25 مليون مغربي يعانون من ضعف القدرة الشرائية

حاوره: عزيز كاطفي

جريدة أخبار اليوم
حوار
الثلاثاء 21 أبريل 2009

في حديث صحفي ليومية “أخبار اليوم” فتح الله ولعلو يؤكد:

الخوصصة ليست مسألة إيديولوجية

المغرب يحتاج إلى تأهيل المؤسسات وإعادة الاعتبار للدور السياسي

 1-كيف تقيمون وضع الاقتصاد المغربي وهو يعيش اليوم سلبيات الانفتاح والعولمة؟

لا أريد أن أتحدت بمقاربة السلبيات والإيجابيات لأنها متقادمة نوعا ما، فالعولمة واقع لا يمكن التراجع عنه، المهم هو مدى قدرتنا على استيعاب ومواجهة التحولات العميقة التي يعرفها العالم وعلى أن يكون لنا جواب على التحديات والتنافس مع بلدان آسيوية. هناك إكراهات و لابد أن نعترف بوجودها وهناك أزمة عميقة سيكون لها مفعول قوي على مدى الأربعين سنة القادمة، لكن المهم أن نتساءل إلى أي حد يستطيع اقتصادنا مخاطبة ما بعد الأزمة.

فكما هو معلوم الأزمة انطلقت من قلب النظام المالي بالولايات المتحدة لتصيب الاقتصاد الحقيقي وتنتشر عبر العالم. أظن أن الأزمة ستمتد لعامين، سيدخل بعدها الاقتصاد العالمي فترة نقاهة، ومثلما حصل عقب أزمة الثلاثينيات، فإننا حاليا نعيش مخاضا ستنتج عنه ثلاث تحولات أساسية وهي أولا التغير على مستوى علاقة الدولة بالاقتصاد، الدولة تتعامل في الوقت الراهن مع عالم اقتصادي معولم، تم إنه ثانيا عالم متعدد الأقطاب، فالمستفيد الأكبر من الأزمة، مثلما تبين خلال القمة الأخيرة لمجموعة العشرين، لم يكن سوى الصين، باعتبار قوتها التصديرية ومناعة اقتصادها وكونها لا تعاني عجزا ماليا. وهنا لابد أن يمتلك اقتصادنا القدرة على التموقع ضمن قطب معين في عالم متعدد الأقطاب. والتحول الآخر الذي يخاطبنا أيضا هو أنه بعد كل أزمة كبرى تبرز محركات جديدة للاقتصاد العالمي، وحاليا البيئة هي الحقل الرئيسي للنمو إلى جانب الطاقات المتجددة.

وهنا اسمح لي بالقول ليس من موقع مسؤول حكومي سابق، بأن المغرب تغير اقتصاديا، وتخلص جزئيا من الإكراهات السابقة، التي كانت تعوق نموه، فقد استطاع التغلب على عائق المديوينة والعجز المالي، حيث الميزانية تحقق فائضا في السنوات الأخيرة، وهو ما سمح بالتزود بالنفط حتى وهو في سعره الأعلى ب 147 دولار للبرميل، دون أن يخل ذلك بتوازن الاقتصاد الوطني. معدل النمو وصل مستويات مرتفعة في السنوات الأخيرة وهو يحوم حول 5 في المائة، لأن الاقتصاد لم يعد يعتمد فقط على قاطرة الفلاحة، بل هناك قاطرات متعددة تتقوى سنة بعد أخرى وتساهم في تنويع النسيج الاقتصادي لتمنيعه من الأزمات، على غرار قطاع الأفشورينغ وقطاع السكن والتجهيزات البنيوية..

2 لكن ألا ترون أن القطاعات المنتجة سواء التقليدية أو الحديثة تعاني حاليا من تداعيات الأزمة والعجز التجاري يتفاقم مع الخارج؟

هذا الوضع يعود أساسا إلى السنة الماضية نتيجة لارتفاع سعر النفط وثقله على الواردات، حيث تسببت فاتورة الطاقة في 80 في المائة من عجز الواردات. أكيد أن القدرة التصديرية ضعيفة في المغرب ولم تكن في مستوى التحديات، ولا تتقدم بنفس وتيرة الواردات، هناك مشاكل بنيوية عميقة، لكن هذه السنة ستشهد تحسنا بالنظر إلى تراجع سعر النفط والموسم الفلاحي الجيد الذي سيقلص خصاص المغرب من القمح المستورد.

