السلطة الثقافية..

مقاربة لصورة المثقف في العصر الحديث

بقلم: د. أحمد بابانا العلوي…/…عن موقع الفكر المعاصر

الثقافة كلمة تعني الاستقامة وإقامة الإعوجاع ، وقد اتسع معنى اللفظ وتعددت مفاهيمه وإطلاقاتها لتستقطب كل ما يؤدي إلى الاستقامة في ميادين الفكر و الروح و العقل ..

ومن هنا جاء هذه الشمولية التي لا تعرف حدا ، و التي تتسع دائرتها ، بمقدار قابلية الفكر، والعقل والروح … للتطور و الشمول ، و الانطلاق .

وانطلاق الفكر في مجال الحياة ، هو الوسيلة الكبرى للتثقيف، وذلك هو سر تجدد، مفاهيم الثقافة، وتطورها و شموليتها ….(1)

إن الثقافة هي المظهر الأمثل ، لفكر الإنسان ، ووجدانه ، و تطلعاته في الحياة ، و رغبته الدائمة ، في التطور و التمييز ..

، فالثقافة إذن تترجم جهد الإنسان الخلاق المنبعث من الشعور و الوجدان و هي من أجل ذلك ذات منحىكوني ، لا تدرك غايته إلا بقبول التنوع و الاختلاف على أساس ، من حرية الفكر ، و الضمير، و احترام القيم الأخلاقية ، و الحضارية ، لأن الخطأ ، و الانحراف ، عن سبيل الحكمة الحق إنما يأتيان _ كما يقرر أهل الفكر ،_ من التسلط و ابتسار الأحكام ومن المعرفة الزائفة التي لا تقام على أساس عقلي ، كما يأتيان من تحكم العادات المقبولة على علاتها، في مجال الفكر الخالص. (2)

إن التحولات ، التي يجتازها العالم المعاصر ، سواء في مجال، الأفكار و المذاهب أو في المجال السياسي و الحضاري تتطلب الوضوح في الرؤية و الشمول في المعرفة، فالثقافة وعي و رؤية وقيم.. والمثقفون هم الدين ينتجون الأفكار و المبادئ ، و يصنعون المذاهب ،ويؤثرون في تشكل المجتمع وتطوره..

وحول دور المثقفين (أي دور الأفكار ) في ترقية العقل و الذوق في سبيل تحقيق المثل العليا،صدر العديد من الدرسات و الكتب و الرسائل تناولت المثقف ، و رسالته من الجوانب المختلفة ، الثقافية والسياسية ..

يقول الأستاذ أمليل ، بأن عبارة “دور المثقف” ، عبارة تحيل إلى مفهوم حديث للكاتب ، صانع الأفكار و مروجها و إلى وعي هذا الأخير ،ودوره ، في التأثير ، باتجاه التغيير نحو ما يراه أفضل.

و لعل القرن الثامن عشر الفرنسي ، هو الذي عبر فيه كتابه عن المفهوم الحديث للكاتب باعتباره ، حاملا الحداثة ، ابتداء من صناعة لكتابه التي عليها أن تقطع مع التقاليد في المعارض والطريقة وباعتباره داعيا إلى التحديث الاجتماعي و السياسي (3)

إذن، في القرن الثَامن عشر تبلور وعي جديد للكاتب ، فهو صاحب معارف جديدة، متبحر في العلوم، و يقوم بفحص ، و تمحيص المصادر البديلة ، و استخراج الوثائق الدقيقة و إحياء الروايات المنسية والمهجورة معتمدا على فكر نقدي يحلل به بنية المجتمع ، و نظام السياسة..

