عبد الكبير طبيح

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الخميس 11 ابريل 2013


في كل الأنظمة الديموقراطية هناك توازن بين السلط المكونة للدولة يحكمه مبدءان : الأول مراقبة السلط لبعضها، والثاني إقرار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وذلك حتى لا تطغى سلطة على أخرى.
هذان المبدءان يدفعان إلى التساؤل هل يحق لرئيس الحكومة أن يتخذ أي قرار متى شاء حتى و لو كان مخالفا للقانون والدستور.
من المعلوم أن قانون المالية هو قانون سواء من حيث الشكل باعتباره يتضمن التزامات يجب على المواطنين احترامها أو باعتبار كونه يصدر عن البرلمان، أي السلطة التشريعية، وليس السلطة التنظيمية التي يمارسها رئيس الحكومة. أو باعتبار أن الفصل 71 من الدستور يدخل قانون المالية في مجال القانون، أي في اختصاص البرلمان بمقتضى الإحالة المنصوص عليها في الفصل المذكور والتي ورد فيها ما يلي:
«يختص القانون، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور، بالتشريع في …..»
وهذا يعني أن مجال القانون يشمل المواضيع المذكورة في الفصل 71 كما يشمل المواضيع غير المذكورة في الفصل 71، لكن الدستور يدخلها في مجال القانون بنص خاص فيه.
وبالرجوع إلى الفصل 75 من الدستور، يتبين منه أن قانون المالية هو قانون بكل المواصفات التي يتطلبها الدستور في أي قانون آخر. بل إن الدستور حصن قانون المالية بصفة خاصة بضوابط إضافية، نظرا لخطورة ما يتضمن من التزامات تمس مباشرة العيش اليومي للمواطن، أي تمس الأمن القومي بالدرجة الأولى،
لذا لا يحق لأي حكومة أن تقرر في مجال المالية خارج آلية القانون، أي لا يمكن للحكومة أن تستعمل السلطة التنظيمية فـي آلية المرسوم، كما فعل رئيس الحكومة حاليا، لسن قانون المالية، وبالأحرى لتعديله أو تغييره،
فالقانون هو تعاقد بين ممثلي الشعب والحكومة، ذاك التعاقد الذي ترجم بتصويت البرلمان على ذلك القانون لكي يدخل حيز التنفيذ. والسؤال الذي يطرح اليوم بعد ملحق المرسوم الذي أصدره رئيس الحكومة المنشور في الجريدة الرسمية ليوم 8 – 4 – 2013 والذي أوقف به تنفيذ 15 مليار درهم، هو هل كان من حق رئيس الحكومة إصدار مثل هذا المرسوم دون الرجوع إلى البرلمان، وبالتالي يعدل قانون مالية صوت عليه البرلمان، في جانبه المتعلق بالاستثمار، أي الجانب المتعلق بخلق مناصب الشغل للمواطنين، أي في علاقته مع القوت اليومي، أي في علاقته مع الأمن القومي.
للجواب عن هذا السؤال، يجب الرجوع إلى ما ينص عليه الدستور في مثل هذه القضايا.
الملاحظة التي يجب الالتفات إليها هي أن دستور 2011 حصن قانون المالية المصوت عليه في البرلمان من التدخل المنفرد للحكومة، وذلك بإحداث قاعدة دستورية لم تكن موجودة في دستور 1996، إعمالا منه للمبادئ المشار اليها أعلاه، و على الخصوص كون قانون المالية هو تعاقد بين ممثلي الشعب والحكومة لا يغير و لا يلغى إلا بالرجوع إليهم.
وهكذا سنجد مشرع دستور 2011 أضاف القاعدة الدستورية المنصوص عليها في الفقرة الأولى من الفصل 77 التي لم تكن موجودة في الفصل 51 من دستور 1996، و هي القاعدة التي تقول مايلي:
« يسهر البرلمان والحكومة على الحفاظ على توازن مالية الدولة ». و هكذا يتبين أن المشرع الدستوري أخرج سن القانون المالي و تعديله من اختصاص السلطة التنظيمية التي يمارسها رئيس الحكومة و أكد على أنها من اختصاص الخاص بالبرلمان والحكومة، أي أنه حصرها في مجال القانون وأخرجها من مجال السلطة التنظيمية .
لو كنا في إطار دستور 1996 لأمكن مناقشة هذه الإمكانية بالنسبة للوزير الأول آنذاك، لكن أمام القاعدة الدستورية الجديدة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من الفصل 77، فإن رئيس الحكومة عندما ظهر له أن توقعات حكومته عند تهيئي قانون المالية لسنة 2013 كانت خاطئة، بغض النظر عن المسؤولية الحكومية في هذا الأمر، كان عليه أن يقدم للبرلمان قانونا تعديليا لقانون المالية، لا أن يتخذ قرارا انفراديا بواسطة ملحق مرسوم يلغي بواسطته جزءا مهما من قانون المالية الذي صوت عليه البرلمان، وهو الجزء المتعلق بالاستثمار بكل الأثار الخطيرة المرتبطة بعملية التشغيل، و ما لها من آثار على القوت اليومي للمواطنين.
فرئيس الحكومة، إذن، عندما بادر إلى إلغاء جزء من قانون المالية بصفة منفردة، أي بواسطة مرسوم مع أن دستور 2011 يلزمه في فصل 77 الرجوع للبرلمان يكون، أي رئيس الحكومة، قد خرق الفصلين 75و 77 من ذلك الدستور .
و هذا الوضع يطرح اليوم مسؤولية البرلمان بجميع أعضائه في ضمان احترام مقتضيات الدستور، وبالتالي احترام المؤسسات التي أتى بها دستور 2011 الذي يمكن للمغاربة اليوم، أمام ما نتابعه في دول أخرى، أن يفتخروا به..

11/4/2013