درقــــام نــاديــة

* أستاذةبقسم الفلسفةكليةالعلوم الاجتماعيةجامعةوهران.

إن الحضارة الإسلامية والعربية قد قامت على عدد من المقومات العقائدية والفلسفية والبيئية والاجتماعية التي كان لها أكبر الأثر في تشكيل وجدان الإنسان الفنان، وتكوين نظرته الفنية، وتحديد إطار رؤيته الجمالية والإبداعية، ورسم ملامح شخصيته عقلاً وفكراً وروحاً. الأمر الذي أدَّى في النهاية إلى صبغ مختلف ضروب الفنون العربية والإسلامية بمجموعة من السمات الفنية والروحية التي تشترك فيها جميعاً.

وتُعدُّ المدرسة الصوفية إحدى معالم هذه الحضارة، حيث أسهمت بطروحات ونظريات، لا سيما الطروحات الجمالية، كما أن هذه المدرسة تؤمن بالممارسة السلوكية كطريقة ومنهج للوصول إلى كشف الحقائق، فكانت ممارسة الفنون إحدى خصائصها التي ساعدتها على توضيح موقفها الجمالي والفني، ومن هذا المنطلق سنتطرق إلى الجمال والفن عند الصوفية.

ماهية الجمال

الجمال مصطلح عند الصوفيين؛ فقد ورد لأول مرة في معجم المصطلحات، مع التهناوي في (كشاف مصطلحات الفنون)، فقد خالف التهناوي كل من أبي البقاء والقاضي النكري في تعريف الجمال، واعتبر أن الجمال هو الحسن، فقال: «الجمال: بالفتح وتخفيف الميم في اللغة بمعنى الحسن وحسن الصورة والسيرة».

إن الجمال يطلق على معنيين:

أحدهما: الجمال الذي يعرفه الجمهور، مثل صفاء اللون ولين الملمس، وغير ذلك مما يمكن أن يُكتسب، وهو على قسمين: «ذاتي، وممكن الاكتساب».

وثانيهما: الجمال الحقيقي: وهو أن يكون كل عضو من الأعضاء على ما ينبغي أن يكون عليه من الهيئات والمزاج.

الجمال ما يُتجمَّل به ويُتزيَّن به، وهو يعني الحسن الكثير، قال تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} أي لكم فيها تجمل وتزيين عند الناظرين إليها.

والجميل من أسماء الله الحسنى يدل على صفة الجمال بدلالة التضمن، لما ورد في حديث عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنةً، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».

والصبر الجميل والصفح الجميل، أحسن ما يكون من الصبر والصفح كما قال تعالى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ}، وقوله: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ}.

الجمال هو تجلية بوجهه لذاته فلجمال الله المطلق جلال.

يعدّ الجمال من اصطلاحات الصوفية، حيث إن الجمال الحقيقي عندهم هو صفة أزلية لله تعالى، وعبارة عن أوصافه العليا وأسمائه الحسنى على العموم، وأما على الخصوص، فصفة الرحمة والعلم واللطف والنعم والجود والرازقية والنفع وأمثال ذلك كلها من صفات الجمال.

والجمال عند ابن عربي نعوت الرحمة والألطاف من الحضرة الإلهية، وهو معنى يرجع من الله إلينا في التنزلات والشاهدات والأحوال، وله فينا أمران الهيبة والأنس، وذلك الجمال دنوًّا وعلوًّا، فالعلو نسميه: جلال الجمال، وفيه يتكلم العارفون، وهو الذي يتجلى لهم، ويتخيلون أنهم يتكلمون في الجلال الأول، وهذا جلال الجمال، قد اقترن معه منا الأنس والجمال الذي هو الدنو، اقترن معه منا الهيبة، فإذا تجلى لنا جلال الجمال أنسنا، ولولا ذلك لهلكنا، فإن الجلال والهيبة، لا يبقى لسلطانهما شيء فيقابل ذلك الجلال منه بالأنس منا، لنكون في المجاهدة على الاعتدال حتى نعقل ما نرى ولا نذهل، وإذا تجلى لنا الجمال هبنا، فإن الجمال مباسطة الحق لنا، والجلال عزته عنا، فتقابل بسطه معنا في جماله بهيبته فإن البسط يؤدي إلى سوء الأدب، وسوء الأدب في الحضرة سبب الطرد والبعد، ولهذا قال بعض المحققين ممن عرف هذا المعنى: اقعد على البساط وإياك والانبساط فإن جلاله في أنسنا يمنعنا في الحضرة من سوء الأدب.