و يرى جرار ليكريك، أن و وظيفتهم تعود إلى العصور التي شهدت ميلاد الكتابة ، و الدولة ، بحيث تقوم وظيفتهم على إنتاج الخطابات الضامنة لهوية الجماعة ، و القيم المركزية السائدة فيها…(4)

أما الفيلسوف غرامشي فيرى بان لكل مجموعة اجتماعية ، جماعة من المثقفين ، وظيفتهم . القيام لها بدور الهيمنة ووسيلة للسيطرة وتحقيق الانسجام داخل المجموعة و بذلك يتحدد وضع المثقف من خلال المجموعات الاجتماعية التي يخدمها ،ومن خلال ، الدور الذي يقوم به في السياسية، و الصيرورة التاريخية…(5)

المؤرخ جاك لوكوف ((jacques legoff يقول في كتابه : (المثقفون في العصر الوسيط .) بأن ظهور أهل العلم ، و الأدب و الفن مقترن بنهضة المدن في أوربا في القرن الثاني عشر الميلادي بحيث لم يكن قبل هذا القرن في الحواضر الرومانية التي كانت مقرا للأسقفيات، سوى عدد قليل من العوام (laicat) يحيطون بهم كهنة أكثر منهم عددا…

ثم يضيف أنه استجابة لمتطلبات الحواضر الإسلامية من المواد الأولية من الغرب البربري (أي المتخلف، المتوحش) ، نشأت و تطورت مدن جنينية(portas) مستقلة أو متصلة بجنبات الحواضر الكهنوتية أو “المحلات” العسكرية و ذلك منذ القرن الحادي عشر غير أن هذه الظاهرة لم تبلغ ، ما يكفي من الاتساع و الانتشار إلا في القرن الثاني عشر حينما غيرت البنيات الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية في الغرب لقد إنضاف إلى هذه التحولات العميقة تحولات أخرى ثقافية فنتج عن هذه الأنواع من التفتح و النهوض، نهضة فكرية…

لم يكن للعلم في أوريا قبل القرن الثاني عشر خارج الأديرة، وحتى داخل هذه الأديرة ، لم يكن يتجاوز، استنساخ المخطوطات …، و مع نشأت المدن واتساع العلاقات مع العالم العربي الإسلامي بدأت الحياة تنتعش ، و بدأ الوعي ، بما يحدث من تطور ، ثقافي و فكري يعبر عن نفسه ، شيء جديد (حديت)، قوامه الإرتباط بعلوم القدماء المتحررة و المتسامحة و المنفتحة ، على نقيض علوم الكنيسة……(6)

لقد جاءت المخطوطات العربية ، إلى الغرب المسيحي ، بالثقافة اليونانية – العربية و أدت ترجمة المؤلفات العربية إلى خلق وعي جديد ، و جيل من المثقفين ، كان معاصريهم يسمونهم ب

“المحديثين” ( les modernes )

كانت الرغبة في النهوض و التجديد ، هي التي حركت الهمم بحماس في الاضطلاع على علوم العرب، من أجل سد النقض في الثقافة الأوروبية اللاتينية ، خاصة في الفلسفة و العلوم.

وقد أخد المثقفون الأوربيون من الثقافة العربية ، الإسلامية مناهج التفكير التي ستطبع الفكر الأوروبي، وستشكل قوته أي وضوح لاستدلال و الحرص على الدقة العلمية …

إن اتصال أوروبا بالعرب عن طريق القوافل التجارية كان وراء نشأة المدن و نمويها، كما تلقت أثار الثقافة العربية.

الذي كان وراء اليقظة الفكرية و الحركة العلمية ، التي شهدتها المدن الأوروبية في القرون الوسطى (حركة الترجمة ،قيام الجامعات ،وا؛لإنكباب على دراسة العلوم و الفلسفة).

لقد ساهم التراث العربي المترجم إلى اللاتينية في ظهور فئة من المثقفين الأوربيين (فلاسفة) الذين إنخرطوا في القضايا السياسية ،بخطاب مستعار ، من فلسفة ابن رشد ..

وبهذا الصدد ،يؤكد ألن دي ليبرا في كتابه ( المثقفون في العصر الوسيط ) بأن (الرشدية اللاتينية ) برزت باعتبارها خطاب ” المثقفين الجدد” الذين هيمنوا على الحياة الثقافية ،في أوروبا ، خلال القرنين الثالث عشر و الرابع عشر ، لقد وظف هؤلاء الذين عرفوا “بالرشدين اللاتين” نظرية ابن رشد في الفصل بين الدين و الفلسفة حيث بين أن للدين بناء ، مستقل بنفسه له أصول الخاصة ، و أن للفلسفة، كذلك بناء مستقبل بنفسه لها هي الأخرى مقدماتها الخاصة .

