منذ حوالي شهر عمد الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي الى اتخاذ مبادرة عقد المؤتمر الوطني التاسع، و هو قرار في عمقه لا يمكن الا أن يتم الاتفاق معه و حوله، لان الجميع يعلم حالة و وضعية الشبيبة الاتحادية التي ظلت نظرا لوضعيتها المعقدة، تشكل بشكل أو بآخر انعكاس لما يجري في الحزب من تجاذب سواء في المرحلة السابقة و كذا الحالية، هذا معطى لا يمكن القفز عليه، هو معطى مرتبط بوضعية الشبيبة الاتحادية كمنظمة نصف جماهيرية، و كقطاع حزبي ظل طيلة مسار الحزب الطويل خصوصا في لحظات الصراع داخلع يعتبر شبابها الخط الامامي فيه، لم يكن لأي صراع أن يتخذ دون المرور من الشبيبة الاتحادية……ما حدث من أحداث ماي 1983 ، ثم المؤتمر الوطني الخامس الذي كان في عمقه صراع مع “تيار” أو بالأصح مع ما كان يعرف آنذاك بمجموعة الفقيه البصري….ثم ما حدث في المؤتمر الوطني السادس للحزب الذي كانت الشبيبة الاتحادية في قلب الصراع، و أحد أقوى ادواته…..و اليوم هناك تجاذب حزبي يجب الاعتراف بأن التحضير للمؤتمر الوطني الثامن لن يكون في منآى عن تأثيراته الجانبية و العميقة…….

عليه فاذا كان هناك من سؤال يجب طرحه على المؤتمر الوطني المقبل هو تقديم اجابة نهائية حول العلاقة المفترضة بين الشبيبة الاتحادية و الحزب؟ كيف نحمي الشبيبة الاتحادية كمنظمة للشباب الاتحادي من أي ارتدادات جانبية للصراعات التي قد يمر منها الحزب وطنيا و محليا؟ كذلك كيف نجعل الحزب متحررا من ضغط هذا التنظيم خصوصا اذا ما تم التحكم فيها من قبل تيارات او مجموعات معارضة للخط الرسمي للحزب كما حدث في فترات سابقة و تحولت الشبيبة الاتحادية الى معارضة للحزب و لخطه؟

و اذا كانت قد وقعت عدة اجتهادات في هذا الاتجاه و انطلق من اخراج فكرة ” المصاحبة” للشبيبة الاتحادية من قبل الحزب كخيار ” تنظيمي” فانه لا بد و أن يتم العمل على تقييم هذا الخيار بالشكل الكاف، و الشافي له، ألم تكن هذه ” المصاحبة” الا مجرد غطاء للتدخل في الشبيبة الاتحادية؟ و ألم تكن الا الغابة التي تخفي حجم الاستقطاب الداخلي لاعضاء الاجهزة التقريرية وطنيا/محليا من قبل أعضاء الاجهزة الحزبية؟ اليست العلاقة ظلت علاقة أفراد لا مؤسسات يتم الضغط بواسطتهم داخل الحزب، و التعبير عن مواقفهم داخل اجتماعات و أجهزة الشبيبة الاتحادية؟

لقد ظل مفهوم ” المصاحبة” الذي اتى به المؤتمر الوطني السابع، كتبلور لما حدث في المؤتمر الوطني السادس للشبيبة الاتحادية، مفهوما ملتبسا، و غير واضح، ما معنى أن يتم مصاحبة الحزب للشبيبة الاتحادية؟ هل هو انتقال فعلي و حقيقي من العلاقة الأبوية الى علاقات اخرى قد تكون ندية؟ و ما هي حدود هذا المصاحبة؟
شخصيا ليست لدي لحدود اللحظة اجابة محددة عن هذا ” المفهوم”، لكن و من خلال التجربة في الجهاز الوطني للشبيبة الاتحادية، يمكن القول بأنه لم يكن هناك في أي لحظة من اللحظات التي عرفتها الحياة التنظيمية للشبيبة الاتحادية أي مصاحبة لها من طرف الحزب، بل ظلت العلاقة بينهما علاقة تبعية، و استقطاب فردي/شخصي، و كذا محاولة تحكم حسب التوزنات التي كانت قائمة بالحزب،….عليه اذا كان هناك من حسم في العلاقة بين الحزب و الشبيبة الاتحادية فانه يجب أن يكون حسم نهائي حماية للحزب و للشبيبة الاتحادية…….

