التسامح وثقافة القوي الغرب الرأسمالي نموذجا

بقلم: محمد بن امحمد العلوي/ عن موقع الفكر المعاصر

 

التسامح كقاعدة
دعوني أقتبس هنا من كلام فولتيربحيث يتساءل عن مفهوم التسامح فيقول : ( ما هو التسامح؟ إنه نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية، إننا جميعاً من نتاج الضعف، كلنا هشّون وميالون للخطأ، ولذا دعونا نسامح بعضنا البعض ونتسامح مع جنون بعضنا البعض بشكل متبادل ) فهو يؤكد على ان التسامح نتيجة لكينونتنا كبشر و ليست سبب . فإلى اي حد يصمد هذا التوصيف امام ما نراه وما نسمعه ؟ فالاقتتال و التعصب و التطرف في الافكار و الرؤى هو ما يسيطر على المشهد .فعندما يسوق لنا تعريف ابن منظور كلمة المسامحة بانها المساهلة و الجذر سَمَحَ باعتباره جادَ وأعطى عن كرم .فهل فعل الكرم و الجود هنا ينمُّ عن معنى التعالي بالنسبة للذي يُعطي و الذل و المهانة للذي يقبض؟ ربما تكون بعض النفسيات تتماهى مع هذا الاتجاه ، لكن الاتجاه السليم للمتمسك بالمعنى الاصلي لغة كجود و كرم ،و اصطلاحا كموقف متفهم للعقائد و الافكار يسمح بتعايش الرؤى و الاتجاهات المختلفة بعيدا عن الاقتتال و الاقصاء. فالشخص المتنازل عن حقه تفضلا للآخر نطلق عليه متسامح و لا يرضى الا ان يكون التسامح عنده لغة للتفاهم و التفاعل كمسطرة قانونية و أداة إجرائية لا يحيد عنها. فالأفكار التي توصل إليها العقل البشري و منها التسامح كقاعدة ضابطة للسلوك، ومنهاج للفهم الصحيح في كيفية التعايش ، ومقياس محدد للأعمال المميزة للكينونة كما عبر عنها فولتير لن تكون لها قيمة إلا إذا مورست وطبّقت.فعندما يكون الضعف هو سمتنا كبشر فلا معنى لاعتباره كابحا للعطاء و الانتاج ،فالضعف مبرر كحالة بشرية لكن لنا في الحضارات الفانية و الباقية نبراسا في عظمة الفكر و عمقه و ايضا اصالته في إنتاج قيم للنهوض و الاستماتة على النجاح و التفوق منها التسامح . فلا معنى لعظمة الفكر، ولا قيمة لصدقه ولا ميزة لعمقه، إذا أبقيناه في حيز النّظر وفشلنا في ممارسته في الحياة .نعم من الممكن ان تكون هناك اخطاء نابعة من جهل او تجاهل للمعنى الحقيقي للتسامح ،لكن هذا لا يلغي تحمل المسؤولية في الدعوة الى مثله و التحلي بصفاته.
التسامح المنطلق و التأسيس
عندما نعود للفكرة التي طرحها فولتير نحاول مساءلة الثقافة التي انتجته و الحضارة التي ترعرع بين احضانها، لنجد بانه العالم الغربي المتشبع بالثقافة الرومانية المتسمة بالسيطرة و القوة .هذه الثقافة التي تدخلت بشكل مميز في تشكيل العقل الغربي و الحضارة الرائدة و القائدة في التاريخ الحديث بما ابدعته فكريا و تكنولوجيا و اقتصاديا .لكن الى اي حد كان الفكر الغربي وفيا لمثله و قيمه الحضارية التي دعى اليها مفكروه ؟ المسألة هنا لاتحتاج الى إعمال كبير للفكر يكفي ان نستقرئ بعض الاحداث على المسرح الدولي قديما و حديثا لنستنتج ان الفكر و الممارسة عند الغرب سياسيا بينهما بون شاسع.فعلى سبيل المثال لا الحصرنجد ان إعلان الثورة الفرنسية ¬يقول بأن: “الناس يولدون ويبقون أحرارا ومتساوين في الحقوق” 1 لكن في الممارسة تطغى فكرة الاستعباد و الاستعلاء و لنا في بلداننا خير شاهد على معاملة الغرب الاستعمارية و استغلال لخيراتها بشكل يضرب تنظير مفكري عصر التنوير في الصميم . و فكرة التسامح قديمة عند الغرب المسيحي تجد تسويغاتها النظرية قد بدأت بفترة حركة الإصلاح الديني للخروج من الحروب الاهلية ،نتيجة الصراعات العنيفة بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية وانفصالهما فكان الحل هو تكريس مبدأ التسامح الديني ليتطور الى قيمة اخلاقية تشتغل على الحرية الفردية في الميادين السياسية و المجتمعية و الثقافية .