وأن التقاء البناءين وتآخيهما و تكاملهما أمور يجب أن تلتمس في الأصول لا في البناءين ، بل في الغاية ، و الهدف ، من حيث أن كلا منهما، إنما يرمي في نهاية المطاف إلى تحقيق الفضيلة.

لقد تلقف الرشد يون اللاتينين ، هذا التصورا و الفهم وقرؤوه على ضوء مشاكل الثقافة المسيحية فقالوا ب ” نظرية الحقيقتين “ونسبوها إلى ابن رشد (7)

كان الغرض من هذا التوظيف ، لنظرية ابن رشد في علاقة الدين بالفلسفة إثبات أن سلطة العقل، مستقلة عن سلطة الكنيسة الشيء الذي مهد إلى المناداة بالفصل بين الكنيسة و الدولة.

و الخلاصة ، أن تأثير الثقافة العربية الإسلامية في القرون الوسطى أدى إلى التغيير في الروح والخيال العالم الذي كانت تسيطر عليه عليه الإمبراطورية الرومانية ..

كان أثر الثقافة العربية ، أثرا مباشرا على الأذواق و الأفكار و الموضوعات و الدواعي النفسية والأساليب اللغوية التي تستمد منها الآداب.(8)

هكذا ظهرت فئة المثقفين باعتبارهم ، من يبدع ، ويوزع و يمارس الثقافة ، فهم ورثة الرهبان والكهنة في العصر الوسيط الذين يحفظون قيم المجتمع و ثقافته الرمزية ، فينتجون ، ويجددون في المجال الثقافي و الجمالي و الأيديولوجي، فالمعرفة تنتج القوة أي أنها تتحول الى سلطة.

فسلطة المثقف الحديث تبلورت وتشكلت منذ القرن الثامن عشر ارتكزت على الحقائق التي يبتكرها العلم في مختلف المجالات : في الفلسفة و الدين و الاجتماع ، و السياسة و الاقتصاد و الطبيعة..

ووعيه وليد العصور الحديثة، و رسالته، الإعراب عن المعاني و البحث عن الحقيقة و الكشف عن الموقف لتجاوزه في المستقبل و الخروج من صراع حضاري من أجل المساهمة في بناء حضاري جديد. فلإنسان هو الوسيلة التي بها تبتدئ الأشياء ، ويرى سارتر بأن كل وسيلة جديرة بأن تعد غاية، وكل غاية تصير وسيلة للحصول على غاية أخرى… (9)

إن سلطة المعرفة تتجلى في الربط بين السياسي والاجتماعي و المعرفي لكي يعطي معنى لمضمون الفكر من خلال تفعيله ، و ترجمته إلى أفعال أي واقع معاش وبمعني أخر تحويل الأفكار المجردة إلى وقائع اجتماعية والى فعل حضاري ..

فالتطور الحضاري إنما تقوم به جماعة من الناس يفكرون في المثل التي تهدف إلى التقدم ، و يكيفونها، مع وقائع الحياة على نحو يجعلها قادرة على التأثير الأقوى في ظروف العصر .

وإدراك الإنسان لماهية الحضارة تتوقف على كونه مفكرا وعلى كونه حرا إذ ينبغي أن يكون مفكرا ليكون ، قادرا على فهم مثله و تصويرها . وينبغي أن يكون حرا ، ليكون في وضع يتهيأ ، له، منه أن يدفع بمثله في الحياة العامة فالحرية المادية، ترتبط بالحرية الروحية ، ارتباطا وثيقا .فالحضارة تفترض ، اناسااحرارا لان بالأحرار وحدهم تتحقق الحضارة و تصنع.(10)

ونستنتج من هذا أنه لا معنى للتفرقة بين الثقافة و الحضارة فمن أهم مظاهر التحضر ازدهار المعارف الإنسانية و تفتق العقول والقرائح عن فتح مبتكر يسهم في لتقدم الإنسانية و رقيها ..

لابد من التنويه بأن هناك أنماط المثقفين من ضمنهم أصحاب العقائد، و المذاهب الاجتماعية والسياسية و الفلسفية وهناك المثقف الملتزم أو المستقل ..

