عن موقع انفاس

الاحد 14 ابريل 2013

ما المقصود بداية بالثقافة ؟ ما محتواها و عناصرها ؟ و هل من تعريف إجرائي لها ؟ ماذا بخصوص المقاولة ؟ هل من تحليل سوسيولوجي لفضائها ؟ ما هي طبيعتها ؟ و أهم مضامينها ؟ و أي علاقة لها بالثقافة ؟ ما مكانة هذه الأخيرة داخل ذات المؤسسة ؟ و ما هي إذن حدودها ؟ و كذلك أبعادها ؟ و ما هي خصوصا مختلف مكوناتها ؟ و أيضا أهم خصائصها ؟
الثقافة بداهة خاطئة ، كلمة تبدو و كأنها كلمة ثابتة حازمة ، و الحال أنها كلمة فخ ، خاوية ، منومة ، ملغمة ، خائنة ، الواقع أن مفهوم الثقافة ليس أقل غموضا و تشككا و تعددا ، في علوم الإنسان منه في التعبير اليومي Morin Edgar فالثقافة تعني جوانب الحياة الإنسانية التي يكتسبها الإنسان بالتعلم لا بالوراثة ، و يشترك أعضاء المجتمع بعناصر الثقافة تلك ، التي تتيح لهم مجالات التعاون و التواصل ، وتمثل هذه العناصر السياق الذي يعيش فيه أفراد المجتمع . و تتألف ثقافة هذا الأخير من جوانب مضمرة غير عيانية مثل : المعتقدات ؛ و الآراء ؛ و القيم التي تشكل المضمون الجوهري للثقافة ، ومن جوانب عيانية ملموسة مثل : الأشياء ، و الرموز ، أو التقانة التي تجسد هذا المضمون Antony Giddens . فالثقافة إذن تتألف من أنماط مستترة أو ظاهرة للسلوك المكتسب و المنقول عن طريق الرموز ، فضلا عن الإنجازات المميزة للجماعات الإنسانية ، و يتضمن ذلك الأشياء المصنوعة ؛ و يتكون جوهر الثقافة من الأفكار التقليدية و كافة القيم المتصلة بها ، أما الأنساق الثقافية ، فتعتبر نتاجا للسلوك من ناحية ، و شروطه من ناحية أخرى Klukhohn & Kroberg . إن الثقافة إذن هي الكل المركب الذي يشمل المعرفة و المعتقدات و الفن و الأخلاق و القانون و العادات ، و كل القدرات و العادات الأخرى ، التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع Edward Brunett Taylor . فهي أسلوب حياة المجتمع و طريقة تميزه ، إذ تشمل جوانب مادية تعبر عن المظهر الفيزيقي للتفاعل الإنساني ، كما تشمل جوانب غير مادية ، تعبر عن الجانب الإيديولوجي لجماعة ما ، كالأخلاق و القانون و العرف ، التي تنشأ نتيجة التفاعل الإجتماعي بين الناس و بين العناصر المكونة للثقافة ؛ إذ تجسد ذات الثقافة طرق و أساليب الحياة ، التي يتبعها المجتمع في مختلف ميادين العمل و السلوك و الفكر ؛ فهي المصدر الأساسي الذي يستمد منه المجتمع كافة الأساليب و الأفكار الخاصة بكسب العيش ، و تنظيم الحياة الإجتماعية ، و من خلالها ينظر إلى الكون و تفسر الإتجاهات و الإنفعالات ، و أيضا العواطف التي يشترك فيها أبناء المجتمع في تفاعلاتهم اليومية . إن الثقافة إذن هي ذلك الكل المركب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه ، أو نقوم بعمله ، أو نمتلكه كأعضاء في المجتمعRobert Bierstedt . و يتعلم البشر خصائص الثقافة و مدلولاتها عبر عملية التنشئة الإجتماعية ؛ و العوامل الفاعلة في مجال التنشئة الإجتماعية تتمثل في المجموعات و السياقات الإجتماعية التي تجري فيها عملية التنشئة المهمة . و تنشئة الطفل هي التي يصبح فيها الطفل العاجز – تدريجيا – و من خلال إتصاله بالآخرين كائنا بشريا مدركا لذاته ، و عارفا و ملما بالأساليب