أرنولد توينبي / ترجمة: سعيد عاهد

عن موقع جريدة الاتحاد الاشتراكي
أطروحة «صراع الحضارات»، القريبة إلى قلب وفكر صامويل هنتنغتون، أصبحت اليوم مرجعا أساسا لأغلبية المحللين الغربيين، وهي، بالنسبة للسواد الأعظم من بينهم، أطروحة لا يأتيها الباطل لا من بين يديها ولا من خلفها.
وبالمقابل، وقبل صياغة نظرية «صراع الحضارات» وانتشارها، بل وصاحبها مجرد في سنته العشرين فقط، أي سنة 1947، كان المؤرخ الشامخ أرنولد توينبي قد شرّح وشرَح آثار «الصدمة» التي خلفتها حارة في رحم أخرى، صدمة الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية. مثلما قارب رد فعل العالم الإسلامي على هذه الصدمة الأصل، وانقسامه، خلال صياغته للجواب على «السؤال الغربي»، إلى مكونين يذكران بما حصل لليهود وهم يواجهون الحكم الإغريقي.
أجل، فتحت صدمة الحكم الإغريقي أثناء القرون السابقة واللاحقة مباشرة لبداية العهد المسيحي، انقسم اليهود إلى طائفتين، إذ صار بعضهم «قديسيين» (الذين هربوا من القدس فرارا بدينهم)، وبعضهم الآخر «متأغرقين» أو «هيردسيين (الذين انصرفوا عن ديانتهم طوعا أو قهرا تحت السيادة السلوقية على فلسطين). التسمية الأولى أصبحت تستعمل اليوم بمعنى «منفتح» دينيا، والثانية بمعنى «متزمت» دينيا. وهما مفهومان يعتقد أرنولد توينبي أنهما ملائمان لتوصيف حالة المسلمين في مواجهتهم وتعاملهم مع الآخر الغربي.
وإذا كان ما يستعرضه المؤرخ المتوفى عام 1975 وصاحب المؤلف المرجعي «دراسة في التاريخ»، في دراسته هذه يبدو قادرا، إلى حد ما، على المساعدة على استيعاب حال وأحوال مسلمي اليوم، فإن المقال هذا نشر أول مرة سنة 1947 قبل أن ينشر ضمن كتاب مصحوبا بـ11 مقالا آخر عام 1948
(Civilization on Trial)
وفي العام الجاري، أعادت دار النشر «مالاسيس» إعادة نشر الترجمة الفرنسية للمقال ضمن كتيب جميل من الحجم الصغير، وهي الطبعة التي اعتمدناها لإنجاز هذه الترجمة إلى العربية.
في الماضي، أثر الإسلام ومجتمعنا (الغربي)، بالتوالي، بعضهما في البعض وقام كل واحد منهما برد فعل ضد الآخر في العديد من المرات، وذلك في ظل وضعيات مختلفة مع اضطلاع كل واحد منهما بأدوار مختلفة.
