التغيير السياسي بالمغرب والحاجة إلى جبهة وطنية لدعم الحداثة والديمقراطية لماذا خيار النضال الديمقراطي من الداخل؟

الحسين بوخرطة…عن موقع جريدة الاتحاد الاشتراكي

نود في البداية أن نوضح للقارئ والمتتبع الدوافع التي كانت وراء اختيار عنوان هذا المقال. أولا إنه اختيار ليس منعزلا عن سلسلة مقالاتنا السابقة. لقد تطرقنا بما يكفي إلى محور مزايا خيار النضال الديمقراطي من الداخل في السياق السياسي المغربي، الذي نعتبره ذا طابع «خاص» مقارنة مع أوضاع دول المشرق العربي ودول الخليج، كما تطرقنا كذلك، وبنفس الأهمية، إلى محور التغيير السياسي بالمغرب ومقوماته. كما نود أن نشير كذلك، إلى أننا حاولنا بحرص شديد أن نتشبث بالموضوعية لضمان المسافة الحيادية اللازمة لتبرير الارتباط بين المحورين. الفكرة الموجهة لكتاباتنا هو التركيز على تبرير كون العبور إلى «ضفة» الخلاص أو الأمان السياسي لا يمكن أن يتحقق إلا في حالة الوصول إلى تقوية الحرص المجتمعي على دعم الديمقراطية والحداثة وصيانتهما، وبالتالي تمكين البلاد من المرور إلى اعتماد المشروعية الشعبية في الحكم بدلا من التركيز أكثر على المشروعية التاريخية والدينية. هذا الهم، الذي شغل بال قيادات الأحزاب الوطنية الديمقراطية مباشرة بعد الاستقلال، أصبح اليوم، نتيجة التطورات الدولية، مطلبا ملزما يفرض نفسه بإلحاحية. فالتطور السياسي المحبذ دوليا بعد سقوط جدار برلين أصبح مرتبطا بضرورة المرور إلى الديمقراطية بأحزاب سياسية إيديولوجية قوية، حيث لا يمكن أن تكون عملية الاختيار السياسي ذات دلالة سياسية إلا إذا كان أساسها فكريا مجسدا في البرامج السياسية للأحزاب المشاركة، وقدرة هذه الأخيرة على التميز فكريا وإيديولوجيا، وبإمكانياتها الإبداعية والابتكارية، وبقدرتها على الاستجابة لانتظارات المواطنين. إنه رهان تأسيس التناوب السياسي على السلطة على أساس «التقاطب» السياسي الإيديولوجي الواضح.
وعليه، أعتقد أن الوصول إلى تحقيق هذا الرهان يبقى إلى حد بعيد مرتبطا بالقدرة المجتمعية للتصدي للغموض والخلط الذي يكتنف العلاقة ما بين الدولة والدين بصفة خاصة، وما بين السياسة والدين بصفة عامة. وهذا التصدي يجب أن يتوج بقناعة مترسخة تجعل من الدين الإسلامي أحد الممتلكات الأساسية للمغاربة، وتمتيعه بمرتبة سامية فوق الجميع، والحرص على تحصينه من سوء الاستعمال والاستغلال «السياسوي»، والدفاع عليه سلميا بالاجتهاد والحوار. إن الحسم مع هذه الإشكالية المعقدة سيشكل بلا شك بوابة ستمكن القوى السياسية والمجتمعية الديمقراطية من التركيز على تجديد الثقافة المغربية، وتحديثها، وتأصيلها، وتوطيد العلاقة الجدلية بين تراثها والحداثة. وهذا الرهان هو الذي دفعنا إلى إدراج عبارة «حاجة بلادنا إلى جبهة وطنية لدعم الديمقراطية والحداثة» في عنوان هذا المقال. إنه تعبير بمثابة دعوة لتجميع الجهود لتحرير الدين ونصوصه التراثية من قبضة مختلف الجهات التي تطمح إلى احتكاره وفرض نفسها وصية عليه. كما نعتبر أن النجاح في هذا المهام، الذي نعتبره مصيريا، سيمكن المغرب، بشعبه ومؤسساته في الدولة والمجتمع، من الوفاء لمسار تطوره السياسي، هذا التطور الذي سنخصص له حيزا كبيرا في هذا المقال للوقوف على أهم محطاته، وقوف سيكون بمثابة جواب عن سؤال : لماذا خيار النضال الديمقراطي من الداخل؟.
