الدكتورة أمينة المسعودي

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

13/14ابريل 2013

حسب قاموس المصطلحات السياسية، يعرف الحكم الذاتي كآلية لتنظيم بعض المناطق أو الجهات، إداريا من خلال إحداث مؤسسات سياسية خاصة تحت سلطة الوصاية التي تحتفظ بها الدولة المركزية ( 1978 ,Dalloz ). أما حسب معجم «لاغوس» فالحكم الذاتي لإقليم معين أو لمجموعة معينة يعني تدبيرهذه الأخيرة لشؤونها بشكل مستقل وذلك باحتكامها لقوانين خاصة بها، وذلك داخل مجال تنظيمي اكبر تعهد فيه سلطة التوجيه للسلطات المركزية حسب أنظمة خاصة (Larousse ص 1990.134).
إن الحكم الذاتي يبدو كشكل متقدم لإطار اللامركزية. وبالمقابل، فهذا النوع من التنظيم يعتبر مطلبا لأقليات جهوية وذلك بغية تخفيف الصلات والروابط مع السلطات المركزية، و يمكن أن يترجم بالحاجة إلى جهاز سياسي خاص. هناك فرق آخر يمكن أن يشار إليه، وهو التمييز بين الجهوية (REGIONALISATION) والقبلية أو النزعة المحلية (REGIONALISME).
فالجهوية تحيل إلى نمط تنظيمي ذو بعد إداري للدولة يتخذ له مظهران : اللاتمركز(حالة فرنسا) واللامركزية ( حالة ايطا ليا). أما القبلية أو (régionalisme) فهي تحيل إلى تيار سياسي ينبني على تكريس واقع معين داخل الدولة. هذا الواقع قد يتخذ شكل مجموعة ثقافية أو سوسيولوجية أو اقتصادية.
هذا، وبالنظر إلى الإطار القانوني الذي يعرض للترتيب العمودي للبنيات المؤسساتية داخل الدولة، فإن أشكال هاته الأخيرة تتراوح بين الشكل البسيط أو الموحد للدولة وبين الشكل الفيدرالي لها. وعلى هذا الأساس، كيف يعرف اليوم نموذج الحكم الذاتي كشكل من أشكال الدولة ؟
يهتم شكل الحكم الذاتي للدولة، كباقي الشكلين الآخرين، البسيط والفدرالي، بكونه يمثل أيضا شكلا للتنظيم الترابي للسلطة، لكن وعلى عكس الشكل الفدرالي أو البسيط للدولة، يتميز شكل الحكم الذاتي بخصوصية تتجلى في افتقاره إلى دعامات نظرية ومقارناتية تسهل فهمه واستيعابه AJA.E. 1999. P. 17) ). إن شكل الدولة القائم على الحكم الذاتي أو شكل «الدولة المستقلة محليا» (Etat autonome) شكل غير مقنن دستوريا وهو يحيل إلى صيغة أولية قيد التشكل، أو وسط الطريق بين الشكلين البسيط والفدرالي للدولة. طبقا لهذا، يكون الحكم الذاتي شكلا متطورا لللامركزية داخل الدولة الموحدة كما أن التعاريف القانونية تقدم الحكم الذاتي أو المحلي كسلطة مخولة لمجموعات إثنية أو ترابية تمارس بموجبها مهام ووظائف عمومية،تشريعية وتنفيذية وقضائية مع بقائها خاضعة للتنظيم القانوني المنظم للدولة التي تمارس تحت سيادتها هذه الصلاحيات آو الوظائف (1). وهنا يتعين التمييز بين شكلين للحكم الذاتي أو المحلي، يحيل الشكل الأول إلى حكم ذاتي يغيب فيه التناسق أو التماثل بين مختلف الجهات أو المناطق (autonomie asymétrique) داخل الدولة الواحدة، حيث تخول مجموعة آو جهة معينة وضعية خاصة قياسا أو مقارنة مع بقية جهات الدولة. أما النموذج الثاني المرتبط بالشكل المتناسق للحكم الذاتي (autonomie symétrique) فهو يحيل إلى وضعية نظامية تبحث من خلالها الدولة عن منح حكم ذاتي لكافة المكونات الجهوية للدولة دون تمييز بينها، كما هو الأمر بالنسبة للدولة الإسبانية التي اعتمدت الحكم الذاتي المحلي منذ 1978 كنظام لكل جهات الدولة (2) .
بصفة عامة، وفي إطار الندوة حول الأمن والتعاون بأوروبا ( CSCE ) أثيرت أهمية الحكم الذاتي خاصة منذ 1990. فمند سنوات 1993 و 1995 و 1999 طرحت العديد من الوثائق بهذا الخصوص حيث تميزت سنة 1999 مثلا بصدور توصيات»لآند»(Lund) حول المشاركة الفعلية للأقليات الوطنية في تسيير الشؤون العمومية، وقد ذهبت مجمل هذه الأعمال أو التوصيات إلى اقتراح تسويات ترابية تُخول بمقتضاها « إمكانيات للأقليات الوطنية تساعدها على ممارسة شؤونها الخاصة بها» (3).
بالنسبة للمغرب، وردت فكرة الحكم الذاتي كحل للصراع بينه وبين جبهة البوليساريو حول الصحراء المغربية (4) وذلك بعد مجهودات كبيرة بذلت في ظل حوار داخلي وخارجي يقضي إلى إبقاء الصحراء تحت سيادة الدولة المغربية مع تمتعها بحكم ذاتي موسع.
إن فكرة الحكم الذاتي بدأت تشق طريقها منذ سنة 1991 من طرف منظمة الأمم المتحدة (5) ويتجلى ذلك من خلال دعوة مجلس الأمن الدولي للأطراف بفتح مفاوضات بناء على معطى جديد يعتبر الحكم الذاتي كشكل عصري أو حديث من أشكال تقرير المصير (الوالي. 2008، ص.15) وهو ما تم تكريسه من طرف مجلس الأمن بواسطة قراره رقم 1754 (6) ليعيد تكريسه من جديد من خلال القرار 1813،الذي استبعد كل واقعية عن أطروحة الاستقلال التي تدافع عنها الجزائر و جبهة البوليساريو، مع دعمه لمقترح المغرب القاضي بمنح منطقة الصحراء حكما ذاتيا (7).