الجمال هو تجلية بوجهه لذاته فلجماله المطلق جلال هو قاهريته لكل عند تجلية بوجهه فلم يبق أحد حتى يراه، وهو علو الجمال وله دنو يدنو به منا وهو ظهوره من الكل كما يقول الشيباني: جمالك في كل الحقائق سافر وليس له إلَّا جلالك ساتر.

الجمال عبارة عن إلهام الغيب الذي يرد على قلب السالك، ويرد أيضاً بمعنى إظهار كمال المعشوق من العشق وطلب العاشق، والجمال الحقيقي صفة أزلية لله تعالى مشاهدة في ذاته أولاً مشاهدة علمية، فأراد أن يراه في صنعة مشاهدة عينية، فخلق العالم كمرآة شاهد فيه عين جماله عياناً.

الجلال

الجلال نعوت القهر من الحضرة الإلهية الذي يكون عنده الوجود.

الجلال هو احتجاب الحق تعالى عنا بعزته وألَّا نعرفه بحقيقته وهويته كما يعرف هو ذاته، فإن ذاته سبحانه لا يراها أحد على ما هي عليه إلَّا هو.

إن جلال الله تعالى عبارة عن ذاته بظهوره في أسمائه وصفاته كما هي عليه على الإجمال، وأما التفصيل فإن الجلال عبارة عن صفات العظمة والكبرياء والمجد والثناء، وكل جمال له فإنه يشتد ظهوره يسمى جلال.

والجلال إظهار استغناء المعشوق عن عشق العاشق، وهو دليل على فناء الوجود وغرور العاشق وإظهار فقره وبقاء ظهور المعشوق كما يكون للعاشق اليقين به.

والجلال نعت إلهي يُعطي في القلوب هيبةً وتعظيماً، وبه ظهر الاسم الجليل.

ويذهب الجيلاني إلى أن الجلال بالإجمال هو الجلال المطلق لله الذي يستحيل لغيره أن يراه فيه، وأما جلال الجمال فهو جلال الجمال الذي تجلى لنا فيه، بحيث إنه لما تجلى لنا فيه جماله، وكان جلاله مقترناً بجماله، فكان تعالى لأجل الجلال والجمال عند تجليه لنا مما لا يستحيل علينا أن ندركه في تجليه لنا. ومن لم يعرف ما اختص به أهل السنة من بين سائر الطوائف، حيث اثبتوا كونه تعالى مرئيًّا بالأبصار في دار القرار مع تنزُّهه عن الجهة، والتحيُّز وتوابعهما، بخلاف من نفى الرؤية من الفلاسفة والمعتزلة لأجل تنزُّهه عن الجهة، أو من أثبت الجهة لأجل رؤيته، فقد اتَّضح مما ذكرنا معنى الجلال والجمال المطلقين.

ولهذا الجمال جلال هو احتجابه بتعيُّنات الأكوان، فلكل جمال جلال، ووراء كل جلال جمال، ولما كان في الجلال ونعوته معنى الاحتجاب والعزة، لزمه العلو والقهر من الحضرة الإلهية والخضوع والهيبة منا، ولما كان في الجمال ونعوته معنى الدنو والسفور، لزمه اللطف والرحمة والعطف من الحضرة الإلهية والأنس منا.

ويذهب الجيلاني إلى أن للجلال بالتفصيل ظهورين اثنين، هما: جلال الجمال وجمال الجلال. الأول يكمن في مبادئ ظهور الحق على الخلق، والثاني يكمن في اشتداد ظهور الحق في الخلق. بمعنى أن الموجودات توجد بجلال الجمال، وتتميَّز فيما بينها بجمال الجلال. وكأن الجيلاني يؤكد فعل الخلق والإيجاد والإبداع لا يمكن أن يتم إلا بالجلال -جلال الجمال هنا-، أما تميّز الموجودات فيحتاج إلى الجمال -جمال الجلال هنا-، أما بالنسبة إلى الجلال المطلق والجمال المطلق فلا مدخل للإنسان فيهما، وإن يكن لكل منهما مظهر حسي.