إن المشتغلين بالفكر من أهل العلوم و المعرفة ، أيا كان نوعهم لا يكونون “مثقفين” إلا إذا كان الوعي الفردي مهيمن لديهم … (المثقف كائن فردي تتمثل فرديته في كونه كفرد له وعي خاص و رأي خاص، ربما رؤيا للعالم خاصة . ) (11)

و يرى أرنست رنان بأن المثقفين يشكلون طبقة من العلماء الممتازين و أن ما ينادون به هو المعايير الخالدة للحق والعدل …، و إلا تحولوا الى خبراء إعلانات أو الخبراء علاقات عامة، إنهم شخوص رمزية تتسم بقوة الشخصية ، عليهم أن يقوموا بمعارضة الوضع الراهن في زمانهم و أن يقولوا كلمة الحق في مواجهة السلطة …(12)

يرى عالم الاجتماع الأمريكي “ألفن جولدنر” بأن المديرين ، و المثقفين ، قد حلوا . إلى درجة كبيرة، محل الطبقات القديمة التي كانت تتمتع بالأموال و الممتلكات، ويصف المثقفين بأنهم لم يعودوا أشخاص يخاطبون الجمهور العريض بل مجرد أفراد ينتمون إلى ما يسميه ب” ثقافة الخطاب النقدي “(13)

هناك محاولة ترمي إلى اختزال صورة المثقف ، بوضعه في إطار مهني مجهول الهوية … ، في حين أنه صاحب موهبة خاصة تمكنه من حمل رسالة نشر الأفكار ، التي تخلص الناس من ظَلمات الجمود والخرافة ، و الوصاية على الفكر و العقيدة ، و محاربة كل أشكال التنميط ، التي يشيعها ، وسائل الاتصال الحديثة .

فالثقافة تهدف إلى تثقيف العقول ، و صقلها ، و ترقية الذوق و تهذيب السلوك …

إن نظام القيم و الأفكار و العقائد ،هو المحدد الحاسم عند ماكس فيبر(Max weber) للنشاط الاقتصادي و يقول بأنه إذا كانت الرأسمالية هي التي خلقت الثروة، واقتصاد السوق فقد كان ذالك بفضل القيم الثقافية. التي دعت إليها البروتستانتية، وهي نفس القيم والمبادئ التي أسست للعقلانية والحداثة الديمقراطية.(14)

ويذهب مايثو آرنلد في كتابه الثقافة، و الفوضى ، الصادر سنة 1869 ،بأن الثقافة القومية هي التعبير عن أفضل الأفكار و يرى بأن دور المثقفين ، مساعدة المجتمع على الإحساس برابطة الهوية المشتركة، وهي هوية بالغة السمو و الارتقاء …(15)

أما جوليان بندا(Julien benda) صاحب كتاب خيانة المثقفين، (la trahison des clercs) الصادر سنة 1927 فيرى أن المثقفين يواجهون خطر الالتزام الشديد نتيجة الانحياز إلى الدعوة القومية …ويطالب المثقفين بالنظر الى المسألة من زاوية القيم الكونية …

ويقول ادوارد شيلز (E.shils) بأنه يوجد في كل مجتمع ، بعض الأشخاص الذين يتمتعون بحساسية، فذة للقداسة ، وبقدرة خاصة على تأمل طبيعة الكون الذي يعشون فيه، والقواعد التي تحكم مجتمعاتهم. كما توجد في كل مجتمع أقلية من الأشخاص الذين يتمتعون ،بقدرة تفوق طاقة، سواهم من البشر العاديين على التساؤل و البحث و تحفزهم الرغبة في التواصل المتكرر مع الرموز الأعم والأشمل، من المواقف العملية في الحياة اليومية .

إن النفاذ إلى أسرار هذه الرموز ،و التعبير عن معانيها بالكتابة هذا هو الذي يميز المثقفين أو المفكرين في كل مجتمع .(16)

إن المثقفين ينزعون بصفة أساسية إلى مساءلة، الرموز العامة لأن المثقفين تربطهم علاقة رمزية بزمانهم..