حدث التماس الأول بينما كان المجتمع الغربي في طفولته والإسلام الدينَ المميز لعرب الحقبة البطولية. كان العرب قد فتحوا ووحدوا أراضي حضارات الشرق المتوسط القديمة، ويبذلون قصارى جهدهم لتوسيع هذه الإمبراطورية إلى دولة عالمية. وبمناسبة هذا التماس، الأول والعنيف، غمر المسلمون تقريبا نصف المجال الجغرافي الأصلي للحضارة الغربية، وبالكاد فشلوا في ابتلاعها برمتها. والحال أنهم استولوا على إفريقيا الشمالية الغربية واحتفظوا بها، ومعها شبه الجزيرة الأيبيرية و»بلاد القوط» الغالية (ساحل منطقة لانغدوك الممتد بين جبال البيريني ومصب نهر الرون)؛ وقرنا ونصف قرن بعدها، وحضارتنا الغربية المنبثقة منتكسة عقب انهيار الإمبراطورية الكارولانجية، بادر المسلمون مجددا إلى الهجوم انطلاقا من قاعدة عمليات إفريقية، وكانوا هذه المرة على وشك الاستيلاء على إيطاليا. بعد هذا، سيتغير مسار القدر، وذلك بالتزامن مع تجاوز الحضارة الغربية لخطر الانقراض السابق لأوانه وولوجها مرحلة النمو المتين، بينما دولة الإسلام العالمية المجهضة تتهاوى في أفق الإخفاق. أمسك الغربيون بزمام الهجوم على طول الجبهة الممتدة من طرفي البحر الأبيض المتوسط، من شبه الجزيرة الأيبيرية إلى مثيلتها السورية، «بلاد ما خلف البحار»، مرورا بصقلية؛ مما جعل الإسلام، المتعرض في الوقت نفسه إلى هجمات الصليبيين من جهة، وإلى هجمات رحّل آسيا الوسطى من جهة ثانية، يتراجع إلى آخر معاقله على غرار المسيحيين الذين اضطروا، قبل قرون من ذلك، إلى مواجهة الهجمات المتزامنة، في جبهتين اثنتين، لكل من برابرة أوربا الشمالية والعرب.
في رحم هذا الصراع، الذي كان مآل طرفيه الطبيعي إما الاستمرار على قيد الحياة أو الفناء، استطاع الإسلام الظافر، كما فعلت المسيحية قبله، المكوث حيا. لقد جعل غزاة آسيا الوسطى يعتنقونه، بينما طُرد الغزاة الفرنكيون؛ أما من زاوية النظر الجغرافية، فالنتيجة الوحيدة، التي عمرت زمنيا، للحملات الصليبية تمثلت في إدماج منطقتين إسلاميتين خارجيتين هما صقلية والأندلس. وبالطبع، كانت النتائج الاقتصادية والثقافية الدائمة للغزو السياسي المؤقت المحقق من طرف الصليبيين ضد الإسلام، أكثر أهمية بكثير. فمن الجانبين الاقتصادي والثقافي، استطاع الإسلام الخاضع السيطرةَ على المنتصرين عليه المتوحشين، وأدخل فنون الحضارة في حياة المسيحية اللاتينية البسيطة. وفي بعض المجالات، ومنها المعمار، توغل تأثير الإسلام كليا في العالم الغربي خلال ما يسمى بالعصر «القروسطوي» لهذا الأخير؛ وفي منطقتي صقلية والأندلس، اللتين تم إخضاعهما نهائيا، كان تأثير الإسلام، طبيعيا، أفسح وأعمق على «الدول» الغربية «اللاحقة» للإمبراطورية العربية. ومع ذلك، لم يشكل الأمر المشهد الأخير من المأساة، ذلك أن محاولة الغرب القروسطوي الرامية إلى إبادة الإسلام فشلت تماما، على غرار الفشل الذي مني به، سابقا، سعي العرب، بناة الإمبراطورية، إلى الاستحواذ على مهد الحضارة الغربية الوليدة؛ ومن جديد، ستؤدي محاولة فاشلة إلى اندلاع هجوم مضاد.
