254

الأستاذ والباحث أحمد عصيد لـ «الاتحاد الثقافي»

حاوره: مصطفى النحال

الاتحاد الاشتراكي

الجمعة 15 مارس 2013

نجري في هذا العدد من «الملحق الثقافي» حوارا ثقافيّاا فكريا مع الأستاذ أحمد عصيد لإضاءة مجموعة من القضايا المتعلقة بالحركة الأمازيغية، وبعلاقة هذه الحركة بالحركات الأسلامية بالمغرب، وباللغة العربية في علاقتها باللغة الأمازيغية. وكذا عن القانون التنظيمي الذي يحدد كيفية تفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية. إضافة إلى قضايا الهوية والثقافة في علاقتهما. في كلّ هذه القضايا كان أحمد عصيد صريحا كما عهده قراؤه.

{ أستاذ أحمد عصيد، نودّ في البداية أن ترسم بورتريها ذاتيا لأحمد عصيد. من هو؟ أين نشأ؟ ما هو تكوينه الثقافي والسياسي؟
> أحمد عصيد من مواليد 14 يوليوز 1961، بقرية تاورميت بالأطلس الصغير، المنطقة التابعة حاليا لتارودانت. بعد أربع سنوات من حياة الطفولة بالبادية، انتقلت رفقة والدي إلى القنيطرة حيث تلقيت تعليمي الأولي والثانوي ثم دخلت الجامعة شعبة الفلسفة بالرباط ودرست على أيدي كبار الأساتذة والمفكرين منهم الجابري علي اومليل محمد سبيلا وطه عبد الرحمان. ومارست تدريس الفلسفة منذ 1988، إلى أن التحقت بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية من 2002 حيث مازلت أعمل باحثا في مركز الدراسات الأدبية والفنية والإنتاج السمعي البصري. وبالنسبة لمسار الكتابة والعمل الثقافي فقد بدأت النشر سنة 1979 في جريدة «المحرر»، وجريدة «البيان» بكتابة مقالات في الأدب لالتحق بعدها بإحدى الجمعيات الامازيغية عام 1981 ولأنخرط في العمل الجمعوي والتنظير للفكرة الأمازيغية باعتبارها مفهوما تعدديا للشخصية الوطنية وفي نقد السياسة الثقافية للدولة. وقد ساهمت في تحرير معظم وثائق التاريخية للحركة الامازيغية.

{ اقترنَ اسمك بالأمازيغية. ما هي درجة هذا الاقتران اليوم؟ هل مازالتْ في درجة الحرارة التي بدأت بها؟
> في الواقع عدد الأنشطة التي أقوم بها مع الحركة الامازيغية لا تتعدى 10 بالمائة من الأنشطة العامة التي أنجزها خلال السنة. فأنا فاعل ضمن الحركة الأمازيغية لكن بمنظور المثقف المستقل الذي يحتفظ بمسافة نقدية عن التنظيمات الجمعوية تسمح بالتصحيح والمراجعة. وأنا أهتم أكثر بمد جسور التواصل بين الحركة والتنظيمات الشبابية والنسائية والحزبية والإسلامية. حيث أبلّغ المعطيات والمفاهيم التي تنتج داخل الحركة الأمازيغية للتيارات و التنظيمات الأخرى، وأقوم على عكس ذلك بنقل خُلاصات النقاش العمومي مع مختلف الفرقاء للفاعلين الأمازيغيين. لأنني أعتبر أنّ هذا التبادل الفكري والمعرفي والسياسي ضروري من أجْل الوصول إلى منظور وطني يؤكد على المشترك العام، ويؤسّس لوطنية مغربية حديثة وديموقراطية. في الآونة الأخيرة تراجع اهتمامي بشكل كبير بالأمور التنظيمية داخل الحركة، وأصبح ما يستقطب اهتمامي أكثر هو الخطاب الأمازيغي ومفاهيمه ودوره في صناعة المرحلة، ومواجهة التحديات الكبرى، على رأسها مشكلة التطرّف الديني.

