افتتاحيّةلوموند ديبلوماتيك النشرة العربيّة

فبراير 2013

قطيعة مع منظومة الاستبداد الاقتصاديّة

تفاجأ جميع المراقبين بالسرعة التي اصطدمت بها تيّارات الإسلام السياسيّ التي وصلت إلى الحكم في بعض بلدان الثورة العربيّة مع مجتمعاتها. بالطبع يأتي مردّ ذلك من أنّها لم “تصلّي على النبي” [1] سياسيّاً، واستعجلت محاولة فرض هيمنتها على المجتمعات وعلى مشاريع الدساتير وعلى مؤسسات الدولة، إلخ، مستفيدةً من أنّها ربحت انتخابات نوعاً ما ديموقراطيّة، ومن أنّ مختلف القوى السياسيّة والاجتماعيّة الأخرى لا ترقى إلى درجة تنظيمها وتمويلها والدعم التي تحصل عليه من دولٍ بعينها. واستهانت بالتالي بعمق التحوّلات في الوعي الاجتماعي والثقافي الذي أحدثه “التسونامي الشبابي” [2] الذي أطاح بالاستبداد و”بالسلطة فوق الدولة”، [3] ربمّا لأنّ بعض المثقفين العرب تأثّروا أكثر ممّا ينبغي بمقولات “صراع الحضارات”، ليحابوا الإسلام السياسيّ ويوحوا أنّه “الحلّ”… لمجتمعات أغلبيّتها مسلمة.

راهن كثيرٌ من المراقبين العقلانيين على فشل “الإسلام السياسيّ” على المدى المتوسّط، لأنّه لا حلّ لديه للمسألة الأساسيّة التي أشعلت حريق الثورات العربيّة: وهي مسألة ديموغرافيّة اجتماعيّة اقتصاديّة، وبالتالي سياسيّة، ولأنّه أصلاً لم يفكّر فيها على عكس فترة نهوض المشروع الوطني ما بعد الاستقلال، حيث برزت طروحات مثلاً حول “اشتراكيّة الإسلام” [4]. وقد ساهم وهم الصعود الاقتصادي “للنموذج التركي” في ظلّ حزب العدالة والتنمية في استبعاد التفكير حول الحلول، مع تناسي عمق الإصلاحات التي جرت قبيل وصول هذا الحزب إلى السلطة والتي مهّدت له الطريق.

تثور الشعوب عندما تقتل الخوف، ولا يبقى لديها ما تخسره. وحين تنتصر بالإطاحة بمستبدّيها، تنتظر ممّن توليهم الريادة عليها أن يأتوا بمشروعٍ يشكّل قطيعة مع الماضي، ليس فقط لناحية الاستبداد، وإنّما أيضاً وخصوصاً لناحية الطروحات الاقتصادية الاجتماعيّة. وبما أنّ الثورة تقوّض المنظومة القائمة وتعطّل آليّاتها، وبالتالي تجعل الحالة الاقتصاديّة أسوأ ولو لفترة ما بعد الثورة، فلا بدّ للطروحات الاقتصادية الاجتماعية أن تشكّل قطيعة كبرى مع المنظومة القديمة، على الأقلّ كي تعطي أملاً أنّ التضحيات المبذولة ستأتي، ولو بعد حين، بأمل الكرامة الموعودة.