و لنا في مرجع جون لوك بعنوان “رسالة عن التسامح” الذي يعدّ من أوائل الأعمال التي دعت إلى التسامح الديني و فصل الدين عن الدولة ففي أواخر القرن السابع عشر، نشر الفيلسوف التنويري الانجليزي، جون لوك، كتاب «رسالة في التسامح» بدون توقيع اسمه خوفا مما قد يتعرض له من ردود فعل غاضبة قد تهدد حياته، لأنه دعا في كتابه الى القضاء على بنية التفكيرالأحادي المطلق، وروح التعصب الديني المغلق، واقامة الدين على العقل، وبناء منظومة حقوق تؤسس لمفهوم التسامح تعتمد مبدأ فصل المهام بين دور الكنيسة ودور الدولة، ومبدأ المساواة في الحقوق بين جميع الطوائف الدينية.و يقول جون لوك في الكتاب :”يجب ان تتخد الكنائس من التسامح أساسا لحريتها ، و أن تعلم أن حرية الضمير حق طبيعي لكل إنسان يخصها كما يخص المنشقين عنها و أن لا إكراه في الدين سواء بالقانون أو بالقوة “2 و في مقطع آخر يقول : “و لنجنب حياة الانسان و بدنه و بيته و عقاره الآلام الناشئة عن التحيز” 3. و من هذا المنطلق الفكري لهذا المفكرالذي يعتبر من منظري عصر التنوير، نجده يركزعلى ان التسامح اصبح من مرتكزات البشرية في علاقاتها افرادا و جماعات و وحدات سياسية . و لابد من وضع هذا الفهم تحت منظار التجريب و الاختبار بين ما هو تنظير و ما يدخل تحت الممارسة.
إكراهات خطاب التسامح
إن المجتمع الغربي على مستوى الممارسة السياسية التي تحكمها النزعة الاستعمارية و النظرة الاستعلائية للمجتمعات و الحضارات الاخرى ، و كذا على مستوى الموروث الثقافي للعقل الاوروبي نرى انه يمتلك في خطابه الحضاري نوع من الشيزوفرينيا بين المنطوق و الفعل على ارض الواقع. فنظرية التسامح تؤسس لأرضية قبول الآخر بثقافته و قيمه و حضارته و الاعتراف بالاختلاف،لكن عندما يسارع المجتمع الغربي بنخبته السياسية و بعض مثقفيه و عامته الى استعمال الحجر الفكري و الديني على الآخرين و إجبارهم على التخلي عن هوياتهم و ثقافتهم وعقيدتهم بشتى الوسائل بما فيها وسائل الاعلام ،فهذا يضرب مبدأ التسامح في الصميم وينقض النظرية من الاساس.فالغرب هو الذي اسس لهكذا مبدأ دون ان يجبره احد ،فإعلان مبادئ التسامح الذي اعتمده المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة والعشرين، باريس 16 نوفمبر1995يعلن إن الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة إذ تضع في اعتبارها أن ميثاق الأمم المتحدة ينص علي أننا “نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا في أنفسنا أن ننقد الأجيال المقبلة من ويلات الحرب… وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره… وفي سبيل هذه الغايات اعتزمنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح وأن نعيش معا في سلام وحسن جوار”.4 لكننا ننظر بريبة الى هذا المنحى و نحن نسمع و نرى التدخلات السافرة في دول و مجتمعات بدون اعتبار للخصوصية و الهوية الوطنية و الثقافة بحجة القيم العالمية ،و اذا أردنا التوسع في مفهوم التسامح عند الغرب لابد من ان نسوق ما يقوله الاعلان العالمي لحقوق الإنسان “أن التربية يجب أن تهدف إلي … تنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية”5 فالمادة صريحة في نبذ العنصرية و عدم نسج المؤمرات و الحروب باسم الدين او أي قيمة إنسانية رفيعة كالتسامح و لنا في ما وقع عقب احداث 11شتنبر 2001خير معين على فهم طبيعة الركون إلى افتراضات تعتمد على حسن النية ، بحيث مباشرة بعد التفجيرات تعالت اصوات من جميع الجهات الغربية تقريبا تسكب الزيت على النار و تلصق تهمة التعصب و الارهاب بديانة وحضارة كانت سباقة الى إرساء أسس التفاهم و الحوار .