{ غالبا ما يصطدم الخطابُ الأمازيغي بالخطاب الإسلامي، خصوصا في ما يتعلق بكل ما يرتبط بقضية الهوية؟
> بالطبع هذا التصادم يعود إلى عهود سابقة، إلى سنة 1995، وهي السنة التي عرفتْ بداية المواجهة العلنية بين الحركتين الأمازيغية والإسلامية. وسببُ هذا التصادم هو سعْي الحركة الإسلامية إلى اختزال الهوية المغربية في البعد الديني، بينما يرفض الخطاب الأمازيغي أية نظرة اختزالية إلى الهوية، ويعتبر أنّ الإسلام يعد مكونا للهوية ولا يمكن أن يكون الإطار العام الذي يشمل كل العناصر الأخرى أو يحدّدها، لأنّ ذلك من شأنه أن يؤدّي إلى العودة إلى الدولة الدينية التي يعد فيها الدين المرتكز والأساس المحدد لهوية الدولة والمجتمع. بينما نعتمد في الخطاب الأمازيغي آخر ثمرات العلوم الإنسانية و الفكر السياسي الحديث، إضافة إلى المرجعية الدولية لحقوق الإنسان. وهذا ما يفسّر صراعنا الدائم مع الخطاب الأصولي الديني الذي يهدف إلى تنْميط المجتمع و الدولة في إطار بعد وحيد هو البعد الدّيني التراثي. وكما عارضنا من قبل التنميط على أساس العروبة الخالصة مما أدى بنا إلى نواجهه الخطابي القومي العربي والخطاب الرسمي للدولة الذي كان يختزل الهوية في العروبة والإسلام، فقد كان أمرا حتميّا أنْ تواجه مع الخطاب السلفي الذي يسعى بمختلف تياراته إلى فرض نمط من التديّن المتشدد على المجتمع عبر المؤسسات والقوانين وهذا يتناقض ليس فقط مع مقتضيات الدولة الحديثة ومع متطلبات الديموقراطية العصرية، بل إنه يتعارض أيضا مع التقاليد العريقة للأمازيغيين في القبائل والتجمّعات السابقة على المرحلة الكولونيالية. وفي هذه النقطة بالذات بعتب ران معنى الأصالة لا ينبغي اختزاله في المنظور الديني، حيث أن الكثير من القيم الأصيلة والعريقة في المغرب يحاربه المتطرفون الدينيون باعتبارها تتعارض مع الإيديولوجيا السلفية الوهابية التي يتبنونها والتي هي غريبة عن تربتنا الوطنية. فالفاعلون الأمازيغيون لا يسمحون باحتكار معنى القيم الأصيلة من طرف الإسلاميين وبهذا يعملون على ربط الصلة بين القيم الأمازيغية الأصيلة التي هي قيم الحرية والمساواة والعدل مع القيم الكونية الموجودة في المرجعية الدولية لحقوق الإنسان، في الوقت الذي يسعى فهي الاسلاميون إلى تكريس نوع من الممانعة ضد حقوق الإنسان الكونية بزعم وجود أصالة دينية تقليدية يعتبرونها بمثابة خصوصية للمغرب ويستعملونها ذريعة لعرْقلة بناء دولة القانون في بلادنا.
– مع نهضة الحركة الأمازيغية وما وجدته في طريق نهضتها، كانت الحركة الإسْلامية تتمتع بحصانة الدولة والى حد ما المجتمع غير المتعلم. فالحركة الأمازيغية كانت إلى زمن قريب شبه عزْلاء من الوسائل والإمكانيات اللهم تلك الأفكار المستنيرة لأبنائها. إذن كانت المواجهة غير متكافئة.
-بالفعل لم تكن المواجهة متكافئة بيننا وبين الأحزاب السياسية والحركة الإسلامية والسلطة ولكن مكنا مسلحين بالمعارف العلمية في مجال اللسانيات والتاريخ والأركيولوجيا والآداب والأنتروبولوجيا الثقافية وكنا نعتبر أن هذه المعارف الحديثة أقوى من كل أسلحة الخصوم السياسيين الذين كانوا يعتمدون في خطابهم على مفاهيم ومعارف كلاسيكية أو تقليدية تراثية. وإضافة إلى هذا كان لدينا ايمان بعدالة قضيتنا، باعتبارها مبنية على الاعتراف بالتنوع و الاختلاف وبضرورة احترام الآخر. فكنا ندافع عن الأمازيغية دون أن نميس بالمكونات الأخرى رغم أننا كنا نتهم بذلك. فمثلا كنا نفاجأ بان مجرد الدفاع عن الأمازيغية يعتبر عداء للغة العربية. أو للدن الإسلامي. بينما في الحقيقة استعملنا اللغة العربية للدفاع عن حقوقنا بل إننا أبدعنا بها إشعارا وأعمالا سردية كما أننا استعملنا الدين الإسلامي بنصوصه من قران وحديث وكلام الصحابة للدفاع عن أطروحتنا. ولهذا يمكن القول إننا في خطابنا الذي أسسناه استعملنا كل الوسائل السلمية التي تغني النقاش العمومي، مع الطبقة السياسية والنخبة المثقفين والفاعلين الدينيين وتجنبنا كليا وهذا شيء ينبغي التأكيد عليه، تجييش الجماهير أو استعمال الشعبوية أو إيقاظ النعرات القبلية أو العرقية في مسار عملنا الفكري والنضالي. وقمنا عكس ذلك بإعلاء النظرة أو الشعور الشعبي الموجود لذى العامة ب»حكْرة» الشلوح، إلى مستوى خطاب الحقوق الثقافية واللغوية، مما جنب بلادنا كل أنواع التصادم بين المواطنين. وأعطينا فكريا نظريا لاحتواء تلك النّعرات الشعبية، كتلك الموجودة مثلا عند البقالين والتجار الصغار لفائدة خطاب حقوقي مؤسس وعصري يربط الأمازيغية بالكيان الوطني، ويعتبرها لغة جميع المغاربة، ويعتبر المغاربة كلهم أمازيغ بما فيهم غير الناطقين بهذه اللغة الأمازيغية، لأنهم في استعمالهم للدارجة يتكلمون الأمازيغية بدون شعور منهم .كما أنهم يحملون بشكل من الأشكال الشعور بالانتماء إلى المغرب بكل مكوناته.