كان الإسلام، في المرة هذه، ممثلا بالعثمانيين، سليلي رحل آسيا الوسطى المعتنقين لديانة محمد الذين فتحوا وضموا أراضي المسيحية الأرثوذوكسية، قبل أن يحاولوا توسيع إمبراطوريتهم إلى دولة عالمية وفق النموذج العربي والروماني. إثر الفشل النهائي للحملات الصليبية، تمترست المسيحية الغربية في موقع دفاعي لمواجهة الهجوم العثماني، وذلك إبان نهاية القرون الوسطى وبداية أزمنة تاريخ الغرب الحديثة، تمترست ليس فقط في الجبهة البحرية القديمة للمتوسط، ولكن أيضا في الجبهة القارية الجديدة بحوض نهر الدانوب. ورغم هذا، لم يشكل هذا التكتيك الدفاعي إقرارا بالضعف بقدر ما جسد سلوكا مبهرا في مجال الإستراتيجية ضمن الفضاءات الشاسعة، علما أنها إستراتيجية لم تعتمد بوعي تام من قبل الغرب؛ أجل، لقد اختار الغربيون صد الهجوم العثماني عبر تخصيص جزء يسير من طاقاتهم لذلك؛ وبينما وُظفت نصف طاقات الإسلام في حرب الحدود المحلية هذه، انطلق الغربيون بقوة في غزو المحيط، أي في غزو العالم افتراضيا. وهكذا، فهم لم يحققوا سبقا زمنيا على المسلمين عبر اكتشاف واحتلال أمريكا فحسب، بل تسللوا داخل الإرث المخصص طبيعيا للمسلمين: اندونيسيا والهند وإفريقيا الاستوائية؛ وفي النهاية، وبعد محاصرتهم للعالم الإسلامي ورمي شباكهم عليه، مروا إلى مرحلة مهاجمة عدوهم القديم في عقر داره، هناك حيث رأى النور.
هذا الهجوم المتمركز الذي شنه الغرب الحديث ضد العالم الإسلامي كان بداية المواجهة الحالية بين الحضارتين. وسنرى أنه يندرج في إطار حملة أوسع وأكثر طموحا تهدف الحضارة الغربية من خلالها إلى إدماج مجموع الإنسانية في مجتمع كبير ووحيد، لا أقل ولا أكثر، وإلى السيطرة، برا وبحرا وجوا، على كل ما تستطيع الإنسانية استغلاله بفضل التقنية الغربية الحديثة. إن ما يقوم به الغرب إزاء الإسلام حاليا، هو نفس ما يقوم به، في ذات الوقت، حيال باقي الحضارات المستمرة على قيد الحياة (المسيحيون الأرثوذوكسيون، الهنود، العالم الشرقي الأقصى)، وإزاء المجتمعات البدائية غير المنقرضة التي تعاني اليوم من الضنك حتى في رحم آخر معاقلها المنكمشة بإفريقيا الاستوائية. هكذا، فالتماس المعاصر بين الإسلام والغرب ليس فقط أكثر حركية وحميمية من كل ما سبقه من احتكاكات في الحقب السالفة: إنه أيضا ملفت للانتباه نظرا لكونه لا يشكل إلا حادثا في سياق سعي الإنسان الغربي إلى «تغريب» العالم، سعي سيعتبر، بدون شك وبشكل يقيني تقريبا، الأكبر، بل الحدث الأهم، في التاريخ، وذلك حتى من وجهة نظر الجيل الذي عايش الحربين العالميتين.
مرة أخرى إذن، يواجه الإسلام، وهو في وضع المجبر على الفعل، الغرب؛ لكن وضعه، هذه المرة، أخطر مما كان عليه خلال حقبة الحملات الصليبية الأكثر حساسية، لأن الغرب الحديث ليس متفوقا عليه على مستوى الأسلحة فحسب، بل مهيمنا عليه عن طريق تقنية الحياة الاقتصادية التي هي، في آخر التحليل، شرط العلم العسكري، ومهيمنا عليه، أكثر من هذا، بفعل ثقافته الروحية، علما أن هذه الأخيرة هي القوة الداخلية التي بمفردها تخلق وتسند التجليات الخارجية لما نسمه بالحضارة.
