الأستاذ عبد الكريم بلحاج لـ «الاتحاد الثقافي»

حاوره: محمود عبد الغني

يعمل الاستاذ عبد الكريم بلحاج أستاذا لعلم النفس، بجميع فروعه و تخصصاته، بكلية الآداب و العلوم الانسانية بالرباط. لكن ميزته أنه يتخطى مهمة أستاذ، إلى مهمة المكون ذو الرسالة العلمية والتربوية الواضحة. و سيكتشف قراء هذا الحوار، من طلبة أو أساتذة أو قراء، أن عالم النفس، والمتفائل بمستقبل هذا العلم، يسكن في بواطن بلحاج. أما عن مؤلات ضيفنا العلمية، فهو مزدوج اللغة، عربية وفرنسية، كتابة وتدريسا. كما أنه منفتح على آفاق علمية أخرى في الثقافة العربية و الغربية، قديما وحديثا. ولعله شيء كاف أن نقول إن ولع بلحاج لعلم النفس دفعه إلى السفر إلى فيينا و احتساء كأس قهوة في المقهى الذي كان يجلس فيه شيخ فيينا.

{ الأستاذ عبد الكريم بلحاج مرحبا بك في جريدة الاتحاد الاشتراكي لمحاورتك حول حقل من أهم الحقول المعرفية: علم النفس. كيف قطعت مسارك الدراسي منذ البدايات في هذا التخصص؟
> يرجع اهتمامي بعلم النفس إلى ما قبل الالتحاق بالجامعة، وذلك من خلال القراءة والإطلاع ،كما ارتبط بنشاطات ثقافية وتربوية وجمعوية كنت أتعاطى لها بخلفية العمل على فهم الإنسان فردا وجماعة والمساهمة في تكوينه. ومع انتمائي إلى هذا الاختصاص بالجامعة اصطدمت بواقع مليء بالتذبذب والغموض على مستوى تصريف المعارف والمجالات التي كانت تحتضنها المؤسسة، وعلى مستوى التكوين الذي كان يُفترض فيه تأطير وإنتاج الكفاءات، لاسيما وأن هذا الاختصاص يقتضي الاستئناس بالجانب العملي من تطبيقات وتمرس، الشيء الذي ظل مغيبا، اللهم بعض الزيارات الفقيرة لمستشفى الأمراض العقلية. كذلك أدركت منذ البدايات بأن اللغة لها دور أساسي في التحصيل المعرفي والاشتغال العلمي في علم النفس. وقد لمست ذلك من خلال إطلاعي على أمهات الكتب التي توفرت لدينا، وقد كانت المكتبات، ولاسيما مكتبة المعهد الفرنسي، عاملا مساعدا، بل ومحفزا للمضي قدما في استكشاف الأفق الذي يغطيه هذا الاتجاه المعرفي. ومن ثمة، أيقنت على أن التعمق في علم النفس لا يمكن أن يمر إلا عن طريق اللغات الأجنبية، وكانت البداية عن طريق اللغة الفرنسية، بحيث أن أغلب المرجعيات والأطروحات النظرية التي كانت تُدرس في الجامعة هي فرنسية، أو أنها مترجمة إلى هذه الأخيرة من لغتها الأصل الألماني أو الإنجليزي، مع التذكير أن الاختزال كان سيد الأداء والعمل في نشر المعرفة العلمية. وبالنسبة للتوجه العلمي، فقد انخرطت في المنطق العلمي وأساسه الابستمولوجي الذين انبنى عليهما علم النفس، أو ما يمكن تسميته بالسيكولوجيا العلمية. كما أنني «التهمت» مؤلفات ونصوص التحليل النفسي، طبعا باللغة الفرنسية. لأن أعمال فرويد المترجمة بالعربية كانت رديئة، ولم تكن لتفيد طالب العلم أو الباحث حتى يزعم استيعابه لطبيعة وخصائص هذا الحقل المعرفي، وأيضا لما يمكن أن يؤهله إلى التطبيق والممارسة العلاجية.
بعد الدراسة الجامعية إلى حدود الإجازة ذهبت إلى فرنسا بإمكاناتي الشخصية (أي من دون منحة ولا ابتعاث) لمتابعة التكوين، وبحكم الاهتمامات والمكتسبات المعرفية التي توفرت لدي اتجهت إلى الاختصاص في مجال علم النفس الاجتماعي، كما عرجت على بعض المجالات مثل التحليل النفسي الجمعي وعلم النفس المعرفي وعلم النفس الشغل، وهي مجالات دفعنا إلى الأخذ بها أساتذتنا في مختبر علم النفس الذي كان تابعا لجامعة باريس السابعة والمركز الوطني للبحث العلمي، وذلك من منطلق اعتبار مفاده أن الفرد في الحياة المعاصرة تحكم سلوكاته أبعاد ذهنية وانفعالية وثقافية متفاعلة مع السياقات الاجتماعية التي تؤطر وجوده. وبعد حصولي على الدكتوراه عدت إلى المغرب والتحقت بكلية الآداب بنمسيك بالدار البيضاء، ثم بعدها بشعبة علم النفس بجامعة محمد الخامس بالرباط التي لازلت أمارس بها مهنتي كأستاذ باحث.