{ هناك من يرى أن نجاحكم كحركة أمازيغية في كونكم تشبعتم بخطابات عالمية وكونيىة في حقوق الإنسان، وبالأعراف الديموقراطية العريقة. وهذا ربما هو أحد عوامل تفوقكم عن كل شوفينية أو خطاب هوياتي منغلق عفى عنه الزمن. فالإسلامي في المواجهات الفكرية ينتصر على العروبي، ولكن من الصعب عليه مواجهة الخطاب الأمازيغي. إذنْ نقطة قوتكم هي أنكم لا تنطلقون من إيديولوجيا إقصائية.
> بالفعل قوة خطابنا هي في ارتكازه على المرجعية الأصيلة ذات القيم الإنسانية، والتي تعكس نوعا من «الخصوصية المنفتحة»، إضافة إلى المرجعية الحداثية الفكرية والعلمية والحقوقية. ومن المؤكد أن انتصارنا في الصراع الفكري والسياسي على التيار الأصولي يرجع إلى هذه العوامل التي لا يمكن أن تثبت أمامها المرجعية السلفية التراثية المفارقة للواقع الحالي رغم شحنتها العاطفية التي قد تنجح في تجييش بعض المنخرطين أو العاطفين. وهذا ما يفسر مثلا انتصارنا الفكري والسياسي في صراعنا ضد تنظيم «العدل والإحسان» رغم كثرة أتباع هذا التنظيم ورغم قلة عدد الفاعلين الأمازيغيين آنذاك، أقصد سنة 1996، عندما صدر كتاب الشيخ المرشد الراحل عبد السلام ياسين بعنوان «حوار مع صديق أمازيغي»، والذي اعتبر فيه أن مطالبنا الأمازيغية مفتعلة ولا أساس لها، وأنها تصادم هوية الأمة، وتزاحم اللغة العربية في أداء مهمتها الشريفة التي هي مهمة دينية في تقديره. وقد قمنا آنذاك رغم التوجه السلبي لهذا الكتاب ضد كل مطالبنا الديموقراطية بتنظيم عدة لقاءات في عدة مدن لقراءة كتاب الشيخ المرشد، وقد كنا مسلحين آنذاك بثقتنا في مشروعية ما نسعى إليه و بخطإ الشيخ ومن معه. وقد تأكد هذا الأمر بعد سنوات قليلة عندما أصدرت كتابي «الأمازيغية في خطاب الإسلام السياسي». فاتجهت الأمور بالتدريج في اتجاه الاعتراف بمطالبنا، كما انسحب العدليون من النقاش في هذا الموضوع. ويلاحظ بأن التيار الإسلامي الآخر «تيار التوحيد والإصلاح « والحزب المنبثق عنه قد غيروا بذكاء استراتيجيتهم في اتجاته مساندة المطالب الامازيغية و بطريقة براغماتية بعد خطاب أجدير، حيث كانوا يبحثون لهم عن موطن قدم في الحياة السياسية. وكانوا يدركون بأنهم لن يتمكنوا من النجاح إن هم لم يقوموا بتسوية مشكلتهم الإيديولوجية ولو جزئيا مع الحركة الامازيغية. وقد لوحظ منذ ذلك الوقت انقسام هذا المكون إلى تيارين: تيار يتضمن فاعلين إسلاميين ناطقين بالأمازيغية وحاملين للثقافة الأمازيغية، يتزعمهم سعد الدين العثماني، وتيار يمكن أن نعتبره تيارا عروبيا في جبة إسلامية.
ويمكن التأكيد في هذه النقطة بأن الحزب الإسلامي تماما مثل حزْب الاستقلال المحافظ قد ظلا يتبعان ما يتحقق في الحياة السياسية من مكتسبات عندما لا يعود بإمكانهما المواجهة. مع بقاء ترسبات الإيديولجية القديمة لدى بعض الأشخاص القياديين الذين يصرحون بين الفينة و الأخرى بما يتعارض مع المكتسبات الدّيموقراطية، ومع التوجهات العامة للدولة، وأحيانا حتى مع المواقف الرسمية لتنظيماتهم الحزبية.