إن الدافع الأساسي الذي جعلنا نختار هذا الموضوع هو أولا حبنا لهذا الوطن الذي نريده أن يتطور سياسيا بالسرعة المطلوبة التي ستفتح لأبنائه المجال للمساهمة في تنميته والدفاع على استقراره، وثانيا، اعتقادنا أن مجتمعنا قد خطى خطوات مهمة في اتجاه تجاوز ما نسميه «أزمة العقل المغربي»، اقتباسا لما سماه الجابري «أزمة العقل العربي». فإذا كان طابع المحافظة في السياسة مغربيا قد تجسد فقط في عدد المقاعد البرلمانية التي حققها حزب العدالة والتنمية في الاستحقاقات الأخيرة، فإن استحضار عدد مجموع الناخبين في المملكة (المصوتون والعازفون بشكل إرادي أو غير إرادي)، وتوزيع الأصوات الصحيحة المعبر عنها ما بين الأحزاب المشاركة، يؤكد أن نسبة الأصوات ذات التعبير المحافظ ليست مقلقة، الشيء الذي يبرر حاجة بلادنا إلى جبهة قوية لدعم الديمقراطية والحداثة من أجل إرجاع الثقة وتقويتها ما بين النخبة السياسية وعامة الشعب، وبالتالي الرفع من سرعة «قطار» التغيير السياسي في اتجاه الملكية البرلمانية.
1. التداخل التاريخي للدين بالدولة والوعي بضرورة التحديث عربيا ومغربيا
إن تداخل الدين بالدولة بالمغرب ليس وليد اليوم، بل يعود إلى قرون مضت. وأول من استمد شرعية الدولة من الدين هو إدريس الأول. ومنذ ذلك الوقت، تراكمت الأحداث إلى أن أصبحنا نتحدث اليوم عن الشرعية الدينية والتاريخية للنظام السياسي المغربي, حيث اقترنت بالنسب الشريف الذي تجسد في إدريس الأول عم الحسين وأخ محمد النفس الزكية. ونظرا لهذا النسب بأبعاده الدينية، تمكن هذا السلطان، بعد مبايعته من طرف قبيلة أوربة الأمازيغية، من تكوين جيش من قبائل زناتة وأوربة وصنهاجة وهوارة، وتمكن من النجاح في ضم القبائل المغربية حوله، واستطاع أن يبني دولة، امتدت حدودها إلى بلاد تلمسان. فبالرغم من توالي الأسر الحاكمة من سلالات غير عربية، أي بربرية كالمرابطين والموحدين والمرينيين، استمر الاعتماد على نفس المشروعية في الحكم، واستمر الاعتماد على التأويل السطحي للنص الديني بالشكل الذي يحمس الجماهير ويدعم المنطق السياسي السائد. كما أكد التاريخ أن هذه المشروعية كانت دائما وراء تكريس قيم الحكم المطلق، وكانت دائما مرتبطة بالعنصر القبلي، والعنصر الفارسي الساساني المجسد في دولة الاستبداد الشرقي، المتمركزة حول الزعيم ذي البعد الإمبراطوري، والمؤسسة على الأحادية وتحريم «التعددية». أكثر من ذلك، كان رواد التقليد يقومون بتوهيم المواطنين أن التعددية السياسية بدعة وخرق للنظام السائد وتأسيس للخلافات والفوضى (تم ترسيخ هذا الوهم لقرون بالرغم من كون «الحق في الاختلاف» حق راسخ في القرآن الكريم). ونجح هذا المنطق في الاستمرار بحلات متجددة حسب المكان والزمان، ونجح في أن يتحول إلى تعاقد سياسي رمزي، وإلى مجال للسامي والقدسي، الذي يمنح للسلطة السياسية طابعا مقدسا. وقد تأسس هذا المنطق التقليدي، الذي يستثمر في الدين لشرعنة السلطة السياسية على حساب الشرعية الشعبية، في الماضي القديم، حيث ورث بواعث التعبير عن نفسه من التاريخ الأموي والعباسي، وهو التاريخ الذي شهد تحول «الخلافة» إلى ملك، وعرف ارتقاء ما يسمى ب»الطاعة» إلى فضيلة الفضائل. أكثر من ذلك، جاء في كتابات العروي والمرحوم الجابري، أن المنطق الأموي والعباسي استمد بدوره بواعث التعبير من المستبد الأسيوي (العروي) أو من أبيه أردشير الملك الساساني (الجابري). لقد تم تجميع مقومات ربط السلطة السياسية بالقداسة واعتبارها شأن ديني سماوي، وتم اعتبار الشعب مجرد راعية، والحاكم هو الأب الراعي صاحب السلطة المطلقة الذي لا يمكن مطالبته بتبرير ما يقوم به أو تعرضه للمساءلة أو الرفض من طرف الخاضعين له. إنه نظام سلطاني تقليدي فرمل بكل الوسائل الممكنة «قطار» التحديث السياسي والثقافي، وتمخضت عنه آثارا كارثية ساهمت في اختلال التفاعل ما بين ما هو سياسي واقتصادي وثقافي واجتماعي، الشيء الذي أحدث انطواء نفسيا للأفراد والجماعات من الفئات المهمشة الواسعة على الذات، وحولهم إلى رهينة بين يدي ماض انقضى عمليا.