في فرنسا رصد رجس دبري(Regis Débray) الحركة الثقافية، في فرنسا منذ(1880_1930) ،وقال إنها انتقلت من مدرجات جامعة السربون إلى حلقات الكتاب و الأدباء ، الذين يمثلون طبقة المثقفين، الذين وفرت لهم دور النشر ،مجالا واسعا لنشر أفكارهم (سارتر _ ومالرو _ و أندري جيد _ و مورياك _ا لبير كامي _ وريمون آرون) و غيرهم ..

وقد انتقل المثقفون بعد 1968 إلى وسائل الأعلام الجماهيرية : (الإذاعة و التلفزيون) وأصبح لهم جمهور واسع ، عريض بحيث وسعت وسائل الإعلام، ساحة التلقي، والاستقبال فقللت بذلك من مصادر الشرعية الفكرية ، فقد حطمت الأسوار المحيطة بالطبقة المثقفة التقليدية كما حطمت معها معايير القيم الخاصة بها…(17)

إن هذا الوضع خاص بفرنسا التي كان يتصارع فيها الاتجاه العلماني مع الكنيسة …

في إنجلترا كان الوضع مختلفا ،بحيث أن أساتذة أكسفورد وكمبردج أنفسهم لم يكونوا معروفين في الحياة العامة باعتبارهم مثقفين بالمعنى المتداول في فرنسا

فالفردية هي المرتكز الأساس لشخصية المثقف عندالانجلو سكسون..

لقد اتسعت دائرة المثقفين في العصر الحديث بحث تتضمن الصحفيين و المديرين و الأساتذة ، و الخبراء و أعضاء جماعات الضغط و كبار العلماء ، و المستشارين الذين يتقاضون أجورهم مقابل إبداء أرائهم،

مما يطرح السؤال حول إمكانية وجود مثقف مستقل..

وهذه مسألة بالغة الأهمية يجب ، النظر إليها من منطلق أن التفكير في أشياء ثابتة يختلف عن أساليب التفكير فيما هو متغير بعيدا عن منطق الساخر الذي لا يبالي كما يقول” أوسكار وليد” وهو الذي يعرف ثمن كل شيء ولا يعرف لأي شيء قيمة .

و بهذا الصدد يلاحظ راسل جاكوبي في كتابه ” آخر المثقفينthe last intellectuals بأن المثقف الغير الأكاديمي اختفى من الولايات المتحدة الأمريكية و حل محله عصبة من أساتذة الجامعات ،لا يبدي أحد في المجتمع اهتماما بهم ،لقد أصبح المثقف أستاذا جامعيا يعيش منعزلا في خلوته ،و يتمتع بدخل مضمون ، ولا يهتم بالتعامل مع العالم خارج قاعة الدرس، وهم يكتبون بهدف الترقي ، في المناصب الجامعية ،لا من أجل التغيير الاجتماعي ..

لقد تحول المثقفون إلى تقنيو قاعة الدرس ،الذين يحسبون لكل شيء حسابه ، بحيث يستطيع في جميع الحالات أن يستخلص الدلالة الفكرية ،لموقف من المواقف عن طريق قياس الحقائق المعروفة و المتاحة بمعيار محدد ..(18)

و يقول بول جونسون ،في كتابه (المثقفون) بأن المائة سنة الأخيرة ،شهدت نموا متزايدا للدور الذي يقوم به المثقفون كما أن صعود المثقف العلماني كان عاملا أساسيا في صياغة العالم الحديث

كان رجال الدين في العصر الوسيط يتربعون علي هرم الثقافة الكهنوتية و كانت اجتهاداتهم الأخلاقية و الأيديولوجية تتم في إطار التعليم الموروث و طبقا للحدود التي ترسمها السلطة الكهنوتية .

في القرن الثالث عشر ظهر جيل جديد من المعلمين والأوصياء أصبح يشعر بأنه غير مقيد بقوانين أي دين أو وحي ..، و أنهم قادرون على تشخيص الإسقام الاجتماعية ، بالعقل فقط ويستطيعون استنباط صيغ تمكنهم من تعديل عادات البشر الأساسية نحو الأفضل ..(19)

ساهم المثقفون العلمانيون في تقليص دور الدين، وفي تشكيل توجهات وأنماط وسلوكات، أفراد المجتمع…

هل كانوا يقولون الحقيقة ؟ وهل كانوا أمناء في علاقتهم؟

يقول بول جونسون بأنه حان الوقت لتفحص سجلاتهم العامة و الخاصة …(20)

وسوف نعرض لبعض اللمحات لشخصيات فكرية من أجل الوقوف على حقيقة الدور الذي يقوم به المثقفون في العصر الحديث .

