متابعات

لجان وحوارات على المقاس لمحاربة الفلول

يونس مجاهد

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الخميس28مارس 2013

هل يمكن اعتبار ما خلفته تداعيات الحوار حول المجتمع المدني، الذي دعا إليه الوزير الحبيب الشوباني بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس؟ أو بمعنى آخر، هل تراكمت معطيات كافية حول المنهجية التي أدارت بها الحكومة لحد الآن، العديد من الملفات، وخاصة تلك التي تتطلب تفعيل الدستور، وأكدت وجود خلل كبير في رؤية الحزب المهيمن على الجهاز التنفيذي، في علاقته بالقوى السياسية والمدنية.
الجواب عن هذه التساؤلات، تسعفنا فيه مختلف ردود الفعل التي صاحبت مقاطعة الحوار حول المجتمع المدني، وأيضا الانتقادات الواسعة والقوية التي وجهت لما سمي بلجنة تأسيس هيأة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، وكذا للحوار حول إصلاح القضاء، ولجنة تأسيس المرصد الوطني لتحسين صور النساء في الإعلام، وغيرها من مثل هذه المبادرات.
فهل يتعلق الأمر بمجرد ردود فعل تبررها المواقع السياسية والخلفيات الإيديولوجية لأصحابها، باعتبارهم معارضين للحكومة؟ أم أن المقاطعة والانسحابات والانتقادات تتأسس على منطق أكثر صلابة؟
في البداية، لابد أن يكون واضحا أن روح الدستور تستند على مبدأ التوازن بين مختلف السلطات، ومنح المعارضة والقوى المدنية موقعا متميزا في المساهمة في الشأن العام، بل حتى فتح الأبواب أمام المواطنين، عن طريق العرائض وغيرها من أشكال الديمقراطية التشاركية. وبالإضافة إلى كل هذا، فإن مراجعة بنود الدستور، تؤكد أن التعيين في الوظائف وفي اللجان ذات الصبغة العمومية، ينبغي أن يحترم معايير تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية.
لقد ساد في تعيين العديد من اللجان، منطق التنصيب الفوقي، في الوقت الذي كان من الضروري فتح حوار مع الأطراف والمؤسسات، من أحزاب ونقابات وجمعيات وفعاليات، نشطت في مجال تخصصها ولها من العطاء والمصداقية والتمثيلية والشرعية التاريخية ما يؤهلها، كما أن احترام روح الدستور يفرض إشراكها منذ البداية في وضع أسس وتصورات هذه اللجان.
غير أن مراجعة أولية لتشكيل العديد منها، تعطينا فكرة واضحة حول المنهجية المستعملة، والتي حاولت تلفيق التشكيلة بإدماج كفاءات وهيئات لا يحكمها سوى منطق التمويه وحشر عناصر محسوبة على التوجهات الإيديولوجية لحزب العدالة والتنمية، وتهميش كفاءات وطاقات فاعلة في مجالاتها، وإغراق اللجان بالطابع الأكاديمي، ليس حبا في الأكاديمية بل من أجل تجنب التمثيليات الديمقراطية والتقدمية.
من الجَلِي أن روح الدستور ومبادئه، لم تطبق في مبادرات الحوار المختلفة، بل وحتى في العديد من اللجان التي تم تنصيبها لأن الحزب المهيمن على الحكومة، سعى باستمرار إلى محاولة فرض وجهة نظره ومنظوره السياسي والإيديولوجي لوضع القوانين والمجالس، في إطار تصوره للبناء المجتمعي. لذلك، فنحن أمام انحراف خطير يتناقض مع الفلسفة التي بني عليها الإصلاح الدستوري، وهي الانتقال السلمي والتدريجي نحو الديمقراطية، طبقا للمعايير الكونية لحقوق الإنسان.
إن ما ميز منهجية حزب العدالة والتنمية لحد الآن، هو الازدواجية في السلوك والخطاب. فهو من جهة، يقر بأن الإصلاح الدستوري جاء بناء على توافق وبمبادرة ملكية، مما يعني استمرارية في النظام السياسي المغربي، ومن جهة أخرى، يسعى إلى هدم أسس النظام السياسي والمجتمعي، عن طريق أسلوب يتحايل فيه، من خلال تنصيب لجان واتخاذ مبادرات واستغلال السلطة الحكومية لتأسيس نظام آخر، مبني على إيديولوجية إسلاموية، كما هو الحال في بعض البلدان العربية، التي عرفت تغييرات تسمى ثورية.
ولعل ما صرح به رئيس الحكومة المغربية، عندما قال إنه يحارب الفلول، يؤكد هذا المنحى، فكأننا أمام ثورة تمكنت من القضاء على النظام البائد، ولم يبق لها إلا محاربة بقاياه، التي تسمى عادة في المعارك الحربية، بالفلول. أي أولئك الجنود الذين نجوا من معركة انهزم فيها جيشهم، لكنهم مازالوا يقاومون في محاولة يائسة لاستعادة ما ضاع.
فهل نحن أمام هذه الصورة في المغرب؟ أم أننا أمام إصلاح دستوري كانت القوى الديمقراطية الحداثية أول المطالبين به، عقودا قبل ما يسمى بالربيع العربي، في الوقت الذي كانت فيه القوى الإسلاموية، متخصصة فقط في مواجهة العلمانيين والثوريين والحداثيين والليبراليين. واليوم أتيحت لها الفرصة السانحة عبر جهاز الدولة، لمواصلة نفس المواجهة.
ما قاله رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، عن الفلول يعني أنه لم يفهم مضمون الإصلاح الدستوري المتوافق عليه. لذلك، لا يهم حزبه منه، سوى محاولة تمرير منظوره السياسي والإيديولوجي، عبر لجان وقوانين ومجالس على المقاس؟

3/28/2013