{ من هم أهم أساتذك المباشرين وغير المباشرين من مختلف مدارس علم النفس؟
> هناك مجموعة من الأساتذة الذين درست عليهم مباشرة مثل صديقي الفرنسي جان بيار دوكونشي وسيرج موسكوفيتشي وروبير باجيس الذين يعتبرون من أبرز علماء النفس الاجتماعي المعاصرين، وموريس روكلان وبنجمان ماطلون الذين تعلمت معهما الضبط المنهجي، ثم أوجين أونريكز وماكس باجيس فيما يخص مقاربة التحليل النفسي الجمعي، وربير فرانسيس في علم نفس الفن، وجاك لوبلا في علم نفس الشغل، وغيرهم من الذين درست أو عملت أو تعاونت معهم. كما أن هناك بعض الأساتذة الذين درست عليهم بكيفية غير مباشرة، وذلك من خلال قراءة معمقة لأعمالهم المؤسسة مثل بافلوف الشهير بتجاربه حول التعلم والإشراط والذي عاش في نفس فترة فرويد حين خوضه في تأسيس التحليل النفسي، بحيث تعرفت معه على غوستاف يونغ الذي أعطى بعدا جمعيا وروحيا للتحليل النفسي، ووليام رايش الذي وظف الماركسية في الاشتغال به، وإريك فروم بقراءته الثقافية. وأذكر عالم النفس فريتز هايدر صاحب نظرية في المنطق السببي الذي تستند إليه ذهنية الناس في إدراك واقعهم النفسي والاجتماعي، هذا الذي كان له وقع كبير في اتجاه البحث العلمي لدي، بحيث شكلت هذه النظرية تأطيرا معرفيا لأطروحتي في الدكتوراه، وقد كان لي به اتصال في البداية وقبل وفاته. ثم هناك كورت لوين الذي تتلمذت عليه(طبعا من خلال أعماله الرائدة) دينامية الجماعات، بل وسيكولوجية الجماعات، وبالنظر إلى واقع الحال في مجال الجماعات لدينا أو ما جاء انتاجه بالعربية فيه من الخلط والتداخل المعرفي، أقول أنه لم يُفهم وفق تصوره ومقاربته، الشيء الذي يجعل التطبيقات والممارسة المتفرعة عنه متخلفة ولم ترق إلى ما تشهده في المجتمعات المتقدمة. كذلك هناك الروسي فيجوتسكي في علم النفس الطفل واللغة الذي أثار اهتمامي من حيث عمق المنظور الذي قدمه بخصوص التكون الذهني للغة والفكر، هذا في الوقت الذي كان فيه نشر نظرية بياجي هو السائد في المغرب، بل ولازال، مع أن عالم علم النفس كان ينتعش من إنتاجات الأول. وأذكر العالم اللساني الأمريكي نعوم تشومسكي الذي لعب دورا مهما في نهضة علم النفس المعرفي، والذي كان لي به اتصال خلال فترة دراساتي العليا. إذ أنني انفتحت على هذا المجال العلمي، الذي أعاد صياغة الموضوع بالنسبة لهذا العلم والمتمثل في الذهن. فاجتهدت في إدخاله إلى البرنامج الدراسي بالجامعة، لأنني كنت أعتبر أننا في غياب هذا المجال لا يمكن أن ندعي وجود تكوينا في علم النفس، وبخاصة أنه اليوم يشكل الصيغة العلمية الأساسية لعم النفس، وقد نشرت مرجعا في الموضوع.