التصدير يرتبط أساسا بالقدرة التنافسية، ولها عدة أسباب، من بينها ارتفاع الأجور مقارنة ببلدان آسيوية منافسة وغلاء الطاقة وأيضا بسبب الارتباط الجغرافي لاقتصادنا بأوربا، الذي يعرف نوعا من الركود الاقتصادي في العشر سنوات الأخيرة. السنة الفارطة شهدت طفرة في صادرات الفوسفاط، تزامنت مع ارتفاع أسعار المواد الأولية وهي طفرة استثنائية، استفاد منها المكتب الشريف للفوسفاط أساسا في إخراج صندوق التقاعد.3

لكن المغرب يعاني حاليا من درجة انفتاحه على الخارج ويخسر في مبادلاته في إطار الاتفاقيات الموقعة مع الشركاء؟

المشكل الحقيقي ليس الانفتاح الاقتصادي، لأنه إذا لم ننفتح فلن نصدر للخارج. الشراكة مع الاتحاد الأوربي مثلا، استفاد منها المغرب على عدة واجهات وليس فقط على مستوى التبادل التجاري، على مستوى الخدمات هناك الأفشورينغ والسياحة وكذا تحويلات المغاربة المقيمين في أوربا، التي ارتفعت على مدى 15 سنة الماضية. بخصوص الواردات لابد من أخذ الارتفاع المسجل في واردات النفط بعين الاعتبار، منذ عامين تقريبا، ويمكن أيضا أن نذكر استفادة المغرب من الاستثمارات الخارجية والتي أصبحت مستقلة في السنوات الأخيرة عن الخوصصة.

4- لكن هناك حاليا تراجع في الاستثمار الأجنبي، هل توقفت التدفقات مع عمليات الخوصصة؟

صحيح أن هناك تراجعا بفعل الأزمة، لكن يجب أخذ الأمور في تطورها على المدى المتوسط وليس الظرفي. المشكل الحقيقي في المغرب ليس ظرفيا بل إنه يرتبط بمشاكل بنيوية فهو يعاني الفقر. الأزمة ستؤخر المشاريع الاستثمارية لبعض السنوات لكن المسار ليس سلبيا. ولنعد للإمدادات المالية للاتحاد الأوربي، فإن لها إيجابيات على مستوى ميزانية الدولة فهي تصل حاليا ما قيمته حوالي 240 مليون أورو.

صحيح أن الاتفاقيات الأخرى مع البلدان العربية لم تأخذ بعد حجمها الصحيح فهي لا تتجاوز 3 في المائة من إجمالي مبادلات المغرب مع الخارج، الأهم هو الشريك الأوربي والهند التي تشتري الفوسفاط المغربي. أكيد أن تنافسيتنا أقل في المنطقة المتوسطية، لعدة عوامل ضمنها كلفة الطاقة وقدرات المقاولة المغربية على تخطي علاقاتها مع السوق الأوربي التي تقترب من العلاقات الريعية، للبحث عن أسواق أخرى وتنويع زبنائها.

التحدي الأكبر سيكون ميزان الأداءات الجارية الذي أصبح سالبا لأول مرة في السنة الماضية، بعدما ظل يحقق فائضا منذ 1998 قد يبرر بغلاء النفط وواردات المواد الغذائية، لكن لنعترف بأنها مرتبطة أيضا بضعف تنافسية الصناعة التصديرية في المغرب، لابد لنا من تنويع المنتوج التصديري. وهنا تبرز أهمية استقطاب بعض المشاريع المهيكلة، كمشروع المركب الصناعي للسيارات بطنجة، ودوره مستقبلا في تنمية الصادرات على مدى 20 سنة المقبلة…

5- ألا تتفقون بأن ورش تأهيل المقاولات عرف الفشل لحد الساعة في هيكلة المقاولات؟

في الواقع لابد لنا من العودة شيئا ما إلى الماضي، لنقف على أن القطاع الخاص قد نشأ في البداية في مرحلة المغربة نشأ على تقاليد ريعية، أولا بالاعتماد على مصاحبة الدولة والحمائية وثالثا الارتباط بالسوق الأوربي وحده. بعد ذلك ومع سياسة التقويم الهيكلي لم تستفد المقاولة المغربية نوعيا، على الرغم من تخفيض العملة نظرا لعدم وجود توجه إصلاحي. بعد هاته الفترة وقعت قطيعة خطيرة بين المقاولة والدولة في إطار ما سمي بالتطهير، نجم عنه تراجع حتى في ثقافة الإنتاج، الفترة عشنا عواقبها ولا يمكن تبريرها، سيما أن سببها يعود إلى تدخل وزارة الداخلية في التدبير الاقتصادي. هذا الوضع تم تجاوزه نسبيا في عام 1998 مع دخول مرحلة التناوب ومشاركة الاشتراكيين في الحكومة.

القطاع الخاص يتشكل أساسا من مقاولات صغيرة ومتوسطة وعدد محصور من الشركات الكبرى التي بدأت تتقوى في المغرب والتي تتوفر على قدرات وافرة نسبيا. هذا النسيج المقاولاتي يعيش بدوره مرحلة انتقال اقتصادي على غرار الانتقال السياسي، حيث لازالت القيم التقليدية قائمة إلى جانب قيم الحاضر وهناك أيضا ضمن هذا الخليط قيم للمستقبل. داخل النسيج المقاولاتي المغربي وعلى عكس ما يقال حول دور الخوصصة، فالدولة هي التي لعبت الدور الرئيسي في السنوات الفارطة في تحريك الاقتصاد المغربي بدليل أن المؤسسات العمومية شكلت أكبر محرك للاستثمار والصفقات العمومية والشراكات مع المقاولة.

لذلك فإن على المغرب كباقي بلدان العالم أن يعمل من جهة على تحريك الطلب الداخلي وأن تبحث في الوقت نفسه عن المنافذ الخارجية، سيما أن السوق المحلي يبقى ضعيفا نسبيا (حوالي 30 مليون نسمة) وأن القدرة الشرائية ضعيفة لدى حوالي 25 مليون مواطن.

6 المقاولة الصغرى والمتوسطة تشكل الأغلبية، لكنها لا تحضى بدعم صريح وتحفيزات كبيرة من الدولة في مقابل ما تستفيد منه الشركات الكبرى؟

أكيد أن الازدواجية في المغرب أقل مما هي عليه في بلدان آسيوية (مثل كوريا، اليابان والصين ) عاشت نفس الوضع، لكن يجب اتباع مقاربة دينامية في تحليل هذا الواقع. فالثنائية تتراجع مع التطور لصالح المقاولة الصغرى والمتوسطة، لأنها هي أساس النمو الاقتصادي والأكثر تشغيلا لليد العاملة. الشركات الكبرى تضطلع بالدفع ببعض القطاعات والتوسع خارجيا، كما هو شأن بعض الشركات والبنوك المغربية في إفريقيا، لكن هذه الدينامية يجب أن تساهم في الحد من هيمنة الاقتصاد الباطني أو القطاع غير المنظم، عبر العمل على إدماج العاملين به في أنظمة الحماية الاجتماعية. تجاوز تنائية النسيج الاقتصادي يرتبط كذلك بالاستراتيجية الاقتصادية وبكون المغرب ليس بلدا منعزلا، لذلك ينبغي الحفاظ على قيمتين أساسيتين وهما النجاعة والتضامن أو التآزر وتقليص الفوارق الاجتماعية. فالأزمة التي انبثقت في الولايات المتحدة الأمريكية، سببها توسع الفوارق الاجتماعية وتراجع القدرة الشرائية لفئات الدخل المحدود، التي كانت تشكل قاطرة الطلب، وهو ما نتج عنه تراجع الإنتاج.

عنصر التآزر أساسي، في ظرفية الأزمة تأثرت طبعا عدد من القطاعات مثل النسيج، السياحة..ما استوجب على الدولة أن تدعمها، وهذا أمر طبيعي، لكن لا يجب أن ينحصر الدعم على المدى القصير، المهم هو التهيئ للخروج من الأزمة في أفق 2010. الأزمة بمعطياتها الجديدة ستعيد الاعتبار للسياسة وستعيد في نفس الوقت الاعتبار للتوجه الاشتراكي في العالم، بعد أن تلقى ضربات متتالية في 3 محطات تاريخية محددة، في سنة 1980 بانتشار المد “الريغاني” نسبة لرونالد ريغان الرئيس الأمريكي الأسبق و مارغريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك، وقوامه بأن على الدولة أن تتراجع وأن تقلص الضغط الضريبي مقابل إطلاق اليد الخفية لضبط السوق. المرحلة الثانية ترتبط بزوال الاتحاد السوفياتي التي اعتبرها البعض نهاية للاشتراكية رغم أن الاتحاد السوفياتي ليس النمودج الأمثل للاشتراكية بالنظر إلى تحكم الجيش والحزب الوحيد في حين أن الاشتراكية ترتبط بالديموقراطية، كأداة لمواجهة المبالغات والاستغلال الاجتماعي والسياسي، وترتبط الفترة الثالثة ب 11 شتنبر 2001، حيث اعتقد العديدون أنها تؤرخ لتناقض بين الحضارات، في حين أن التناقض الحقيقي هو اقتصادي بالأساس.

7 وأنتم في الحكومة، لماذا ابتعدتم عن مبادئ الاشتراكية و ركبتهم الليبرالية في أكبر تجلياتها من خلال برنامج الخوصصة؟

برنامج الخوصصة في المغرب لا يختلف عن ما قام به اشتراكيون آخرون مثل فليبي غوانزاليس في إسبانيا أو جوسبان في فرنسا. الخوصصة ليست مسالة إيديولوجية بل هي مثل تدخل الدولة، أداة من أدوات السياسة الاقتصادية. مبدئيا كان يقوم توجهنا في الحكومة على أساس تقوية حضور الدولة في الاقتصاد. والواقع أن 90 في المائة من عمليات الخوصصة أنجزت قبل مجيء حكومتي عبد الرحمان اليوسفي وإدريس جطو، لكن هذه العمليات لم تجلب سوى 10 في المائة من مداخيل الخوصصة، بمعني أن 10 في المائة المتبقية من عمليات الخوصصة، والتي أنجزت في العشر سنوات الأخيرة جلبت 90 في المائة من المداخيل.

8- ألم يكن بالمقدور تأهيل بعض القطاعات الواعدة عوض بيعها للأجانب؟

لنأخذ اتصالات المغرب كنمودج، فقد كانت في السابق على شكل وزارة قبل أن تتحول إلى مؤسسة عمومية. كانت توظف 14 ألف عامل ولا تذر سنتيما واحدا لخزينة الدولة، بل تعيش بالكاد من مداخيلها، وأحيانا تمنحها الدولة بعض الدعم، رغم احتكارها لسوق الاتصال. قبل الخوصصة، بدأنا بتحرير قطاع الاتصال، أي خلق مناخ للمنافسة، والنتيجة أن مداخيل العملية جد مرتفعة تصل 35 مليار سنتيم ضخت في صندوق الحسن الثاني، وساهمت في بناء الطرق وتشييد ميناء طنجة المتوسط وتهيئة المناطق السياحية والمناطق الصناعية ومشروع أبورقراق. قطاع الاتصال أصبح يوفر حاليا قرابة 200 ألف من مناصب الشغل مباشرة وغير مباشرة، وارتفعت مساهمة اتصالات المغرب في مداخيل الدولة من لاشيء إلى 6 مليار سنتيم سنويا. والأساسي أن هذه العملية ساهمت في تقوية تدخل الدولة. الخوصصة الناجحة هي التي لا ترتبط باعتبارات مالية، بل تغير في العمق مسار الاقتصاد. أنا أرى هنا بأن تدخل الدولة قد تقوى بفضل الخوصصة.

الخوصصة هي أداة من أدوات التدبير الاقتصادي، من يحرك اليوم الاقتصاد المغربي، إنه استثمار الدولة واستثمارات المؤسسات العمومية الكبرى التي تعافت من أمراضها السابقة، ثم عن اتصالات المغرب لم تعد تحتكر سوق الاتصال وهذا في الدولة التي تنوع مواردها وفي مصلحة المستهلك. وهناك نمادج أخرى ناجحة للخوصصة، كما في قطاع التبغ، الذي تمثل الضريبة حصة 60 في المائة من مداخيله، حيث خوصصة القطاع أسهمت في تنويع الإنتاج وتكثيف زراعة التبغ بالمغرب. لا أريد هنا أن يفهم من كلامي أنني أدافع عن الخوصصة، بل عن استراتيجية تمتلكها الدولة لتطور عملها كضابط للاقتصاد ومراقب عام، لكن ليس أي دولة ، وإنما الدولة الخاضعة للمراقبة الديموقراطية.