{ كل حركة فكرية أو سياسية أو لغوية أو دينية لابدّ أن تقدس شيئا ما. أما الحركة الأمازيغية فقد بقيتْ دون تقديس أي شيء، أو على الأقل لم تنادوا بالتقديس، أليست لديكم مقدّسات تحييون بها؟
> في الواقع الدرس الذي تعلمناه من التاريخ هو أن أي مقدس غير الإنسان بوصفه قيمة عليا مصيره الموت والتفكك والاندثار. ولهذا أقمنا خطابنا على عقلانية فكرية تعتبر الأمازيغة لغة أرضية وتعتبر الثقافة الأمازيغية ثقافة بشر يقومون بتدبير شؤونهم على الأرض بقوانين عرفية يبدعونها بعقولهم. ويفصلون في تدبير هذه الشؤون بين ما هو روحي، يتركونه للإمام في المسجد، وبين ما هو اقتصادي سياسي واجتماعي تقوم بتدبيره الجماعة في مجلس التسيير. هذا التشبع بالأصالة الأمازيغية في غير انغلاق جعلنا نتحلى بنظرة علمانية (أو سيكولارية) لا تقدس ما يصنعه الإنسان. أقول لكم بكل وضوح بأن لدينا وعي عميق بنقائص عملنا وثغرات خطابنا الذي رغم إيجابيته ليس منزها عن النقد و النقائص وبعض التناقضات. و أعتقد أننا أقوياء بهذا المظهر النقدي الذاتي. فقد دافعنا مثلا عن ضرورة إنصاف الشخصيات الأمازيغية في التاريخ الما قبل إسلامي، مثل الملوك الأمازيغ ومثل المفكرين القدامى في شمال إفريقيا. لكننا لم ننظر إليهم أبدا نظرة تقديس، وإنما هدفنا أنْ يتم التعريف بهم لدى المغاربة لكي يعرفوا تاريخهم القديم. ولهذا لم نعمد أبدا إلى المفاضلة بين الفترات التاريخية. فاعتزازنا مثلا ب»ماسي ناسي» يساوي اعتزازنا بيوسف بن تاشفين. ولكن مشكلتنا هي في الواقع مشكلة الاعتراف، فكيف تفسرون مثلا أن لا الملك الأول ولا الملك الثاني يتمتعان بضريحين مشرفين في الوقت الذي تنفق الآن ميزانية هامة لاكتشاف قبر آخر ملوك العرب بالأندلس بمدينة فاس، ويوسف بن تاشفين باني مراكش و منقذ ملوك الطوائف جميعهم لا يرقد في ضريح في مستوى الشاعر المعتمد بن عباد الأندلسي. تلاحظون إذن إننا ليستْ لنا أوثان أو أصنام إيديولوجية.
لكننا نؤكد على أهمية المعرفة قبل كل شيء إذ لا يجوز الاستمرار في تجهيل المغاربة في حقائق ماضيهم. وفي علاقة بموضوع التقديس الذي أثرتموه تلاحظون أننا قد صنعنا في الحركة الأمازيغية رموزا مثلما لكل الحركات في العالم، لكن هذه الرموز أيضا لا تكتسي طابع المقدس، فقد صنعنا علما بألوان خاصة لكننا لم نزعم أبدا أنه علم سياسي، أو ديني أو علم دولة، بل علم يرمز إلى الهوية الثقافية الأمازيغية في مختلف بلدان العالم، حيث يرفع في كندا آو هولندا ،كما يرفع في لبيبا والجزائر أو المغرب، ولا يعد بديلا للأعلام الوطنية. كما صنعنا رمز «يناير» أي رأس السنة الأمازيغية الذي استوحيناه من تقاليد رأس السنة الفلاحية التي هي تقاليد أرضية بشرية، إلى جانب استلهام التاريخ القديم لشمال إفريقيا. ومن هنا رقم 2963. إنها رموز تهدف إلى أنواع الاعتراف دون أن تعد رموز تقديس تفرض على الآخر أو يعاقب بموجبها الناس كما يتمّ في الرّموز السياسية للدولة، أو في الرموز الدينية التي تثير حساسيات كثيرة.