و أنماط السلوك المتبعة في ثقافة ما Antony Giddens . فالثقافة إذن هي سلوك مكتسب ، إذ ليست ظاهرة فطرية تولد مع المجتمع أو مع الإنسان ؛ إنما هي نتاج تفاعل عوامل متعددة إجتماعية و بيئية ، تبلور نظاما من الرموز يوجه تفكير الناس ، فيتعلمونه جيلا بعد جيل ، و بالتالي فالثقافة لا تموت إلا بموت الأفراد ، لأنها ملك جماعي و تراث يرثه أفراد المجتمع جميعهم ، بواسطة التثقيف أو التنشئة الثقافية ـ الإجتماعية ؛ و يكون إكتساب الثقافة تعبير عن حاجة من الحاجات الضرورية بالنسبة للفرد بهدف المساعدة على التكيف و القدرة على التواصل مع الجماعة التي تحيط به . هذا من جهة ، أما من أخرى ، فإن من خصائص الثقافة بالإضافة إلى إعتبارها إنسانية ، أي ينفرد بها لإنسان لوحده ، و أنها تتم عن طريق الإكتساب ، فأنها اجتماعية ، أي أنها نتاج اجتماعي أبدعته جماعة معينة ، و لا توجد إلا بوجود المجتمع ، كما أن المجتمع لا يقوم و لا يبقى إلا بالثقافة . لأن الثقافة طريق متميز لحياة الجماعة ، و نمط متكامل لحياة أفرادها ، و من ثمة تعتمد الثقافة على و جود المجتمع ، ثم هي تمد المجتمع بالأدوات اللازمة لإطراد الحياة فيها . فالثقافة و إنطلاقا مما سبق لا تعني فقط المستوى الإبداعي في الفكر الإنساني ، مثل الفنون و الأدب ، و الموسيقي و الرسم ؛ بل إن ذات المفهوم يشمل جوانب إضافية أوسع ، متمثلة في أسلوب الحياة الذي ينتهجه أعضاء مجتمع ما ، أو جماعة ما داخل المجتمع ، فهي تشمل على هذا الأساس ، أسلوب إرتداء الملابس ، و تقاليد الزواج ، و أنماط الحياة العائلية ، و أشكال العمل و الإحتفالات الدينية ، بالإضافة إلى وسائل الترفيه و الترويح عن النفس Antony Giddens

فأي علاقة إذن تربط بين الثقافة و المقاولة ؟ و كيف أمكننا الجمع بين الثقافة العالمة العقلانية للمقاولة ، المبنية على الترشيد العقلاني و الرفع من مردودية الإنتاج ، و بين مختلف مكونات الثقافة غير العقلانية ، المتمثلة في العرف و المعتقدات و مختلف التصورات ، و خلافه من مكونات الثقافة ؟ و إلى أي حد يمكن أن نتبنى تصورا أنتروبواوجيا للمقاولة من جهة ، و سوسيولوجيا من جهة أخرى ؟ بمعنى هل يمكن لمؤسسة المقاولة ، أن تشمل خصائص و عناصر ثقافية ، ذات المعنى السوسيولوجي من ناحية ، و البعد الأنتروبولوجي من ناحية مغايرة ، بل و حتى ذاك السيكولوجي ؟

ينبني مفهوم المقاولة في الحقل الإقتصادي ، و في النظرة السوسيولوجية الكلاسيكية ، بكونها وحدة للأنتاج المادي أو الخدماتي فقط ، تعتمد على العمل ، و على رأسمال تقني و مالي ، لإنتاج منافع متعددة و خدمات مختلفة ، و ذلك لتلبية حاجات المستهلك من ناحية ثانوية ، و للرفع من مردودية الإنتاج ، لتحقيق أكبر قدر من الربح من ناحية أساسية ؛ فالمقاولة حسب ذات التصور ، هي معادلة رياضية تراكمية لكذا من العاملين المختلفة مستوياتهم و كفاءاتهم ، إذ هي تجمع لعدد متباين من الموارد ، جمعت لتحقيق أفضل الطرق و أقصرها جودة و نجاعة ، و ذلك لتحقيق قدر معين من الأرباح ؛ أي إن المقاولة حسب نفس المنطق التقليدي ، هي مجموع عدد تراكمي ستاتيستيكي للأفراد ، موجه لإنتاج خيرات و منافع إقتصادية مادية ملموسة قابلة للإدراك ، و خدمات تجارية غير مادية ، يمكن إدراكها فقط من خلال تأثيرها على المستهلك ؛ فالمقاولة إذن عبارة عن مركز للحسابات ، و عن خلية مادية تستهدف الربح ، تملك خيرات إقتصادية ، كما تملك ديونا ، و يتجسد نشاطها من خلال عمليات الإنتاجات و التفاعل مع السوق ؛ فأي حديث إذن عن المقاولة في المتن السوسيولوجي التقليدي ، أو في البارديغم الإقتصادي ، لا بد أن يحيلنا إلى مختلف الوسائل التي تسمح لذات المؤسسة الإقتصادية بتحقيق الأهداف المنشودة و المسطرة من طرف الإدارة ؛ فالمقاولة إذن تسعى إلى تحديد مجموعة من القواعد الإقتصادية و الضوابط العالمة ، و فق تصور عقلاني بالمعنى الديكارتي للكلمة ، يرسم المراحل الضرورية و الأساسية لتحقيق ذات الأهداف ، التي تم تحريكها من قبل الرؤساء ؛ و بالتالي فالمقاولة مؤسسة إقتصادية خالصة حسب التصور الكلاسيكي لعلم الإجتماع ، تحيلنا وفق هذا المنظور ، إلى أنشطة إنتاجية مادية لكذا من السلع و أيضا الخدمات ، زيادة كذلك على كافة المخرجات المادية ، بغية إكتساح الأسواق و الرفع من أرباحها و مداخيلها ؛ فالمقاولة إذن بمعناها الإقتصادي ، هي وحدة إنتاجية ، تجمع بين مختلف عوامل الإنتاج من موارد بشرية مؤهلة أو غير مؤهلة ، و بين وسائل معلوماتية و أيضا تقنية لوجيستيكية ، و كذلك موارد إقتصادية ضرورية قصد تحقيق مشاريعها ، من خلال إنتاج منافع مخصصة للبيع و للإستغلال ، و ذلك لجني الأرباح ؛ بمعنى مغاير و أوضح ، إن المقاولة في الأدبيات الإقتصادية ، هي وحدة مؤسساتية ذات الصبغة الإنتاجية المحضة و الخالصة ، تنبني على مشروع محدد سلفا من خلال إستراتيجيات تخطيطية عقلانية ، و سياسات تدبيرية معقلنة ، للوصول لذات الأهداف ، المتمثلة في تحقيق مشروع وجود المؤسسة و أيضا إنوجادها ، و ذلك بإنتاج و تزويد المستهلكين و عموم المستعملين ، بمجموعة من الخيرات المادية المتنوعة و العديدة ، أو بمختلف الخدمات الموجهة لعموم الزبناء و مختلف العملاء ؛ و لتحقيق ذات الهدف ، تقوم المؤسسة المقاولاتية الإقتصادية ، بتحضير و تحريك ، و إستهلاك مختلف الموارد التي تعبد لها ذاك الطريق الملكي نحو أهدافها ، و ذلك بالإرتهان على مجموع الموارد المادية و غير المادية ، و على الرأسمال الثقافي المتمثل في العنصر البشري ، المكتنز لمهارات و كفاءات تقنية ، تسمح هي الأخرى ، بمسايرة ضوابط المقاولة و أهدافها ، و حتى تمارس هذه الوحدة الإنتاجية الإقتصادية غاية وجودها و ماهية إنوجادها ، تقوم بإحقاق شرط التنظيم و التوفيق بين مختلف هذه الموارد ، بغية تأمين إستمراريتها أولا ، ثم بغية الرفع من مردودية الإنتاج ثانيا ، ثم إكتساح الأسواق ثالثا . لكن إذا كان ذات التصور التقليدي بمنحاه الإقتصادي ، و توجهه السوسيولوجي الكلاسيكي ، يزج بالمقاولة في إتجاه تقزيبي تقزيمي من كافة وظائفها المتباينة عن النسق الإقتصادي الإنتاجي ؛ فإن مفهوم مؤسسة المقاولة ، و في مختلف سجلات العلوم الإجتماعية المعاصرة ، يقر بأنه لا يمكن النظر إليها بعين إقتصادية خالصة فقط ، بل إن ذات المؤسسة هي وحدة إجتماعية بإمتياز ، لها تمظهرات فعلا على المستوى الإقتصادي التدبيري ، أي تقوم بإنتاج خدمات معينة و سلع محددة ، و تتوقف حدودها في مدى تقسيمها للشغل ، بل في نفس