في كل مرة يجد مجتمع متحضر نفسه في مثل هذا الوضع الخطير إزاء نظير له، يتوفر له سبيلان اثنان للرد على التهديد، وليس من العسير الوقوف على أمثلة جلية على هذين الصنفين من التصرف مستقاة من رد فعل الإسلام ضد الضغط الحالي للغرب. إنه من المشروع، بقدر ما هو من الملائم، أن نطبق على الوضع الراهن بعض التعبيرات التي نحتت سابقا بمناسبة حصول وضع مماثل للوضع الذي نحن بصدده، وذلك خلال حقبة الاحتكاك بين حضارتي اليونان وسوريا القديمتين. تحت صدمة الحكم الإغريقي أثناء القرون السابقة واللاحقة مباشرة لبداية العهد المسيحي، انقسم اليهود (ويمكننا إضافة الفرس والمصريين لهم) إلى طائفتين، إذ صار بعضهم «قديسيين» وبعضهم الآخر «متأغرقين» (اليهود المتأغرقون أو الهيردسيون هم اليهود الذين انصرفوا عن ديانتهم طوعا أو قهرا تحت السيادة السلوقية على فلسطين، والقديسيون هم الذين هربوا من القدس فرارا بدينهم. والتسمية الأولى، «متأغرق» أو «هيردسي» أصبحت تستعمل اليوم بمعنى «منفتح» دينيا، والثانية بمعنى «متزمت» دينيا. وسنوظف في بقية الترجمة المفردتين المعاصرتين بدل اسمي الطائفتين اليهوديتين – م).
«المتزمت» هو الفرد الذي يلجأ إلى المألوف أمام المجهول؛ أما حين يجد نفسه في مواجهة غريب يمارس تكتيكا متفوقا ويستعمل أسلحة عجيبة حديثة الاختراع، فإنه يرد بواسطة فنه الحربي التقليدي، محترما هذا الفن بدقة فائقة إلى حد غير طبيعي. ويمكننا، في الواقع، تعريف «التزمت» بكونه تقليدا للقديم يولده ضغط خارجي؛ أما ممثلوه الأبرز في الإسلام المعاصر فهم «طهريون» مثل سنوسيي إفريقيا الشمالية ووهابيي الجزيرة العربية الوسطى.
أول ما يجب الانتباه إليه بخصوص «المتزمتين» المسلمين هو وجود قلاعهم في مناطق مجدبة، سكانها متناثرون هنا وهناك، مناطق نائية عن أهم طرق التواصل الدولية في العالم العصري، وبقيت، إلى حين بزوغ عصر البترول الحديث، مهملة من طرف روح المبادرة الغربية. ثمة بالطبع استثناء، لكنه استثناء يؤكد القاعدة، وهو الحركة المهدية التي هيمنت على السودان الشرقي من 1883 إلى 1898. استقر المهدي السوداني، محمد أحمد، وهو على صهوة جواده، في الطريق المائي على طول النيل الأعلى، وذلك بعد المبادرة الغربية بـ»فتح إفريقيا». ومن هذا الموقع الجغرافي غير المساعد، اصطدم خليفة المهديين السوداني بقوة غربية عظمى، وهُزم شر هزيمة لأنه واجه الأسلحة المعاصرة بأخرى عتيقة. ولن نجانب الصواب إذا ما قارنا مسار المهدي بالنصر العابر الذي حققه البطالمة لما وظفوا لصالحهم التخفيف الوجيز للضغط اليوناني ضدهم، وهو النصر العابر الذي استغله اليهود أثناء الفترة الفاصلة بين قضاء الرومان على السلطة السلوقية وحلولهم محلها؛ ويمكننا أن نستنج مما سبق أنه، وعلى غرار سحق الرومان لليهود «القديسيين» في القرنين الأول والثاني من العهد المسيحي، باستطاعة أية قوة عظمى منتمية للعالم الغربي المعاصر (لنقل الولايات المتحدة)، لما ستبتغي ذلك، أن تسحق الوهابيين في حالة ما إذا أصبح «التزمت» الوهابي مزعجا لدرجة تستلزم تصفيته. ولتدعيم هذا السيناريو، يمكننا أن نفترض، على سبيل المثال، إقدام حكومة العربية السعودية، تحت ضغط المتطرفين المناصرين لها، على فرض شروط مفرطة على امتيازات استخراج النفط أو استعدادها للحظر النهائي لاستغلال مواردها البترولية. فعلا، إن الاكتشاف الحديث لهذه الموارد في أراضيها المجدبة يمثل تهديدا لاستقلال العربية السعودية؛ ذلك أن الغرب تعلم كيف يهزم الصحراء باستعمال مخترعاته التقنية: السكك الحديدية والسيارات المصفحة، الجرارات التي تستطيع الزحف مثل حشرة أم أربع وأربعين فوق تلال الرمل، والطائرات القادرة على التحليق فوق ذات التلال مثل العقبان. وبالفعل، ففي الريف المغربي، في الأطلس وعلى الحدود الشمالية الغربية للهند، أبرز الغرب، بين الحربين العالميتين، قدرته على هزم «متزمتين» مسلمين هم أرقى، خلال الحرب ضدهم، من سكان الصحراء. وفي تلك المعاقل الجبلية، واجه الفرنسيون والبريطانيون وهزموا جبليين حصلوا على أسلحة غربية خفيفة وتلقنوا، بشكل جيد، كيفية استعمالها بالطريقة الأنجع لصالحهم في ميدانهم.