أما بخصوص الحديث عن التحديث عربيا ومغربيا فقد ارتبط بالسياق الأوروبي الذي عرف تطورا شاملا على مستوى الدولة والمجتمع. وقد انطلق هذا التحديث من مرحلة النهضة التي أحدثت تحولا عميقا بالتركيز على الإصلاح الديني وقيام الحركة الإنسية. وقد توجت هذه النهضة بإنجاز إنساني كبير حرف تداولا واسعا بين الشعوب والأمم، واتخذ مسارين الأول تقني متناغم مع ما هو فكري وفلسفي، والثاني معرفي عم مجالات العلوم الطبيعية والإنسانية والفيزيائية والكيماوية والتكنولوجية،…إلخ. وبالفعل تمكن هذا المسار من قلب التوازنات القائمة في مجال السلطة والسياسة سواء داخل الدول والمجتمعات أو على المستوى الكوني.
وموازاة مع هذه النهضة الغربية، لم تحسم المسألة النهضوية بالعالمين العربي والمغاربي بشكل واضح، بل استحضر سؤال التحديث برهاناته وآفاقه عند النخبة نوعا من التوفيق ما بين الفكر السلفي المنفتح أحيانا، و المنغلق أحيانا أخرى، والفكر الليبرالي (المحافظ)، توفيق تمخض عنه مسار إصلاحي بمنطق المحافظة والانفتاح النسبي. لكن، الإيجابي في هذا التحول كونه شدد على ضرورة التفاعل الخلاق مع الآخر الغربي والاستفادة من تجاربه. وبالفعل، ساد على صعيد الشعوب ونخبتها، نتيجة هذا التحول، نوع من الاقتناع الراسخ بضرورة ركوب «قطار» التحديث والانفتاح وتجاوز خطابات الثبات والانغلاق. إن ما أظهره الغرب من إمكانيات حقيقية لطرح بدائل حضارية جديدة قابلة للتجديد والتطور، جعل النخبة العربية والمغاربية تعي خطورة استمرار المنطق التقليدي في الحكم، المنطق الذي أدخل المنطقة برمتها في سبات عميق لقرون مضت، الشيء الذي دفعها لطرح الأسئلة المحرجة بشأن أسباب تقهقرها وتراجعها الحضاري والفكري، والتفكير في إمكانية انبعاث فكري جديد يشكل جوابا عن التحدي الحضاري العربي والمغاربي الإسلامي. وأول بواعث هذا التفكير كان هو طرح إشكالية التمييز بين الإسلام كدين، يحمل قيما إنسانية قيمة وخالدة، وبين التفكير الإسلامي المرتبط بواقع المسلمين المسوم بالركود والتخلف والانحطاط والاستبداد، تلاها محاولات لصياغة إجابات برؤية تحديثية، وبمقومات تساعد الفكر العربي والمغاربي الإسلامي على الخروج من مأزقه التاريخي الضيق. وبهذا التحول، تمكن رواد الفكر السلفي من تبرير الفصل العقلاني ما بين واقع المسلمين المتردي والإسلام، وكون هذا الأخير، بمقوماته العقلانية، هو دعامة للدولة المدنية، ومناهض للاستبداد، وأن ما يروج بشأن الخلافة هو شأن مدني لا دخل للدين فيه، وهي من الخطط السياسية التي تركها الإسلام لأحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة. كما قام هؤلاء الرواد بالتبرئة من اعتماد النص الديني في الصراع السياسي، وتسخير تأويله لخدمة مصالح المتصارعين، بل أكثر من ذلك، اعتبروا الثقافة الإسلامية من بين الثقافات المؤهلة للفصل بين السلطتين الروحية والمادية، وبالتالي التأسيس للدولة المدنية في مقابل الدولة الدينية. وبهذا الاجتهاد العقلاني التقى الفكر السلفي بالمشروع الليبرالي الغربي، الذي نجح في نقل الدولة من طابعها الإقطاعي إلى دولة ديمقراطية تقوم على الحرية والمساواة والتداول السلمي على السلطة.
مغربيا، أدركت النخبة المغربية كذلك خطورة استمرار المنطق السياسي التقليدي مبكرا، وكشفت الستار على كون الراهن المغربي لا يمكنه أن يستمر في منأى عن حركية العصر. وازداد الوعي بهذه الحقيقة مباشرة بعد هزيمتي إيسلي سنة 1844 وتطوان سنة 1860 حيث ترسخ الاقتناع بضرورة تجاوز الاعتماد على المرجعية التراثية لإيجاد الأجوبة عن الاشكاليات المطروحة، واحتلت المسألة الدستورية جوهر التحديث عند النخبة المغربية المثقفة وعند القصر وحاشيته، اقتناع عجل به انبهار السلطة المغربية والنخبة المثقفة بالتقدم التكنولوجي للترسانة الحربية لفرنسا وإسبانيا.
