الإيمان والعقل بعيون جديدة

السيد ولد اباه

عن الموقع الالكتروني”حكمة”

استمعت إلى الفقيه المشهور يتحدث عن أدلة وجود الله في أحاديثه الرمضانية المتابعة على نطاق واسع. كان حديثه مزيجاً من اللاهوت الكلامي الوسيط وبعض شذرات الفلسفة المعاصرة المتداولة بدون دقة وتمحيص.

ولقد أدركت كم انحط الدرس العقدي في الحقل الإسلامي الذي تتنازعه اليوم اتجاهات ثلاثة: اتجاه سلفي يحارب تسليط النظر العقلي في الأمور العقدية في الوقت الذي يدافع في الغالب عن إحدى النزعات الكلامية الأكثر فقراً وسطحية (التشبيه والتجسيم باسم نفي التأويل وإثبات الصفات)، واتجاه كلامي تقليدي (أشعري واعتزالي) لا تجديد فيه حتى من المنظور التأويلي، واتجاه “الإعجاز العلمي” الذي يسعى لبناء منظومة عقدية جديدة على أساس قراءة وضعية للآيات الكونية.

ليس الجانب الفلسفي بالأفضل في الدراسات العربية التي تتحاشى في الأغلب المسألة الدينية. ولقد ذهبت الدراسات الجريئة القليلة إلى أحد اتجاهين: النزعة الوضعية بمدارسها المختلفة التي تعتبر الرؤية اللاهوتية مرحلة متجاوزة من مراجل تشكل العقل الإنساني وقد عوضتها الحقائق التجريبية العلمية، والنزعة التاريخانية- التحليلية المستندة للمقاربات الماركسية والنفسانية التي تكرر في العمق تصور الفيلسوف الألماني “فيورباخ” (ت1872) للدين الذي يتلخص في اعتبار الإيمان بالإله علامة على “استلاب” الإنسان الذي يسقط خصائصه البشرية المتسامية على معبوده فيصبح ضائعاً مغترباً، زائف الوعي.

إنما نريد أن نبينه هو أن المسلكين (الكلامي والفلسفي) يظهران عجزاً مبيناً عن تجديد النظر في المسألة الدينية من المنطلقات الفكرية الراهنة المتسمة بخصوبة وثراء عاليين. فليس من الصحيح أن سؤال الإيمان والاعتقاد قد اختفى في الفلسفة الغربية بعد اكتمال مسار تصفية الميتافيزيقا (من كانط إلى هايدغر). بل يمكن القول دون تردد إن انحسار الميتافيزيقا قد فتح الباب واسعاً أمام إعادة التفكير في المسألة الدينية في مستوياتها الثلاثة التي حددها كانط: الرمزية الدينية والإيمان والعيش المشترك.

وقبل أن نقف عند هذه المحددات الثلاثة، لابد من التوضيح أن الميتافيزيقا ليست مرادفة للدين، بل هي صياغة فلسفية لمفهوم الألوهية، وبذا تكون منافسة للدين حتى ولو أن المدارس اللاهوتية تسلحت في الغالب بالأنساق الميتافيزيقية.

وبخصوص الرمزية الدينية، نشير هنا إلى أن الدراسات الاجتماعية والفلسفية تجمع اليوم على اعتبار “المقدس” مفهوماً مركزياً في نمط الانتظام البشري المشترك ولا يتعلق بمنظومة دينية بعينها كالديانات التوحيدية الثلاث التي تختص بثلاثية الخلق والوحي والبعث.

المقدس حسب تعريف “رجيس دوبريه” هو المنفصل، المفصول عن الوضع البشري، وموضوع التعظيم الجامع الذي يشكل عماد الائتلاف الاجتماعي، وليس موضوع رأي أو تصور بل هو مدار قناعة جوهرية تشحذ كل قوى النفس. وما تختلف فيه الأنساق الدينية هو نمط تنزيل المقدس في المكان والزمان تسييراً للوجود الإنساني المشترك، مما تندرج فيه أيضاً “الديانات المدنية” الحديثة (حسب عبارة روسو).