لكنه من البديهي أن «المتزمت» المسلح ببندقية سريعة الطلقات لا تخلف دخانا، يفقد صفته كـ «متزمت» قح بدون شوائب، ذلك أنه، وبمجرد تبنيه لسلاح الغربي، يضع رجله في ميدان لم يعد تربة مباركة. وبكل تأكيد، فإذا حدث وفكر في هذا المعطى (وهو أمر يظل احتمال تحققه جد ضئيل بفعل طبع «المتزمت» اللاعقلاني والفطري)، فإنه سيقول لنفسه إن تبني سلاح الغربي أقصى ما يمكنه فعله، وأنه لن يتجاوز هذا الحد؛ وأنه إذا كان قد اعتمد على ما يكفيه فقط من التقنية العسكرية الغربية لتصبح أية قوة عدوانية غربية على مرمى فوهة بندقيته، فهو سينذر حريته التي حافظ عليها بهذه الطريقة لـ»احترام الشريعة» في جميع المجالات الأخرى حتى يستمر في استحقاق بركات الله المغدقة عليه وعلى ازدهاره.
ويمكن توضيح هذه العقلية باستحضار حوار دار، حوالي 1920، بين الإمام الزيدي يحيى، إمام صنعاء، ومبعوث بريطاني كانت مهمته إقناع محاوره بإقرار جزء من الحماية البريطانية على عدن مجددا بشكل سلمي، علما أن الإمام استحوذ على العاصمة خلال الحرب الكبرى لـ 1914- 1918 ورفض إخلاءها لاحقا رغم هزيمة حماته العثمانيين. في آخر لقاء جمعه بالإمام، ونظرا لشعوره بأن مهمته لن تكلل بالنجاح، وبغية تحويل مجرى النقاش، عمد المبعوث البريطاني إلى الإطراء على الإمام بذريعة المظهر العسكري الغربي لجيشه. وبما أنه لاحظ إعجاب الإمام بالمديح، فقد استرسل قائلا:
«وأفترض أنك ستتبنى أيضا المؤسسات الغربية الأخرى؟
– لا أظن، رد الإمام مبتسما.
– آه! حقا؟ الأمر يهمني. وهل أستطيع سؤالك عن السبب؟
– لا أعتقد أنني سأحب باقي المؤسسات الغربية، قال الإمام.
– حقا؟ ما هي هذه المؤسسات مثلا؟
– نعم! البرلمانات، قال الإمام. أفضل أن أكون أنا نفسي الحكومة. قد أجد البرلمان مملا.
– ولماذا إذن؟ قال الإنجليزي. بالنسبة للحكومة المسؤولة، التمثيلية والبرلمانية، يمكنني أن أؤكد لك أنها ليست مكونا ضروريا لجهاز الحضارة الغربية. أنظر إلى إيطاليا. لقد رفضتها، وهي مع ذلك إحدى القوى الغربية العظمى.
– أجل، لكن ثمة أيضا الكحول، قال الإمام. لا أريد رؤيتها تلج بلدي الذي يجهلها لحسن الحظ، إلى اليوم بشكل تام تقريبا.