2. قوة مراحل التوافق من أجل الإصلاح في مغرب القرن التاسع عشر
بعد استنباط الدروس من معركتي إيسلي وتطوان، عرفت الخطابات والمواقف السياسية بالمغرب تحولا كبيرا، حيث تم ربط الإصلاح بضرورة الاستفادة من تجربة العدو المنتصر بشكل خاص، وأوربا بشكل عام، إصلاح يجب أن يمس السلطة المركزية وجميع المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية. إن التفوق الذي عبر عنه المنتصر، بمقاييس القوة الجديدة التي فرضتها الحداثة الأوربية، دفع النخبة المغربية الحاكمة إلى الاعتراف بضعفها، والتعبير عن ندمها لتمسكها بالمشروع الذي أبان التاريخ عن محدوديته. وفي نفس الوقت جعلها تقتنع كون الاستمرارية (ضمان الاستقرار الداخلي والقدرة على حماية البلاد من الأطماع الخارجية) لا يمكن أن يتم باستمرار البنيات الفكرية التقليدية المتلاشية. وهذا الاقتناع خلق عندها استعدادا كبيرا لسماع الأصوات الداعية إلى الاستفادة من نموذج الحداثة الأوروبية للخروج من التردي الشامل الذي كانت تعرفه الدولة، سلطة مركزية وشعبا. فحتى المثقف المخزني خرج عن صمته حيث قال محمد بن الحسن الحجوي: «النظام الذي تسير به الدول الإسلامية من أقدم أعصرها، قد هرم، ونخرت عظامه، وتشوه وجهه بالأخلاق السافلة الفاشية، وعدم التعلم، فيضطر السلطان لتولية الجاهلين، فلا يحسنون، إذ لا علم، ولا نظام يردعهم، ولا وازع الأخلاق يعظهم… النظام الذي أسسته الدولة العصرية، وجرى مفعوله في العالم، وسمعته حتى حيتان البحر، وطيور الجو، وأسد الأجمام تشوقت إليه، لا وجود له، ولم تتوفر في المغرب أسبابه ومعداته». ونتيجة لهذه الصحوة، تم الوقوف على الكثير من خصائص التخلف ومكامن الضعف في مغرب القرن التاسع عشر: أجهزة حكومية وإدارية عتيقة ومتفككة، بورجوازية غير فاعلة، استبداد قبلي وعشائري وعسكري، ضعف تكوين الموارد البشرية، تفكك العلاقات الاجتماعية، وجمود فكري وثقافي، نظام تعليمي بدائي وتقليدي يحارب العقل، ترسيخ الشعوذة والأسطورة والسحر،…إلخ. يتم تشخيص هذا الانحطاط في فترة كان فيها الغرب يزخر بالثورات المعرفية الكبرى في علم النفس (فرويد)، والبيولوجيا (داروين)، والفلك (كوبرنيك)، وعلم المناهج (ديكارت)،…إلخ. كما انبهرت النخبة المغربية أمام التقدم التكنولوجي لأسلحته وتقدمه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، الشيء الذي جعلها تستسلم لضرورة الإنصات لنبض الراهن بخبراته الجديدة ومعارفه الحديثة وثوراته العلمية الكاسحة في جميع المجالات، حيث تم ربط الإصلاح بإلحاحية الانفتاح على الضفة الشمالية كخيار حضاري. إنه اعتراف النخبة المغربية المثقفة والنظام السياسي بالخلل العميق الذي أصاب كل بنيات الدولة والمجتمع. يتم هذا الاعتراف، بعدما تم اعتبار النموذج الغربي فيما قبل مرجعا مرفوضا دينيا (مرجعية كافرة). لقد تم الانقلاب على هذا الموقف في وقت قياسي، حيث تم اعتبار الاقتداء بالشمال بمثابة المخرج الوحيد من التردي الذي ساد في كل البنيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وبذلك تحول الاحتراز إلى انفتاح في وقت أصيبت فيه هيبة المغرب بضربة قوية أبانت على ضعفه وجموده. هذا الوضع المتلاشي أحدث لأول مرة شراكة قوية قامت بين النخبة السياسية والثقافية والفكرية والنخبة الدينية وجهاز المخزن كسلطة حاكمة، شراكة عبرت عن إجماع وطني في شأن الاعتراف بضعف الدولة المغربية، وعدم قدرتها على بسط سلطاتها على القبائل المترددة، وعلى إقرار الأمن والنظام وضمان حماية استقلال البلاد،…إلخ، وعلى ضرورة الاقتداء بالشمال من أجل التحديث.
