الملكية البرلمانية: تبنى…. ولا تؤخذ جاهزة

عبد الجليل طليمات

الأربعاء، 29 يونيو 2011

منذ الخطاب الملكي لتاسع مارس الماضي، وبلادنا تعيش نقاشا واسعا وحوارا غنيا وشاملا حول المستقبل السياسي كما تريده مختلف مكوناتها السياسية والنقابية والجمعوية، وكما يريده شبابها ونساؤها…

    الملكية البرلمانية: تبنى…. ولا تؤخذ جاهزة

منذ الخطاب الملكي لتاسع مارس الماضي، وبلادنا تعيش نقاشا واسعا وحوارا غنيا وشاملا حول المستقبل السياسي كما تريده مختلف مكوناتها السياسية والنقابية والجمعوية، وكما يريده شبابها ونساؤها… فلأول مرة في التاريخ الدستوري المغربي، يشارك الكل باقتراحاته وآرائه واعتراضاته في حوار وطني عز نظيره، طال مختلف الفضاءات، من الشارع إلى الإعلام السمعي والبصري والمكتوب… ما جعل اللجنة الاستشارية لإعداد مشروع الدستور الجديد تنصت لكل الفاعلين سواء الذين قدموا لها مذكراتهم مباشرة، أو أولئك الذين بلغوها بطرق أخرى… وهذا ما ينقض بالتمام كل ادعاء بأن الدستور المعروض على الاستفتاء الشعبي ممنوح….

ويوم 17 يونيو الجاري، أعلن الخطاب الملكي عن “المنتوج” النهائي لهذا الحوار المستمر، وعرضه على الشعب المغربي ليقول كلمته الأخيرة فيه يوم فاتح يوليوز المقبل. وهكذا عرفت مختلف الهيئات السياسية والنقابية والجمعوية طورا جديدا من المناقشة والتمحيص لأبواب وفصول ومواد هذا المشروع لأجل اتخاذ الموقف السياسي الملائم منه.

 

وطبيعي جدا، أن يكون موقف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إيجابيا من هذا المشروع، لارتباط تاريخ نضاله الطويل، بالصراع المرير والباهظ الثمن من أجل دستور ديمقراطي، ولتصدره رفع مطلب الملكية البرلمانية منذ 1978، والذي أكده في مؤتمره الوطني الثامن سنة 2008، ثم في المذكرة التي وضعها بالديوان الملكي في هذا الصدد سنة 2009…، في وقت كانت فيه جل الهيئات السياسية ملتزمة الصمت أو متحفظة، بل منها من اعتبر إحياء الاتحاد الاشتراكي لمطلب الملكية البرلمانية مجرد مزايدة سياسوية، وحنين لماضي انقضى !

 

إن مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء، إذن، هو ثمرة من ثمرات نضال طويل للقوى الديمقراطية الأصيلة، وذات المصداقية التاريخية، وليس “هدية” سخية قدمت لها على طبق من ذهب، فعلى درب هذا النضال من أجل دستور ديمقراطي، سقط شهداء وضحايا، فمجرد الحديث آنذاك عن الفصل 19 كان يعني مخاطرة بالحياة، وقد خاضت تلك القوى المخاطرة، وقدمت في مواجهة الحكم الفردي المطلق أثمانا باهظة، ليس فقط من موقع المعارضة، بل حتى في مراحل التوافق. إن فهم هذا الحاضر الدستوري، الذي نعيش أجواءه اليوم، يفرض العودة إلى التاريخ، لأنه وحده يمنح الوعي التام بالذات، وبتغيرات الحاضر من حولها، وبآ فاق المستقبل الممكن الماثلة أمامها…

 

لقد توقف الباحثون المتخصصون والفاعلون السياسيون بالتحليل والمقارنة، عند مبادئ وأحكام ومقتضيات مشروع الدستور الجديد، مسجلين نفس الخلاصات حول مستجداته النوعية والآفاق التي يفتحها أمام بناء نظام سياسي برلماني ديمقراطي، وفي هذا السياق تم التشديد على أهمية العناصر التالية:

 

  • · الإقرار الدستوري بالديمقراطية كثابت من ثوابت الأمة: فهي خيار لا رجعة فيه.
  • · إضفاء الطابع البرلماني في توصيف الحكم: “ملكية، دستورية، ديمقرطية، برلمانية، اجتماعية”.
  • · تحديد وظائف المؤسسة الملكية، عن طريق الفصل بين إمارة المؤمنين ورئاسة الدولة، حيث لم يعد للملك منفذ للتشريع المباشر، وظهائره قابلة للطعن وفق أحكام الدستور، ولم يعد ممثلا أسمى للأمة بل للدولة، ولم يعد “مقدسا” بل مواطنا… يحظى بالاحترام الواجب لشخصه، ولمكانته في هرم الدولة.
  • · حصر السلطة التنفيذية بين أيدي الحكومة المسؤولة أمام مجلس النواب، وجعل رئيسها مؤسسة قائمة الذات, تدبر السياسات العمومية، وتعين في المناصب العليا المنفذة لها، وتخضع للمحاسبة والمراقبة البرلمانية والشعبية.
  • · إعطاء صفة الشريك للمجلس الوزاري في وضع مشاريع القوانين ذات الطابع الاستراتيجي في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
  • · تقوية صلاحيات البرلمان كمصدر وحيد للتشريع ( لم يعد للخطاب الملكي قوة القانون)، وتوسيع اختصاصاته في المراقبة والمساءلة وتقييم السياسات العمومية، هذا إضافة إلى ضمان حقوق المعارضة وإشراكها في التشريع، ودسترة منع الترحال.
  • · النص على دور الأحزاب في تأطير المجتمع، وحقها في ممارسة السلطة… ودسترة دور المجتمع المدني بما يعزز الديمقراطية التشاركية.
  • · هذا إلى جانب النص على مبادئ متقدمة جدا في مشروع الدستور الجديد فيما يتعلق بتكريس ثوابت الهوية المغربية بتنوعها وتعدد روافدها، وتعزيز المساواة بإقرار مبدأ المناصفة، والارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة، ودسترة الحقوق الاجتماعية، وتوصيات هيأة الإنصاف والمصالحة… إلى غير ذلك من المقتضيات الجديدة، والتي تضعنا فعلا أمام دستور جديد نصا وروحا، وآلية إعداد له.

 

 

إن النقاش الواسع الجاري اليم حول هذا المشروع، أفرز مقاربتين وموقفين متباينين ,يتعلقان بالخصوص بمطلب الملكية البرلمانية ومدى استجابة المشروع له. فمقابل المقاربة الواقعية التي تعتبر أن الملكية البرلمانية تبنى، ولا تؤخذ جاهزة، وأن مشروع الدستور وضع الإطار المناسب للانتقال التدرجي إليها، تؤكد المقاربة الأخرى على ضرورة الإقرار بالملكية البرلمانية “هنا والآن”والانتقال إليها فورا.. فكل دستور لا يصبح فيه الملك “يسود ولا يحكم” هو مرفوض من الأساس، مهما تعددت مكتسباته الجديدة، والتي يقر بها أصحاب هذه المقاربة..

 

ولعل الحوار الهادىء والعقلاني بين المقاربتين معا، هو ما يجب أن يستمر بما يغني الثقافة السياسية ويجددها، ويفتح الباب لتناول “المسكوت عنه”، من أسئلة جوهرية، منها على سبيل المثال:

 

ما طبيعة اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم؟ هل هي لحظة ثورة وتفكيك “للمنظومة المخزنية” بكاملها؟ أم لحظة إصلاح، وبناء توافقي لتعاقد سياسي واجتماعي جديد؟ لحظة تغيير داخل الاستمرارية. وأي دور للملكية في سيرورته؟ هل هو دور يكرس ويقوي القوى المحافظة في المجتمع؟ أم أنه دور حاسم في تأمين الانتقال إلى نظام برلماني ديمقراطي وحداثي؟ كيف ترفع الأحزاب التحدي الذي يضعه الدستور أمام وضعها المأزوم؟ وكيف تساهم بقوة في إرساء أسس الملكية البرلمانية، وتوفير أطرها ومواردها البشرية ونخبها المتنوعة الكفاءات والتخصصات، وقبل ذلك، ثقافتها السياسية الحداثية المؤطرة للوعي والإرادة والفعل والسلوك؟

إن نقاشا عميقا وصادقا حول الأفق، الذي تتفق عليه القوى الديمقراطية اليسارية والحداثية، وتختلف حول السبل والوتيرة المؤدين إليه، هو ما سيساهم، دون شك، في تجاوز الكثير من سوء التفاهم، ومن مخلفات الماضي السلبية: من توجس.. وعدم ثقة.. و”لا شعور” يقف عائقا أمام التفاعل الايجابي المطلوب مع هذه اللحظة التاريخية.. التي سيكون لها ما بعدها.. وما نريده…