الوقت ، إنها مؤسسة تنتج أفكارا و قيما و تصورات ، تفرز علاقات إجتماعية و أنساق الثقافات ، كما تشبع رغبات نفسية و حاجيات ؛هذا التعريف ينأى بنا عن مختلف التصورات التقنية المادية للمقاولة ، إلى مؤسسة إجتماعية ، تنتج علاقات السلطة ، كما تنتج قيما و أنماط سلوك ؛ فإبتداءا من الثمانينات من القرن الفائت ، طفا وجه جديد للمؤسسة المقاولاتية عوض ذاك المنظور الكلاسيكي لها ، إذ تغيرت النظرة لها و أصبحت تعتبر كيانا إجتماعيا ، أو مجتمعا صغيرا قبل أن يكونا كيانا إقتصاديا ؛ أي وحدة إجتماعية ، منتجة لكيانات إجتماعية تتحكم فيها روابط إجتماعية ، و يوجد في أحشائها فاعلون بمثابة أعضاء يتماهون في هذه المقاولة الإجتماعية ، التي تشكل مجموعة إنتماء بالنسبة إليهم ؛ فالمقاولة ، و على هذا الأساس لا يمكن النظر إليها بمنطق تقني إقتصادي فقط ، أو بنظرة أذاتية تبخيسية على أساس أنها وحدة إقتصادية تنتج فقط السلع و الخدمات ، و تسعى بكل الوسائل للرفع من مردودية الإنتاج ؛ بقدر ما أنها مؤسسة إجتماعية ثقافية ، تنتج بدورها ثقافتها الخاصة نتيجة التفاعل بين مختلف مكوناتها ؛ بدءا بقواعد و ضوابط ، و قوانين داخلية مسطرة من طرف الإدارة لتنظيم سلوك الأفراد ؛ أي إنها بناء إجتماعي محكم ، يرتبط بمجموعة من القوانين و الضوابط التي يخضع لها مختلف الفاعلين في نطاقها كمؤسسة ؛ بمعنى أخر ، لا يمكن أن نركن للمقاولة بأليات البحث و الدرس ، لنعتبرها فضاءا إقتصادويا ينبني على المادة بمنطقها الأرسطي ، دون الصورة التي هي الثقافة ، أي مؤسسة إنتاجية همها الأساس هو الربح و لا شيء غير الربح ، بل إن المقاولة في بعدها السوسيولوجي و حتى الأنتروبولوجي ، و أيضا في جانبها السيكولوجي ، هي تجميع و كوكبة بين جوانب إجتماعية متمثلة في النسيج الإجتماعي للمقاولة ، من علاقات إجتماعية تنبني تارة على منطق التضامن و التأزر ، و تارة أخرى على منطق التباعد و التقاطب ؛ و جوانب ثقافية متعددة و متنوعة ، تتجلى في مختلف الأفكار و التصورات ، و في مجموع القيم و العادات المعتملة داخل جماجم الأفراد أو الفاعلين في أركان المقاولة ، و جوانب سيكولوجية أهم ، متمثلة في التحفيز و الرضا النفسي للعمال داخل المحيط المقاولاتي . بتعبير أخر ، إن ثمة علاقة ترابطية تلازمية إذن ، بل وجودية بتعبير فلسفي ، بين ذات الثقافة و المقاولة ، و أن أي توجه ينحوا منحى النفي ، لن يكون سوى ضربا من ضروب الترف و الإبتذال ؛ فالمقاولة في منظار العلوم الإجتماعية المعاصرة ، تمتلك ثقافة ، كما تنتج سلعا و خدمات و كافة المخرجات المادية ، تلك الثقافة تتمثل في مجموع المعارف و القيم ، و المهارات و مختلف الإتجاهات و السلوكيات التي تكتسبها الإدارة العليا ، و تمارسها داخل المؤسسة و خارجها ، و التي تقدم قواعد مستقرة لتنظيم العمل ، و لتنظيم سلوك العمال ؛ إن المقاولة إذن هي مكان مستقل نسبيا عن المحيط و المجتمع منتج لضوابط تتحكم في العلاقات الإجتماعية Bernoux Philippe و بالتالي فإن هذه المؤسسة ليس مجرد نصوص و قواعد قانونية ، و ليست كذلك نماذج و هياكل رسمية ، بل إنها تتشكل من روابط إجتماعية معقدة و أصيلة Renaud Sainsaulieu ، تلك الثقافة تتجلى في مجموع التعبيرات و