ألف بوست/ محمد المودن

الاحد14 فبراير 2013

يجري في الوقت الحالي بالتشيلي إجراءات التحقيق لمعرفة مدى تورط الجنرال بينوتشي الذي حكم البلاد في الحقبة العسكرية الدكتاتورية، في مقتل الشاعر التشيليني العالمي بابلوا نيرودا، وفي سياق مشابه أيضا تتعاظم المطالب في إسبانيا للتحقيق في مسؤولية نظام الجنرال فرانكو في مقتل الشاعر الإسباني الاندلسي غارسيا لوركا. وتعيد هذه الوقائع موضوعة الاغتيال السياسي للشعراء من قبل انظمة مستبدة يجسد صورها الاكثر قتامة الجنرالين بينوتشي وفرانكو من خلال نموذج لوركا وبالو نيرودا ، لكنها تشكل أيضا امتدادا لعلاقة التوتربين الشعر والسلطة السياسية وتجلي في الوقت ذاته مكانة الشعراء والشعر في معارك الحرية الإنسانية عبر التاريخ.

وتستمر المعركة بين الشعر والاستبداد قائمة حتى بعد ممات الشعراء والجنرالات والسلاطين، طلبا للإنصاف تتولاها مرة سلطة سياسية وقضائية كما يجري حاليا مع مساعي التحقيق في مسؤولية اغتيال نيرودا ولوركا على سبيل المثال لا الحصر، ومرة اخرى يتولاها باحثون ومثقفون وادباء كما يجري مع وقائع اغتيال شعراء في التاريخ العربي، حيث يسعون لإنصاف الشعراء ومن خلالهم الشعر والحرية ضد الاستبداد ووأد الكلمة والبيان.

وفي هذا السياق يتبلور سؤال حول مصير المعركة بين الحرية والاستبداد في وطننا العربي راهنا، ويتسائل الناس عن حال هذه المعركة التي عاشتها كل الحقب الإنسانية، وحال لسانهم يقول “لم انخفض صوت المعركة وهدأ نقعها؟ هل انسحب شعراء الجيل الجديد، ام ان السلاطين أصابهم مس من الخير وتملكتهم رغبة العدل و المساواة والحرية؟

 

الاغتيال السياسي للشعراء ومطاردتهم من السلطان في التاريخ العربي له مسار طويل

على مدى التاريخ الإنساني العربي تراكمت نماذج من الصراع المحتدم والتصادم الذي اخذ أسوا تجلياته في الاغتيال السياسي بين الشعر والسلطة الساسية. ويشهد هذا التاريخ على حجم الملاحقة التي تعرض لها شعراء عرب حتى منذ الجاهلية على يد السلاطين، فمن طرفة بن العبد الذي قتل على يد الملك الحميري، إلى دعبل الخزاعي الذي قتله مقربون من المعتصم، إلى الاعشى الهمداني الذي اغتاله يوسف بن الحجاج الثقفي، ناهيك عن قصص الملاحقة والسجن والتنكيل والتعذيب الذي لحقت شعراء اخرين في ذات القرون، ومست غيرهم إلى وقتنا الراهن من قبل الحاكم العربي. كل ذلك يشي بمسار طويل في دروب التاريخ العربي من المطاردة والملاحقة في معركة الحرية بين الشاعر والسلطان. ويرسخ هذا التراكم التدافع الجذري بين السلطة المستبدة والشعراء في وقيعة الحرية والعدل بالتاريخ العربي. ويترسخ مع ذلك أيضا ان الشاعر كان دوما عبر حلقات هذا التاريخ العربي المختلفة مصدر قلق للسطلة، تضاهي هيبته واثره هيبة السلطان وتتجاوزها أحيانا. وكان السلاطين إما يقربون الشعراء منهم ليحتووهم و يسلموا من لسانهم وإما يغتالونهم او يسجنونهم وينكلوا بهم لقهر مارد المقاومة لديهم ضد الطغيان.

و لم تضع حرب الصراع أوزارها بينهما على قيم الحرية التي يتبناها الشاعر وبين قيم الاستبداد والقمع التي يجسدها في هذا النوع من المعاركِ السلطانُ الجائر.

نيرودا ولوركا احد رموز الاغتيال السياسي للشعراء في التاريخ المعاصر، مطالب التحقيق في اغتيالهما لتخليد انتصار الشعر والحرية على السوط والاستبداد

تتعاظم في الوقت الراهن مطالب هيائات حقوقية وإنسانية وثقافية للتحقيق في مسؤولية انظمة عسكرية مستبدة في التشيلي وإسبانيا في الحقبة الدكتاتورية، عن اغتيال شاعرين عالميين كبيرين الاول بالو نيردوا ويتهم بالوقوف وراء تصفيته نظام الجنرال بينوتشي بالتشيلي، والشاعر غارسيا لوركا بغرناطة الإسبانية من قبل نظام فرانسيسكو فرانكو.