هل يريد الحزب شبيبة اتحادية قادرة على التعبير عن مواقفها بشكل حر و مستقل كما هو الحال عليه في حركة الشباب الاشتراكي الفرنسي و كذا في شبيبة الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني……و يكفي القيام باطلالة بسيطة على مواقعهما سيعرف الجميع مدى الحرية التنظيمية التي يتمتع بها تنظيماتهم الشبيبة، تعكس استقلالية متبادلة بين الحزب و الشبيبة، أم يريد الحزب شبيبة اتحادية باعتبارها قطاع شبيبي عادي لا تأثير له في الحياة الحزبية و لا الشبيبية المغربية؟

لأن الوضع الحالي هو وضع غير مريح لا للشبيبة الاتحادية و لا للحزب، هناك هذين الخيارين لا ثالث لهما، لأن الخيار الحيار الذي تم تبينه منذ المجلس الوطني الاول للشبيبة الاتحادية، الذي جاء كاستجابة لمقررات المؤتمر الاستثنائي للحزب 1975، قد أثبت فشله، و أدى الى انحصار دور هذه المنظمة و في أحيان أخرى انعدام تأثيرها في الوسط و الحقل الشبابي……، ان الاجابة عن السؤال السابق هي اجابة لا يجب أن تكون متسرعة، و لا فقط رد فعل على وضع غير عاد، بل اجابة متأنية تعتمد التحليل المتحرك للوضع الشبابي و الشبيبي المغربي.

قبل الوصول للحديث عن “التحضير” الذي انطلق للمؤتمر الوطني الثامن، لابد من العودة للمرحلة التي تحملنا فيها جميعا مسؤولية ” تدبير” هذه المنظمة، و لا بد من فتح نقاش جماعي حول الاسباب الكامنة وراء الازمة الحالية للشبيبة الاتحادية، هل مجرد الاتجاه مباشرة الى الاعلان عن انطلاق التحضير للمؤتمر سيعفينا من المساءلة و من تقديم وجهات نظرنا حول الموضوع و حول الأسباب الكامنة وراء هذا الوضع؟ هل الاتجاه مباشرة الى عقد المؤتمر هو محاولة للتخلص من اعضاء المكتب الوطني الحالي، أم هو رغبة حقيقية في احياء الشبيبة الاتحادية……؟ و هل كنا نعيش أزمة تنظيم أم أزمة مناضلين؟

هي جملة من الأسئلة التي لا يمكن الا تراود أي مناضل/ة داخل الشبيبة الاتحادية سواء كان في القاعدة أو القمة، يجب الاقرار ” هنا الاقرار هو شخصي” بأن الأزمة كانت أزمة تنظيم، أجهزة أجهزة….و ليست مناضلين، فالعودة للحراك الذي شهده المغرب يؤكد على انبعاث شباب اتحادي بمختلف تنسيقيات حركة 20 فبراير، و شكلوا في العديد منها صمام أمام للدفاع عن الخيار السلمي و الواقعي سواء للحراك أو للمطلب…..و يجب الاعتراف بأنه في العديد من التنسيقيات لكان صور العديد من مسؤولي الحزب قد رفعت بالمسيرات في اطار تصفية الحساب…….

اذن كيف يمكن تفسير فورة شبابية اتحادية حقيقية، قوية….في مقابل جمود للاطار الذي هو الشبيبة الاتحادية؟

كيف يمكن تفسير بروز قيادات ميدانية للحراك تنتمي للاتحاد الاشتراكي……في مقابل اغلاق التنظيم الشبيبي/الحزبي في وجهها؟

