موقع ملتقى ابن خلدون للعلوم والفلسفة والادب
yyy
لا يقتصر إنجاز « إميل دوركايم » على تأسيس السوسيولوجيا كعلم ، فهي تتجذر في تأمل تاريخي قلق حول قدوم المجتمع الصناعي ، و ما يتسم به من إختفاء الأطر الإجتماعية القديمة ، و ما صاحبه من أزمة في القيم و المعتقدات الجماعية ، ففي كتابه « في تقسيم العمل الإجتماعي » يحلل « إميل دوركايم » الإنتقال من نمط إجمالي للمجتمع ، إلى نمط أخر ؛ فالمجتمع القديم يتصف بتضامن ميكانيكي ، حيث يمكن للأفراد أن يحل بعضهم ، محل بعضهم الأخر ؛ و وعيهم بكامله مهموم بالأخلاق و المعتقدات الجماعية ؛ أما المجتمع الجديد ، فيتصف بتضامن عضوي : فهو مؤلف من أفراد متمايزين بشكل صريح ، بسبب تأثير تقسيم العمل ؛ و ينعتق الوعي الفردي بشكل كبير من أخلاق الجماعة ، و من قيمها Philippe Cabin & Jean-François Dortier ؛ لقد نتجت تبدلات عميقة إذن ، خلال فترة قصيرة من الزمن ، في بنى مجتمعاتنا ، و نتيجة لذلك تقهقرت الأخلاق التي كانت تتوافق مع النمط الإجتماعي القديم ، دون أن تتطور ـ أخلاق ـ أخرى ، بالسرعة المناسبة في وعينا ـ ضمائرنا ـ ؛ إيماننا مضطرب ، و التقاليد فقدت سلطتها ، و تحررت المحاجبة الفردية من المحاجبة الجماعية ؛ لكن الحياة الجديدة التي إستخلصت ليست منتظمة ، بشكل يكفي الحاجة إلى العدالة التي إستيقظت في قلوبناEmile Durkheim ؛ ففي المتن الإبستمولوجي « لإميل دوركايم » يستحيل بالمرة إيجاد أو العثور ، على تعريف سوسيولوجي محدد للمدينة ، بكامل خصائصها و مميزاتها ؛ إلا أن إنشغاله بها ، كان مضمرا في أطروحته « في تقسيم العمل الإجتماعي » حيث سعى لتفسير عملية الإنتقال ، من ذاك التضامن الآلي ، الذي تتأسس عليه المجتمعات التقليدية ـ البدوية ـ إلى ذاك التضامن العضوي ، الذي يميز المدينة و المجتمع الصناعي ؛ هذا الإنتقال حسب « إميل دوركايم » يدفع بالإرتفاع التدريجي للكثافة المادية ـ الديموغرافية ـ في المجتمع ؛ الأمر ، الذي ينتج تلك الكثافة الروحية فيه ؛ أي ، أن إنتقال الإنسان من المجتمعات الأقل تطورا ، إلى مجتمعات متحضرة ، و ذلك بفضل إرتفاع المستوى المادي للكثافة السكانية ، التي تولد بدورها كثافة روحية ؛ يتخللها نوع من التضامن الوظيفي ، بين أفراد المجتمع ، و هو الذي يخلق الحضارة[ زهير قاسمي ]؛ ففي دراسته هذه ـ تقسيم العمل الإجتماعي ـ تعكس إهتمام عالم إجتماع بتحليل الواقع الإجتماعي ، و تفسير ظواهره الإجتماعية المعقدة ، من أجل معرفة الظروف و العوامل ، التي تؤدي إلى التغيير و التطور الجذري ، في جميع أنماط الحياة الإجتماعية ، و تشكيل العديد من البناءات التنظيمية ، السياسية و الدينية ، و الإقتصادية في المجتمع الحديث [ عبد الله محمد عبد الرحمن ] ؛ ففي تحليله للحياة الإنسانية و الإجتماعية في المدينة ، يرى أن تزايد تقسيم العمل الذي يميز المجتمع الحديث ، يؤدي إلى الإطاحة بالتكامل الإجتماعي التقليدي ، إذ يوجد في نفس الوقت ، شكل جديدا من التماسك الإجتماعي ، الذي يقوم على الإعتماد المتبادل بين الأفراد و الجماعات ، و الذي يعبر عنه بوضوح أكبر في الإتفاقات التعاقدية بين الأفراد و الجماعات [ السيد عبد المعطي السيد ] ؛ فظاهرة تقسيم العمل في العصر الحديث ، تطورت بصورة أكثر تعقيدا ، مما كانت عليه في العصور الماضية ؛ هذا التطور كان نتيجة لظهور متغيرات جديدة في العصر الصناعي الحديث ، مثل إستخدام قوة الآلات و نمو رأس المال ؛ و من ثمة ، كانت الحاجة إلى تحديث نظام لتقسيم العمل ، من أجل تطوير المهن و الوظائف Occupations على أساس التخصص Specialization ؛ ليس فقط في المصانع و المشروعات الصناعية ، و التجارية و التنظيمات السياسية ، و الدينية فحسب ؛ بل في جميع الأنشطة الإجتماعية ؛ و هكذا ، أصبحت ظاهرة تقسيم العمل ، حاجة ملحة ملازمة للتطور و التغير ، الذي حدث في البناءات التنظيمية و الإجتماعية [ عبد الله محمد عبد الرحمن ] ؛ و في هذا السياق ، توجد عديد من العوامل و الأسباب ، التي تؤدي لزيادة تقسيم العمل ، و تطوره بصورة أكثر تخصصا ، حتى يتلاءم مع حقيقة المجتمع الصناعي الحديث ، و التغيرات التي تحدث في جميع البناءات التنظيمية الإجتماعية المختلفة ، و من أهم العوامل (1) زيادة السكان و كثافتهم (2) تكوين المدن الحديثة و زيادة التحضر (3) التطور السريع في وسائل النقل و المواصلات ؛ بالإضافة إلى ذلك ، توجد بعض العوامل الثانوية الأخرى ، التي تساعد على زيادة تقسيم العمل ، و التخصص و هي : الهجرة Immigration، و الحراك الإجتماعي Social Mobility، و البيئة الإجتماعيةSocial Enviroment ، و الظروف الفيزيقية و الطبيعية في المجتمع [ عبد الله محمد عبد الرحمن ] ؛ فتقسيم العمل ، يختلف بإختلاف حجم المجتمع و كثافة السكان ، و شدة التفاعل الإجتماعي ، فإزدياد عدد السكان هو العامل الأساسي لتقسيم العمل ، فقد ترتب عن ذلك شدة الصراع من أجل البقاء و الإستمرار ؛ فكثرة العدد ، تفرض على الناس ضرورة التخصص المهني ، الذي يتيح فرصة أوسع للحصول على و سائل الحياة [ عبد المالك عاشوري ] ؛ زيادة على كون « إميل دوركايم » حاول الربط في تفسيره لوظيفة تقسيم العمل ، و فكرته للتظامن الإجتماعي ؛ حيث أوضح ، أن للتضامن الإجتماعي أنواع متعددة و أشكال مميزة ، تعكس طبيعة الواقع الإجتماعي المتنوع ، مثل التضامن العائلي ، التضامن الوظيفي و المهني ، و التضامن القومي أو الوطني ، و كل نوع من هذا التضامن ، يعكس بصورة أو بأخرى ، طبيعة تقسيم العمل ، و التخصص و تحديد الواجبات و الحقوق ، داخل كل تنظيم أو جماعة إجتماعية ، إبتداء من تنظيم العائلة أو الأسرة ، حتى التنظيمات الكبرى المعقدة في المجتمع [ عبد الله محمد عبد الرحمن ] ؛ فوفق هذه الثنائية الشهيرة إذن ، التي تقابل بين نوعين من المجتمعات ، و وفقا لشكل التضامن الإجتماعي ، أولهما ، يقوم على التضامن الآلي ، و يتميز هذا النوع ، بأنه ساذج و بسيط غير معقد التركيب ، وغير مميز الوظائف ، و غير خاضع لمبدأ توزيع العمل ، كما أن الدين ، هو أقوى مظاهر الحياة الجمعية في هذا الشكل من المجتمعات ، و هو الذي يشكل جميع وجوه نشاط الأفراد ، و يعطي لونه و طبيعته على كل شيء في المجتمع ، و يغلب على هذه المجتمعات سيادة العرف و التقاليد ، و الخضوع لسلطات العادة الإجتماعية ، و يسمي « إميل دوركايم » هذه الأشكال ، بالمجتمعات البدائية ؛ فقد عبر عن أن المجتمع الريفي ، أو الجماعة المشابهة له ـ نموذج التضامن الآلي ـ تتسم بعلاقة تماسك ميكانيكية ، و روابط إجتماعية تقوم على أساس التشابه ، و المماثلة و المعتقدات و العادات ، و الطقوس و الرموز المشتركة ، حيث يتعامل أفراد المجتمع تلقائيا ، و يستجيبون لبعضهم ميكانيكيا في الحياة [ عبد المالك عاشوري ] ؛ في المقابل ، نجد نموذج التضامن العضوي ، الذي يتميز بالتعقيد و التركيب ، فما يميزه هي وظائفه ، إذ يخضع لمبدأ توزيع العمل ، حيث تتوزع الأعمال و الوظائف