مسار الحكم الذاتي

يمكن تفسير تقديم مشروع الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية من خلال معطيين متكاملين: الأول يحيل إلى الإشارة القوية التي حملها المشروع بوضع نهاية للمرحلة التي هيمن فيها مبدأ « تقريرالمصير يساوي الاستقلال « والانتقال بذلك إلى تقرير مصير بشكل ديمقراطي ( الوالي 2008، ص.14) ؛ بينما يتعلق المعطى الثاني بتقديم المشروع كاستمرار للاوراش الإصلاحية الكبرى التي نهجها المغرب منذ عقود والتي فتحت آفاقا سياسية جديدة تهم جهات المغرب كما تسائل الدول المجاورة له ، فاتحة نداء الانخراط في مسار ديمقراطية كنفدرالية ( الشرقاوي 2007، ص 4 ) .
بذلك، ينخرط مشروع الحكم الذاتي للصحراء المغربية في إطار مسلسل بناء مجتمع ديموقراطي عصري. وعليه فطريقة معالجة مسألة الصحراء داخليا وبالنظر إلى الخطوات المقترحة بخصوص هذه الجهة، تشكل بدون شك عناصر مؤثرة وواعدة لكل ديموقراطية .إن المشروع المقترح يشكل حلا جيدا ومدخلا لتجاوز المشاكل الإستراتيجية والجهوية حيث يخول المشروع سكان الصحراء جميع الإمكانيات لتدبير ذاتي وديموقراطي لشؤونهم.