جمال الجلال

هو حضرة الدنو الذي منها تجلى لعباده، وباعتبار صحت المعرفة له، وأهل العبيد لعبادته كما قيل: جمالك في كل الحقائق سافر، وليس له إلا جلالك ساتر.

وبجماله ظهر لخلقه بخلقه، وبجلاله حجبهم عن معرفته، فالجمال سافر والجلال ساتر، ولما كان الجلال معنى يرجع منه إليه، بحيث لا يصح لغيره أن يراه فيه لانفراده تعالى بحضرة جلاله، لم يكن الجلال هو جلال الجمال بعينه.

إن الوقوف على الجمال كمصطلح صوفي، وذكر مختلف التعريفات التي لا حصر لها، بحكم أن هذا المصطلح كان من المصطلحات المحورية لمعظم الصوفية؛ يطول، لذلك اكتفينا بعرض ما يفي بالغرض من هذا البحث، لأن هناك مصطلحات لها علاقة بالجمال عدا الجلال، عكست في الأغلب التجربة الجمالية للصوفي كالمحبة والعشق…

وقد تميَّز تفاعل الصوفية مع كل أنواع الجمال بلا استثناء؛ إذ غايتهم هو إدراك الجمال الحقيقي، فلا يقف إحساسهم بالجمال عند حدود العالم الحي، بل تسمو حواسهم إلى عالم إلهي نوراني مقدّس، تتمثّل فيه كل القيم الفاضلة والأبدية الخالدة، وإزاء هذا الجمال الإلهي المنبثق عن الذات الإلهية يتلاشى كل جمال أرضي. وقد يرى بعض الصوفية أن الصورة الجميلة المحسوسة المشاهدة على الأرض إنما تفيض عن جمال الذات الإلهية، فيستغرقون في تأمل هذه الصورة الجزئية لا إعجاباً بها؛ بل لأنها تدل على جمال الحقيقة الإلهية وتشير إليها.

لقد صرف الفكر الجمالي العربي – الإسلامي اهتمامه إلى ثلاث قيم جمالية، وهي الجلال والجمال والقبح، مغفلاً إغفالاً تامًّا مفهومي التراجيدي والكوميدي، على حين لم يشر إلَّا إشارات جمالية عامة في أغلب الأحيان، إلى مفهوم المعذب، بل إن هذا الفكر قد أعطى جل اهتمامه إلى الجلال والجمال، بحيث يصح لنا القول بأن هذا الفكر فكر الجلال والجمال، كما أنه فكر الكمال معرفيًّا.

والبحث الجمالي في الفكر العربي الإسلامي، فالهدف منه يكمن أولاً في تبيان الجلال والجمال في الكمال الإلهي، ويكمن ثانياً في تبيان الجمالات التي فاضت منه.

إن ارتباط المبحث الجمالي بمبحث الإلهيات قد جعله مبحثاً ميتافيزيقيًّا، حيث إن قوامه الأساسي يتحدّد بتبيان ما هو محبوب وملذ وقاهر في الكمال الإلهي. أما بالنسبة إلى الجمالات الفائضة منه، فإن الحديث عنها لا يعدو أن يكون مقدمة أو نتيجة للحديث عن الكمال والجلال والجمال في الذات الإلهية. بمعنى آخر: إما أن يكون جمال الله دليلاً على جمال العالم، أو أن يكون جمال العالم دليلاً على جمال الله، وفي الاستدلالين ثمة هدف واحد، هو الله.

الجميل لا يقبل التعريف ولكن يمكن معرفته من خلال الآثار التي يتركها في الشعور والوجدان، فالجميل يبعث الابتهاج والقبيح يبعث الاستهجان. الجمال والبهاء والزينة في كل موجود هو أن يوجد وجوده الأفضل، ويحصل له كماله الأخير. وإذا كان (الوجود) الأول وجوده أفضل الوجود، فجماله فائت لجمال كل ذي الجمال، وكذلك زينته وبهاؤه، ثم كلها له في جوهره وذاته. وأما نحن، فإن جمالنا وزينتنا وبهاءنا هي لنا بأعراضنا، لا بذاتنا، وللأشياء الخارجة عنا، لا في جوهرنا.