{ تفصلك عن فرويد مسافة زمنية وتاريخية، ومسافة الانتماء واللغة. هل فرويد هو شيخك؟
> إنه بحق من أكبر العباقرة الذين عرفهم التاريخ، فقد وضع الإنسان أمام نفسه، وكشف عن معادلة أساسية تطبع واقعنا النفسي، والتي تتمثل في كون اللاشعور هو الذي يحكم ويوجه شخصيتنا وتصرفاتنا، بل ويؤثر على شعورنا أو وعينا. كما أن خبراتنا الطفولية تبقى محركا جوهريا لما تكون عليه حياتنا في الرشد والشيخوخة. وقد اقترن اسم فرويد بهذا الوعي الفرد بذاته، أي مع فترة المراهقة حيث تبدأ القضايا الجنسية والعاطفية تستأثر بواقع الفرد، تبدأ التساؤلات حول معانيها والسعي إلى فهمها، فتم الإحالة على فرويد من أنه صاحب التفسير الموثوق، مادام أن المسألة تتعلق بدغدغة الصحة النفسية وهو مرجع الاطمئنان.
وبحكم جهلي للغة الألمانية فقد بقيت المسافة كبيرة التي يمكن أن تجمعني به، وهذا هو حال واقعنا العربي الذي لم يتعرف على فرويد والتحليل النفسي إلا مترجما، هذا إن لم يكن عبر منطق العنعنة. فالتحليل النفسي كما هو حاضر بيننا يتوقف على ما توفرت ترجمته و إنتاجه بالفرنسية. وبالنسبة إلي لم تكن النصوص المؤسسة في صيغتها المترجمة كافية للتمكن من الضبط المعرفي، كما أنني لم أنهج تحقيق شرط التمرس على التحليل ابتداء من التجربة الذاتية، وذلك بفعل عدم التفرغ له وكذا الاهتمامات العلمية التي كانت تبعدني عن هذا المجال، بالإضافة إلى الانشغالات المهنية والاجتماعية التي لم تسعفني في التفكير بالانخراط في التحليل النفسي.
وأذكر أنني خلال دراساتي العليا بفرنسا، حرصت على الذهاب إلى فيينا بالنمسا لزيارة عيادة فرويد، كما احتسيت قهوة في نفس المقهى الذي كان يرتاده، وقد انتابني إحساس آنذاك بوجودي في حضرة فرويد. كما زرت أيضا أول مختبر لعلم النفس بمدينة ليبزغ الألمانية والذي يُعتبر تاريخيا الحجر الأساس لقيامه والتحاقه بمنظومة العلوم.
تعرض فرويد لعدة هجمات بحكم أصله اليهودي، ولم تكن هناك ولو قراءة نقدية واحدة على شاكلة ما قام به الغربيون، والتي كان آخرها كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفراي حول شخصية فرويد. وإذن، كان هناك إقصاء مطبق على فرويد والتحليل النفسي، مع أن الشخص قضى ودخل إلى التاريخ عبر بوابته الكبرى، والتحليل النفسي ظل يتطور بفضل اجتهادات علماء وأطباء، حتى أنه أصبحت تميزه مدارس وأطروحات واقتحمت مختلف مجالات حياة الإنسان. وهذا الموقف هو الذي أدافع عنه، باعتبار أن للتحليل النفسي أناسه وخدماته المعرفية والعلاجية والاستشارية التي نحن في حاجة إليها.