3. الحماية والتشبث بالملكية والإجماع الوطني من أجل تحقيق الاستقلال
إن وضع الدولة المتلاشي وضعفها في كل المجالات، حول خضوع المغرب للحماية أمر محتوم حيث سادت الحاجة إلى الإصلاح من خلال الاستفادة من تجربة العدو المنتصر بدءا من إصلاح الهياكل المخزنية المتلاشية، ثم المرور إلى المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعسكرية. فالشلل العام الذي عرفته البلاد إلى منتهى القرن 19، وما راج بشأن «الغمة» المغربية (أجهزة حكومية عتيقة يتحكم فيها وزراء وحكام وقادة لا علم لهم ولا تكوين، والحكم لا يخضع لا لدستور ولا لقانون ولا لمؤسسات،…)، جعل الفقهاء يعتبرون اللجوء إلى الحماية والحاجة إلى إصلاحاتها بمثابة «ضرورة»، وقدموا من أجل ذلك تبريرات وتعليلات بمتطلبات الإصلاح. إلا أن بعد مرور سنوات معدودة تحولت الحماية إلى استعمار، ولم تقم السلطات الاستعمارية إلا بإعادة بناء النموذج السياسي التقليدي أكثر مما أدخلت عليه من إصلاحات تحديثية مستوحاة من التجربة الأوروبية. لقد لجأت هذه السلطات إلى الحفاظ على نفس المنطق التقليدي لأنها كانت تعتبر أي تحديث بمثابة تهديد لوجودها فوق تراب المغرب، ولأن التحديث في نظرها سيسرع بناء مؤسسات حديثة قادرة على تحقيق استقلال الدولة.
وأمام هذا الوضع، ستلتحم الحركة الوطنية بالعرش، وستقود معركة كبيرة في التحرير الثقافي والسياسي سيمكن البلاد من إنتاج خطاب وحدوي متماسك بأبعاد هوياتية لمواجهة المستعمر. وبالفعل تم تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال الصادرة بتاريخ 11 يناير 1944، حيث كانت بمثابة العقد السياسي الأول بين المؤسسة الملكية والحركة الوطنية. وتوج هذا التحالف مرة أخرى بنتائج جد ايجابية، حقق من خلالها المغرب استقلاله السياسي، ومكن الملكية من جديد من تقوية شرعيتها السياسية، حيث كان حدث مطالبة الحركة الوطنية برجوع الملك المرحوم محمد الخامس من منفاه تعبيرا عن قوة الالتزام السياسي في البلاد، التزام حول المجتمع بأسره إلى كتلة واحدة في مواجهة الاستعمار. وتوجت ثورة الملك والشعب باتفاق تاريخي ما بين الحركة الوطنية والملك من أجل بناء «الملكية الدستورية» والدولة المدنية الديمقراطية.
4. المغرب ما بعد الاستقلال وقوة لحظات التوافق السياسي سنوات السبعينات
مباشرة بعد الاستقلال، وما عرفه من تحولات جديدة في منطق الحكم في عهد المرحوم الحسن الثاني، التزمت القوى السياسية الوطنية بالنضال من أجل الديمقراطية والحرية والحداثة. إنه قرار بارز كان وراء تقوية عزم القوى الديمقراطية على النضال من الداخل من أجل إجلاء الغموض الذي أصبح يكتنف العلاقات السياسية بين الفاعلين في المغرب المستقل. وتمخض عن تشبث طرفي الصراع بمواقفهما واختياراتهما دخول نظام الحكم إلى مراحل عصيبة، تميزت بتوتر العلاقات مع المحيط الدولي ومع المعارضة في الداخل. وكانت نتائج الإخلال بشروط التوافق والتعاقد جد مأساوية للطرفين، حيث قدمت المعارضة التضحيات الجسام. ومع ذلك بقي الباب مفتوحا من أجل التواصل والبحث عن إيجاد صيغ جديدة للتقدم في المفاوضات بشأن الإصلاحات الدستورية والسياسية.
هكذا، مباشرة بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية بخصوص الصحراء المغربية، تمت العودة إلى التوافق من أجل تحقيق الإجماع الوطني للدفاع على الوحدة الترابية. إنه حدث تاريخي بارز توج بدخول البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة، تميزت بحدث التقارب ما بين المعارضة والملك، وبالقرار التاريخي لتنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975، وبتقوية التفاوض السياسي سنة 1977، الذي كاد أن يدخل البلاد إلى مرحلة سياسية متقدمة لولا أن جيوب المقاومة تدخلت مرة أخرى وأجهضته تشبثا منها بالحفاظ على مواقعها ومصالحها.