«الله جميل» يعني أنه (سبحانه وتعالى) قدير على جذب قلوب عباده برباط الحب مستحوذ بمفرده على حواسهم، فلا يدع لغيره موضعاً في المشاهدة حين يكشف عن وجهه داعياً إياهم للصعود إليه سالباً منهم باختيارهم إرادة غيره؛ لأنهم يجدون عنده وحده ما يشتهون، ولا يعرفون أنفسهم إلَّا به، وحده -في الحقيقة- الجدير بالحب.

وهنا لا بأس أن نذكر أن الرومي يعتبر أن كل ما هو محبوب جميل، وليس كل ما هو جميل محبوب، لأن الجميل فيه جهتان: جهة الصورة والحد، وجهة المضمون والمحتوى، فنحن نعشقه (الجميل) للجمال المتجلي فيه لا لصورته، وهنا يبرز مفهوم التوقف أو الوقوف، فإن أي وقوف هو حجاب بينما الجمال يجذبنا ويشعل في الروح جذوة الحب لأصل الجمال، وهو الحق تعالى.

فالصور الجميلة حتى وإن كانت ملكوتية، بل حتى الجنة وجمالها، فهي حد يجب تجاوزه، فالمطلوب هو الوجه وهو عين الجمال، فنورانية الجميل تكون حجاباً يمنع الاستغراق في الذات التي هي كنز الجمال.

الفن عند الصوفية

إن كلمة الفن تطلق على كل إبداع تنتجه يد الإنسان مهما اختلفت المادة التي يُصاغ فيها هذا الإبداع أو النمط الذي يتم من خلاله هذا الإبداع.

من هنا يتبيَّن أن أهم سمة ميَّزت الإنسان في ميدان الفن هو الإبداع، إذ إن الفن بمعناه الحقيقي هو ذلك النوع من النشاط الإنساني الذي يقوم على ابتكار صيغ غير مألوفة، وعلى تحويل الوسائط المختلفة إلى أعمال محسوسة نشعر عند إدراكنا لها بنوع من المتعة والسرور والارتياح. وهو ترجمة لفكرة محددة في صياغة جمالية معبرة. والفنان هو ذلك الشخص الذي يملك القدرة على هذا النوع من الأداء الابتكاري في ترجمته للأفكار وإحالتها إلى صيغ جميلة معبرة.

وقدرة الإبداع الفني والتذوق الفني تبدأ عن طريق الإحساسات البصرية والسمعية، ولكنها لا تقتصر على التأثير الحسي وحده، بل تخاطب الخيال والفكر. وبقدر ما تعلو الأعمال الفنية في القيمة بقدر ما تحيا في صدور الناس؛ لأن العمل الفني متى وُجد فإنه لا ينتهي، بل يُعاد إلى الوجود على مدى الأجيال والحضارات المختلفة، فيتجاوز المكان والزمان اللذين وُجد فيهما، لكي يحقق تواصل الأجيال، وتواصل الحضارات المختلفة، وبهذا يكون الفن لغة عالمية وإنسانية.

فالفن مطلب ضروري للإنسان، يندفع إلى تحقيقه سواء جلب له منفعة عاجلة، أم عجز عن أن يُجليها له، وهو كالمعرفة الخالصة، يطلبها الكائن العاقل لذاتها تحذوه الرغبة الخالصة «للتفسير» فحسب.

وإذا كانت غاية المعرفة هي «التفسير العقلي للظواهر»، فغاية الفن هي استبطان الشعور الحي وتجسيمه، والمشاركة الحيوية التي هي ضرب من التماس الوجداني والتفاعل مع الصور الحيوية.

لقد استُخدم الفن دائماً للتعبير عن «الجمال» في كل مجاليه ومظاهره، وخاصة في الحس والشعور الإسلامي، وبالضرورة حين يكون عنصر الجمال عميقاً في هذا الوجود ومقصوداً لذاته، يتبدى واضحاً في كل كائناته «الجامدة» وغير الجامدة، والإنسان -وهو خليفة الله في الأرض- مُطالَب بأن يفتح حسّه لهذا الجمال ليلتقي أجمل ما في نفسه -وهو حاسة الجمال- بأجمل ما في الكون، ويُنتج من هذا اللقاء تلك الألوان المتنوعة من الفنون والإبداع، فتصير تلك الفنون أنواعاً من التعبير عن ذلك الجمال، ومن هنا كان التلازم بين الجمال والفن؛ فلا تصور للفن بلا جمال، ولا تصور للجمال بلا فن.