– هذا طبيعي، رد الإنجليزي، وبما أن النقاش بيننا بلغ هذا الحد، فإنني أستطيع التأكيد لك أن الكحول ليست، هي الأخرى، ملحقا ضروريا للحضارة الغربية. أنظر إلى أمريكا، لقد حظرتها، وهي أيضا، رغم ذلك، إحدى القوى الغربية العظمى.
– جيد، قال الإمام، راسما على شفتيه ابتسامة بدت كأنها إنذار بنهاية الحوار. لا أحب لا البرلمانات ولا الكحول ولا هذا الصنف من الأشياء.»
لم يكن بإمكان الإنجليزي أن يعرف بالضبط ما إذا كانت الابتسامة الأخيرة، التي صاحبت الكلمات الخمسة النهائية، تتضمن دعابة ما؛ وكيفما كان الحال، فالكلمات هذه لامست عمق الإشكال، مثلما أبرزت أن البحث المتعلق بإدماج ابتكارات غربية أخرى في صنعاء كانت أوثق صلة بالموضوع مما ظل الإمام متشبثا بعدم إقراره. بينت هذه الكلمات، في الواقع، أن الإمام، وهو يفكر في الغرب من مسافة جد بعيدة، كان ينظر إليه، من وجهة النظر النائية هذه، على أساس كونه كيانا واحدا وغير قابل للقسمة، ويعتبر أن بعض سماته مرتبطة عضويا بهذه المجموعة الغير قابلة للقسمة؛ وبالمقابل، يبدو، من وجهة النظر الغربية، أن لا علاقة قائمة بين هذه السمات. وكما اعترف بذلك ضمنيا، فالإمام، وهو يتبنى أسس التقنية العسكرية الغربية، قد أقحم في حياة شعبه الحد الرفيع لزاوية ستشق إلى جزأين، ذات يوم، حضارته الإسلامية المنغلقة والمكتنزة لتحدث داخلها، بدون رحمة، انفصالا. لقد كان قد ابتدأ ثورة ثقافية لن تترك، في النهاية، لليمنيين خيارا آخر غير كساء عريهم ببذل جاهزة من النمط الغربي. ولو قدر للإمام أن يلتقي بمعاصره الهندي السيد غاندي، فما سلف هو بالضبط ما كان سيقوله له الأخير؛ مثلما أن تحقق نبوءة مثل هذه كان سيتأكد له بفعل ما جرى سالفا للشعوب المسلمة الأخرى التي تعرضت، قبل أجيال عديدة، لحركة التغريب المخاتلة.
نستطيع، أيضا، تجسيد هذا المعطى بواسطة مقطع مقتطف من تقرير حول أوضاع مصر يعود إلى 1839، تقرير أنجزه الدكتور جون براون لفائدة اللورد بالمرستون، قبيل اندلاع إحدى الأزمات المستفحلة للدبلوماسية الغربية حول «مسالة الشرق»، وذلك حوالي نهاية مسار محمد علي، رجل الدولة العثماني الذي حكم مصر في تلك الحقبة وقام بـ»تغريب» حياة المصريين منهجيا طوال خمس وثلاثين سنة. يشير الدكتور براون إلى معطى يبدو غريبا للوهلة الأولى، معطى وجود مستشفى الولادة الوحيد، أيامها، في مصر المخصص للنساء المسلمات داخل المركب البحري لمحمد علي بالإسكندرية، قبل أن يواصل المبعوث الإنجليزي تقريره منقبا عن سبب هذا الوضع. كان محمد علي يرمي إلى لعب دور مستقل على خشبة القضايا الدولية، ولهذا، كان أول ما يجب عليه فعله هو التوفر على جيش وأسطول بحري حقيقيين. والمقصود بأسطول بحري حقيقي، بالطبع، بواخر مصنعة وفق النموذج الغربي المعمول به وقتها. إن تقنية التصنيع البحرية الغربية تتطلب بالضرورة اختصاصيين مجلوبين من الدول الغربية، لكن هؤلاء سيرفضون الانتقال إلى خدمة باشا مصر، كيفما كانت الحوافز المالية الكبيرة المرصودة لهم، طالما لم يتم