الإشارات ، و في مختلف الطقوس و العادات و المراسيم ؛ فالمقاولة حسب هذا المنطق إذن ، هي وحدة إجتماعية منتجة لقواعد و عادات ، و معتقدات و تمثلات ، مشتركة بين الأفراد المكونة لهذه الوحدة Maurice Thévenet ، و تظهر تلك الثقافة في مجموعة من الرموز كاللغة المتداولة بين مختلف الفاعلين ، و طريقة اللباس و أسلوب تنظيم العمل ، و طبيعة القيادة ، و نظام الإعلام و الإتصال ، و أيضا التقويم و المكافآت و الجوائز ، و كيفية إدارة الوقت ، و حل الصراع ، أضف إلى ذلك جل القيم و المعايير المرتبطة بهذه الممارسات التنظيمية . إن ثقافة المقاولة إذن هي مجموعة من المعتقدات و التمثلات الخفية ، العيانية و غير العيانية المتجلية في الطقوس و الشعائر اليومية كطرق الكتابة و الكلام ، و كيفية تحضير و قيادة الإجتماعت ؛ هي رموز و أفكار إذن ، يعتنقها مختلف الفاعلين في نطاق المقاولة ، من أدنى عامل فيها إلى أهم رئيس و مرؤوس ، و التي يكون لها الدور الأساسي في التعبير عن هوية المقاولة و تقديم صورتها الخاصة ، و إحقاق التماهي و الإنسجام بين أعضائها ، و ذلك حتى تصل المؤسسة لأهدافها الوجودية المسطرة من قبل الإدارة . بمعنى إستنتاجي ، لقد أضحى الآن متفقا على أن المؤسسات الإقتصادية الإنتاجية ، تمتلك ثقافة خاصة بها نتيجة التفاعل بين مختلف مكوناتها و عناصرها ؛ تلك الثقافة تبدأ بمجموع المتغيرات الإدارية و التنظيمية ، المهيكلة و المحددة للنظام العام للمقاولة ، أي في كونها موجهة للسلوك ، و محددة للممارسات و مختلف التوجهات ؛ إلا أنها لا تقف عند هذه الحد ، بل تمتد إلى المتغيرات المشتركة من أحاسيس و مشاعر الإنتماء ، و مصطلحات و رموز ، تظهر من باب المثال ، على مستوى البذلة الرسمية ، و لغة الخطاب الداخلية ، و طرق الإتصال و التواصل ، بل حتى كيفية تنظيم و تزين مرافق المقاولة تندرج ضمن ثقافتها ؛ زيادة على القواعد المسطرة لتوجهات الأفراد ، لتنفيذ مهامهم و إنجاز وظيفتهم ؛ و الحديث هنا عن النظام الداخلي و الهيكل التنظيمي ، المتمثل في طرق و أساليب تقسيم النشاطات و أيضا المسؤوليات ، بغية ترشيد عقلاني بيروقراطي بالمعنى الفيبيري للكلمة للموارد البشرية ، تلك الموارد نفسها تطبعها علاقات سلطوية تراتبية بين الرؤساء و المرؤوسين ؛ هذا من جهة أما من أخرى ، فإن مكونات ثقافة المقاولة لا تنحصر في ما سبق ، و خاصة في الوثائق التنظيمة القانونية أو الإستراتيجيات الإقتصادية ، بل تشمل أيضا الأعياد و الإحتفالات المناسباتية ، زيادة على طقوس و عادات التوظيف ؛ بالإضافة إلى بعض الطابوهات ، من قبيل أسرار المهنة و هفوات المدير ؛ كل هذه المكونات بالإضافة إلى أخرى ، تعزز الطرح الداعي إلى تبني تصور سوسيولوجي محض ، بل أنتروبولوجي أيضا ، و حتى سيكولوجي خالص حول المقاولة ، بذريعة أنه لا يمكن النظر للمقاولة بمنظار جامد ، بكونها فضاء لتجميع كذا من الأفراد و الآلات ، و لا في كونها ملتقى لتدفقات من المادة و مختلف الموارد الأساسية ، من معلومات و أموال و تقانة فحسب ؛ بل إنها كيان ثقافي ، و مؤسسة إجتماعية و سيكولوجيية ، تفرز نتيجة التفاعل ثقافتها الخاصة ، كما تنتج سلعا و مختلف الخدمات ، و مجموع المخرجات المادية و اللامادية .