وقد تُميّز الصوفية داخل الثقافة العربية الإسلامية بممارستهم لبعض الفنون، رغم أن الكثير من الفقهاء يحرمونه، كالرقص والسماع، أي استخدام آلات موسيقية. كما إنهم مارسوا فن الشعر؛ إذ إن اغلبهم كانوا شعراء، تقول ميروفيتش: «عدد كبير من الصوفية لم يكونوا مجرد نُسّاك زهاد، بل شعراء يتغنون بالمحبة الإلهية. ولعله من الصعب جدًّا الإتيان على ذكرهم جميعاً، ولنذكر قليلين منهم: العارفة رابعة العدوية، وذا النون المصري، والحلاج، الذين جعلتهم أعمال ماسنيون معروفين في الغرب، وكان عمر بن الفارض معاصراً للرومي وسنائي سبقه العطار، ثم جاء جامي ومحمود الشبستري…، ومعظمهم كانوا صوفية وأرباب نظر، وأعظم شعراء التصوف إنما كان ابن عربي، وهو مؤلف الكتب والرسائل، وأبرزها (فصوص الحكم)، و(الفتوحات المكية)».

هذا على مستوى الشعر، أما بشأن كتب التصوف المؤلفة نثراً، فأقدم ما نعرفه منها فكان للهروي والهجويري، والسراج والقشيري. وقد ألهم التصوف أيضاً تقليداً كاملاً في الشعر والموسيقا في دوائر أكثر بساطة من الدوائر العالية الثقافة، ولدى العامة. وهذا ما يفسر لنا انتشار التصوف في العالم الإسلامي واحتضانه من طرف العوام، فقد وجد التصوف عن طريق الفن طريقاً إلى قلوبهم، طبعاً بالإضافة إلى مزايا التصوف في حد ذاته.

لكن على مستوى النظرية فقد قدَّموا قراءة رمزية للفن ومدى علاقته الوجودية بالإنسان، والصوفي كما هو معروف يحصل على المعرفة بشكل مباشر أي عن طريق المشاهدات، فالصوفي كأنه يخوض تجربة فنية بهذا المستوى.

والصوفي كان يحاول أن يصور في العالم المحسوس الجوانب الغامضة التي يشعر بها وجدانه، إنه يجسّم على أرض الواقع المشهود الأوجه الخفية للأشياء، محاولاً إظهار البواطن، أي كشف الأسرار الكامنة داخل الصور في سياق سعيه الحثيث لمعرفة الحقيقة الكاملة.

إن العمل الفني يخلع على الكون مغزى جديداً لا يدركه العقل وحده، ويُعطي الإنسان فهماً لا يستطيع أن يحصل عليه من العلم بمفرده.

وبإنجاز تجسيم «الوجدان» في العمل الفني يتمكن الإنسان المبدع والمتلقي على السواء من «تبيّن» القوى الجوهرية التي تقود مصيره، والعوامل الأساسية التي ترتبط بها حياته، ومن ثم فقد يكون بوسعه في «نور» التجربة الفنية أن يضيء لنفسه طريقاً وسط ظلمات الأسرار الكثيفة التي تحيط به من كل جانب.

وقدرة الفن على إيجاد المقدس تتمثَّل في «الإعادة». ويشير التعبير الصوفي «تأويل» إلى هذا الإجراء المتمثل في الذهاب من كثرة الصور إلى وحدة الجوهر، وفقاً لرؤية الإسلام. ولذلك فإن الإنسان المبدع «يعيد» الخلق بمساعدة الشعائر، وتشرب الشريعة كلية وجود الإنسان بإيقاعاتها المرتبطة بالكون. وكل صلاة تعني أن يكون الإنسان في تناغم مع كون مقدس، يصلي فيه الطائر عندما ينشر جناحيه، والشجرة عندما تقدم ظلاً، على غرار ما نقرأ في القرآن.

