الاثنين, 18 فبراير 2013
رجع الفضل للفيلسوف المغربي “طه عبد الرحمن” في التمييز بين مستويين من مستويات المسألة الدينية – السياسية هما: الجدل حول “تسحير” و”تبصير العالم”، أي منزلة الدين في الشأن العام، ومستوى النظرة السياسية للدين، أي القول بدخول السياسة مكوناً جوهرياً في التدين.

في الجانب الأول، يتعلق الأمر بالإشكال الفلسفي – الاجتماعي الذي فجرته أطروحة عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر” حول العلمانية بالنظر

إليها كتجسيد لعقلنة العالم والمجتمع بإزالة الطابع السحري أو التقديسي، الذي كانت الديانات تضفيه عليه. إنها الأطروحة التي طورها الفيلسوف الفرنسي مارسل غوشيه في كتابه الذي يحمل عنوان “تبصير العالم”le desanchantement du monde.

 

تنتمي هذه الأطروحة لسجل النقاش الفلسفي الثري الذي عرفته ألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين، وقد شاركت فيه إلى جانب “فيبر” وجوه فلسفية كبيرة مثل “هانس بلونبرج” و”كارل لويث” و”اريك بترسون” و”كارل شميت”.
ذهب “شميت” في دراسة مهمة حول “اللاهوت السياسي”(1922) إلى القول إن كل المفاهيم التي تقوم عليها الحديثة للدولة هي “مفاهيم لاهوتية معلمنة” من حيث سياقها التاريخي باعتبارها نقلت مباشرة من السياق اللاهوتي إلى الفكر السياسي، ومن حيث البنية والدلالة باعتبارهما تصدران عن نفس المنطق والمنظور العقلاني: القانون مقابل اللاهوت والسيادة المطلقة للدولة التشريعية مقابل السيادة المطلقة للإله، والسلطة الاستثنائية مقابل المعجزة.

يرى “شميت” أن السياسة نظراً وعملاً لا يمكن أن تخلو من “مسبقات انتربولوجية – لاهوتية” تتعلق بتصور طبيعة الإنسان ومقتضيات مصيره. والمفارقة التي يؤكدها “شميت” هي أن الدولة الليبرالية الحديثة (التي يطلق عليها أيضاً تسميات أخرى كالدولة البرلمانية والدولة التشريعية والدولة الكلية) تقوم على التصور الحيادي إزاء المقاربات الجوهرية للخير المشترك، وتتبنى مفهوماً إجرائياً صرفاً للشرعية، لكنها تنتهي إلى التجرد من هويتها السياسية بالتدخل في كل مناحي الوجود الإنساني القانونية والاجتماعية والاقتصادية، فتتحول إلى دولة إدارية بيروقراطية واجتماعية من دون مضمون سياسي، ما دامت السياسة غدت مختزلة في الأبعاد التسييرية الإجرائية وفي إدارة المصالح الفردية المتعارضة. وهكذا لاحظ “شميت” منذ الثلاثينيات كيف أن الدولة الليبرالية الحديثة التي استعارت منظورها للسيادة من القاموس اللاهوتي ستنتهي ضرورة إلى افتقاد قوتها السيادية، وبذا يفضي انحسار الإرث الديني إلى انحسار البعد السياسي الملازم له.

وقد طور الفيلسوف الفرنسي “جاك دريدا” هذه الأطروحة في أعماله الأخيرة، مبيناً أن كل التحديدات التي يراد لها أن تفصل بين الدين والدولة تنتمي بذاتها إلى القاموس اللاهوتي، مما يطول المقام لتوضيحه.

وما يهمنا في هذه الأطروحة التي أصبح ينظر إليها بكثير من الجدية والاهتمام في الفكر الاجتماعي المعاصر، هو أن فصل الدين عن الشأن العام غير ممكن نظرياً ولا عملياً، باعتبار التداخل العضوي بين الديني والسياسي في الجذرين الرمزي والتاريخي. ذلك ما عناه “طه عبد الرحمن” في نقده للعلمانية الانفصامية التي تكرس الفصل الجذري بين قناعات الإنسان الجوهرية حول الوجود وتصوراته الإجرائية لتسيير المجال العمومي المشترك.