فما هي إذن أهم خصائص ثقافة المقاولة ؟ و ما هي مختلف أنواعها ؟ هل ذات المقاولة تتضمن داخل أحشائها و بين ثناياها ثقافة واحدة و وحيدة فقط ؟ أم أنها تشمل هي بدورها على أنساق من الثقافات ، كما هو الحال في المجتمع ؟ و ما علاقة المؤسسة المقاولاتية و ثقافتها الخاصة بمحيطها الخارجي ؟ و ما هي حدود التلاقي و نقاط التنافر بين العالمين ؟

تعد المقاولة مؤسسة إجتماعية بكامل معناها الدوركايمي ، شأنها شأن باقي المؤسسات الإجتماعية الأخرى ، كالأسرة مثلا ؛ إذ هي ـ المؤسسة ـ مجموعة من المعايير و الإلتزامات السلوكية ، و القواعد الواضحة التي تميز مجتمعا بعينه ، و التي يتم إستدماجها من قبل الأفراد ؛ أي إن المؤسسة الإجتماعية هي مجموعة من المعايير الإجتماعية ، التي توجه و تحدد في ذات الوقت ، دور الأفراد داخل المجتمع ؛ هذه المعايير تتميز بدورها بثلاث خصائص كبري ، هي : إنها خارجية عن الأفراد ، كما أنها ثابتة نسبيا و لا تتغير إلا حسب الظروف ، و أخيرا ، إنها تمارس نوعا من الإكراه في حق الأفراد الذين يخضعون لمشيئتها ، و تحدد لهم في ذات الوقت مجموعة من السلوكات المقننة Etienne J Bloess ؛ بمعنى مغاير ، إن المقاولة هي مؤسسة إجتماعية لعدة إعتبارات ؛ أولها ، أن الأفراد يخضعون لقواعد و توجهات معينة ، كالنظام الداخلي على سبيل المثال ، أو لباس معين أو بزة موحدة تحمل علامة المقاولة ، و أيضا منطق الخضوع للعمل الجماعي و إحترام أوقات العمل ، هذه القواعد و التوجهات تعد ملزمة و قهرية ، أي أنها ضاغطة معنويا ، تمارس سلطة رسمية ظاهرة ، أو غير رسمية غير عيانية ؛ سواء بوعي أو بلا وعي ؛ زيادة على كون المقاولة تنتج و تنشر معايير و قيم كالمراهنة على الجودة ، أي إنها تنشر نماذج من الشعارات و القيم ، التي ترفعها المقاولة بغية جعل الأفراد ينخرطون في ثقافتها ؛ و هنا تتعدى المقاولة كونها مؤسسة للإنتاج المادي آو الإقتصادي ، إلى مؤسسة تنتج قيما تجعل الأفراد و الفاعلين في نطاقها يتشاركون في قيم جماعية ، يتبنونها نتيجة التعاقد و التوافق و حتى الإنسجام ؛ و بالتالي فالمقاولة هي فضاء للتنشئة الإجتماعية و المهنية ، و محيط مفرو و منتج لثقافات جماعية ، إذ أن محيط المقاولة ينتج روابط إجتماعية و علاقات تراتبية سلطوية ، كما أن العمل الذي يتم كل يوم ينتج تضامنا جماعيا ، يخلق هويات مهنية ؛ بالإضافة لكون ذات الفضاء ، يشكل حيزا للإندماج الثقافي بين مختلف الثقافات المعتملة في أحشاء المقاولة ؛ و بالتالي فإن المقاولة ، تتوفر على كامل الخصائص الدوركايمية للمؤسسة الإجتماعية ، بدءا بكونها مؤسسة قادرة على إنتاج و إعادة إنتاج علاقات و قيم ، زيادة على كونها مقاولة أسست لضمان نوع من الإستمرارية ، إذ أن فعل التأسيس هو فعل تراكمي نتوخى منه الإستمرارية ، إذ تم تأسيسها لتضمن لنفسها البقاء و الديمومة ، كما أنها متجدرة في التاريخ و خارجية عن الأفراد ؛ و بالتالي فالمقاولة حسب هذا المنطق ، هي مؤسسة إجتماعية تعكس أولا ، هيكلها التنظيمي من قوانين داخلية و نظم قانونية ؛ ثم تعكس ثانيا ، صورة المؤسسة المتمثلة في قدرتها على إفراز تصورات و عادات ، و ضوابط تعطيها نوعا من الإستمرارية ؛ إن المقاولة و إنطلاقا مما سبق ، ترتكز على مجموعة من التصورات و الرموز و القيم و المعتقدات ، و القواعد التي يعيشها أفراد المجموعة الواحدة ، و تسمح بذلك ببعض التقارب بين مصالح مختلف الأطراف ، و تسهل الإرتقاء نحو أهدافها الإنتاجية الأساسية ، بمعنى أخر ، تعمل على تحقيق التكيف الداخلي و أيضا الخارجي ؛ إن المجموعة القيمية السالفة الذكر ، ما هي إلا ثقافة المؤسسة ، و التي ينظر إليها على أنها جزء من نسق و نظام شامل ، الذي هو المؤسسة المقاولاتية ؛ فإلى جانب أنظمة تكنولوجية حديثة ، و إدارية عقلانية ، فإن المقاولة هي مؤسسة إجتماعية ، تنتج ثقافة كما تنتج كل المخرجات المادية من سلع و خدمات . إلا أن المؤسسة نفسها ، تعد مجمعا للثقافات الفرعية ، أي أنها تتضمن ثقافات متعددة ، و ليس ثقافة واحدة قائمة بذاتها ، فالمؤسسة المقاولاتية عبارة عن مجموعة من الفئات و المستويات الإجتماعية ، من عمال و مسيرين ، و من جماعات و أشخاص مختلفين من حيث ، السن و التكوين ، البلد و الأصل ، الجنس و التواجد المحلي ، كل هذه الخصائص إذن ، بالإضافة إلى أخرى ، تشكل ثقافات جد مختلفة ، و التي تتعايش فيما بينها داخل رحاب المؤسسة ، أي إن هذه الأخيرة ، عبارة عن نسيج من جماعات فرعية متنوعة ، حيث تمتلك كل جماعة قيمها ، عاداتها ، و تصوراتها الخاصة ؛ إلا أن وجود تلك الثقافات الفرعية ، لا يمكن إعتباره مطلقا ، أمرا مبرمجا من طرف إدارة المؤسسة البتة ، أي تم التقعيد له عنوة من طرف هيئات المقاولة ؛ بمعنى أخر ، إن ذات التنوع ليس نتيجة صرفة لمشروعية المؤسسة و لا لنواياها ، كما أنه ليس نتيجة خالصة لإستراتيجيات المقاولة ، و لا لسياساتها الداخلية ، بل إنه سيرورة طبيعية لوجود و تفاعل مجموع الفاعلين فيما بينهم .

