الجماعات المحلية وإشكاليات التخطيط الاستراتيجي الترابي

حميد القستلي*/ موقع جريدة الاتحاد الاشتراكي الالكتروني 7فبراير 2013

لقد كانت مرحلة المركزية الإدارية محطة ضرورية لبناء المؤسسات ورسم قواعد التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للوطن، وبالمقابل دفع مسلسل اللامركزية الذي انخرط فيه المغرب على مدى السنين السابقة إلى الارتقاء بالجماعات المحلية إلى مرتبة الشريك والفاعل المركزي في تحقيق التنمية المحلية وفي صنع القرار المحلي.
واعتبار الجماعات المحلية شريكا رئيسيا في المسلسل التنموي، يرجع بالأساس إلى التحولات التي عرفتها الدولة و ما نتج عن تخليها عن بعض وظائفها، في مقابل الوظائف الجديدة التي أصبحت تمارسها في تدبير الشأن العام، كما أن تزايد حاجيات السكان وارتفاع وتيرة النمو الديمغرافي، إضافة إلى أن التوسع العمراني غير المتحكم فيه أفرز مجموعة من الظواهر السلبية، التي أصبحت معالجتها تتطلب تدخلا مباشرا من الفاعلين المحليين المؤهلين لتشخيص الاحتياجات الحقيقية للساكنة وترتيب الأولويات، ومن ثم وضع المخططات الاستراتيجية الكفيلة بمعالجة الاختلالات والارتقاء بإطار عيش المواطن، وذلك تجسيدا لسياسة القرب وتقريب الخدمات من المواطنين، فالجماعات المحلية لم تعد تلك الوحدات الترابية التي يقتصر دورها على تقديم بعض الخدمات اليومية البسيطة للمواطنين، بل تعداه ليصبح لها دور فعال في تنشيط الحركة الاقتصادية وخلق الثروة واستثمارها في البنية التحتية وتأهيل المجال الحضري، والرفع من جودة الخدمات استجابة لانتظارات المواطنين الواسعة.
ولقد تميز التطور الذي عرفته المدن بالمغرب على مدى عقود من الزمن بظهور اختلالات عميقة وبروز تحديات كبرى ومشاكل معقدة: البطالة، ضعف البنية التحتية، السكن العشوائي، ارتفاع معدلات الفقر والهشاشة، ضعف وسائل النقل، أضف إلى ذلك النمو الديمغرافي ، التوسع العمراني الكبير و الهجرة القروية ، كل هذا عكس مسلسل تمدن سريع وغير متحكم فيه ، مما أفرز مجالا حضريا متنافرا يفتقد في بعض أجزائه لمقومات العيش الكريم.
وإذا كانت السياسات العمومية قد أخفقت في العقود الماضية في الحد من الاختلالات السالفة الذكر، فإن المسؤولية اليوم ملقاة على الجماعات المحلية لابتكار وإيجاد الأجوبة المناسبة والملائمة للمشاكل المطروحة وفق مقاربة ترابية تشاركية ترتكز على خصوصيات التراب، وتمكن من تنسيق جهود كل الفاعلين المحليين مع اعتماد مبادئ الحكامة الرشيدة.
إذن كيف يمكن العمل على رفع تحدي تنمية المدن وجعلها فضاءات للاندماج وإنتاج الثروة وتقوية التماسك الاجتماعي وإحداث فرص الشغل؟
إن القراءة السالفة الذكر لواقع المدن تظهر أن التسيير المحلي الكلاسيكي لم يستطع مواكبة التحولات العميقة التي عرفتها المدن والتي أدت إلى انتشار الفقر و بروز ظواهر اجتماعية سلبية في محيط وأطراف المدن، لذا أصبحت الحاجة ملحة لاعتماد سياسة تخطيط منسجمة تعتمد على تعبئة مختلف الفاعلين المحليين ( مؤسسات عمومية وخصوصية ، غرف مهنية ، وكالات حضرية ، مجتمع مدني…) قصد إعداد مشروع تنمية محلية مندمج قادر على مواجهة تحديات المدن ومحيطها، وكذا استشراف المستقبل مع استغلال كل الطاقات والإمكانات المتاحة في المجال وكذا جعل المواطن في صلب عملية صنع القرار.