قضية الصحراء:
مقاربة داخلية جديدة

بعد أن كانت قضية أو مسألة الصحراء المغربية تدبر من طرف السلطات العليا بمقاربة يغلب عليها طابع السرية المعتمد من طرف بعض الفاعلين الديبلوماسيين، خضعت القضية الوطنية الأولى، منذ تولي الملك محمد السادس الحكم، لمقاربة تشاركية جديدة. فقد انفتحت السلطات العليا، بخصوص موضوع الصحراء المغربية، على الأحزاب السياسية بكل تياراتها، حيث ساهمت هذه الأخيرة وسايرت المشروع المقترح، وذلك بتقديم مقترحات عن التصورات الممكنة لمنح الأقاليم الصحراوية حكما ذاتيا مستعينين في ذلك بالتجارب المقارنة، كما شكل الوضع المقترح للأقاليم الجنوبية، فضلا عن ذلك، موضوعا عموميا يُناقش في الندوات والأيام الدراسية المنظمة من طرف مختلف الفاعلين، سياسيين وأكاديميين وغيرهم. كما لم يظل الجانب الإعلامي بعيدا عن الموضوع، بل ساهم بدوره بإجراء تغطيات واسعة للأنشطة الرسمية الديبلوماسية من جهة، وبالأنشطة الحزبية وغير الحزبية والأكاديمية من جهة أخرى. وبهذا أصبحت المكتبات تتوفر على مراجع تغطي كل المجالات والأسئلة المرتبطة بالموضوع وخاصة المعطيات المرتبطة بالأقاليم الصحراوية وعلاقتها بالسلطة المركزية عبر التاريخ دون إغفال الجانب الدولي للقضية (8).

الأحزاب السياسية
ومقترح الحكم الذاتي

لقد ساهمت الأحزاب السياسية، بجميع تياراتها، في إغناء النقاش حول موضوع مشروع الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية. فداخل أحزاب الأغلبية آنذاك، تقدمت أحزاب الكتلة الديمقراطية بمقترح جماعي مطالبة الأخذ بعين الاعتبار المكتسبات التي راكمها المغرب في مجال اللامركزية وذلك بتخويل الأقاليم الصحراوية صلاحيات واسعة مع التأكيد على احتفاظ السلطة المركزية بالصلاحيات المرتبطة بالسيادة كالدفاع الوطني والوحدة النقدية والتمثيل الدبلوماسي (9).كما طالبت أحزاب المعارضة في نفس الفترة، وخاصة حزب العدالة والتنمية، بجهوية موسعة ومتقدمة, حيث اعتبر هذا النوع من الجهوية حلا وحيدا لتحقيق ديمقراطية محلية تساهم في إنجاح الانتقال الديموقراطي (10). كما طالب نفس الحزب بتخويل الأقاليم الصحراوية صلاحيات خاصة بها تمارس من خلال مؤسسات محلية: برلمان وحكومة.
من جهته، وفي إطار نفس مجموعة أحزاب المعارضة، تقدم الحزب الاشتراكي الموحد بمذكرة حول الموضوع (11) شدد فيها على أن يكون مشروع الحكم الذاتي ذو بعد ترابي وليس إثني وذلك لبقاء المجال الوطني مفتوحا أمام كل المغاربة. وبخصوص توزيع الاختصاصات بين المركز والأقاليم الجنوبية ركزالحزب المذكور على احتفاظ السلطة المركزية بالصلاحيات السيادية والمرتبطة أساسا ، بالدفاع وبالأمن وبالعدل وبالعلاقات الخارجية وبالوحدة النقدية. كما أضاف الحزب في مذكرته الإحالة إلى الأحزاب والتنظيمات النقابية الجهوية.
ولم يقتصر النقاش حول مشروع الحكم الذاتي على الأحزاب السياسية وأطراف المجتمع المدني فحسب، وإنما شكل أيضا موضوعا للنقاش داخل مؤسسات استشارية كالكوركاس مثلا.