{ في كتابك « الأمازيغية في خطاب الإسلام السياسيّ» تطرقتَ لموضوع تقديس اللغة العربية. وهو شيء مفاجئ، فأنت تعلمت بالعربية ودرست بها، وتكتب بها، لماذا هذا الفصل في كتاب حول الأمازيغية، هل للإشارة إلى أن العربية ليس لها من يدافع عنها؟
> كان هذا في معرض ردّي على الأستاذ عبد السلام ياسين الذي ذكر في كتابه السالف الذكر «حوار مع صديق أمازيغي» أن العربية الحديثة لا نحوها نحو القرآن، ولا صرفها صرف القرآن، يقصد بذلك أن على اللغة العربية أن تبقى دائما وفية للغة النصوص التراثية والدينية. وهو ما يشكل خطرا على هذه اللغة لأنها ليست بنية مقدسة بل هي مؤسسة اجتماعية محكومة إما بالتطور لتلبي حاجات كل عصر، و إما بالاندثار مثلما حدث للغة اللاتينية التي خنقها الأكليروس. وقد كنت دائما أردّ على من يقول موجها خطابه للحركة الأمازيغية، إنّ اللغة العربية هي لغة القرآن، وهي لغة مقدسة أو إلهية، إنهم بصدد إضعاف اللغة العربية وليس تقويتها، فعلى هؤلاء أن يختاروا إما تكون اللغة العربية لغة الدين، وفي هذه الحالة عليها أن تبقى رهينة المسجد تمارس وظائف دينية محضة، وستنتهي هذه الحالة ستعتبر لغة أرضية مثل غيرها من اللغات. وستكون محكومة بالتطور سواء في معجمها آو في نسقها اللساني وقواعدها المورفولوجية، وسيكون على المدافعين عنها عوض التصدي لنهضة الأمازيغية أن يقيموا الأوراش العلمية الكبرى لتحديث العربية وجعلها تلتحق باللغات القوية بالاستجابة لحاجاتها المعاصرة، وللأسف هناك لوبي تقليديّ قوي يحتكر الحديث باسْم العربية ويعوقها عن التطور، كما أن هناك نخبة حديثة منتجة بالعربية متخاذلة في الدفاع عن العربية الحديثة التي أسس لها منذ أزيد من مائة عام المسيحيون اللبنانيون، إضافة إلى الكتاب والمفكرين الليبراليين والاشتراكيين الأوائل الذين عرفهم الثلث الأوّل من القرن العشْرين إلى حدود الخمسينيات.

