الاتحاد لن يهزم بالكذب والتكفير

مصطفى المتوكل …تارودانت


يقول تعالى: «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما». سورة الاحزاب
عندما أنجز  المؤمنون المجاهدون الوطنيون المقاومون، مهمة دحر الاستعمار الفرنسي والاسباني بوطننا المناضل وعودة السيادة والشرعية الى أجزاء هامة من الوطن امتدت لاحقا لتشمل الصحراء المغربية في انتظار استكمال الوحدة الترابية على ما سلب منا شرق المغرب وغربه وشماله، وقدموا في ذلك آلافا من الشهداء وعشرات الآلاف  من المعتقلين ، شرع جزء مهم من محرري المغرب الى خوض معركة البناء  الديموقراطي والمؤسساتي  بالسعي للقطع مع منهجية التسيير الاستعماري ، وإنهاء جميع مظاهر وجودها في سياسات الدولة المستقلة  ليكون الشعب هو مصدر السلطة والتشريع الدنيوي الوضعي ومنطلق  بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات لتركيز الكرامة والعزة والازدهار والتقدم في جميع مجالات الفعل الانساني ، يليق بالمؤمنين والمؤمنات ويحقق لهم ما يصبون إليه.
وانبرى كذلك  العلماء والفقهاء التقدميون المجـددون للتنظير الموضوعي والشرعي الرصين للجهاد الأكبر بتكريس الإيمان الواعي المتنور، والحد من تغلغل البدع الزائفة والاستغلال البشع للدين بهدف الاسترزاق أو التملق للحكام، فكان الأعلام الاتحاديون من أمثال شيخ الاسلام سيدي بلعربي العلوي وسيدي عمر الساحلي المتوكل والفقيهين سيدي محمد الحبيب الفرقاني وسي محمد البصري وسي بن الصديق وغيرهم من شمال المغرب الى جنوبه يصححون ما أفسده “المستعمرون ” وأذنابهم  فكان أن أسس الفقيه العلامة الساحلي بتنسيق مع الفقيه المختار السوسي وبعض العلماء، المعهد الاسلامي بتارودانت مع العديد من المراكز التابعة له، والتي تمتد  من  كولمين وايت باعمران  حتى   مناطق درعة، وتفرغوا لتنظيم وإنقاذ التعليم الديني العتيق والتعريف به، وإدماج طلبته بمؤسسات المعهد التي كان يمولها ثلة من رجال الاعمال  والمتعاطفين مع المشروع ليتهم  أول مدير للمعهد  لا لشيء إلا لأنه فقيه وعالم واتحادي  بعد أن رفض الخضوع لإملاءات بعض المتمخزنين، وترشحه  ضدا على مبتغاهم باسم الاتحاد سنة 1963 وفوزه بمقعد منطقة تيزنيت هو ومجموعة من رجالات المقاومة والفكر، حيث لم يتمكن الطباخون أنذاك إلا من تزوير مقعد واحد بسوس..  قلت اتهم مدير المعهد بأنه يكون  تنظيما عسكريا بالمعهد الاسلامي يهدف من ورائه إلى ..وإلى.. فتم اعتقاله لاحقا وتم تعيين مدير آخر له علاقة بالمخابرات  – لحسن الحظ أنه عاقل  – ليقوم ببحث أفضى به الى القول بأن كل ما طبخه أحد  فقهاء  المخزن أنذاك هو مجرد افتراء وتزوير …
واشتغل آلاف من الوطنيين الشباب على إنجاح إطلاق البديل التقدمي ببلادنا والحفاظ على حماس الشعب لأن ما ينتظرنا أكبر مما واجهنا، ولأن الاستعمار المتجدد بصيغ مختلفة تلائم طموحاته ولا تجعله بارزا بالمشهد العام، هو الامر الأكثر خطورة في النضال الديموقراطي لأنه يجعل المعركة داخلية صرفة، تستعمل فيها أساليب  مختلفة لإسكات المجـددين والمصلحين ببلادنا وعلى رأسهم الاتحاد فكانت انتفاضة 1959 وتأسيس الاتحاد الذي يقوم على أعمدة قوية تجمع كل الشعب الكادح والوطني من رواد الحركة السلفية الى مجموعة بارزة من  قادة المقاومة وجيش التحرير ..الى رواد الحركة النقابية  المؤسسين إبان الفترة الاستعمارية للاتحاد المغربي للشغل وعلى رأسهم المجاهد عبد الرحمن اليوسفي ..الى بناء المنظمة الطلابية العتيدة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وإطلاق هياكل لتنظيم القطاع التلاميذي وبموازاة مع كل ذلك اطلاق المبادرات الفكرية والثقافية التقدمية الوطنية التي ضمت خيرة المفكرين والباحثين والاساتذة ببلادنا فكان بذلك اسم القوات الشعبية  معبرا عن واقع قوي أزعج ومازال يزعج الكثيرين .