5. مغرب ما بعد الثمانينات والإنضاج النسبي لشروط التحول السياسي
مباشرة بعد إجهاض التقارب ما بين المؤسسة الملكية والمعارضة في سنوات السبعينات، توالت الانتكاسات على مستوى الدولة والمجتمع، حيث عرف المغرب في الثمانينات بداية أزمة اقتصادية خانقة واحتقان اجتماعي عام جراء تطبيق برامج التقويم الهيكلي. وتفاقمت الأزمات إلى أن أعلن المرحوم الحسن الثاني رسميا أن البلاد مهددة ب»السكتة القلبية». ومرة أخرى، سيفتح الباب للتفاوض من أجل التوافق، والذي سيتوج بتنصيب حكومة التناوب التوافقي برئاسة المجاهد عبد الرحمان اليوسفي. إنها مرحلة محورية مكنت الملكية من ربح الرهان مجددا، وأن تعود إلى المشهد السياسي بقوة، مع تأمين انتقال العرش بسلاسة إلى الملك محمد السادس (العهد الجديد). وبعد حصيلة حكومية إيجابية نسبيا، وتمكين البلاد من تجاوز مرحلة الخطر، أجهض التوافق مرة أخرى، ودخلت البلاد مرحلة المخاض حوصر من خلالها قائد سفينة التناوب التوافقي المناضل الوطني عبد الرحمان اليوسفي، الذي لجأ إلى بروكسيل ببلجيكا، وألقى خطابا في غاية الأهمية، اعتبره المتتبعون بمثابة وصية للشباب. لقد كانت تجربة التناوب التوافقي ذات رمزية سياسية وتاريخية كبيرة، ببرنامجها وحصيلتها وحمولتها السياسية. لقد آمن اليوسفي بأهمية النضال الديمقراطي من الداخل، وعنون قيادة حزبه لهذه التجربة بشعار «التوجه نحو الديمقراطية والحداثة عبر خطوات تاريخية إلى الأمام، والقطع مع ممارسات الماضي»، لكن يقول اليوسفي بلباقة كبيرة كعادته «نجد أنفسنا مرة أخرى أمام متطلب وطني يلزمنا بالانتظار». أكثر من ذلك، بقي حزبه يساير التحولات، ويشارك في تقويم السياسات، ويطالب بالمزيد من الإصلاحات الدستورية والسياسية، ويناضل من أجل التقدم إلى الأمام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. ووعيا منه بمتطلبات المرحلة، كان سباقا لملامسة مؤشرات الاحتقان السياسي والاجتماعي سنتي 2008 و2009، وحاجة البلاد إلى تفاعل سياسي خلاق يساير المنجزات السياسية الحديثة، الشيء الذي دفعه إلى تقديم مذكرة انفرادية للإصلاحات الدستورية سنة 2009.
وبالفعل، كان حدس الاتحاد الاشتراكي في محله، حيث أثبت التاريخ مجددا أن تقديم مذكرة الإصلاحات الدستورية كان لها وعي عميق بمتطلبات المرحلة، والتي كان عنوانها البارز حدوث تحول مجتمعي حقيقي بدأ يعبر عن إرادة شعبية في التغيير والتعبير، إرادة لم تعد تقبل بالمشروعيات البديلة سواء كانت دينية أو تاريخية أو عسكرية أو قبلية أو طائفية أو عشائرية،…إلخ. كما أثبت التاريخ كذلك، أن خيار النضال الديمقراطي من الداخل كان له الفضل الكبير في تطور النظام السياسي بالمغرب، حيث أصبحنا نلمس أن التناوب فعلا في طريقه إلى الاستقامة والتماسك بفضل الجهود التي بذلتها المعارضة خارج وداخل السلطة. كما أصبحنا نلمس نوعا من التحويل النسبي للصراع السياسي إلى المجتمع (الصراع الأفقي) بعدما كان عموديا، حيث أن الممارسين للسلطة أصبحوا اليوم يبذلون الجهود من أجل البقاء فيها، كما نلمس كذلك أن الموجودين خارجها يسعون بكل جهد من أجل الدخول فيها.
خاتمة
لقد أكد التاريخ أن المعارضة التاريخية بالمغرب لم تكن قط معارضة «تكميلية» ترسم لها نوع من الخطوط الحمراء التي تقف عندها ولا تتخطاها أبدا، بل همها وانشغالها التاريخي كان ولا يزال هو النضال من أجل الديمقراطية والحرية والحداثة وتحرير التفاعل السياسي. بفضل هذا النضال من خارج السلطة وداخلها، تمكنت البلاد من التوفر على طبقة وسطى ذات إطلاع وطني عال، ولها مصلحة في تحسين كيفية إدارة الأمور السياسية، وتطمح إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة (حسن التسيير والمردودية).