بيد أن نقد التصورات العلمانية لا يعني دمج السياسة في مضمون الدين الذي هو في بنيته العميقة تجربة روحية أخلاقية، صحيح أنها لا تنحصر في الأبعاد الفردية، بل تغطي كل مستويات الوجود البشري بما فيها الأبعاد الجماعية، لكنها لا تلتبس بالسياسي، ولا تنتمي لمنطقه الذي هو القوة والتدافع.

ومن هنا يغدو السؤال العصي:كيف يمكن ضبط الميدان السياسي في موازينه الواقعية بأخلاقية الدين وقيمه وروحانيته دون أن تفقد السياسة فاعليتها، ويفقد الدين صفاءه وسموه؟

على عكس كتابات الإسلاميين المعاصرين، يبدو من الجلي في خطاب فقهاء العصر الوسيط أنهم كانوا مقتنعين تمام الاقتناع بعدم إمكانية التوفيق بين روحانية الدين المطلقة والواقع السياسي الذي نظروا إليه في سماته الموضوعية من حيث هو أمر شوكة وغلبة وعنف. لاحظ المفكر المغربي “عبدالله العروي” أن الفقهاء اعتبروا الخلافة يوتوبيا وسقفاً أخلاقياً أعلى، وليس مشروعاً سياسياً قابلًا للإنجاز بوسائل البشر وإرادتهم. يمكن هنا أن نستشعر حضور الدين في اتجاهين متمايزين:

الاتجاه الأول: هو ترجمة القيم المرجعية للدين في الشأن العام بحسب مقتضيات ورهانات المجتمع الإسلامي ، حسب مطلب “الاستخدام العمومي للعقل” بالمفهوم الكانطي ، أي صياغة عقلانية المعتقد الديني في قيم كونية جماعية تستلهم الروح الإنسانية في الدين. ويبدو هذا المسلك في العديد من المحاولات الفكرية التي برزت في الساحة الإسلامية مؤخراً وتمحورت حول التوسع في المنهج المقاصدي طريقاً لتجاوز حرفية الحكم، وخروجاً من مأزق الشرعية الدينية المتولد عن حالة الانفصام بين القيم الدينية المطلقة وتنزيلاتها العملية والظرفية.

الاتجاه الثاني: النظر لفاعلية الدين ومرجعيته المطلقة في سياق الحدث والوعد، لا في منظور الأيديولوجيا وزمنها التاريخاني. ليس الدين بالمشروع السياسي أو المنظومة الأيديولوجية، وليست زمنيته هي زمنية البناء الإنساني المحدود والضيق. إنه طريق لا نهاية له وغاية لا تدرك خاتمتها. القيم المرجعية المطلقة – كما بين دريدا في أعماله الأخيرة حول الضيافة والعدالة والديمقراطية – تنتمي لسياق الحدث بما هو المستحيل، الذي لا يمكن توقعه من الظواهر المسببة أو العلل الغائية، ومن ثم فإنها تكون مادة للانتظار والرجاء والأمل، وليست خطوات عملية تنجز بالسياسة والتخطيط.

عندما يتحول الدين إلى أيديولوجيا يفقد ألقه الرمزي وانفتاحه اللانهائي وأفقه كوعد دائم، الديانات الأخروية هي ديانات الوعد التي تخرج الإنسان من سجن الزمن التاريخي الضيق إلى زمن الأبدية المنظور، الذي هو زمن العدل الحقيقي والسعادة المكتملة. أما الأيديولوجيات التاريخانية، فهي التي تتوهم القدرة على تحقيق هذه الغايات المطلقة في الزمن البشري المحدود، فتلجأ عادة إلى القمع والاستبداد لإعادة بناء الإنسان وتغيير طبيعته البشرية.

لا يعني الأمر هنا إقصاء الدين في الشأن العام، وإنما تحرير الدين من ضيق السياسة ليظل الحصن الروحي والرمزي للإنسان في الوجود.

عن موقع المحيط نيت