{ كيف تنظر إلى التحليل النفسي في العالم العربي؟ من هم أكبر أقطابه؟
> كما سبقت الإشارة إلى أن عامل اللغة له دور كبير في نشر الثقافة النفسية علما واشتغالا، نجد أن علماء التحليل النفسي العرب الذي استطاعوا البروز واكتساب شهرة محترمة، رغم قلتهم، كانوا في أوروبا، أمثال سامي علي ومصطفى صفوان الذين اشتغلا باللغة الفرنسية، كما هناك آخرين من ذوي الإسهامات المحترمة، وبالنسبة للاشتغال باللغة العربية، فاللبنانيون يبقى لهم سبق في المجال. هذا على المستوى المعرفي، أما فيما يتعلق بالممارسة العلاجية للتحليل النفسي شأنها في ذلك شأن علم النفس، فالأطباء النفسيون هم من يستحوذ على المجال، بحكم انفرادهم بالمشروعية القانونية التي تتيح لهم الاشتغال على الصحة النفسية والعقلية. مما ساهم في تكريس الالتباسات في الأذهان حول حدود كل مجال من هذه المجالات، وهو الوضع الذي يخدم الطب على حساب المعرفة العلمية، بل وجعل التحليل النفسي معزولا عن التعاطي مع مجالات فكرية أدبية وفنية إن علة المستوى الأكاديمي أو العام. وهذه بدورها عوامل جعلت توظيف التحليل النفسي ينحصر في اللغة الفرنسية.

{ كيف هي وضعية هذا العلم داخل الجامعة المغربية؟
> وضعية علم النفس في الجامعة تبقى متخلفة، رغم أنها اليوم في حال يمكن القول عنه بأنه أفضل من السابق. فليس هناك من يريد أن يفهم بأن التكوين في علم النفس من دون مختبر لاجدوى منه، كما لو أن التكوين في علم الحياة (البيولوجيا) يمكن أن يتم في غياب المختبر، وهذا مجرد جزء من كل، بحيث نفتقد إلى قطاعات التطبيق والممارسة، سواء على مستوى التكوين أو على مستوى الأطر المختصة والتي يمكنها السهر على تدبير هذه العمليات. أما بالنسبة للتحليل النفسي، فهو محدود في بعض الدروس اليتيمة والتي تنقصها حرارة النصوص المؤسسة والتجارب الملموسة. والواقع، يعكس بعض النقائص في نشر هذه المعرفة والثقافة النفسية، ويتمثل ذلك في غياب تفاعل ذوي الاختصاص مع القطاعات الأدبية والفنية والثقافية والاجتماعية، سواء على المستوى الجامعي أو على مستوى السياق المجتمعي العام. اللهم، حين يتعلق باستفسارات حول بعض المشكلات النفسية أو العقلية. بينما علم النفس والتحليل النفسي، لاينحصر دورهما في التعاطي مع اللاسواء بل أيضا وأساسا مع السواء. فهذا المظهر يتطلب منا رفع الغموض عن الصورة الملتصقة بعلم النفس والتي تختزله في المرض العقلي، وهو ما أشتغل على ترسيخه من خلال مختلف أنشطتي العلمية والعملية والإعلامية والتثقيفية.

{ أنت تزاوج بين الكتابة باللغتين الفرنسية والعربية، ما هي اللغة المسعفة أكثر في الكتابة في علم النفس، من حيث المصطلحات والمفاهيم؟
> بالنسبة إلي تبقى اللغة الفرنسية بمثابة وسيلة تتيح إمكانات مهمة على المستوى العملي بحثا وتكوينا، لأنني اعتدت عليها وكونها تسمح لي بالتواصل أيضا مع علماء ومختصين في البلدان الناطقة بالفرنسية، أي منهم من يمثل مرجعا أو صاحب نظرية. وقد عملت منذ مدة على تعريب وترجمة عدد من المفاهيم والمصطلحات، لأغراض الاشتغال البيداغوجي والبحث العلمي. إلا أن الالتزامات المهنية لم تسعفني في الاستمرار، ذلك أن مهمة التعريب تبقى مكلفة في الوقت والجهد، وهو ما لم يكن متيسرا. كذلك لا أخفي أنني اصطدمت بواقع لم يتهيأ بعد لقبول الاجتهادات، بحيث بقي الحال على ما هو عليه ولازلت أجد أعمال (مقالات ورسائل ) تعتمد ترجمات حرفية (من المعاجم اللغوية العامة) أو مشرقية ملتبسة، اعتقدت أنني اجتهدت في الكتابة في بعضها. وطبعا فإنني أُدرس وأحاضر وأكتب (دراسات ومؤلفات ومقالات في الصحف والمجلات..) باللغة التي يتطلبها الموقف.
أما من الناحية المهنية، مثلا أدخلت تكوينا على مستوى الماستر والدكتوراه في علم النفس العمل والتنظيمات، وهو الأول من نوعه في الجامعة المغربية. فلم يكن ذلك ممكنا سوى باللغة الفرنسية، لاعتبارات عملية وإجرائية مرتبطة بهذا المجال العلمي، لاسيما من حيث الغياب التام لأية مراجع أو مصادر باللغة العربية من شأنها مرافقتنا في تكوين الطلبة، ولاعتبارات موضوعية تتمثل في كون هذه اللغة هي السائدة في البيئة المهنية وقطاعات الإنتاج.
ونشاطات البحث والكتابة التي أداوم عليها تقودني إلى المشاركة في مؤتمرات وندوات وطنية ودولية، أعمل جاهدا خلالها لتسجيل حضور علمي محترم سواء من خلال أعمالي أو بالنسبة للهوية العلمية والمهنية التي أحملها.