وبذلك، فالإرث النضالي الكبير، الذي أسسته وراكمته مكونات الحركة الوطنية، لا زال يزخر بالدروس والعبر والمنجزات. فالأحداث التي سجلها التاريخ بخط بارز في صفحاته تتعلق كلها بما عرفه المغرب من تحولات في تفاعل خلاق مع المنجزات السياسية الحديثة. لكن، ما يلاحظه المتتبعون من بطء في التقدم في إنجاز الأهداف السياسية الكبرى التي ينتظرها الشعب، فهو راجع إلى ضعف الآليات المؤسساتية والمجتمعية لتقوية الثقافة السياسية الشعبية من أجل دعم الديمقراطية والحداثة، وبالتالي تمكين المواطن من التمييز الواضح ما بين التقليد ومساوئه والحداثة وإيجابياتها. وقد نعتبر بشكل من الأشكال، أن تحريك الربيع العربي إلى المغرب قد ساهم نسبيا في الزيادة من سرعة «تقليب» المياه التي وصفها البعض تعسفا ب»الراكدة». على أي، لقد تحرك فعلا الشعب المغربي، لكن هذا التحرك ليس استثنائيا، بل تم في إطار مسار نضالي مستمر جعل مياه البلاد في تحرك دائم. لكن، بالرغم من هذه الحركية، ما يمكن أن نقر به اليوم هو حاجة المشهد السياسي إلى التقاطب، وهذا الأخير يحتاج إلى جبهة قوية لدعم الحداثة والديمقراطية، جبهة تسرع وثيرة بناء الدولة المدنية الحديثة، وتقطع نهائيا مع القيم السياسية القديمة الموروثة عن الماضي، وتحسم بشكل نهائي مع ظاهرة الاستغلال السياسوي للدين الإسلامي، وتؤسس لقيم سياسية حديثة ترتبط بالفكر السياسي الحداثي، كما ناضل من أجلها أجيال الحركة الوطنية المتعاقبة.
إن الدستور المغربي الجديد، الذي يعتبر تتويجا لمسار نضالي طويل من الداخل، قد تجاوز ما كان يعتبره المتتبعون دستورا داخل دستور (الفصل 19 في الدساتير السابقة)، وما أصبح مطلوبا بإلحاحية كبيرة هو تنزيل مقتضياته بهندسة حديثة تزكى وتكرس في الواقع والممارسة. إنه الرهان المصيري لمرور البلاد إلى مرحلة نجاعة ونزاهة تكوين المؤسسات، وبلورة برامجها، وتعميق دمقرطتها وتحديثها، وعقلنة آليات تنفيذها، وتقوية مردوديتها ووقعها على المجتمع والدولة (توطيد مبدأ فصل السلط وتوازنها، توطيد سيادة القانون والمساواة، الحسم مع مسألة نزاهة الانتخابات، تقوية نجاعة فعل البرلمان والحكومة، تعزيز استقلالية ونزاهة القضاء، تقوية دور الأحزاب السياسية، تقوية آليات تخليق الحياة العامة، ربط السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة،…).
ما من شك، أن إستراتيجية النضال الديمقراطي من الداخل قد أعطت أكلها. لقد مكنت المغرب من تقوية التوافق حول ما يخدم مصلحة المغاربة، وحالت دون تحويل ربيعه إلى شتاء عاصف، وجعلت من ثورة الملك والشعب، بالرغم من الهفوات التي تم تسجيلها من مرحلة لأخرى، ثورة دائمة ومتجددة. بالطبع هذا التطور التوافقي يحتاج إلى أن يتحول إلى منظومة مؤسساتية قارة تستجيب لتطلعات النخبة المغربية، وتقدم الأجوبة الشافية على سؤال الإصلاح والديمقراطية وانخراط الشعب المغربي بوعي شديد في المسار التحديثي بدلالاته المستمدة من الحداثة كمنظومة متكاملة.