توفير شروط الراحة لصالح أسرهم ومستخدميهم، شروط في مستوى ما كانوا متعودين عليه في ديارهم الغربية. وكان أحد الشروط الأساسية لراحة العيش، وفق تصورهم، هو توفر العناية الطبية من طرف أطباء غربيين متمرسين. ومن ثمة، فانعدام مستشفى سيؤدي إلى عدم الحصول على أسطول، لتكون النتيجة إنشاء مستشفى بأطباء وممرضين غربيين داخل المركب البحري منذ البداية. وبما أن المقيمين الغربيين كانوا قليلي العدد، فقد اكتوى العاملون في المستشفى بتلك الطاقة الملتهمة التي أنزل بواسطتها الله لعنته على الفرنكيين، خاصة وأن أهالي مصر لا يعدون ولا يحصون، وأن الإشراف على الولادة يمثل أكبر نسبة ضمن التدخلات الطبية المعتادة. وتتضح جليا، مما سلف، مجريات المسلسل الذي أدى إلى تعميم ولادة النساء المصريات في رحم مركب بحري يدبره اختصاصيون غربيون.
يقودنا ما سبق إلى التطرق للجواب الثاني على الضغط المهدد الممارس من طرف حضارة أجنبية؛ فإذا كان من الممكن اعتبار إمام صنعاء، يحيى، ممثلا لـ»تزمت» الإسلام العصري (أو على الأقل لـ»تزمت» يخفف من حدته الاعتقاد في ضرورة المحافظة على الطاقة الحربية للمواجهات اللاحقة)، فإن محمد علي مثل «الانفتاح» بذكاء مطابق لذكاء البطل هيرودس الذي تحمل طائفة اليهود «المتأغرقين» اسمه. وفي الواقع، ليس محمد علي هو أول «منفتح» برز في الإسلام. لكنه كان أول من انخرط في هذا السبيل «المنفتح» دون التعرض للعقاب، وذلك بعد وفاة رجل دولة مسلم سبقه إلى ذات السبيل: السلطان العثماني سليم الثالث السيء الحظ. كما كان محمد علي أول من سار بإصرار وبنجاح ملموس في هذا الدرب «المنفتح»؛ وذلك بتباين مع المسار الصعب لمعاصره وراعيه من القسطنطينية، السلطان محمود الثالث.
«المنفتح» هو الإنسان الذي يتصرف مطبقا المبدأ التالي: أفضل طريقة للدفاع عن النفس في مواجهة المجهول هي تملك سر هذا المجهول. وحين يجد «المنفتح» نفسه في وضع صعب يفرض عليه مواجهة عدو متمرن ومسلح أفضل منه، فهو يرد عبر التخلي عن فنه الحربي التقليدي، وتعلم كيفية المحاربة بواسطة تكتيك وأسلحة العدو. وإذا كان «التزمت» صنفا من أصناف ما يفضل من الماضي، يتولد جراء الضغط الأجنبي، فـ»الانفتاح» شكل من أشكال العالمية، يتخلق، بالضبط، من نفس العامل الخارجي؛ وبينما تقع آخر المعاقل الصغيرة لـ»التزمت» الإسلامي الحديث في سهوب وواحات نجد والصحراء القاحلة، فإنه ليس من الصدفة أن يتمركز «الانفتاح» الإسلامي الحديث (الذي بزغ بفعل نفس عوامل بروز نقيضه، وفي نفس الوقت تقريبا قبل أكثر من قرن ونصف) في القسطنطينية والقاهرة منذ عهد سليم الثالث ومحمد علي. جغرافيا، توجد القسطنطينية والقاهرة في أقصى نقطة، داخل رقعة الإسلام الحديث، إذا ما انطلقنا من عاصمة الوهابيين الرياض الواقعة وسط سهوب نجد ومن معقل السنوسيين في الكفرة. إن الواحات التي شكلت مصدر قوة «التزمت» تعتبر من المناطق التي يصعب بلوغها؛ أما المدن التي شكلت مهد «الانفتاح» الإسلامي فهي واقعة في صلب طرق التواصل الدولي الكبرى(…).