{ ما هي أفاق هذا العلم في العالم الحديث؟
> لا مندوحة من القول بأن وضع علم النفس يبقى مريحا وفي ازدهار مستمر، لأن عجلة العلم تدور وبوثيرة كبيرة بفعل ما تُرصد للعلم عامة من إمكانات سواء في الإطار الجامعي أوفي الإطار المجتمعي العام، مع ملاحظة أنه بالنسبة للتحليل النفسي فهو في تراجع من حيث المكانة التي كان يكتسيها في تقديم خدمات معرفية على مستوى التفسير والفهم أو علاجية على مستوى حل المشكلات النفسية، في حين أن مجالات علم النفس التي تتوقف على البرهان وموضوعية المقاربة، فإنها في تطور من حيث تقديمها لإجابات مقنعة وعملية لاتحتمل التأويل. هذا بالنسبة للسياق العالمي، أما فيما يخص السياق العربي والمغربي، فلنطمئن بكون التراجع والاندحار هو مصير هذا العلم. فماذا عسانا نفعل أمام النزعات الصاعدة هنا وهناك (في الجامعات على وجه الخصوص) التي تدعو إلى التأصيل الإسلامي لعلم النفس. طبعا لست ضد أية اجتهادات، ولكن أن يكون الهدف هو السعي إلى نشر تصور تعويضي وإلى إحلال محل العلم القائم، فهذا ما يطرح مشكلات ابستمولوجية وتنظيمية للمعرفة العلمية. وفي هذا السياق هناك ملاحظة مهمة، هي كما لو أننا عدنا إلى أواسط القرن 19 مع فترة النشأة الفعلية لعلم النفس، وفضلنا سلوك الرجوع إلى الوراء من خلال البحث عن مرجعيات تراثية عوض مسايرة التقدم الحاصل في زمننا الحاصر من خلال الاجتهاد والمثابرة ومطارحة مايُنتج ليس هنا ولكن هناك. ومن ثم فإنني لا أفوت فرصة لمواجهة هذه النزعات كلما استفزت أوسعت إلى فرض هيمنة أو تحويل مسار العلم نحو وجهة غير تلك التي تأسس عليها تاريخيا ويتحدد من خلالها على المستوى العالمي بغض النظر عن الاختلافات الثقافية والحضارية. وبالمناسبة فقد أعدنا إحياء الجمعية المغربية لعلم النفس للعمل على تكسير مظاهر الجمود والخلل التي تُعيق تطور علم النفس ببلدنا، ولتنظيف البيت السيكولوجي من الشوائب والطفيليات التي تكتسح البلاد عبر منابر إعلامية وغيرها مستغلة الفراغ القانوني والمنظم لمهنة الأخصائي النفسي، هذا الذي نسعى إلى تأسيسه. وبالتالي المساهمة في تحسين حضور هذا العلم، على مستوى البحث والتكوين والعمل، والدفع بنشر ثقافة نفسية تكون في مستوى انتظارات المجتمع المغربي.

5/4/2013