إن ما وصل إليه المغرب لا يمكن التنقيص من قيمته. لقد عاش حركة إصلاحية مستمرة، ابتدأت بواعثها الأولى خلال القرن التاسع عشر (بعد هزيمتي إيسلي وتطوان)، واستمرت التراكمات والتطورات إلى درجة أصبحت اختيارا وحتمية تاريخية لا مفر منها، ولا يمكن الانقلاب عليها ما دامت مؤشرات تقوية الثقة بين الفاعلين السياسيين مستمرة. وفي هذه الحتمية، تحتل مسألة التحديث السياسي الصدارة على باقي المجالات، لأن عدم التقدم في تحقيق المكتسبات والتراكمات في شأنها سيتحول إلى عائق أمام كل أشكال التحديث الأخرى في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،…إلخ. الواضح اليوم، أننا انتقلنا نسبيا إلى وضع تجاوزت فيه المعارضة مطالب التغيير بمطالب الماضي، وأصبحت فاعلا أساسيا في وضع متقدم ديمقراطيا نسبيا، ويسمح إلى حد ما بالتداول السلمي على السلطة. كما أننا في مرحلة لم يعد فيها النظام السياسي يسعى إلى إخضاع التيارات المعارضة واستخدامها. كما عرفت البلاد نضجا ملموسا للاحتجاجات الشعبية في زمن الربيع العربي، وسرعة تفاعل المؤسسة الملكية مع متطلبات الإصلاح الدستوري والسياسي في إطار مسار تراكمي ابتدأ منذ الاستقلال. مغرب العشرية الثانية من العهد الجديد ليس كباقي الدول العربية التي لم تتوفر لعقود إلا على جماعة سياسية واجتماعية سائدة ومعارضة ضعيفة تستخدم ولا تشارك في الحكم، بل هو دولة عرفت صراعا قويا ومريرا انبثقت منه تعددية ذات مرجعيات إيديولوجية، يمكن أن تتحول بدعم مجتمعي إلى أساس لتوطيد التناوب «المنشود». كما يمكن أن نقول أن بلادنا تبتعد يوما بعد يوم عن القيم الاستبدادية بمصادرها المختلفة، وتحتاج في نفس الوقت إلى مجهود نهضوي يساهم في تطور البنية الفكرية والثقافية والاجتماعية للعمل السياسي، مجهود يمكن المغاربة من القدرة على التحكم في مصيرهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتقني بدون تدخل مباشر للقوى الغربية، ومن القدرة على تغليب الإرادة الشعبية في التعبير السياسي على الرأسمال الرمزي الديني.
وفي عبارات أخيرة نقول، أن الحتمية التاريخية لا تنتظر أحدا، وأن التجربة التحديثية المغربية بمسارها الطويل، بإيجابياته وسلبياته، تحتاج إلى دفعة قوية لتكون بلادنا في مستوى انتمائها إلى حظيرة البحر الأبيض المتوسط، السباقة إلى ممارسة التحديث سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وإلى قوة مجتمعية تقف سدا منيعا أمام الجهات التي تستثمر في الدين لشرعنة سلطتها، معرقلة بذلك مسار التقدم في اعتماد الشرعية الشعبية التي تميز نموذج النظام السياسي الحديث. إن إعلان صاحب الجلالة الملك محمد السادس عن بناء المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي في بداية عهده، لا يمكن اعتباره إلا رسالة واضحة للتعبير عن الإرادة الملكية لدعم البناء المؤسساتي بفكر سياسي حديث لا مكان فيه للقداسة والأبوية والإطلاقية، فكر سيجعل من السلطة شأن بشري محض، وترتيب يقره المغاربة فيما بينهم وفقا لإرادتهم كمواطنين كاملي المواطنة. فالتخفيف من أبعاد الفصل 19 في الدستور الجديد، مقارنة مع دساتير 1962 و 1970 و 1972 و 1992 و1996، يعد مؤشرا إيجابيا يدعم الإرادة الشعبية المنطقية للسير قدما في اتجاه ترسيخ مقومات الدولة المدنية الحديثة، توجه سيحد بلا شك من منطق جمود دورات السلطة في فلك التقليد، المنتج لنفس المؤسسات، ونفس الذهنيات القديمة، بنفس المضامين العقائدية والفكرية والسياسية. إنه توجه سياسي منطقي جدا، لأن التحديات المفروضة اليوم على الدول والمجتمعات لا ولن تطيق منطق الانتماء الشكلي للعالم، ولا يمكن اعتبار منظومة التحديث مجرد منظومة «طارئة»، بل أصبحت ضرورة لضمان استمرارية الدولة واستقرارها ورفاهية مجتمعها. إنها مهام جيل جديد لبناء وتحصين الذات، وتقوية التماسك الداخلي، والقدرة على مواجهة التحديات الخارجية المفترضة أو المفروضة، وتفنيد تبريرات دعاة الخلافة الدينية والمنطق الاستبدادي المرتبط بها، والدفاع على الدولة المدنية الحديثة، التي تقوم على الديمقراطية والمؤسسات والتداول السلمي على السلطة، ومواجهة كل من يعتبر الديمقراطية مجرد ترف فكري وسياسي، وألعوبة أنتجها الغرب للسيطرة على العالم العربي والمغاربي. إنها الحاجة إلى ضخ دماء جديدة في شرايين الدولة لتجنيبها خطر التصلب وتحويلها إلى جهاز يفترس أبناءه.

1/24/2013