الكوركاس ومشروع الحكم الذاتي

في 25 مارس من سنة 2006، أعلن الملك محمد السادس عن إصلاح هيكلي للمجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية وذلك بعد مرور 23 سنة على تأسيسه سنة 1982 من طرف الملك الحسن الثاني، حيث كان المجلس المذكور يتكون من عناصر منتخبة من طرف القبائل الصحراوية. إن المؤسسة الجديدة التي أطلق عليها اسم المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (الكوركاس) يتكون من 141 عضوا يعينون من طرف الملك. وقد برزت المبادئ الأساسية الموجهة لعمل الكوركاس في الخطاب الملكي بمناسبة تأسيس المجلس يوم 25 مارس 2006، « و حرصاً منا على تمكين المجلس من المصداقية والفعالية والتمثيلية، فقد سهرنا على تشكيله من أعيان القبائل والمنتخبين، المشهود لهم بالوطنية الصادقة وحصافة الرأي. كما عملنا على أن يكون المجلس منفتحا على فعاليات المجتمع المدني، والقوى الحية، الواعدة بالعطاء والإنتاج، وخاصة منهم النساء والشباب، الذين هم محل رعايتنا السامية». وحيث تبين أن « قيم الوطنية والوفاء للقيم المقدسة تشكل امثل انشغال لإخوانكم وهم يدافعون عن القضية الوطنية لدى المنظمات وباقي الهيآت الدولية وذلك بغية إظهار الطابع العادل لقضية وحدتنا الترابية».
إن انخراط المجلس ومناقشته لمشروع الحكم الذاتي سيتخذ له من الخطاب الملكي مرجعية، لأنه ينتظر من مكونات المجلس « أن تنصهر في عمل جماعي متكامل، من شأنه تحصين المكتسبات، التي حققتها بلادنا، في مجال تعزيز الوحدة الوطنية و الترابية، داعين الحكومة، وكافة السلطات والمؤسسات للتعاون مع هيأتكم، للنهوض بمهامها على الوجه الأمثل. كما نريد منكم أن تجعلوا منه مؤسسة فاعلة في تنمية الأقاليم الجنوبية، وآلية ناجعة في تعبئة المواطنين و تأطيرهم، وكذا قوة اقتراحية، منبعثة من عبقرية أبناء الصحراء الأشاوس. كما نحثكم على اقتراح كل المبادرات، الكفيلة بعودة واندماج مواطنينا المحتجزين بمخيمات تيندوف، في وطنهم الغفور الرحيم، الذي يضمن لهم الكرامة والحرية، الضروريتين للمساهمة في مواصلة بناء المغرب، القوي بوحدته وديمقراطيته «.
بالنظر إلى الخطاب الملكي الذي القي بالعيون في 25 مارس 2006 والظهير (12) المؤسس للمجلس فقد عهد للمجلس بتقديم مساعدة في الدفاع عن الوحدة الترابية ووحدة الوطن, إضافة إلى إنعاش النمو الاقتصادي والاجتماعي للأقاليم الجنوبية مع حفظ هويتها الثقافية. إضافة إلى ذلك فقد عهد للمجلس باقتراح آراء واقتراح مبادرات مع الانخراط في  «وإذا كانت استشارة الأحزاب السياسية قد قطعت أشواطا هامة، فإننا ندعو رعايانا الأوفياء، أبناء الأقاليم الجنوبية، للانكباب على التفكير الجاد والعميق، بخصوص تصوراتهم لمشروع نظام حكم ذاتي، في إطار سيادة المملكة، ووحدتها الوطنية والترابية».
في أول دورة استثنائية عقدها المجلس في ماي 2006 تدارس هذا الأخير (13) قضايا جوهرية همت بالأساس تحديد الأقاليم المشمولة بإطار الحكم الذاتي وتحديد الجسم الانتخابي والعلاقة مع السلطات المركزية.
خلال مناقشة النقطة الأولى ظهر تياران: طالب الأول بإدخال منطقة واد نون كلميم، طانطان، أسا الزاك، ضمن مجال الحكم الذاتي، (14) في حين طالب التيار الثاني باقتصار المنطقة المشمولة بالحكم الذاتي على افقليم المسترجع بعد سنة 1975 وهو المقترح الذي سانده رئيس المجلس والكاتب العام له والذي جسد رأي الأغلبية.