-جان جاك روسو (1712-1778) يعتبر من أبرز اقطاب الفكر الحديث،رفض النظام القائم برمته، وأراد صياغة نظام جديد..

يعتبره قادة الثورة الفرنسية، النموذج المثالي، و المعلم الذي ساهم في تغيير الأخلاق والسلوكات، والعادات والمشاعير.

حجم ثأثيره كبير في التربية من خلال كتابه “أميل” (1762) انتقد زيف المدنية الحديثة وكشف زيفها وتكلفها.

كتب الاعترافات سنة (1770) التي نشرت بعد وفاته ، وقد أبرز أن الفرد هو الإنجاز الأساسي لعصر النهضة ..

إلا انه شخص تعوزه الكياسة و الدماثة و كان في جوانب كثير من شخصيته جلفا سيئ التربية ، يقول عن نفسه بأنه شخص همجي ، و أن بداخله أشياء تمنعه من أن يكون حسن الخلق (21)

إن الحقائق التي يقدمها سواء في اعترافاته أو رسائله ، تبدو مشوهة تنقصها الدقة .

يقول بأن التفكير في سلوكه بالنسبة لأطفاله ، قد أدى به في النهاية إلى صياغة نظرية التربية التي قدمها في كتابه “أميل ” كما ساعده في كتابة كتابه العقد الاجتماعي .

إن ما بدأ كعملية تبرير في حالة خاصة و كسلسلة من الأعذار المتسرعة عن سلوك كان غير طبيعي في البداية ،قد تطور و بالتدريج من خلال التكرار لان يصبح قناعة حقيقية لان التربية هي مفتاح الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي ، و لما كان هكذا فإنها تصبح هي مسؤولية الدولة.

فالدولة هي التي تشكل عقول الجميع وليس الأطفال فقط كما فعلت في ملجأ اللقطاء في حالة “روسو”.

منطق غريب ولا أخلاقي يبرر به روسو خطيئته وفشله كأب ، أصبحت متصلة بنتاجه الفكري ..(22)

كان روسو كاتبا عبقريا ، غير متوازن في حياته و أرائه مع ذلك أطلقت عليه الأدبية جورج صند لقب القديس روسو !

ويتحدث بول جونسون عن الشاعر شيلي(shelley) المولود عام 1792 ويقول بأنه كان مثل روسو يعتقد بأن المجتمع بكامله عفن و ينبغي تغييره ..، و كان يرى أن الشعر نبوءة ، وقانون و معرفة و أنه لا يمكن أن يتحقق التقدم الاجتماعي إلا إذا كان مسترشدا بوعي أخلاقي..(23)

ويعتبر أن الشعر ، وحده القادر على ملء الفراغ الأخلاقي ، و إعطاء، دفعة خلاقة للتقدم ” الشعر يوقظ العقل ، و يثريه و يجعله مستقبلا لألاف الأفكار ، التي ما كان من الممكن أن يدركها، والشعر يكشف النقاب عن الجمال المستور في العالم.”(24)

كان ” شيلي ” يقدم نقدا للمجتمع في عصره و شعره ، أخلاقي و سياسي تناول الظلم و الثورة و الحرية ..