بدل القطيعة، ذهبت حكومات الإسلام السياسي إلى صندوق النقد الدوليّ وإلى استثمارات دول الخليج، وكأنّ السياسات التي فرضتها سابقاً لم تكن أصلاً سبب الأزمة والثورة. وكأنّ الناس لا يشهدون ما يحدث في اليونان وكيف يعاني أهلها، ولا يفقدون بالتالي… الأمل. في حين يعلم أطيب البسطاء أنّ حكم سلطة الاستبداد لم يترسّخ لعقود إلاّ بسبب “رأسماليّة الأقرباء والأصدقاء crony capitalism”، والريوع الماليّة التي كانت تجلبها احتكارات بعينها. هكذا لم يطرح أحداً المسّ بهذه الاحتكارات، وتجييرها للمصلحة العامّة ولو لفترة، قبل فتحها على المنافسة الكبيرة وصيانة هذه المنافسة. هذا في الوقت الذي تجد الدولة، كمؤسّسة يمكن أن تمثّل بعد الثورة مصلحة الشعب لا الحاكم، نفسها بأمسّ الحاجة إلى موارد تطلق عبرها العجلة الاقتصاديّة من جديد، ولو لفترة.

بالطبع تتخوّف تيّارات الإسلام السياسي المهيمنة من طروحاتٍ كهذه، لأنّ اسمها الحقيقيّ: “تأميم”، وهي تذكّر بحقبة تاريخيّة “للعروبة السياسيّة”، إن جاز القول. وهي بالتالي تخيف أكثر الدول الخليجيّة الداعمة لها. أمّا الحجّة شبه العقلانيّة، فهي أنّ الحديث عن “تأميم” سيأتي بهروب للأموال؛ والردّ على هذه الحجّة أنّ الأموال ستهرب أصلاً من الثورة ومن انعدام الاستقرار حتّى يأتي التوازن الجديد، وهي فعلاً هربت في أغلبيّتها.

بالتأكيد ليس المقصود هنا هو العودة إلى أخطاء عصر عبد الناصر و”اشتراكيّته”، واصطدامه مع البرجوازيّة الوطنيّة التي شيّدت منذ طلعت باشا حرب صناعاتها ومصارفها لتنهض ببلادها في وجه الاحتكارات الأجنبيّة، وإنّما بالضبط تحالفاً مع هذه البرجوازيّة الوطنيّة على الأمد الطويل لإرساء “اقتصاد سوق حقيقيّ”، أي يقوم على المنافسة. تحالف يقوم لتخليص هذه البرجوازيّة الوطنيّة من احتكارات “رأسماليّة الأقرباء والأصدقاء” وحلفائها الأجانب، مقابل دور اجتماعيّ تساهم فيه هذه البرجوازيّة مباشرة أو عبر دولة إعادة التوزيع.

وماذا عن منّة الخليج؟ هنا لا بدّ من ملاحظة أنّ الخليج قد تغيّر، ولم يعد يُعطي منحاً “للصمود” كما في الماضي، بل قروضاً بفوائد “إسلاميّة” وبالقطّارة، واستثمارات إذا ما أُعطي امتيازات احتكاريّة. ربّما ستأتي برجوازيّته لاحقاً للاستثمار في السوق، لأنّ سوقه بالأصل قليلة السكّان، ولكنّها لن تأتي إلاّ إذا شعرت أنّ برجوازيّة الدول المعنيّة تستثمر أصلاً في بلادها. أمّا شركاته الاحتكاريّة الكبرى، فمن العاقل الذي سيستبدل احتكارات محليّة باحتكارات خارجيّة؟

وكذلك لا يبدو أنّ هناك أمل في أن تُطلِق الدول المتقدّمة “مشروع مارشال” حقيقيّ للنهوض باقتصاديّات دول الثورة العربيّة، لترسيخ الديموقراطيّة، لأنّها إمّا غارقة في ديونها العامّة، أو منغمسة في صراع اقتصاديّ عالميّ حول الموارد والأسواق.

لا بدّ أن تأتي الثورات العربيّة بعقد اجتماعي جديد، وهكذا عقد لا يعني فقط انتخابات، بل حريّات سياسيّة وحقوق اقتصاديّة-اجتماعية، وانخراط للمجتمع في مشروع يمنحه الأمل بالرقيّ، وإلغاء ليس فقط لنوعٍ من الاستبداد، بل لمسببّات الاستبداد وآليّات استمراره، وهي دوماً اجتماعيّة واقتصاديّة.