من جهة أخرى، شكلت النقطة الثانية المتعلقة بمكونات الجسم الانتخابي نقطة خلاف حاد، فهل يتعلق الأمر بما خلفته إسبانيا عن إحصائها لسنة 1975 والعودة إلى اللائحة المؤقتة التي هيأتها بعثة المينورسو خلال مسار تحديد الهوية ، أم إدماج كل القاطنين بالصحراء.
لتجاوز الخلاف، اقُترح بهدف إنصاف جميع الآراء ، تأسيس برلمان ثنائي يُمثل في المجلس الأدنى منه كل السكان المقيمين بالصحراء بينما تقتصر التمثيلية في المجلس الثاني، أو الغرفة العليا، على الصحراويين فقط.
أما النقطة الثالثة والمتعلقة بالعلاقة بالسلطات المركزية، فكل مكونات المجلس عبرت على احترام مبدأين أساسين بخصوص توزيع صلاحيات السيادة الوطنية والوحدة الترابية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن التأثير الأسباني كان حاضرا (15). أما خلا صات هذه الدورة فقد عرضت على الملك في 5 دجنبر 2006 متضمنا اقتراح تأسيس مؤسسات محلية، من حكومة وبرلمان وجهاز قضائي. بعد ذلك عرض محتوى مقترح الكوركاس في ندوة صحفية للسيد ولد الرشيد الذي أكد أن المشروع الذي اقترحه الكوركاس ليس بجهوية أولامركزية، وإنما هو استقلال ذاتي حقيقي على غرار ما هو معمول به في الدول الأوربية «(16).
بعد مداولات الكوركاس، والنقاشات الحزبية والأكاديمية والمؤسساتية والحملات الديبلوماسية، قدم المغرب بتاريخ 11 ابريل 2007 للأمين العام الجديد للأمم المتحدة، السيد بان كي مون، وثيقة أطلق عليه إسم « مبادرة مغربية للتفاوض بشأن نظام الحكم الذاتي لجهة الصحراء».
Iـ إيجابيات المبادرة المغربية
في ابريل 2007 تقدم المغرب بشكل رسمي بمبادرة للتفاوض حول مقترح الحكم الذاتي لجهة الصحراء (17).يتكون المقترح من ثلاثة أقسام أساسية و 35 فقرة. عنون القسم الأول بالتزام المغرب بالعمل على إيجاد حل سياسي ونهائي لقضية الصحراء، وقد تضمن المسار العام الداخلي والدولي الذي يتقدم في ظله المشروع، وقد سعى المغرب من خلال هذا العنوان تلبية طلب مجلس الأمن الدولي الذي ما لبث يدعو منذ 2004 «أطراف الصراع ودول الجوار لتكثيف التعاون مع منظمة الأمم المتحدة من أجل تجاوز حالة الإنحصار الحالية والتقدم نحو حل سياسي»
على المستوى الوطني، تنخرط مبادرة الحكم الذاتي في إطار بناء مجتمع ديموقراطي حديث يضمن لكل الصحراويين بالداخل كما في الخارج، مكانتهم بكل مؤسسات وأجهزة جهة الصحراء.
شكلت، من جهة أخرى، العناصر الأساسية للمقترح المغربي موضوع أو مضمون القسم الثاني الذي ذكر بأن مبادرة الحكم الذاتي تستمد مقوماتها من اقتراحات منظمة الأمم المتحدة ومن مقتضيات دساتير الدول القريبة جغرافيا وثقافيا من المغرب. من خلال هذا القسم، تم عرض العلاقات بين الدولة و الجهة وكذلك لأجهزة هذه الأخيرة ليخصص القسم الثالث لمسار المصادقة وإعمال هذا المقترح.
إن المغرب وهو يقدم مقترحه كان منفتحا على التجارب الدولية، بل ذهب بعيدا ليقدم عناصر جديدة متجاوزا بذلك ما هو معمول به في مجال الحكم الذاتي ببعض التجارب الدولية، لتكون بذلك أهم إيجابيات المبادرة المغربية للحكم الذاتي واضحة وجلية في نقط ثلاث، احترام المعايير الدولية المعمول بها في العالم (أ) واختيار رئيس الحكومة الجهوية عن طريق الانتخاب (ب) ثم توفير ضمانات دستورية للحكم الذاتي لجهة الصحراء المغربية (ج).
1– احترام المعايير الدولية