كان في حياته مصاب بخيبة الأمل بسبب عدم انتشار أعماله يائس من امكانبة مرور أفكاره السياسية والأخلاقية في المجتمع …

أما كارل ماركس (1818_1885 ) فقد كان له تأثير كبير في العصر الحديث ، ليس بسبب جاذبية مفاهيمه ، ومنهجه لأصحاب العقول المفتوحة ، و إن ما بسبب فلسفته التي كانت نموذجا لفلسفات القرن التاسع عشر ..، في زعمها أنها علمية ،قادرة على تفسير السلوك الإنساني في التاريخ…

عاش ماركس حياة طالب علم يلتهم الكتب ، وكانت لديه موهبة نادرة في اقتباس أقوال الآخرين واستخدامها في الموضع المناسب، في الجدل السياسي

تخصص في الفلسفة واشتغل بالعمل الصحافي و النضال السياسي ، أنجز أهم عمل له ، وهو كتاب رأس المال صدر الجزء الأول منه سنة 1868 …

كتب في المسألة اليهودية بأن المال هو الإله الضنين لإسرائيل ولا أله غير المال يذل كل آلهة البشر ويحولهم إلى سلع كمالية ، المال هو القيمة المكتفية بذاتها بين الأشياء و من هنا فقد حرم كل العالم الإنساني و الطبيعي من قيمها الصحيحة ، المال هو جوهر، عمل الإنسان ، ووجوده.

الجوهري الذي يسيطر عليه ولذلك يبعده . لقد تمت علمنته ليصبح إله الجميع. (26)

رغم أن اهتماماته انصبت على المال و الصناعة والاقتصاد ، فإنه لم يبذل جهدا في فهم كيف تعمل الصناعة ، منذ فجر الثورة الصناعية (1760_1790) و بالتالي فقد فشل في فهم الرأسمالية ، لأنه لم يكن علميا ، و لم يستطيع أن يتقصي الحقائق بنفسه أو يستخدم الحقائق التي تقصاها الآخرون بموضوعية وهذا هو السبب الرئيسي قي عجز الماركسية كنظام عن تحقيق النتائج التي تدعيها ووصفتها بالعلمية..

كانت فلسفته مزيجا من مهارته الصحفية و الأكاديمية لكنها تضم أيضا جوانب وثيقة الصلة بشخصيته وهي ميله للعنف و شهوته للسلطة وفشله في أمور المال ونزوعه الى استغلال من حوله..(27)

عاش ماركس حياة مثقف (بويهمي) عادة ما يسهر طوال الليل و ينام بكامل ثيابه .. ورائحة التبغ والدخان تملأ غرفته التي لا توجد بها قطعة أثاث واحدة سليمة ، ونظيفة،,طبقان من الغبار تغطي كل شيء، والفوضى تعم المكان.

معظم الوقت في حالة سكر و عاطل عن العمل , الا انه يمكن ان يعمل بلا كلل اذا كان هناك عمل..(28)

ومن ضمن المفكرين الذين كتب عنهم بول جونسون,في كتابه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي يعتبره الفرنسيون فولتير القرن العشرين ..

مثل معظم المثقفين الكبار كان سارتر,نرجسيا من الدرجة الأولى.

يقول سارتر بأن الوجودية تعرف الإنسان بأفعاله ، وأن الأمل لا يوجد إلا في الفعل ، ولم تكن الوجودية تقرأ,بل كانت جنونا يستمتع به الناس (أو عقيدة يعيشها الناس. )

كان سارتر شخصية مرحة يعشق الويسكي ,وموسيقى الجاز و البنات و علب الليل

و كان غزير الكتابة ,يكتب بلا كلل:( محاضرات,مسرحيات ,روايات,قصص ,سيناريوهات ,حوارات, ومقالات نقدية ,وفلسفية …)29

يقول في كتابه الغثيان: كانت كل نظرية من نظرياتي ,فعل غزو وامتلاك , وكنت أعتقد أنني بفضلها ,سوف أغزو العالم ,ذات يوم..

و كتب يقول أفضل أن أتحدث عن أتفه الأشياء ,مع امرأة عن الحديث عن الفلسفة مع”ريمون ارون”
كانت الكلمات كل شيء في حياته وكان الأدب بديلا عن الدين …

لقد تعلق بصوفية الكلمات وغرق في بحر الكلام ,فأصبحت الكتابة عنده عادة مثل ما هي مهنة .

كان سارتر كريما ,لا يهتم بالمال ,وكانت لبيرليته وروحه المرحة هما أفضل جوانب حياته..