إن المقاولة إذن و إستنادا على ما سبق ، تعد نسقا يضم مجموعة من الأنساق الفرعية أو الجزئية ، المتفاعلة في ما بينها مشكلة ثقافتها الخاصة ، المبنية أولا ، على المعطيات الإقتصادية و القانونية ، في جانبها الشكلي و اللاشكلي ؛ المتمثلة في النظام الداخلي ، الذي يحدد ممارسات الأفراد ، و يؤطر توجهاتهم و سلوكاتهم ؛ زيادة على جوانب أخرى مغايرة للمتغيرات التقنية و التكنولوجية ، و الحديث هنا عن الجوانب السوسيولوجية للمقاولة ، و الأنتروبولوجية كذلك ، بل و حتى السيكولوجية ؛ أي أن المقاولة ، تمتلك وجها أخر لا يقل أهمية عن ذاك الوجه أو الصورة الإنتاجية و الإقتصادية ، إنه إذن الوجه الإنساني الثقافي ، المتجلي في مختلف الطقوس و العادات ، وفي مجموع الضوابط و القواعد المؤطرة للسلوك ؛ و أيضا المتمثل في الروابط و العلاقات الإجتماعية ؛ و الجوانب النفسية التي تتأسس عليها ذات المقاولة ، من تحفيز و إشباع نفسي متعلق بالترقية و التزكية ، و الإستجابة لمتطلبات العمال و الأفراد ؛ إن المقاولة و إستنادا على هذا التصور ، تنتج مجموعة من المعايير و القواعد الضابطة الملزمة ، و التي تتوكأ عليها ذات المقاولة لتنظيم الشغل و تقسيم العمل ، و حل مشاكلها الداخلية المتعلقة بالإندماج ، و الخارجية المرتبطة بالتكيف مع ثقافة المجتمع الكلي ؛ فالثقافة المقاولاتية إذن ، هي نتاج للمجتمع الصغير للمقاولة ، هذه الثقافة ، لا يمكن حصرها فقط داخل البناء المعماري وحسب ، بل تمتد إلى أحواز محيطها ، المتجلية في مجموع الأسواق التي تتعامل معها ، زيادة على منافسيها ، و أيضا الدولة التي تفرض معايير عليها من جهة ، أو تساعدها من جهة أخرى ، زيادة على القوانين المنظمة للعمل و مختلف المعايير التشريعية كقانون الشغل و التجارة ، بالإضافة لتفاعلها مع باقي المؤسسات التكوينية و السياسية و الإدارية ، و حتى الثقافية ، بمعنى أخر ، إن ثمة علاقة ترابطية أيضا بين المقاولة و محيطها الخارجي ـ المجتمع ـ و التي تستند عليها المؤسسة المقاولاتية نفسها ، للترويج لمنتوجاتها و مخرجاتها المادية ، و إستحداث مواد إستهلاكية أخرى تستجيب لمتطلبات السوق ، المتماشية مع ثقافة المجتمع ؛ فإذا كان هذا الأخير ينبني على التعدد و التباين في مستويات عدة تؤطرها الثقافة ، فإن المقالة بإعتبارها نسيجا و مجتمعا مصغرا ، فهي بدورها تتشكل من ثقافات فرعية إجتماعية متعددة ، و هذا الإختلاف مرده لتعدد و تباين المجتمع نفسه أولا ، و للمقاولة ثانيا ، أي نتيجة لطبيعتها و كذلك حجمها ، و أيضا علاقاتها بالمجتمع الخارجي ، أي إن ثقافة المقاولة المتباينة ، تعزى من ناحية ، لتعدد المجتمع الخارجي الكبير ، ثم لخدمات المؤسسة ذاتها ، و أيضا لسلعها ، وحتى لمشروعها الوجودي ، و مختلف الفاعلين في نطاقها ؛ بمنطق إستنتاجي إذن ، نقول ، إن تصور المقاولة لم يعد ينبني على ذلك الطرح الداعي إلى إعتبارها مؤسسة إقتصادية و حسب ، ميكانيكة و آلية فقط ، أي ، يزج بها في سيرورات أداتية بإعتبارها مجرد آلية ميكانيكية ، تسعى من خلال إستراتيجيتها المتعددة و المتنوعة إلى الإزدهار المادي ، و ذلك من خلال نسق عقلاني يعني بتدبير رشيد للموارد الأساسية ، من أجل الرفع من مردودية الإنتاج و إحقاق الربح ، و إكتساح الأسواق ؛ بل على النقيض من ذلك ، إن المقاولة مؤسسة إجتماعية ثقافية صرفة ، تتضمن رموزا و معايير تؤكد على وجودها ، تكتنز علاقات إجتماعبة تعتمل بين أروقتها ، و جوانب سيكولوجية متعددة ، تتجلى في التأثير على الأفراد و مختلف الفاعلين في محيط المؤسسة ؛ إن المقاولة إذن ، و بدون أدنى نقاش أو سجال ، هي كيان إجتماعي ثقافي ، بل وحتى سيكولوجي خالص ، قبل أن يكون وحدة إقتصادية إنتاجية ، همها الأساس الربح ، و إكتساح الأسواق ، عن طريق التدبير الحكيم و العقلاني .