من البديهي أن «الانفتاح» يجسد، إلى درجة كبرى، أنجع الردين الممكن استعمالهما من طرف مجتمع مجبر على الدفاع عن نفسه أمام صدمة تدخل خارجي أقوى منه. في حالة من هذا القبيل، يحاول «المتزمت» البحث عن ملجأ في الماضي، مثله مثل النعامة التي تدفن رأسها في التراب للإفلات من ملاحقيها؛ أما «المنفتح»، فيواجه الحاضر ببسالة ويستكشف المستقبل. وبينما الفطرة تتحكم في تصرف «المتزمت»، فالعقل هو الذي يتحكم في تصرف «المنفتح». وفي الواقع، فمن المفروض على «المنفتح» بذل جهد مضاعف، يستلزم الفهم من جهة والإرادة من جهة ثانية، قصد تلجيم الزخم «المتزمت» داخله، الزخم الذي يعتبر أول رد فعل طبيعي وتلقائي للطبع الإنساني للتصدي للتهديد الموجه، في الآن ذاته، ضد «المتزمت» و»المنفتح». إن التحول إلى «منفتح» عربون، في حد ذاته، على امتلاك شخصية (علما أنها شخصية غير دمثة بالضرورة)؛ ومن الملفت للانتباه أن اليابانيين – وهم الشعب الذي ظل، ربما، إلى حدود اليوم الممثل الأقل حظا في عالم «الانفتاح» من بين الشعوب التي تحداها الغرب الحديث- كانوا سابقا ألمع «المتزمتين» من 1630 إلى 1860. فبفضل قوة شخصيتهم، استفاد اليابانيون بأحسن شكل من ردهم «المتزمت»؛ ولنفس السبب، وحين أقنعتهم صعوبة الوقائع بأن الإصرار على متابعة نفس النهج سيقودهم إلى الكارثة، قرروا، طواعية وعن قصد، تغيير اتجاه باخرتهم للسير عكس اتجاه الريح نحو «الانفتاح».
ومع ذلك، ورغم أنه رد فعل أنجع، إلى درجة لا تتقبل المقارنة، من «التزمت» ضد «السؤال الغربي» المفتقد لكل رحمة والمطروح على العالم الحديث برمته، فـ»الانفتاح» لا يمنح حلا حقيقيا. إنه لعبة خطيرة إذا ما قاربناه من بعض زوايا النظر؛ ولكي نوظف استعارة أخرى، سنقول إنه مماثل لإقدام المرء على تغيير حصانه وهو يقطع النهر: فالفارس الذي يعجز عن الجلوس على سرجه الجديد يجرفه التيار إلى موت محقق، مثلما هو محقق الموت الذي ينتظر «المتزمت» حين يهاجم الرشاشة بواسطة رمحه ودرعه. إن العبور صعب والكثيرون يقضون نحبهم خلاله. في مصر وتركيا مثلا ?الدولتان اللتان استخدمتا مختبرا من طرف رواد «الانفتاح» المسلمين-، ظل الأتباع دون مستوى المهمة البالغة الصعوبة التي خلفها لهم «رجال الدولة القدامى». وفي كل دولة منهما، وبعد أقل من مائة سنة من انطلاقتها، أي في السنوات الأولى من الربع الأخير من القرن التاسع عشر، اصطدمت الحركة «الانفتاحية» بالفشل؛ ولا زال التأخر المتعدد وآثار العقم الناتجة عن هذا الفشل حاضرة بقسوة، وعلى مستويات عدة، في حياة البلدين معا.

2/22/2013