فهاهو سيلفيو برلسكوني يؤكد على ( أن الحضارة الغربية أعلى وأفضل من الحضارة الإسلامية ) ،وعلى الرغم من نفيه لهذا التصريح الا ان الوضع العام و ما افرزه من حروب اعتبرت حضارية او ثقافية يذهب في اتجاه التأكيد على التناقض بين نظرية التسامح كفكرة و التطبيق كممارسة. فعندما نقرأ عن تعريف التسامح بأنه “. يعني الاحترام والقبول والتقدير للتنوع الثري لثقافات عالمنا ولأشكال التعبير وللصفات الإنسانية لدينا. ويتعزز هذا التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد. وأنه الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبا أخلاقيا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضا، والتسامح، هو الفضيلة التي تيسر قيام السلام، يسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب “.6 نرى هنا أن التسامح ارتقى الى مرتبة الواجب القانوني و السياسي الذي يؤكد على ثقافة السلام مقابل مبررات الحرب ،وهنا ايضا نحتكم الى الممارسة لنجد ان الايمان بفكرة التسامح تبقى حبيسة الادبيات السياسية و تأكيدات المنظمات الدولية دون تفعيلها.و بالتالي يمكن الجزم بأن الغرب نظر للفكرة و ادخلها قاموسه السياسي لكن دون ان يؤمن بفعاليتها فما تجذر في الوعي الغربي من مفاهيم محركة لسياساته الدولية المبنية على السيطرة و الإخضاع يصعب معها إدماج مفهوم التسامح دون اصطدام مع تراكمات فكرية و سيكولوجية أسست لقواعد أصيلة في التعامل مع وجود استثناءات خجولة و لن نستثني منها ما أطلق عليه الحروب الصليبية شكلت حواجز يصعب تجاوزها .ففكرة التسامح لابد لها من المرور من شبكة معقدة من المؤسسات لكي تتركز في الذهنية الغربية وتمحو كل اشكال المقاومة لهذا المبدأ.و هذا ما يؤكده الاعلان بحيث يقول: “.ينبغي إجراء الدراسات وإقامة الشبكات العلمية الملائمة لتنسيق استجابة المجتمع الدولي لهذا التحدي العالمي، بما في ذلك دراسات العلوم الاجتماعية الرامية إلي تحليل الأسباب الجذرية والإجراءات المضادة الفعلية، والبحوث وأنشطة الرصد التي تجري لمساندة علميات رسم السياسات وصياغة المعايير التي تضطلع بها الدول الأعضاء” . 7 فالغرب تحركه النزعة المادية و يصعب اقناعه بصوابية قيمة التسامح خارج إطار المنفعة ،فالتسامح كقيمة روحية التي تبتغي السمو الروحي غائبة عن الثقافة المكيافلية المتحكمة في العقلية الغربية .و بالتالي فإن الحضارة الغربية الرأسمالية تفتقد الروح ونتيجة لذلك فهي غارقة في نرجسيتها بما تعنيه من حب النفس، و اضطراب في الشخصية وغرور وتعالي، وشعور بالأهمية ومحاولة الربح ولو على حساب الآخرين. و هذا ما يؤكده الصحفي الأمريكي المشهورجون غونتربقوله “إن الإنجليز إنما يعبدون بنك إنجلترا ستة أيام في الأسبوع ويتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة.” 8 بلا شك هذا هو الخواء الروحي الذي يفتقد الى قيم من قبيل التسامح،فهذا المبدأ يروج له الغرب على أساس استعلائي و مجرد من أساسيات الاختلاف الطبيعية كفطرة و ذوق سليم . فالتسامح كنظرية في ثقافة الغربيين لا يمكن ان تستقيم مع مبادئهم المبنية على المصلحة و الامن المادي أكثر منه معنوي و روحي والشاهد على هذا ما جاء على لسان البروفسور دون فان إيتن أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا الذي يقول: “لا شك في أنّ عقيدتنا الرأسمالية بلا خلق ولا دين، هكذا هي منذ أن ولدت حتى يومنا هذا.”9
رؤية و أفق
و في الاخير هل سنكون سلبيين امام إغراء مفهوم التسامح و نتجاهل وجوده بحجة صعوبة تطبيقه ؟ لا اظن ذلك فلابد من تكريس ثقافة التسامح التي تجعل جميع الفرقاء مسؤولين امام استحقاقات الوجود الوطنية والكونية ، واجبات اخلاقية تأكيد قيم المصالحة و التعاون في إطار من احترام الخصوصيات الوطنية . فالتسامح اليوم ليس فضيلة فحسب بل هو ضرورة وجودية اجتماعية وثقافية وسياسية ، وذلك من أجل تحصين واقعنا أمام كل مخاطرالدغمائية و التعصب الاعمى الذي يمكن ان يحيط بنا و يستهدف وجودنا ومكاسبنا وتطلعاتنا .