صحيح أن التجارب المعمول بها دوليا في مجال الحكم الذاتي لا تترجم نموذجا واحدا وموحدا لمضمون وحجم الحكم الذاتي, حيث يتغير الحال من تجربة إلى أخرى عملا بالمعطيات التاريخية والترابية والسياسية لكل بلد (18) لكن هذا لا يمنع من الإقرار بوجود معايير مشتركة بين جميع التجارب المذكورة في مجال الحكم الذاتي والتي تتوزع بالأساس حول توزيع السلط بين الدولة والجهات أو المناطق المتمتعة بالحكم الذاتي. وعليه فهناك هدفان أساسيان يؤسسان لكل الأنظمة الأساسية للحكم الذاتي عبر العالم، تتجلى أولا في التدبير الذاتي للشؤون الجهوية بواسطة أجهزة ومؤسسات محلية خاصة الأجهزة المحلية التشريعية، التنفيذية والقضائية التي ييسند إليها بممارسة صلاحيات مع التوفر على موارد مالية ضرورية. بينما يرتكز الهدف أو المبدأ الثاني على حفظ وحدة الدولة من خلال احتفاظها ببعض الصلاحيات الخاصة في بعض المجالات وفي وظيفة الرقابة المعهود بها لجهاز قضائي ثم من خلال تمثيل الدولة بجهة الحكم الذاتي.
باستناده على الضوابط والمعايير الدولية في مجال الحكم الذاتي، نص المشروع المغربي المتعلق بالحكم الذاتي لجهة الصحراء، على اختصاصات جهة الحكم الذاتي للصحراء وهي اختصاصات ستمارس، بطبيعة الحال من طرف أجهزة محلية: برلمان وحكومة ومحاكم؛ كما نص في مستوى ثان، على الاختصاصات الحصرية التي تحتفظ بها الدولة.
أ – توزيع الاختصاصات
يعود تحديد درجة ومدى الحكم الذاتي لكيفية توزيع السلط أو الاختصاصات بين الدولة والجهة المعهود لها بالحكم الذاتي. فحسب التوزيع العمودي للاختصاصات الذي يجري به العمل في التجارب الدولية، تحتفظ السلطة المركزية بالاختصاصات ذات الطبيعة السيادية، وتُخول للأجهزة أو المؤسسات المحلية اختصاصات ذات طابع عام ترتبط، في الغالب، بمجالات الثقافة والتعليم والبيئة.. وتجدر الإشارة إلى أن قاعدة توزيع الاختصاصات بين الدولة المركزية والجهات ذات الحكم الذاتي تبقى سارية بالنسبة لكل النماذج سواء منه الفيدرالي أو الجهوي.
بخصوص المقترح المغربي حول الحكم الذاتي لجهة الصحراء، فقد أسندت لهيئات الجهة سبعة اختصاصات محددة في الفقرة 12 من المبادرة. يتعلق الأمر بالإدارة المحلية والتنمية الاقتصادية وميزانية الجهة ونظامها الجبائي، كما أنه على المستوى الاجتماعي، يعهد لجهة الصحراء بالاختصاصات المتعلقة بالسكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية كما لم تغفل المبادرة منح جهة الصحراء الصلاحيات المرتبطة بالتنمية الثقافية وعلى الخصوص النهوض بالتراث الثقافي الصحراوي الحساني.
أما الدولة، أو السلطة المركزية، فقد احتفظت بخمسة اختصاصات فقط نظمتها الفقرة 14 وقد شملت مقومات السيادة، لاسيما العلم والنشيد الوطني والعملة والمقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك بوصفه أمير المومنين والأمن الوطني والدفاع الخارجي والعلاقات الخارجية والتنظيم القضائي للمملكة.

4/13/2013