فيه ، و تزيد درجة التخصص و يصبح الفرد أداة للإنتاج ، و عنصرا من العناصر الإجتماعية ، و يغلب على هذه المجتمعات سلطة القانون ، و قوة التعاقدية القانونية ، و من الأمثلة على هذا الشكل من المجتمعات : نظام المدينة [ فهمي سليم غزوي ] ؛ حيث يصاحب تقسيم العمل في المجتمع ، ظهور التضامن العضوي ؛ فتقسيم العمل و ما يترتب عليه ، يعمل على تدعيم نوع من التساند المتبادل في المجتمع ، و ينعكس هذا التساند المتبادل على العقلية الإنسانية ، و الأخلاقيات ؛ فحين يسود التضامن الآلي ، يتميز الضمير الجمعي بقوة الملاحظة ، و يكتسب هذا الضمير واقعا ملموسا ، و يدعم الروابط بين الأجيال ، و يعيش بين الأفراد و يتخلل حياتهم ؛ إلا أنه يكتسب مزيدا من القوة و التأثير و الإستقلال ، حينما يحقق نوع من التماثل الواضح بين الأفراد ؛ و يسود هذا الوضع في المجتمعات التقليدية ، التي تتميز بالتضامن الآلي ، حيث يسيطر الضمير العام على عقول الأفراد و أخلاقيتهم [ عبد المالك عاشوري ] ؛ فالتضامن الآلي إذن : هو ذاك التضامن الذي يقوم على التشابه ، بين الأفراد على كافة المستويات ، فينصهر الفرد داخل الجماعة ، و يفقد حريته ، فلا يتمتع بها و لو بجزء قليل ؛ فجميع تصرفاته خاضعة للتقليد ، و الأعراف المتوارثة و السائدة[ زهير قاسمي ]؛ إذ تنمحي فردانيتنا عندما يشتغل التضامن الآلي ؛ فلا يكون الفرد فردا ، بل كائنا منصهرا في الجماعة ، و لا تتماسك الوحدات الإجتماعية إلا بهذه الطريقة ، و لا يمكن لهذه الوحدات أن تتحرك مجتمعة ، كحركة الأجسام اللاعضوية ، لذلك نقترح أن نسمي هذا التضامن ، بالتضامن الآلي Emile Durkheim ؛ فهذا التضامن يسود في المجتمعات البدائية ، و في مساحات صغيرة حيث تبتلع الشخصية الجماعية ، الشخصية الفردية ؛ بمعنى مغاير ، أن هذا التضامن يوجد في المجتمعات البدائية البسيطة ، و يشير إلى تواجد التضامن بين أفراد المجتمع ، الذي يتم عن طريق العادات و التقاليد ، و العواطف المشتركة بينهم ، تلك العناصر التي تسمى بروابط الشعور الجمعي ، و التي تعمل أيضا على التكامل الإجتماعي Social Integration ، الذي يعتبر العامل الرئيسي ، في وجود و إستمرار الحياة الإجتماعية ، حيث يعمل على زيادة الروابط ، و العلاقات الإجتماعية ، و التكامل بين الأفراد في المجتمع ؛ « فإميل دوركايم » حاول أن يربط هذا النوع من التضامن ، و نوعية الجزاءات و طبيعة القواعد الأخلاقية ، و المعيارية و القانونية بصفة عامة ، و أثرها على الحفاظ على التماسك الإجتماعي ، الذي يظهر عن طريق الإحساس المشترك بالوعي الجمعي ، و الإنتماء إلى المجتمع ؛ وعموما هذا النوع من المجتمعات ، يتميز بالتجانس الإجتماعي Social Homogenous [ عبد الله محمد عبد الرحمن ] ؛ و في المقابل لهذا النوع من التضامن ، نجد نقيضا له ، تحت إسم التضامن العضوي ؛ و هو نوع تتميز به التجمعات المتحضرة ، لأنه يقوم على الإختلاف و التباين ، لذلك فالفرد يحتفظ ببعض الإستقلالية ، و الحرية الشخصية ، بسبب تقسيم العمل ، و ظهور مختلف التخصصات و المهن ، فما يربط الفرد بالمجتمع هو النشاط الوظيفي ، فيبقى المجتمع في حاجة إلى أفراده ، كما أن الأفراد في حاجة إليه[ زهير قاسمي ]؛ فالتضامن الآلي ، يختلف كليا عن التضامن الذي ينتج عن تقسيم العمل ؛ فإذا كان التضامن الأول ، يستلزم تشابه الأفراد ؛ فإن التضامن الثاني ، يفترض إختلاف بعضهم عن البعض الأخر … و لا يكون الثاني ممكنا ، إلا