توفي الشاعر التشيليني والعالمي بابلو نيرودا في 23شتنبر 1973، عقب تسلم نظام الجنرال اوغيتو بنوتشي الذي أقام في ذلك الوقت حكما عسكريا دكتاتوريا . وعلى الرغم من ان الرواية الرسمية افادت بموت نيرودا صاحب اعمال شعرية خالدة مثل “مائة قصيدة حب واغنية يائسة” و ” في حجارة السماء” وغيرهما موتا طبيعيا وبسبب مرض ألم بشاعر التشيلي الكبير، غير ان المقريبن منه والمنتصرين له، لم يترددوا في وصف موته “بعملية اغتيال سياسي مدبر من نظام بينوتشي” الذي لم يكن يخفي في ذلك الوقت تحرشه بالشاعر. ولم يكن من الممكن في داخل البلاد وتحت سلطان الدكتاتورية العسكرية التحقيق في اغتيال نيرودا، لكن مع تغير الاحوال السياسية و استقرار حكم ديمقراطي في التشيلي تبلورت المطالب بين الحقوقيين وذوي الشاعر واهله وكذلك المنتصرين للشعر وقيمه، وللحرية ورموزها، لاستخراج رفاث نيرودا المدفون في قبر عمقه 20 مترا من اجل التحقق من قناعة لديهم باغتياله من قبل نظام بينوتشي الجائر.

وفي إسبانيا وضمن مساعي حقوقية وإنسانية للبث في ملف ضحايا انتهاكات حقبة الجنرال فرانسيسكو فرانكو، كان القاضي الإسباني الشهير بالتثار غارسون قد أصدر قرارا تاريخيا للتحقيق في اختفاء آلاف الاشخاص ومن بينهم الشاعر الغرناطي والعالمي الكبير فيديريكو غارسيا لوركا، كانوا تعرضوا للاختفاء القسري خلال الحرب الاهلية ما بين1936 و 1939 ، وعلى الرغم من ان قرار القاضي الإسباني لم يجر تنفيذه بعد اعتراض الادعاء العام على القرار ووقف بلتثار عن ممارسة مهنة القضاء بتهمة خرقه لتوصيات دستورية في هذا الشان مثل قانون العفو العام الصادر عام 1977، ثم قرار تبناه البرلمان الإسباني لاحقا لدعم المصالحة الوطنية وجبرالضرر، على الرغم من ذلك فإن الرغبة في إنصاف معركة الشعر ضد الاستبداد مازلت جذوتها قائمة في نفوس التواقين إلى قيم الحرية والعدالة.

وتبقى القيمة الرمزية لمطالب التحقيق والكشف عن رفاة شاعرين من صنف بابلو نيردا ولوركا غارسيا، ورفع الستار عن مصيرهما وتورط أنظمة استبدادية في اغتيالهما، تبقى هي إبراز الرغبة في الانتصار إلى الشعر في معركة الحرية، وإنصاف الشعراء في مواقع منازلة الاستبداد، وحتى لا يقال أبدا أن الشعر خسر معركة الحرية.

 

هل يغيب الشعراء عن معركة الحرية الإنسانية والسياسية في العالم العربي بينما الاستبداد قائم فيه ؟

يتساءل الكثير من الناس في الوطن العربي عن غياب الشعراء في معارك الحرية والديمقراطية الكبيرتين خلال العقود الاخيرة، ويستفسرون عن التقهقر الذي الم بالشعر كمصدر لإلهاب الحماسة لدى التواقين إلى الحرية وبث العزيمة في النفوس لعدم الركون إلى الاستبداد. ولا يتردد كثير من المهتمين من التأكيد على انه منذ العقود الأخيرة ومنذ شعراء عرب معاصرين كانوا يقودون معركة الحرية ضد الاستبداد مثل البياتي و محمود درويش و سميح القاسم ونزار قباني وأحمد مطر و مظفر النواب وأحمد فؤاد نجم وغيرهم كثير، لم تسمع أصوات شعرية من طينة سابقيهم.

ويمضي هؤلاء يتساءلون: لماذا فقد الشاعر العربي مركزيته في الحراك الشعبي ضد الاستبداد، لماذ تعطلت آلة الانجاب الشعري العربي في وضع شعراء تضيق من أثرهم الشعري ضائقة السلطان؟ لماذا لم يعد الشعراء الناطقين الرسميين باسم القبائل والشعوب العربية؟ لماذا تواروا من خلف ستار، وانكبوا على الغزل “العذري العفيف” الرهيف؟ ِلمَ لم تعد قصائدهم أغنيات الثائرين على الاستبداد؟ وباتت لغتهم شراكا يتخبطون ويتلعثمون في تلاوتها هم قبل غيرهم في مقاهي لقتل الوقت؟ ولم تحولوا لتجريب حظهم في صنوف الاقوال الأخرى بدل المضي في قول الشعر؟ هل انسحب الشعراء من معركة الحرية؟ ام ان بلادنا العربية تشع من محيطها إلى خليجها بالحرية والعدالة والمساواة فرضي الشعراء بنعمها واستكانوا إلى جنانها؟.

ويعتبر آخرون بسخرية دالة ان ساحة الحكام العرب نظيفة اتجاه الشعراء في العقود الاخيرة، وسجلهم الحقوقي ضدهم نظيف وبراق لا تشوبه شائبة ولا يعكر صفو بياضها معكر، فهل لأن الحاكم العربي تعدل حاله واستقام عوده الديمقراطي وتشبع بقيم العدل والمساواة؟ أم ان الشعراء أُخصُوا شعريا وإنسانيا وجردوا من أقلامهم ومن فحولتهم الشعرية، فوهنوا و استكانوا لما أصابهم وما عادوا يرددون إلا كلاما موزونا بوزن غير الاوزان الشعرية المعهودة ومن تفعيلاتها : منسحبن منسحبن منسحبن.