إن هذه اللمحات التي استعرضناها إنما قصدنا من ورائها تحديد الروافد المشكلة لشخصية المثقف في العصر الحديث من أجل التعرف على أبعادها ,وحقيقة دوافعها ,ومدى تأثيرها في مجتمعها ,وفي عصرها ..إن الغاية في المقام الأول هي تقديم صورة شخصية المثقف , ودوره في المجتمعات الحديثة..

إن الدرس الذي نخرج به هو أن الثقافة ,منظومة قيم ,تحفز على المبادرة و الابتكار و أن للعلم الدور الأساسي في النهضة الأوروبية التي قادها المفكرون و المثقفون.

و يتجلى ذلك في حركة الإصلاح و التحديث و في تقدم العقل في اكتشاف الحقائق ,و في بسط سلطة الإنسان على الأشياء ، ويعني كذلك حرية الفرد و بناء نظام اجتماعي و سياسي قائم على التعاقد.

و التقدم ارتقاء بالذوق و الوجدان بفضل رقي الآداب و الفنون .

إن فكرة التقدم مرتبطة بنشر الأفكار و مبادئ التنوير وهي المهمة التي يقوم بها المثقفون , وقادة الرأي و الكتاب ..و قد عرضنا بعض تجلياتها بغية تمثل صورة المثقف و دوره في المجتمعات الحديثة.

و ربما يتم اختزال دور المثقف الحديث ,في الطعن في المعايير و الأعراف السائدة , أو في مساءلة الرموز العامة ..

وقد أدت اللجاجة في حرم الجامعات والمراكز الثقافية إلى تزعزع موقف المثقف إزاء الرموز الوطنية والتقاليد المقدسة و الأفكار التي لا تقبل الهجوم عليها ,لما يفترض فيها من خير و شرف (30)

إن أدعاء المثقفين , بأن خطابهم أكثر مدعاة للتصديق مسألة تطال التمثيل المعرفي , والسياسي .

و بهذا الخصوص وضح عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو(P.bourdieu) بأن هناك فجوة بين الخطابات و بين الأفعال , ويطرح السؤال حول إدعاء المثقفين قيادة المجتمع في مجال الأفكار و الرموز. وشكك بورديو في عقائد المثقفين و أيديولوجياتهم الخاصة و اتهمهم بالتواطؤ مع مختلف أشكال السيطرة , ومع السلطة المادية و الرمزية ,تواطؤ نادرا ما يعلن عنه , وغالبا ما يتم التستر عليه..(31)

و يذهب بول جونسون نفس المنحى, فبعد مرور قرنين على ظهور المثقفين العلمانيين الذين حلوا محل الاكليروس القديم في هداية الناس و أصلاح أحوالهم . فإن الوقوف على مؤهلاتهم الأخلاقية, وقدرتهم على الحكم من أجل تحقيق ذلك الهدف و فحص و سائلهم للبحث عن الدليل و تقويمه ,مع استحضار مواقفهم الإنسانية و علاقتهم الاجتماعية وسلوكاتهم الشخصية.

فقد استخلص بول جونسون من هذه النتائج انه لمس تشككا عاما من الناس , إزاء المثقفين ،وأن المعتقد السائد, أن المثقفين ليسوا أكثر حكمة , ولا أكثر قيمة كمصلحين , من السحرة , أو رجال الدين

القدامى. (32)

و خلاصة القول , فإن المثقف ليس أيديولوجيا فحسب ,بل هو محترف فكر, و إبداع, وإبتكار ثقافي و فني..

و من الحق أن أسوأ أنواع الاستبداد هو إستبداد الأفكار…

إن العلم يضر و ينفع :

ينفع إذا استأثر به العلماء , الذين يحسنون فهمه و تصديقه , ويضر , إذا خلص إلى الجهلاء الذين لا يستوعبونه ولا يعقلونه,و لا يحسنون التمثل له و الانتفاع به. شأنه في ذلك شأن السلاح الخطر أو شأن العقاقير الخطيرة , لا ينبغي أن يخلى بينها,و بين الذين لا علم لهم بالطب و طبائع الأمزجة و الأجسام.

إن قليلا من علم العلماء قد خلص إلى جهل الجهلاء,ففسدت لذلك أمور الناس, واخلاقهم, وصلاتهم وأحكامهم على الأشياء, وتصورهم للحياة..(33