9- أليست هناك نمادج أخرى من الخوصصة، حولت الاحتكار من مؤسسة عمومية إلى شركات كبرى أو مجموعات عائلية؟

أعطيت شركة اتصالات المغرب نمودجا لزوال الاحتكار، بل إن الشركة أصبحت لها تطلعات خارج السوق المغربي وهي حاليا تستثمر في بلدان إفريقية، الخوصصة ليست غاية في حد ذاتها ولكن أداة عمل وما أتمناه هو أن تكون لدينا مؤسسات عمومية ناجعة قادرة على أن تتحول إلى مقاولات قوية، لأنه دون النجاعة تصبح الشركات العمومية عاجزة ماليا والعجز يؤديه عموم المواطنين.

10- كيف تنظرون إلى برنامج الخوصصة الذي أعلنته الحكومة الحالية وضمنه خوصصة شركة النقل الجوي “لارام”؟

هنا أيضا يجب أن نراعي الظرفية من الواضح أننا في ظرف أزمة اقتصادية عالمية وهو ما يفتضي أن نكون حذرين، لأن عمليات الخوصصة تصبح غير مجدية، بما في ذلك خوصصة “لارام”. ليس الآن، لأنه حتى السوق الدولي غير مهيأ حاليا، كون القطاع يعيش أزمة، و موضوعيا لا يجب طرح خوصصة الشركة في الظرف الحالي، باعتبار أن نجاح كل عملية خوصصة يرتبط أساسا بالظرف الذي تطرح فيه. و أظن أن الحكومة لن تتنازل في حال طرح العملية عن حصة الأغلبية في رأسمال شركة “لارام”.

المسار الحالي لقطاع الطيران العالمي يطبعه إفلاس العديد من الشركات واندماج أخرى، ما يعني أن التنافس العالمي سيعتمد بالأساس على قدرات الشركات الكبرى وعلى التفوق التكنولوجي، وهنا تكمن أهمية تحرير القطاع على غرار ما حصل في قطاع الاتصال بالمغرب.

أنا اشتراكي، والاشتراكية اليوم هي مبدئيا وقبل كل شيء إعطاء الفرص لأكبر عدد ممكن من المغاربة، هي مواجهة التفاوتات الاجتماعية والتفاوتات القطاعية والتفاوتات بين المناطق، والاشتراكية اليوم هي التي تأخذ في الاعتبار أننا في عالم معولم ولا يمكن أبدا أن ننغلق، بدليل أننا كلما دخلنا إلى منازلنا وفتحنا شاشة التلفزة نكون مع العالم مستهلكين للعولمة ولابد لنا أيضا أن نأخذ دورنا كمنتجين.

11-ألا ترون بأن العولمة تضغط بشكل متزايد على القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين، إلى جانب عوامل أخرى تساهم في الغلاء الفاحش للمعيشة وتهدد السلم الاجتماعي؟

مهام الحكومة بالطبع هي تطويق كل ما يمكن أن يؤدي إلى نقصان القدرة الشرائية ومن مهام النقابات أن تطالب بالحفاظ على القوة الشرائية، ونعتبر كمناضلين في الاتحاد الاشتراكي أن من حق النقابات أن ترفع مطالبها للحكومة بشكل طبيعي. بخصوص الغلاء أظن أن الأمطار الغزيرة تسببت في ضياع محاصيل غذائية وساهمت في ارتفاع أسعارها في الأسواق، لكن لا ننسى بأن المضاربين والوسطاء مع الأسف يستفيدون من مثل هذه الظروف، وحتى في حالات ارتفاع الأسعار بالأسواق الدولية، لكن حاليا هناك تراجع في موجة الغلاء يجب أن ينخرط فيها المغرب كذلك وأن يستفيد منها المستهلك المغربي.

12-الضريبة أصبحت عاملا مساهما في ارتفاع الأسعار، ألا ترون أن منطق الزيادة في مداخيل الدولة يتم على حساب الدور الاقتصادي للضريبة؟

دور الضريبة هو أولا توفير مداخيل للدولة لكي تنهض بمهامها الأساسية من تعليم، صحة وأمن بناء الطرق..وكذلك تحفيز الاقتصاد. في سنة 1999 جرى تنظيم مؤتمر حول مسار النظام الضريبي، ومنذ ذلك الحين ونحن نسير في منحى تصاعدي للمداخيل الضريبية. لكن لابد للنظام الضريبي من التأقلم مع الظرفية وخاصة وضعية المواسم الفلاحية وسنوات ارتفاع أسعار النفط. الحكومة مطالبة بخلق التوازن بين المهمتين: الدور التنموي المتمثل في تحريك الاقتصاد الوطني ومهمة التوزيع والتكافل الاجتماعي.