لقد نص الميثاق الجماعي الجديد، على إعداد المخطط الجماعي للتنمية، تحقيقا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية واعتبارا لدور التخطيط في استشراف المستقبل وفي ترجمة رؤى الفاعل السياسي المؤهل لإطلاق مسلسل التخطيط المجالي القائم على تصور مندمج للمجال بكل خصوصياته، مع ضرورة التكيف لإيجاد الأرضية المناسبة لأجرأة وتنفيذ السياسات العمومية على مستوى التراب، إذ الملاحظ اختلال تناسق حكامة هذه المخططات والسياسات الذي يجب معالجته باعتماد الآليات اللازمة لتفاعلها ضمن منظور استراتيجي شامل يتناسب مع المجال ويتجاوز النظرة القطاعية الضيقة.
ويعتبر المخطط الجماعي للتنمية بمثابة خارطة طريق ووثيقة ترابية ذات أهمية بالغة تسطر الاختيارات الاستراتيجية للتراب في المجالات التي تتوافق مع حاجيات الساكنة وتحقق التنمية المستدامة بكل إبعادها .
ولإنجاح هذا التدبير الاستراتيجي، و حتى نتمكن من الرقي بالمدينة لتصبح فضاء لتجسيد التفكير الجماعي في قضايا الشأن العام في إطار من الإبداع والابتكار ، لابد لنا من اعتماد منهجية علمية رصينة تعتمد على التشخيص الدقيق للإكراهات التي تضعف قدرة المجالس المنتخبة على القيام بدورها الرئيسي في صناعة المستقبل، ونخص بالذكر ما يلي:
– غياب ثقافة التخطيط الاستراتيجي عند جزء مهم من الفاعلين المحليين؛
– ضعف الموارد البشرية المحلية المؤهلة لرسم سياسات ترابية مندمجة ولمواكبة القرار السياسي، مع غياب برنامج تكوين محددة الأهداف؛
-ضعف الإمكانات المالية مع الثقل الكبير الذي تشكله ميزانية التسيير؛
-عدم التوفر على بنك موحد للمعطيات يمكن من معرفة التشخيص الحقيقي للتراب، وإبراز المشاكل الحقيقية للمواطنين؛
-عدم إيلاء الأهمية اللازمة لدور التنسيق وأثره في توحيد الرؤى وتجنب العمل المزدوج وتوحيد الوسائل و تسطير نموذج تنموي موحد؛
– ضعف النسيج الجمعوي المحلي القادر على استكشاف الحاجيات وملامستها عن قرب، والمساهمة في صنع القرار المحلي، إذ تبقى تدخلات المجتمع المدني في غالبها مشتتة في الزمان والمكان كما أنها تتسم بطابع الظرفية و تفتقد للبعد الاستراتيجي.
إن الجماعات المحلية اليوم أصبحت قاطرة للتنمية الشاملة، ومرجعا لتطوير آليات التدبير الناجع من خلال التخطيط المحكم المبني على معطيات واقعية، والتنسيق الشامل الكفيل بإشراك كل الطاقات والمؤهلات في وقت كثرت فيه الحاجيات وتراجعت فيه الموارد. لذا، أصبح من الضروري التفكير اليوم، وعلى كل المستويات من أجل الدفع بالجماعات المحلية (ناخبا و منتخبا)، لمواكبة الإصلاحات العميقة التي تقوم بها مصالح الدولة قصد الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتفعيل البرامج المحددة الأهداف الرامية إلى الرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني، وتأهيله للحد من آثار الأزمات الاقتصادية المتتالية التي أصبحت تعرفها اقتصاديات الدول المتقدمة.
إن أكبر تحد يواجه التراب اليوم، يتمثل في صياغة نموذجه التنموي القائم على استغلال الثروات والطاقات المحلية، وإشراك كل الفاعلين المحليين، وتوحيد تدخلاتهم وفق أهداف ومرتكزات هذا النموذج التنموي.
و للحديث بقية….

أستاذ جامعي زائر
hamid_kostli@yahoo.fr

7/2/2013