عبد الحميد جماهري/

جريدة الاتحاد الاشتراكي 26 فبراير 2013

عممت الصحافة الوطنية صورة لوزير العدل، السيد مصطفى الرميد وهو يتحدث الى إحدى المواطنات، بتعليق يقول فيه« ماشي حرام أن تضربي وتعوضي»، وهو بذلك يبرر الاقتطاعات من الأجور، بالنسبة للمضربين في قطاع العدالة والذي جعل منه السيد الوزير مجالا حيويا للتأويل الشخصي والقرار الانفرادي.
للوهلة الأولى يبدو الوزير وكأنه يتكلم لغة المواطنين البسطاء، الذين يلجأون الى مفاهيم الحلال والحرام في الفرز بين السلوكات والمواقف. ويبدو كما لو أنه يحدثهم باللغة التي يفهمونها.
والحقيقة أنه انزلاق خطير وفظيع بالنسبة لمن يتحدث باسم الدولة وباسم التشريع وباسم الحقوق.
فالأمر لا يتعلق في جوهره بالحلال أو الحرام، بل بالحقوق والواجبات، بالقوانين والتشريعات.
هذا الانزلاق، يريد الوزير أن يعفيه أولا من مسؤوليته كعضو في الحكومة. في ما يتعلق بالشجاعة الأدبية في تقديم مقترح قانون حول الإضراب، وهو القانون المنصوص عليه دستوريا والذي يحتاج بالفعل الى قرار سياسي للحكومة حتى تصبح الأمور واضحة مع الفرقاء الاجتماعيين والرأي العام.
وعندما يلجأ السيد وزير العدل الى سُلّم الحلال والحرام، يخلط الأوراق، ويستحلي الهروب الى الأمام وتبرير الاستبداد في مجال اختصاصه.
إذا كان “الحلال بين والحرام بين” ، فإن الوزير اختار في قضية الإضراب الشبهات!
وبذلك يصبح المضرب .. كافرا لأنه ارتكب الكبيرة، أي الحرام.
ومن لم يضرب، أي كان في صف الوزير هو مؤمن ويستحق الجنة والثناء.
والاقتطاع هو بمثابة صك الغفران، من اقتطع له رفعت عنه اللعنة، ومن لم يقبل بذلك، فبئس المصير..
وغدا، قد لا نحتاج الى محاكم ولا إلى محامين ولا الى سجون، بل سنحتاج الى شرطة المطاوعة، والى مفتين وإلى جلادين ومن يقيمون الحد، لأن الأمر لم يعد يحسم على قاعدة القانون ، بل على قاعدة الحلال والحرام. أي تطبيق الشريعة المضمرة!
لقد بنى السيد الوزير حياته المهنية ومساره السياسي على قواعد القانون، وكما نعتقد لم ينس بأنه محام، وبالتالي لم ينس أن القانون هو الروح العامة للأمة.
فهل يريد أن يغير روح الأمة العامة الى تأويلات خاصة؟أم يريد أن يعطل روح القوانين ، قبل أن يلغيها؟
الأمر ببساطة يستدعي من الحكومة أن تقدم قانون الاضراب، بعد أن تقنع أو لا تقنع الشركاء الاجتماعيين، ويستدعي من الوزير أن يصوغ مع الأمة القاعدة القانونية التي تحكم بين الناس، وعلى أساسها يكون الفرز ، جزاء أو عقوبة!
إن «طقسنة»ritualisation الفضاء العمومي للنقاش أو النقاش العمومي هو بوابة غير سليمة بالمرة في تدبير شؤون البلاد. وعندما يسود منطق الحلال والحرام، يليه، مباشرة، منطق التكفير والتخوين، وهما كما نعلم عتبتان للفتنة. وهي نائمة نتمنى لها ليلة سعيدة عوض أن نوقظها.

2/26/2013