الدولة أصبحت تحقق فائضا في الميزانية وهو شيء إيجابي، إذا أخذنا في الاعتبار العجوزات الكبيرة التي كان يسجلها ميزان الدولة في عقد الثمانينيات وفي بداية التسعينيات بشكل أقل، سيما أن العجز الموازناتي يؤدي إلى استدانة الدولة، ويرهن بالتالي مستقبل أجيال لاحقة تتحمل تبعات استردادها. بالمقابل، فإن فائض الميزانية يسمح للدولة بإعداد برامج لإنعاش الاقتصاد وزيادة الإنفاق العمومي المنتج.

13-كيف تنظرون إلى المشهد السياسي من خارج الحكومة وفي إطار مسؤولياتكم في الحزب الاشتراكي ونحن على أبواب الانتخابات الجماعية؟

ما يحتاج إليه المغرب في اعتقادي هو إعادة تأهيل المؤسسات وإعادة الاعتبار للعمل السياسي وللنقاش السياسي والاجتماعي، فبقدر ما نجد تطورا نسبيا على المستوى الاقتصادي نجد ركودا في المشهد السياسي. من مصلحة البلاد أن تعمل على خلق دينامية في هذا الاتجاه، وصولا إلى أحزاب قوية. ورهاننا في الانتخابات المقبلة هو بالأساس إعادة المصداقية للعمل السياسي، كذلك من مصلحتنا أن تكون لنا نقابات قوية ، نتمنى أن تتوحد كما هو الحال في بلدان أخرى مثل ألمانيا.

المهم بالنسبة للمغرب هو تطوير الحكامة وأنا متأكد من أن تمنيع البلاد يتطلب إصلاحات مهمة سياسية لأنها تشكل عوامل إنتاج مؤثرة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. لابد من إعطاء الأولوية للسياسي ليكون في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حتى لا تقع انحرافات. هذا هو مشروعنا كاتحاديين، لابد من التخليق وتحديد المسؤوليات وهنا نطرح مسألة الإصلاحات السياسية والدستورية، كأساس لرفع الرهانات المستقبلية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. ما يمنح المصداقية لهذا التوجه هو أن العالم يعيش في أزمة، في مخاض كبير قد يفرز رأسمالية جديدة، قطاعات محركة بديلة تموقعات جديدة في إطار تعدد الأقطاب. نتمنى أيضا أن يتبلور في المستقبل مشروع اندماج اقتصادي مغاربي يقوي من قدرتنا على التفاوض مع جيراننا الأوربيين ومع باقي الكثل الاقتصادية الشريكة.

تأميم (مؤطر)

الاقتصاديون يعتبرون أن التأميم مرادف لخسائر مالية للاقتصاد وللحكومات التي تقدم عليها. عملية إنقاذ الشركات عبر تأميمها تتم عبر ضخ أموال دافعي الضرائب. ما يظهر حاليا في سياق الأزمة الدولية، أن الاقتصادي يستنجد بالسياسي، وهو ما سيغير المعادلة القائمة بين السوق والدولة مرحليا، طالما أن عمليات الخوصصة ستنتعش من جديد بعد زوال الأزمة، الخوصصة هنا تستفيد منها فئة قليلة، في حين أن التأميم يكلف الجميع ويتم على حساب الأغلبية، ما يحدث حاليا في أوربا والولايات المتحدة، أن الأغلبية تؤدي ثمن فشل القلة على حساب قدرتها الشرائية، وهذا سيؤدي لاحقا إلى ارتفاع مديونية الدولة.

قد يكون في الأمر شيء إيجابي بالنظر إلى تقوي حضور الدولة وعقلنة النظام الرأسمالي باتجاه تقليص حجم المضاربة وتجاوزاتها التي تصل أحيانا حد السرقة وحجم الأمولة (قوة المال) التي تغلب المنظور المادي على حساب المنظور الإنتاجي والاقتصاد الحقيقي.

وبالعودة إلى الواقع المغربي، فلابد من الحرص ونحن مقبلون على انتخابات جماعية على تخليق العمل السياسي والاقتصادي.