وتضيف ميروفيتش متحدثةً عن طبيعة ذات الفنان فتقول: «والذات المتيقظة التي تسعى إلى إظهار نفسها في عمل فني، ستستخدم مهارات طبيعية، وإعداداً، وخطوطاً وألواناً. والجمال الداخلي للمحتوى حرر للفنان بالتناسب مع درجة الإدراك التي أحرزها. وإنه بدمج المظاهر الداخلية والخارجية لوجوده، من خلال أي وسيط يختاره، يستطيع الفنان الوصول إلى الكمال الروحي».

والمسلمة الأساسية هنا هي أن يوجد، في كل شيء وفي كل مكان، مظهر داخلي «باطن»، نوعي معنى خفي، ومظهر خارجي مرئي (ظاهر) كمي. وبمنظور كهذا، يمكن استخدام رمزية المركز على المستويات جميعاً. وقد تعلمنا أنه في علم النفس المتعالي الذي يبحث في التصوف، تكون المسألة دائماً مسألة الذهاب من الدال إلى المدلول، أو بتعبير آخر من الظلمة التي هي الخارجي إلى النور الذي هو الداخلي، كما قال الرومي.

وميروفيتش في حديثها عن الفن عند الصوفية لم تكتفي بأبرز الفنون، بل نجدها تطرقت أيضاً إلى فنون أخرى نحسبها بعيدة عن ميدان التصوف، كفن العمارة، إذ تقول: «وفي كتاب حس الوحدة، وهو كتاب حول التقليد الصوفي في فن العمارة الفارسية، يلحظ المؤلفون أن الفراغ هو مكان «الكنز المخفي»، فالبيت يُشبّه بجسم الإنسان، الجسم ينطوي على النفس، التي تتضمّن الروح. وتتصور الجدران وسيلة لعزل مكان مقدس وتحديده. ونعرف أن هذا ينطبق على سجادة الصلاة التي هي، بالمعنى الدقيق، معبد. وعلى سبيل المثال، يستخدم المعمار، على سبيل الإشارة، نموذجاً كونيًّا، تُبنى العمارة حول بيت، والبيت له فناء، والحديقة لها بركة في وسطها تعكس الأشجار. والمسجد ينبغي أن يوجّه نحو مركز المراكز، الكعبة المشرفة في مكة، وهي نفسها، رمز للروح.

فالفن الجميل هو ذلك الذي يُساهم في الارتقاء بحياة الإنسان سموًّا، ويساعد الإنسان على تقريب شقة الخلاف بين ما يبغي وما ينبغي، ويزيل كل التوترات التي تنشأ في نفس ذلك الإنسان. وإذا أدركنا أن الفن هو محاولة البشر أن يصوروا حقائق الوجود وانعكاسها في نفوسهم في صورة موحية جميلة، وأن مكان الفنان يتحدد بمدى المساحة التي تشملها الحقيقة التي يشير إليها العمل الفني أو يرمز لها من كيان الكون والوجود، إذا أدركنا ذلك فقد أدركنا -في الوقت ذاته- أن الفن الذي ينبثق عن التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، هو أرفع فن تستطيع أن تنتجه البشرية.

أما الفكر الصوفي الذي انطبع بطابع الخيال الباطني، فلقد كان حدسيًّا بذاته، وتحدث عن الجمال الإلهي، وأكثر من حديثه عن الجمال الموضوعي. ثم إن مستند الصوفية فيما ذهبوا إليه هو الكشف والعيان، لا النظر والبرهان، فإنهم لما توجّهوا إلى جناب الحق سبحانه بالتعرية الكاملة، وتفريغ القلب بالكلية عن جميع التعلقات الكونية، والقوانين العلمية مع توحد العزيمة، ودوام الجمعية، والمواظبة على هذه الطريقة دون فترة، ولا تقسيم خاطر، ولا تشتت عزيمة، من الله تعالى عليهم بنور كاشف يريهم الأشياء كما هي.

من المحقق أن علوم الصوفية ذوقية كشفية، وأن عنصر الكشف في هذه العلوم أعلى وأرفع من عنصر العقل، والتجربة الروحية في أصولها وخصائصها تعتمد على ما يشرق فيها من كشوفات ليس لها في العقل مدخل، فمن الكشف الذي هو طريق العارفين، تتوارد علومهم، ومن معدنه يتلقون أنوارها وأسرارها، ذلك الطريق الذي قال فيه ابن عربي: «الكشف هو الطريق الذي عليه أسلك، والركن الذي إليه أستند في علومي كلها».