إن العقل السياسي يتأسس على المقدس، والدولة القومية العلمانية الحديثة التي أرادت القطيعة مع الدين وتعويضه هي أكثر تجارب البناء السياسي إنتاجا للمقدس الذي تحتاج إليه لحجب الفقر الرمزي لشرعية التعاقد الإجرائي والمقاربة التسييرية الاقتصادية للفعل السياسي (درسَ جورجيو أغامبن هذه الظاهرة في كتابه المجد والحكم).

وإذا كان “هايدغر” رفض بقوة دمج البعد العقدي للدين في المبحث الفلسفي، إلا أن حضور المقدس كان مركزياً في فكره من خلال صور “الجليل والقديس والطاهر والحياء…”.

كما أن الرمزية الدينية تؤدي إلى جانب هذا البعد المجتمعي دوراً محورياً كمنبع للتفكير. وإذا كان النص الفلسفي اليوناني خرج من الميثولوجيا، الإغريقية القديمة، فان النص الفلسفي الغربي الحديث خرج كله من الرمزية المسيحية، ولا يزال في تجلياته المختلفة تنويعات متباينة في تأويل أسطورة “صلب المسيح” ورمزية التجسد. وقد سلكت الفلسفات اليهودية المسلك ذاته في استكناه رمزية التيه والشتات.

ومن الواضح أن النص التوحيدي يقدم إمكانات تفلسف مغايرة للوجوس اليوناني لخصها “ريكور” في السرد (القصص) والأمثال والصلوات والسير… وهو مدى كثيف لم تلج إليه بعد الفلسفة الإسلامية على رغم المحاولات الأولى التي بذلها متصوفة العصر الوسيط.

أما مستوى الإيمان، فلابد من إخراجه من مفهوم “الاعتقاد” الذي هو المعرفة الهشة التي تحتاج للبرهان والدليل. فبعد انهيار “الإبستمولوجيات المِرآوية” (أي النظر إلى المعرفة كانعكاس للواقع) مما يعني انهيار مفهوم الموضوعية وتعويضها بالتضامن بصفته إجماعاً لغوياً بين ذوات (حسب اصطلاحات رورتي) رجعت للإيمان دلالته الأصلية بصفته ثقة في المعنى وفعل إنصات للنص المُتلقى.

الإيمان من هذا المنظور يختلف جذرياً عن اللاهوت الميتافيزيقي الذي يسعى لإخضاع الإلهيات لمقولات الذهن أو ملكة الفهم العقلية، وبذا يصبح موضوعه ليس الإلهي بل الكائن المفارق أو الجوهر الأسمى أو المحرك الأول، وهكذا يتحول اللاهوت إلى علم وضعي يتناول خصائص ومميزات موجود بعينه. وفق هذا التصور -كما يبين فاتيمو وجان ليك مريون- لا خلاف بين الإلحاد النفاتي والنزعة اللاهوتية العقلية: أولهما يكتفي بنفي تصور معين للإله بحسب مقاييس عقلية مجردة وثانيهما يحول هذا التصور إلى مضمون مفروض للإيمان الديني.

لقد اهتم فيلسوف التفكيك “جاك دريدا” بالإيمان في أعماله الأخيرة مبيناً سخافة الفصل بين الإيمان والعقل بصفتهما يصدران عن منبع واحد هو ما عبر عنه بضمانة الشهادة في كل فعل إنجازي، أي ما يقتضيه القول من استعداد للقبول سابق على لحظة التفكير والنقد، وما يقوم عليه نظام الاجتماع البشري من مسار تواصلي عبر الثقة في المعنى.

والإيمان هو مرجعية الفعل اللغوي والفاعلية العقلية، وليس من الصحيح أنه يتعارض مع البرهنة العقلية بل هو نقطة انطلاقها، كما أن الشهادة هي المصدر الرئيس للمعارف بما فيها العلمية. فمبدأ التصديق كما بين “توماس ريد” هو مصدر جل المعارف الإنسانية التي نادراً ما تخضع للتحقق والاختبار. الإيمان هو القوة الدافعة للفعل، و”المؤمنون وحدهم هم الذين يفعلون الأشياء العظيمة” كما يقول دي توكفيل. (يتواصل).