليه بمعية أعضاء من المكتب السياسي بسنة سجنا. يحكي بوعبيد في مذكراته لقاءه بالملك غداة إطلاق سراحه، ويعيد في هذا الحكي بناء نفس الصورة حول لقائه بولي العهد قبيل إقالة حكومة عبد الله إبراهيم في 20 ماي 1960 . بيد أنه تحول في جل خطبه وكتاباته – بفعل التطورات التي عرفتها قضية الصحراء ومساهمته وموقعه في كل الاستشارات الدائرة بشأنها – إلى إعطاء الأسبقية لرمزية شخصية الملك، مع التركيز على خلق جو سياسي جديد. وفي سياق التحالفات الجدية بين الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال من جهة، والنضالات العمالية المشتركة بين الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين من جهة أخرى، تم تقديم مذكرة مشتركة للملك حول الإصلاحات السياسية والدستورية في أكتوبر 1991 . وقد تمحورت هذه المذكرة حول إقرار حق مجلس النواب في تشكيل لجان البحث والتقصي، والعفو الشامل، وانتخاب جميع أعضاء مجلس النواب بالاقتراع العام المباشر، والتقليص من الولاية التشريعية الى خمس سنوات، وجعل الغرفة الدستورية ترقى الى مجلس دستوري مستقل بذاته، وحماية حقوق الإنسان، والتنصيص على ضمانات دستورية لحقوق الإنسان وكرامة المواطن، وإحداث مؤسسة الوسيط، وإصدار عفو عام شامل على من تبقى من المعتقلين السياسيين، والسماح للمغتربين بالعودة الى الوطن، وتسوية وضعية كل النقابيين الذين صدرت في حقهم قرارات التوقيف والطرد، وإطلاق سراح المعتقلين في أحداث 1990، وضمان حرية التعبير والرأي والاجتماع والانتماء السياسي والنقابي، ووضع حد للهيمنة التي تمارسها الأجهزة السلطوية لوزارة الداخلية، ومحاربة الفساد الإداري، وتوطيد استقلال القضاء، وتوسيع قاعدة الديمقراطية بإتاحة الفرص أمام الشباب للمشاركة السياسية بتخفيض السن الانتخابي للمشاركة في التصويت إلى 18 سنة.
شاء التاريخ أن تكون وفاة عبد الرحيم بوعبيد في يناير 1992 في منعغطف جديد من تاريخ المغرب يجمع عدد من الباحثين أنه بداية لزمن آخر انفتحت فيه الملكية ومعها الأحزاب الوطنية والديمقراطية على جيل من الإصلاحات تمثل في استفتاءين على الدستور 1992 و1996 وإصلاحات سياسية تمثلت في عودة اللاجئين وإطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين السياسيين، مسلسل من الإصلاحات توج بتقلد عبد الرحمان اليوسفي مهام الوزارة الأولى. ودخل المغرب مرحلة الانتقال الملكي في يوليوز 1999، ليبدأ مسلسل من الإصلاحات تراوحت بين المد العارم والفرملة القوية، لكن هذا كله يمثل ديناميات سمحت في لحظات حرجة من تاريخ المغرب بتجاوز الأزمات، إنها السياسة في الزمن المغربي حيث تلعب العلاقات العرضية بين جميع المؤسسات متنفسا وقراءة مشتركة للقرار.

12/1/2013