محمد بوبكري

لقد قدمت الحكومة الحالية وعودا كبيرة وكثيرة إلى المواطنين، لكن بعد مضي قرابة أربعة أشهر على تنصيبها، بدأنا نلاحظ نقضها لوعودها، بل إجهازها على مكتسبات الشعب المغربي، حيث دشنت ردَّتَهَا بتسديد ضربة قوية لقدرته الشرائية عبر قرار الزيادة في أسعار المحروقات، وما ترتب عنه من ارتفاع مهول في أسعار المواد الأساسية. ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قد تعقبه زيادات في أسعار مواد أخرى، ما قد يخنق أنفاس الأغلبية الساحقة من المواطنين. وهذا ما قد يُدخل بلادنا في نفق عدم الاستقرار ومتاهاته وتداعياته الخطيرة…

لاشك أن قرار الزيادة في أسعار المحروقات سيتسبب في الزيادة في كلفة الإنتاج وسيضربُ القدرة الشرائية، وسيؤدي إلى تراجع الاستهلاك، وإضعاف النمو، ما سيُخَفِّض الاستثمار، ويُقَلٍّص الطلب الخارجي على المغرب، وبالتالي سيعمق عجز الميزان التجاري…، وسيزيد من هشاشة التوازنات الاجتماعية…كما أنه ينسف في العمق كل البرامج الحكومية المعدَّة لإنعاش التشغيل، ويُحوِّلها إلى مجرد أوهام، ما يجعل الحكومة متناقضة مع ذاتها وعاجزة عن التوقف عن التراجع المستمر عن قرارتها، بل والإجهاز المتواصل على القوت اليومي للشعب المغربي.

عندما يقول «رئيس الحكومة» للمغاربة: «أتركبون سياراتكم وتريدون من الحكومة أن تؤدي ثمن البنزين؟! نحن لا نقدر على هذا. عليكم أن تستعملوا حافلات النقل العمومي…»، فإنَّ هذا الكلام يُوحي بأن صاحبه يذهب إلى مقر رئاسة الحكومة مشيا على القدمين، والحال أنَّ رهن إشارته هو ووزراؤه أكثر من سيارة، لا تتحمل الدولة فقط كلفة بنزينها، بل وكذلك مصاريف أشياء أخرى كثيرة وتعويضات ضخمة مقابل تجويع المغاربة، ما يشكل ريعا، إذ ليست الحكومة سوى جزء من آلة تُسيَّر بجهاز التحكم عن بعد. وتدل دعوة رئيس الحكومة المغاربة إلى استعمال وسائل النقل العمومي على أنه يجهل أو يتجاهل أن بلادنا لا تملك ما يكفي من هذه الوسائل، وأن ما تتوفر عليه منها محدود عدديا ومهترئ. وأكاد أجزم بأنه لو لجأ المواطنون في كبريات المدن المغربية إلى استعمال حافلات النقل العمومي للذهاب إلى مقرات عملهم لما وصلوها في الوقت القانوني، بل سيكلفهم النقل مدة زمنية تفوق بكثير نظيرتها المخصصة للعمل. فضلا عن ذلك، هل يقبل رئيس الحكومة وأعضاؤها أن يتنقل أفراد أسرهم على متن حافلات النقل العمومي المهترئة والتي صارت مسرحا للجريمة والتحرش…؟إذا كانت الزيادة في أسعار المحروقات تقود حتما إلى ارتفاع كلفة المواد الغذائية وسائر الحاجات الأساسية، وإذا كان «رئيس الحكومة» يرفض أن يستعمل بعض المواطنين سياراتهم الخاصة لأن ذلك مُكلِّف لخزينة الدولة، فعليه أن ينسجم مع منطقه هذا ويضيف: «لا تأكلوا ولا تشربوا. اكتفوا باستنشاق الهواء حتى لا تزعجوا الحكومة، فأنتم تكلفونها مادي.

يلاحظ متتبعو التصريحات المتتالية لـ «رئيس الحكومة» أن خطابه ينزع نحو الاستسلام أمام الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تعرفها بلادنا. فقد تَنَصَّل من اتفاقية الحكومة السابقة مع المعطلين من حملة الشهادات العليا التي كانت قد التزمت فيها بتوظيفهم في سلك الوظيفة العمومية، حيث اعترف بعجزه عن توظيفهم، وبأنه لم يعد يملك سوى «الدعاء لهم» بالنجاح في مجال التجارة. لكن، ألا يدل هذا الكلام على سخريته منهم أو جهله التام بأن الأوضاع الاقتصادية والمالية بالمغرب لا تفتح أي آفاق لنجاح مشاريعهم؟ ألا يهدد الإفلاس المشاريع القائمة؟…

إن ما يبعث على الاستغراب في كلامه هذا هو ادعاؤه الضمني بأنه من الأولياء الصالحين وأصحاب البركات والكرامات، إذ يعمل على إيهام المواطنين بأن أدعيته مُستجابة.إنه يعمل على تشكيل وعي خرافي لدى الناس وفق رغباته، حيث يتظاهر بأنه أقرب إلى الخالق من كافة المغاربة، وبأنه يستمد منه كراماته، كأنه أُسْريَ به إلى السماء فتلقى هناك بركاته وتفسيراته وفتاويه…، وبأن الله قد خصه بالفهم والكرامات دون غيره. إنه وأفراد جماعته لا يفرقون بين النبي باعتباره خاتم النبيين، وبين ذواتهم حيث يعتبرون أنفسهم ورثة للنبوة مع أنها لا تُوَرَّث.

إذا كانت الشعوب تستفيد من أزماتها ونكساتها في إصلاح الذات والتقدم حضاريا، فإن «رئيس الحكومة» يريد حل أزماتنا بصلاحنا، وصلاحنا لن يكون – حسب ما يُستفاد من أقواله – إلا باصطفافنا وراءه. لكن، إذا سار المجتمع وراء هذا «الرئيس»، فإنه لن يجني سوى مزيد من الأزمات والتخلف، لأنه يجعل التقدم ثمرة لدعواته الصالحة، والحالُ أنه لو كان للدعاء دورٌ في التقدم العلمي والحضاري لكان سلفنا الصالح قد صنع الصواريخ والمضادات الحيوية، واكتشف الهندسة الوراثية والثورة الرقمية ببركة الدعاء لا غير. لم يُحدث الدعاء يوما ثورة علمية أو أسس حضارة من الحضارات، ولم يكن في يوم من الأيام وراء أي تقدم.

يرتبط التقدم والتحضر بإرادة الإنسان وإمكاناته وقدراته، ويقوم به عقل حر من كل قيد، عقل قادر على رفض كل ما يتعارض مع قوانينه وقوانين الكون. وهذا ما يقتضي الأخذ بالحداثة؛ فهي طريق التحضر والتقدم.

ففي الوقت الذي يتكلم العالم لغة العلم والمدنية والحضارة، ويعمل على ترسيخ الحرية وحق التفكير والإبداع والتعبير عن الرأي المختلف بحماية الدولة، يرفض رئيس الحكومة حق الاختلاف والاعتراض، ويتكلم لغة زمن الخرافة ويسعى لتأبيده. نتيجة ذلك، ليس مستبعدا أن يأتي يوم يُفسِّر فيه «رئيس الحكومة» أزمتنا بأنها نتيجة لعدم السير على «هديه».

يريد «رئيس الحكومة» الجمع بين بركات الأولياء والحكام والفقهاء، ما يجعلنا أمام شخص يسعى إلى أن يسبغ على نفسه قدسية عبر توظيف الخرافة من أجل تسويغ الظلم والاستبداد وتجويع المغاربة وتشريدهم. وهذا ما يتعارض جذريا مع أنماط الحكامة الحداثية التي تنهض على ما يسميه «ماكس فيبر Max Weber « بـ «العقل المستبصر» La raison calculatrice الذي يعتمد على عقلنة الوقائع والأشياء وأنماط العيش والتدبير… وعليه، يمكننا أن نستنتج أن الحكومة تقارب الأشياء بذهنية خرافية، ما يؤكد أنها توظف شكليا بعض الوسائل الحديثة من أجل الحفاظ على التفكير الخرافي وترسيخه. هكذا يتم نسيان الوجود العيني الملموس للكائنات والأشياء…وعوض أن يؤخذ بعين الاعتبار ما يُحدد علاقة الإنسان بالوجود في إطار السكن والقوت اليومي والصحة والتعليم وحقوق الإنسان…، فإنه يتم تكريس الخرافة وما ينجم عنها من تخلف.