ورغم الانتقادات التي وجهت إلى الصوفية، بسبب كتابتهم للغزليات في العشق الإلهي، إلَّا أن هذه الغزليات عبَّرت عن الإرث الحضاري للمسلمين، لا سيما أن الاهتمام كان كبيراً بترجمتها، ونشر الفكر الإسلامي من خلالها عند الغرب. أينما كان الصوفيون يعلنون عن آرائهم الحرة، من كل بد يعانون من هجوم ومضايقات ممثلي الديانة المسيطرة. كذلك كانت الموسيقى والشعر هما الوسيلة الوحيدة للترويح عن النفس، فالشعراء العظام، حافظ الشيرازي، الرومي (جلال الدين)، شمس التبريزي، سعدي الشيرازي، عمر الخيام، نظامي، ابن الفارض، الجامي وغيرهم، هم بالضبط الذين نقلوا إلى العالم حكمة التصوف. هذا التصوف الذي يحمل إبداعات المتصوفة، لا سيما إبداعاتهم الفنية ورؤيتهم الجمالية.

فالفن وسيلة لإظهار الجمال والمحبة والترقي والسمو، وتأكيد إنسانية الإنسان لتعمير الأرض، وإنشاء إنسان أخلاقي متجمل يعيش في المستويات العليا الرفيعة. الفن أداة لمقاومة التدني والهبوط والسقوط إلى القاع، واستيقاظ النفوس لترى الجمال وتعمل بمقتضاه من خلال الحق والخير والجمال والاستعلاء والاعتدال، والعمل في «الوسط» المتعالي من بين طرفي الإفراط والتفريط.

كما يعتبر الفن عند الصوفية وسيلة للتطهير وتحرر الروح وارتباطها بالله تعالى، خاصة وأن الطرق الصوفية من حيث الجوهر واحدة. التحرر من «الأنا». لكن أية «أنا»؟ ليس «أنا» الحقيقة بل الكاذبة، التي يرتبط الإنسان بها ويعتبر نفسه متميزاً بها عن الآخرين، متى تحرر من تلك «الأنا» فإنه يمنح «أناه» الحقيقية إمكانية أن تبرز في العالم المحسوس.

إن الطريقة الصوفية تسمح بالتفتح لروح الإنسان، وبالتفجر «لأناه» الفعلية الخالدة، التي عليها تنبني كل الطاقات وكل الجمال.

وقد أُولي الاهتمام بحقيقة الروح ومتطلباتها عند الصوفية لدرجه أنهم نُعتوا بالاتجاه الروحي، حيث كان من أهم أهدافهم هو تخلصها من التعلق بكل ما هو مادي. إن الروح، وهي تتظاهر في هذا العالم المادي، إنما تسعى إلى الطهارة، إنها تبحث عن تلك الطهارة بهدف أن تترجم ذاتها إلى واقع، والروح تختار حاملها بنفسها وتعوده على طريقها الخاصة.

والمتصوفة المسلمين كانوا يستهدفون الإنسان بصفة عامة، لأن الإسلام هو رسالة للعالمين، لذلك كانت فنونهم ذات صبغة إنسانية. والجمالية الإسلامية تعكس -بالضرورة- بعدًا كونيًّا في مواجهة الجماليات الوضعية، الإقليمية أو البيئية أو الاجتماعية أو الواقعية أو العرقية، وهي جميعًا جماليات تتموضع في مكان محدد بخلاف الجمالية الإسلامية. وهي جمالية ذات بعد غيبي ـ روحي في مواجهة الجماليات الوضعية ذات المنظور المادي أو المرئي أو الحسي.

وبهذا المنظور يكون للفن ضرورة وجودية للإنسان، لذلك عليه أن يختار الفنون التي ترقّيه وتنسجم مع حقيقته، خاصة أن المسلمين في هذا العصر يعانون من وجود فنون لا تعكس هويتهم، ليس هذا فحسب بل هي تعمل على طمس هويتهم الإسلامية وشخصيتهم الحضارية.

عن موقع” 21 الكلمة “