هي اسئلة يجب كذلك التمحيص فيها، و ايجاد الاليات المرتبطة ببنية الحزب/الشبيبة في الفهم و في الاستغلال الايجابي لهذه الطاقات دفاعا عن المشروع الاشتراكي/الديموقراطي داخل المجتمع، بعيدا عن حلقية التنظيم و الاستقطاب الشخصاني لها……، في جزء من الاجابة على هذه الاسئلة لابد من الاشارة الى أن هذه الطاقات تفجرت ايجابيا في تنسيقيات حركة 20 فبراير، عندما وجدت نفسها متحررة من أي عبئ تنظيمي، رغم أنه في وعيها الداخلي و من خلال المواقف التي كانت تعبر عنها ظلت ملتزمة بالخط الاستراتيجي و السياسي للحزب و لمقررات مؤتمراته خصوصا الثامن منه، فطبيعة التنسيقيات المحلية للحركة هي طبيعة غير موجود فيها ” للقائد” و لا ” للزعيم” و لا لقوالب تنظيمية تتحول مع مرور الوقت عليها الى أجهزة تنتج “البيروقراطية” في التسيير المحلي/الوطني، بل تنسيقيات أقرب منها للشكل الذي تشتغل فيه الحركات الاجتماعية العالمية……لا وجود فيها لقوالب تنظيمية تؤجج الصراع الهامشي على حساب الصراع الحقيقي المفترض خوضه، و هذا ما أدى في بداية حركة 20 فبراير الى النجاح و الى تحقيق اجماع كبير حولها، و عندما انطلق الصراع داخلها حول الاستقطاب و التحكم فشلت في الاستمرار كحركة شبابية للتأطير المجتمعي و السياسي…..انه درس على من يسعون اليوم الى عقد مؤتمر للشبيبة الاتحادية أن يأخذوه بعين الاعتبار، كلما وجد الشباب نفسه خارج أي حساب تنظيمي/سياسي….يهدف للتحكم فيه و في مواقفه كلما ابتدع أكثر و حقق نصرا أكبر، خصوصا اذا كان هذا الشباب مؤطر تأطيرا كافيها يعرف فيها بشكل واع المواقف التي سيعبر عنها، كحالة الشباب الاتحادي الذي اشتغل بمختلف تنسيقيات الحركة بمختلف ربوع الوطن….

بالعودة للمرحلة الحالية، يمكن الاشارة و في محاولة فهم أسباب الوضع الحالي الى ما يلي:

– في جزء منها استمرار لحالة الاضطراب التنظيمي الذي عرفته المرحلة السابقة، فالمكتب الوطني الشبيبة الاتحادية المنبثق عن المؤتمر الوطني السادس عرف توافد ثلاث كتاب عامون على رئاسة المنظمة ” سفيان خيرات/حسسن طارق/محمد غدان” كلهم قدموا استقالتهم في لحظات التجاذب القوي الذي عرفه الحزب و انعكس على جهازها الوطني، في المرحلة الحالية شهدت رئاسة المنظمة لنفس الوضع توافد اخوين على رئاسة المنظمة ” علي الغنبوري/ علي اليازغي” مع فارق الزمن و الحيثيات بين المرحلتين الا أنهما ظلا يعكسان معا الوضع المضطرب لهاته المنظمة سواء في تدبير اختلافاتها، أو في العلاقة بالحزب و بأجهزته الوطنية خصوصا المكتب السياسي……، و اذا ما عدنا للوراء سنجد بأن المؤتمر الوطني السادس انعقد على خلفية ما شهدته الشبيبة الاتحادية من صراع قوي و اصطدام داخلي استزفها منذ المؤتمر الوطني الخامس لها…..حيث تشكلت ما عرف ” المجموعة 33″ كمجموعة انتقالية للوصول للمؤتمر الوطني السادس للمنظمة…..

– المؤتمر الوطني السابع للشبيبة الاتحادية ورث عبئا تنظيميا قويا، من جهة ما شهده الاعلان عن وجود جهازين منتخبين للمكتب الوطني للشبيبة الاتحادية في نفس اليوم من انتهاء عقد المؤتمر….مما شكل صدمة للمؤتمرين و للرأي العام الحزبي و الوطني الذي كان متتبعا لما يجري، و لعادة الثقة في الذات استلزم الأمر جهدا و وقتا اضافيا….و هنا لا أقوم بتخوين الاخوة الذين اعلنوا عن ازدواجية الاجهزة، بل برصد و الكشف عن بعض الأسباب الكامنة وراء الوضع الحالي…..