{ ينصّ الدستور الحالي على رسمية اللغة الأمازيغية إضافة إلى ضرورة إصدار قانون تنظيمي يحدد كيفية تفعيل الطابع الرسمي لهذه اللغة. أين وصل العمل في هذا الموضوع وهل ترون أن الحكومة والبرلمان الحاليين عند الموعد في هذا الملف؟
> للأسف لم تكن الحكومة عند الموعد فيما يخص هذا الموضوع حيث تقاعستْ عن الوفاء بما وعدت به في التصريح الحكومي، الذي هو اعتبار موضوع الأمازيغية ضمن الأولويات. كما أنها خالفت ما ورد في العديد من الخطب الملكية وخاصة في افتتاح الدورة الأخيرة للبرلمان، حيث ذكر الملك محمد السادس الامازيغية ضمن الأولويات الأربع التي أشار إليها. وأشير بهذا الصدد إلى أن العمل الحكومي لم يكن عند مستوى النقاش العمومي الذي عرفته سنة 2012 ، حيث تم تنظيم 13 لقاء في مختلف مناطق المغرب حول موضوع القانون التنظيمي للأمازيغية، وأصبحت اللغة واضحة في هذا الموضوع، بينما مازالت الحكومة لم تفتح هذا الملف بعد. ونخشى أنْ تكون قد نفضت يديها منه في انتظار الإشارات التي تعودت الحكومات على انتظارها من أعلى. هذا مخالف للخطاب الحكوميّ الذي يزعم بأنه بصدد الاستجابة للمطالب المرفوعة في المجتمع، وأن لديه منظورا واضحا في الملفات المطروحة على الحكومة. و في مقابل هذا التقاعس الحكومي تعمل الحركة الأمازيغية على الأعداد لتعبئة في هذا الموضوع مع القوى المعارضة سواء في البرلمان آو خارجه من أجل ممارسة دور اللوبي المدني الضاغط لتسريع وتيرة البث في هذا الموضوع الذي لا يتعلق بملف جزء بلْ بقضية سيادية تتعلق بكيان الدولة.