إذا كان لكل فرد مجاله الخاص به ، و بالتالي شخصية مميزة Emile Durkheim ؛ بمعنى أخر ، أن هذا التضامن ، يشير إلى طبيعة المجتمعات الصناعية الحديثة ، حيث يختلف مضمون التضامن إختلافا ، يكاد يكون جذريا عن التضامن الموجود في المجتمعات البسيطة ؛ لأنه لا يقوم على نسق العادات و التقاليد ، و العواطف المشتركة و الإنتماء ، و الشعور الجمعي ؛ و لكن ، يقوم أساسا على مبدأ تقسيم العمل ، و الإتجاه نحو المزيد من التخصص في المهن و الوظائف ، و إستقلالية الفرد الذاتية عن الجماعة ، التي يتنمي إليها ؛ فكل عضو في المجتمع يسعي لتحقيق أهدافه الخاصة ، و ينعكس ذلك على وجود الإختلافات بين الأفراد في أرائهم ، و إتجاهاتهم و سلوكاتهم ، و يكون النظام القانوني الرسمي ، هو سمة الضبط الإجتماعي ، بعيدا عن العرف و العادات و التقاليد ؛ و عموما ، يظهر هذا المجتمع نتيجة لزيادة التصنيع ، و التنوع في النشاطات الإجتماعية ، و السياسية ، و التعليمية ، و الدينية ، إلى زيادة التخصص و تقسيم العمل ، و وجود النزعة الفردية ، و يتميز باللاتجانس الإجتماعي Social Hetergenous [ عبد الله محمد عبد الرحمن ] ؛ فوفق هذا المنطق إذن ؛ فما يميز البادية عن المدينة ، حسب « إميل دوركايم » هو سيادة ذاك التضامن الآلي ، المبني على التشابه ، في كافة و مختلف المستويات ـ العقلية و المهنية ـ و الذي يهيمن ـ التضامن الآلي ـ على البادية و المجتمعات التقليدية ، التي لا تعرف تقسيما للعمل ، أو تعرف التقسيم البسيط المبني على الجنس ؛ و لا يتمتع فيها الفرد بأية شخصية مستقلة ، لأنه يتماهى و يتشابه مع الآخرين ، بل و يذوب فيهم ، و يتصرف وفقا للأعراف و العادات السائدة و المتوارثة ؛ إنها مجتمعات تجزيئية أو مجتمعات للتضامن الآلي ، أي أن ما يميز المجتمعات الغير منظمة ، هو تجانس الضمائر ، أي ، أن الضمائر و التنظيمات ، تتشابه إلى درجة أن الفرد يندمج كلية في الجماعة ، فتكون العادات و التقاليد ، هي التي تتحكم في أبسط الأمور الفردية Emile Durkheim ؛ أما الثانية ، أي المدينة ، فيطغى عليها ذاك التضامن العضوي ، القائم بين أفرادها المختلفون مع بعضهم البعض ، لأن الفرد في المدينة رغم كونه يصبح أكثر حرية على المستوى الشخصي ، إلا أن ظاهرة تقسيم العمل الكثيفة فيه ، تجعله ـ الفرد ـ في حاجة إلى الآخرين ؛ و من هنا ، فإن التضامن يتم عن طريق الاختلاف ، و ذلك ما يسميه « إميل دوركايم » بالتضامن العضوي ، مشبها بذلك المجتمع الحضري بأعضاء الكائن الحي ، التي تختلف و تتباين ، و لكنها تتكامل و تتضامن ؛ على أي حال ، إن إهتمام « إميل دوركايم » بتناول ظاهرة تقسيم العمل إذن ، لم تأت من فراغ ، بل تعكس إهتمام العالم السوسيولوجي ، الذي إهتم بتناول التغيرات الإجتماعية ، السياسية ، و الدينية التي تحدث في الواقع الإجتماعي ؛ و خاصة أن مرحلة ظهور « إميل دوركايم » و معاصرته لأهم أحداث العصر الحديث ، و هي قيام الثورة الفرنسية ، و ما صاحبها من قيام الثورة الصناعية ؛ و ظهور ما يعرف بنظام المصنع ؛ التي كان لها أثر قوي ، و عامل جوهري في تغيير كل من النظم الفكرية ، الثقافية و الإقتصادية ؛ كل ذلك أدى إلى زيادة الإهتمام بتناول الحقائق الإجتماعية ، و معالجتها في ضوء ظاهرة تقسيم العمل و التخصص ، مع تحليل التغيرات الناتجة ، و أثرها على البناءات التنظيمية ، و خلق تنظيمات و نظم حديثة ، حتى تلائم طبيعة الحياة الإجتماعية المعقدة في العصر الحديث