– الورقة التنظيمية التي ورثها الجهاز الحالي و هي ” جريمة تنظيمية” ارتكبت في حق المنظمة، و التي مرت مرور الكرام في غفلة من المؤتمرين، و دون تدقيق لها، فالورقة التنظيمية الموروثة عن المؤتمر لا تتعدى بضعة أسطر تتحدث عن تواجد جهازين هما معا تقريرين ” المكتب الوطني الذي ينتخب أعضاءه السكرتارية الوطنية و الكاتب العام” و اذا كانت مهام الكاتب العام معروفة فانه وقع لبس و اضطراب كبير في عمل هذين الأجهزين من سيعمل على الاشراف على تدبير المنظمة؟ هل السكرتارية الوطنية للشبيبة الاتحادية أم المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية؟ خاصة مع صمت غير مفهوم للورقة التنظيمية التي كان يجب أن تعمل الى تدقيق الاختصاص و توضيحه بحيث يتحاشى تداخل الجهازين، و ضبابية المهام و يحدد العلاقة بينهما…..، و قد كان سبب هذا الابداع التنظيمي الذي يظل في جانب منه مهم يريد أن يتجاوز الحالة السابقة التي كانت عليها الشبيبة الاتحادية تنظيميا ” اللجنة المركزية/ المكتب الوطني” ، على اعتبار أن ذلك كان في الكثير من الأحيان يقابل طبيعة الأجهزة الحزبية، فجعل الأمر يبدوا في لحظات الاصطدام التي شهدتها الشبيبة الاتحادية مع الحزب و كأن الأمر يتعلق بحزب داخل الحزب، بالتالي كانت هذه الفكرة بإلغاء اللجنة المركزية للشبيبة الاتحادية لكن بماذا تم تعويضها؟ بجهازين تقريرين تنفيذين لا فصل بينهم، و لا حدود لاختصاصاتهما….فعوضنا اشكال تنظيمي بإشكال أكبر غير متحكم فيه…..

فكانت تلك ضربة لعمل الشبيبة الاتحادية، وأدت ثمنها المنظمة ككل، لأنه بدل الاتجاه الى الاشتغال و العمل، عشنا بسبب هذه الورقة التنظيمية صراعا مريرا، طويلا استنزف أعضاء المكتب الوطني، و معه الشبيبة الاتحادية….و ضيع الكثير من الوقت و الجهد الفكري، التنظيمي في نقاش كان أقرب منه الى نقاش “البيضة و الدجاجة….من الأسبق بالوجود”، الى نقاش حقيقي حول أدوار المنظمة و برنامجها التأطيري و النضالي.

– طبعا كل ما ذكر لا يلغي الصراع الذاتي و ان كنت اعتبره صراعا ثانويا أمام الوضعية التي وجدت فيها نفسها الشبيبة الاتحادية بعد المؤتمر الوطني السابع، لأنه لو كانت هناك علاقات تنظيمية واضحة، ديموقراطية بين الشبيبة الاتحادية و الحزب و بين أجهزة الشبيبة الاتحادية نفسها…لكان الصراع الذي كنا سنعيشه صراعا من نوع آخر و تجاذبا بشكل مغاير للشكل الذي عايشناه.

ما ذكر أعلاه لا ينطلق من كونه الصواب، و لا يلغي أية قراءة أخرى قد تكون متفقة، مختلفة أو متناقضة مع الملاحظات التي قدمت التي تظل في مجملها – للتوضيح- شخصية، منطلقة من قراءة ذاتية للشبيبة الاتحادية و للوضعية التي مرت/تمر منها، تنطلق من الاتفاق على ضرورة عقد مؤتمر وطني ثامن للشبيبة الاتحادية و هي ضرورة لا يمكن تجاهلها، و لا القفز عنها، بل تظل رهانا استراتيجيا للشبيبة نفسها أمام التحديات التي يعرفها الحقل الشبابي ككل، و تحديا مستقبليا للحزب، لأن فهم الوضع الذي مرت منه الشبيبة الاتحادية سيسعف الجميع في تحليل جدي لأزمة الشبيبة الاتحادية، فهناك أسباب تاريخية، أخرى تنظيمية، تتنوع و تلبس لبوسا مختلفا حسب كل مرحلة، و اذا كان هذا الاجماع حاصل فانه لا يجب أن يغفل بأن قرار عقد المؤتمر لا يجب أن يكون تحديا شخصيا للبعض ولا موقفا مستعجلا كرد فعل على التجاذبات الموجودة حاليا، بالتالي قد يحقق هدف انعقاد المؤتمر لكن سيؤدي حتما لتكرار الأزمة و سيصطدم الحزب بواقع مستنسخ للواقع الحالي……بل يجب أن يكون قرارا يتخذ من شعار مصلحة هذه المنظمة هي فوق “مصالحنا”، قرارا متأنيا مفكر فيه يعطي الوقت الكاف لهذا التحضير بأجندة ذاتية للشبيبة الاتحادية، بالتالي فالموضوع يحيلنا الى طريقة التحضير الحالي هل تظل طريقة مثلى لعقد مؤتمر بالأهداف المرجوة منه؟ هل المنهجية المعتمدة هي منهجية ايجابية تقوي من فرص نجاح المؤتمر، أم تحمل في طياتها كل عناصر التوتر التي قد لا تساعد على نجاح المؤتمر؟

و هي اسئلة سيكون لنا عودة لها مستقبلا…

عضو المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية