تقديم: شهد المغرب في مطلع الثمانينات مجموعة من الأحداث السياسية والاجتماعية، أفضت إلى فتح السلطة آنذاك لمواجهات

  اعداد محمد الشاوي

مفتوحة مع حزب الإتحاد الاشتراكي، فمن أحداث 20 يونيو، وما تلاها من منع مجموع صحف الحزب عن الصدور، واعتقال المآت من أطره ومناضليه بالأقاليم وقيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وإغلاق العديد من مقراته و مقرات النقابة، إلى اعتقال أعضاء قيادته السياسية ومحاكمتهم، وفي مقدمتهم الفقيد عبدالرحيم بوعبيد، على إثر إصدار الحزب، لبيان ينتقد ويعارض قرارات نيروبي الثانية التي قبل بها آنذاك المرحوم الحسن الثاني، وهي القرارات التي ستفتح مسلسل إيجاد حل بإجراء استفتاء بالصحراء المغربية، واعتبرها الإتحاد الاشتراكي قرارات خطيرة تمس الوحدة الوطنية، مما يتطلب عرضها على استفتاء الشعب المغربي برمته.

ماذا قال بيان الإتحاد الاشتراكي سنة 1981، البيان الذي سيقود قيادته للمحاكمة وإصدار حكم بالسجن سنة نافدة في حق ثلاثة أعضاء من مكتبه السياسي على رأسهم كاتبه الأول آنذاك عبدالرحيم بوعبيد:

      عقد المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سلسلة اجتماعات خاصة منذ يوم فاتح شتنبر 1981، لدراسة وتحليل مقررات لجنة التطبيق التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية. هذه المقررات، التي تم اتخاذها من خلال الاجتماع الأول للجنة المذكورة المنعقد بنيروبي أيام 24 و 25 غشت 1981. وقبل كل شيء، فإن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا يمكن إلا أن يتأسف ومن تم يشجب بعض التعاليق الصحفية التي لا تتردد في موضوع مقررات لجنة التطبيق في إبداء تفاؤل موجه مقصود، ومجادلة المخاطر الكبيرة والحقيقية التي تهدد مستقبل الوحدة الترابية لبلادنا.

إن هذه التصرفات، لا يمكن إلا أن تبعث على افتراض الاستعداد للاستسلام، بل وحتى احتمال التخلي عن السيادة المغربية على أقاليم الصحراء الغربية.

إن حزبنا، وهو يعي  بالخطورة القصوى للوضعية الجديدة، التي خلقتها قرار نيروبي الأخيرة، يعتبر واجبنا الوطني يفرض إثارة انتباه الشعب المغربي إلى كل الاحتمالات المنتظرة، حتى يتخذ موقفه وهو على بينة ومعرفة بكل مسؤولية.

هذا، ولا بد من تسجيل بعض الملاحظات البديهية في موضوع قرارات لجنة التطبيق، المتخذة في اجتماع نيروبي الثاني، ولو على سبيل الإشارة.

1/- في موضوع الاستفتاء

في هذا الموضوع، لا يمكننا أن نغفل قرارا نيروبي القاضي بوضع إدارة تحل محل الإدارة المغربية للسهر على إعداد وتنظيم عملية الاقتراع.

إن على هذه المؤسسة ادن، أن تضطلع “بالنيابة” مخولة جميع السلط والصلاحيات كما لو أن الإدارة المغربية لم يكن لها وجود، أو أنها مجردة من سلطاتها واختصاصاتها.

ومع أنه قد تم قبول عدم انسحاب إدارتنا المدنية، العسكرية فإنه يظهر أن هذا التنازل لا يتعدى حدود الشكل، حيث ستكون الإدارة المغربية مرغمة على السلبية وحتى تعاونها المحتمل، والمحدود بالضرورة، لن يتم إلا بناء على طلب من لجنة التطبيق.

ويظهر بدل جلاء من القرارات الأخيرة لاجتماع نيروبي الثاني انه من صلاحيات الإدارة المنتدبة هذه:

ستنظم الاستفتاء، وضع ومراقبة القوائم الانتخابية، السهر على سير الاقتراع والإعلان النهائي للنتائج.

وسيساعد هذه الإدارة عدد كافي “من وحدات قوة المحافظة على الأمن التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية ومنظمة الأمم المتحدة، الخ….

هذه هي بعض الملاحظات التي سيكون من الخطورة بمكان عدم تسجيلها فيما يرجع لهذه النقطة.

2/- في موضوع المشاركة في الاقتراع

إذا كان الإحصاء الذي أجري سنة 1974 من طرف الإدارة الاسبانية قد اتخذ كقاعدة للانطلاق فإن أحدا لا يمكنه أن يتنبأ بما ستكون عليه اللائحة النهائية للمشاركين في الاقتراع المقرر.

فهناك من يطرح من الآن رقم 120.000، وآخرون يتحدثون عن حوالي 230.000 أخذا في الاعتبار كما يقال اللاجئين الصحراويين في البلدان المجاورة يعني الجزائر وموريتانيا. وقد قيل كذلك، أن هؤلاء اللاجئين يمكنهم العودة إلى الصحراء الغربية والمشاركة في الاقتراع في أماكن ازديادهم.

وهكذا ، سيكون الأمر إذن غزوا حقيقيا لأراضينا الصحراوية من طرف عشرات الآلاف من العناصر الذين لا يمكن عمليا التحقيق من هويتهم ، والذين سيتمتعون بكامل الحرية طيلة حملة الاقتراع لإعلان عدائهم لبلادنا.

كل هذا تحت المراقبة الفعلية للإدارة المنتدبة التي تساعدها قوات المحافظة على الأمن والنظام. ومن جهة أخرى وعلى الأقل بالنسبة لنقطة أساسية فإن لجنة التطبيق الإفريقية خلال اجتماعها بنيروبي الثاني قد بدأت فعلا بعمل تشريعي إذ أعطت لسكان الصحراء الحق في المشاركة في التصويت لمن بلغ سنه 18 سنة.

فهل يمكننا في ظل هذه الشروط ، والتي ليست من نسج الخيال ، أن نؤكد ان الاقتراع في النهاية لا يمكن ان يكون إلا استشارة تأكيد ؟ يجب القبول بالتعلل بالوعود ، أو إبداء سذاجة غريبة ، حتى يمكن الادعاء بأن مسلسلا مثل هذا ، إذا تم تطبيقه لن يمس الوحدة الترابية لبلادنا.

3/- حول وقف إطلاق النار

تطلب لجنة التطبيق من الأطراف المتنازعة الاتفاق على وقف إطلاق النار من خلال مفاوضات تتم تحت رعايتها.

فمن هي هذه الأطراف المتنازعة؟

بطبيعة الحال لن يقبل المغربي بأن يكون ما يسمى ب “البوليزاريو” أحد الأطراف المتنازعة، فلقد دافع دائما على أن مفاوضات وقف إطلاق النار لا يمكن أن تتم إلا مع الحكام الجزائريين الذي تأوي أراضيهم عصابات ما يسمى ب ‘البوليزاريو” والذين يمنحوهم القواعد ويزودونهم بالسلاح والدعم اللوجستيكي والمؤمن. لكن الجزائر ترفض بأن تقبل بهذه الحقيقة.

وما يسمى ب “البوليزاريو” الذي سيكون مساندا بدعم البلدان الصديقة للجزائر ولو بصفة غير مباشرة. ومن هنا فإن نتائج وانعكاسات مثل هذه الوضعية تظهر بكل جلاء ووضوح.

إن هذه الملاحظات والاعتراضات التي تفرض نفسها على كل الوطنيين المغاربة ، المستعدين أكثر من اي وقت مضى للدفاع عن سيادتنا والوحدة الترابية لبلادنا ، لتحمل حزبنا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على إعلان موقفنا حول القرارات الأخيرة للجنة نيروبي الثاني.

–      وعيا منه بخطورة المرحلة ، وبالتهديدات الحقيقية التي يمكن ان تحدد بمستقبل بلادنا بخصوص الدفاع عن وحدتنا الترابية.

–      ووعيا منه بضرورة العمل بكل الوسائل من اجل إعادة السلم ومن اجل تعاون واضح وبناء مع الحكام الجزائريين لخير شعوب المغرب.

–      اقتناعا منه بأن قرارات نيروبي يجب أن تكون موضوع حملة إعلام حقيقية من طرف جميع المنظمات السياسية والنقابية والثقافية ، مما بفرض على الفور رفع كل تضييق او مس بالحريات خاصة حرية الإعلام كشرط أساسي يمكن الشعب المغربي من التعبير عن موقفه بكل مسؤولية وبكل وعي.

فإن، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يقترع ، بكل التأكيد الذي تتطلبه المرحلة التاريخية التي تعرفها بلادنا، أن ينظم استفتاء شعبي ديمقراطي  طبقا للدستو ، يدعو مجموع الشعب المغربي للتعبير عن موقفه بكل وضوح حول قرارات لجنة التطبيق المجتمعة في نيروبي الثاني المتعلقة بمستقبل الصحراء الغربية ، أي بمستقبل وحدتنا الترابية.

نعم لقد كان لقبول مبدأ إجراء استفتاء لتأكيد مغربية الصحراء ، أثناء اجتماع القمة الإفريقية بنيروبي ، نتائج ملموسة على الصعيد الإفريقي والعالمي لإفشال مناورات خصوم المغرب ، أما اليوم ، بعد قرارات لجنة التطبيق الإفريقية في نيروبي الثاني ، وعلى الخصوص إنشاء إدارة تحل محل الإدارة المغربية ، مع كل اختصاصات السيادة يشكل عنصرا جديدا من غير المسبع دان تكون له عواقب خطيرة وبعيدة بالنسبة لمستقبل الشعب المغربي.

لذلك فإن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، الذي يتحمل مسؤولياته كاملة في هذه الظروف ، يعبر عن آماله في أن تتخذ جميع المنظمات الوطنية مسؤولياتها كذلك.

                                                      المكتب السياسي

                                            للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية

                                                       5 شتنبر 1981

 

على إثر نشر هذا البيان، لقد تم استدعاء عبد الرحيم بوعبيد من لدن الشرطة في نفس اليوم ، الذي صدر  فيه هذا البلاغ،  الذي يسجل من خلاله الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تحفظا في إبداء حكمه على المؤتمر المصغر المنعقد في نيروبي في 24/25 غشت 1981.

هذا البلاغ، الذي ينتقد فيه عدة نقط من مقررات لجنة الحكماء التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية. لقد طالب الاتحاديون بلسان المكتب السياسي، بإجراء استفتاء شعبي وديمقراطي طبقا لمقتضيات الدستور، وذلك بهدف استدعاء مجموع الشعب المغربي لإبداء رأيه حول مقررات هذه اللجنة، خصوصا ما يتعلق بوقف إطلاق النار وإجراء استفتاء في الصحراء المغربية. ففي الوقت الذي اعتبرت السلطات أن بقاء الإدارة المدنية والعسكرية في المنطقة انتصارا، اعتبر الاتحاد الاشتراكي ذلك تنازلا شكليا مادام أن الإدارة النيابية التابعة للأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية ستكون قوية.

كما ندد الاتحاد الاشتراكي بالمساهمة التي يسمح بها اللاجئين الموجودون سواء بالجزائر أو موريطانيا أو دول الجوار سيكتسحون الصحراء دون رقيب أو حسيب، ويستمتعون بكامل الحرية لإبداء عدائهم لبلادنا.

وكما كتبت جريدة ليبيراسيون الفرنسية آنذاك، إن اعتقال رئيس المعارضة ومن معه، يأتي على خلفية الحرب الموجهة ضد الاتحاد الاشتراكي والنقابة المقربة منه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، على اثر أحداث 20 يونيو 1981، التي أزهقت فيها أرواح مآت الشهداء، واعتقال مئات المناضلين وقيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، كما حرم الحزب من كل وسائل التعبير، حيث تم حجب جريدتي المحرر وليبيراسيون.

وكما يبدو إن الهدف كان هو زعزعة الاتحاد الاشتراكي، ووضع حد لانتقاداته حول قضية الصحراء  والديمقراطية بالبلاد،

ولقد غطت كبريات الصحف الدولية هذا الحدث، منها جريدة لونيتي، وجريدة لوموند، وجريدة ليمانتي  وجون افريك، هذه الأخيرة التي وصفت بدقة ظروف اعتقال السي عبد الرحيم بوعبيد في يوم الثلاثاء 8 شتنبر 1981 في الساعة العاشرة والنصف ليلا من منزله، مصحوبا بالفقيد الأستاذ محمد الفاروقي اعتقادا من البوليس أنه محمد الحبيب الفرقاني عضو المكتب السياسي ليتم إخلاء سبيله في الصباح الباكر.

وبعد إلقاء القبض على عبد الرحيم بوعبيد، سيتم اعتقال باقي أعضاء المكتب السياسي محمد اليازغي، محمد الجبابي، واستنطاق محمد منصور و الفرقاني.

في المحاكمة، قال عبد الرحيم بوعبي “هذه المحاكمة سيكون لها تاريخ، فأنتم لكم الأمر، ونحن نقول “ربي السجن أحب إلي من أن ألتزم الصمت وألا أقول رأيي في قضية مصيرية وطنية”.

وصدر الحكم على عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي ومحمد لحبابي بالسجن لمدة سنة نافذة، ليتم نقلهم إلى معتقل بإقليم ميسور، بعد احتجازهم لمدة شهر في سجن لعلو بالرباط.

                                                              اعداد محمد الشاوي