إن هذا الحزب الوطني الكبير أصبح مرعبا للذين لا يحبون أن تشيع الديموقراطية والعدالة والكرامة والمساواة ببلدنا، وكانوا يؤمنون بأن الاتحاد إن ترك حرا فلن يتمكنوا من إرضاع لا الكبير ولا الصغير من المال العام المملوك لله والشعب …فكان تاريخ الاتحاد ولا يزال مليئا بالنضال والمواجهات والمنازلات الميدانية الفكرية والسياسية، وأحيانا الاحتكاك المباشر في الشوارع والنضالات النقابية والمعارك الانتخابية …وبرز “فنانون” في طبخ الملفات ضد الشرفاء والشريفات وعلى رأسهم المجاهدون الذين  قادوا حركة المقاومة من أجل الحرية والشرعية ، وهنا فبركوا ما يطلق عليه” الفديك” أي جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية بخلفية أننا ضد تلك المؤسسات وعلى رأسها ملك البلاد أنذاك ليوهموا الشعب بأنهم على حق وأن حزبنا على ضلال ومخرب يجب اجتثاثه، فغرقت سجون المغرب المعروفة والسرية بالآلاف من الاتحاديين والاتحاديات الذين منهم من قضى نحبه بالسجون أو خارجها، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا . وقام البعض بتجديد أهداف تلك الجبهة المشؤومة وإعادة إنتاجها بصيغ جديدة في مواجهة الاتحاد دائما، فأصبح بعض من هؤلاء في مواقع  يعرفها قراء التاريخ وصناعه ؟ كما أسس البعض منهم أحزابا إدارية تأتمر بالإدارة وتتحرك وتفكر بأسلوبها  اللامنطقي..
وعمدت الايادي الخفية الى احتواء وتحفيز التكفيريين لقتل الشهيد عمر بنجلون أحد المناضلين الشرفاء الذي لا يخشى في الله لومة لائم بفتوى صدرت ممن نعرف وتعرفهم الذاكرة السياسية والتاريخية لأمتنا .. وبعد ذلك تم تجميعهم في حزب لأحد مؤسسي الفديك الذي وضع رهن اشارتهم ما به يتحركون تحت أكثر من أي غطاء لتدبير المكائد ضد الاتحاد والاتحاديين بنفس الصيغ البدائية التي ابتدعها أعداء الديموقراطية والتاريخ النضالي التقدمي ببلدنا ليضموا بين جدرانهم من تحدث بلسان المكر والدس، وعلل وبرر سياسة التكفير،  بل وهلل لاغتيال رجل مؤمن يحب الخير للشعب ويحارب المنكر وأصحابه ولا يخشى في الله لومة لائم.
…ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود لم يعتذر من كان خلف تلك الجريمة النكراء، ولم يتوبوا الى الله ويلتمسوا الصفح والعفو من الاسرة الاتحادية وعائلة الشهيد، ولم يستفيدوا من جرأة اعتراف الدولة بمسؤوليتها عن القهر وضحايا سنوات الجمر والرصاص… وتماديهم  ذاك دليل على استمرار بعضهم في الايمان بالفكر التكفيري العدمي، بدليل ما نطق به أحد زعمائهم الذي نرفع أمره لعدالة الله   -  مادام البعض يمارس الظلم على نقابة العدل ومناضليها ومناضلاتها لا لشيء إلا لأنهم أرادوا للمؤسسة التي من المفروض فيها أن ترعى العدالة وتحمي حقوق المستضعفين والمظلومين أن تكون حاملة لمشعل استتباب العدالة البشرية بين المتخاصمين والمختلفين  – ذلك أنه كرر قولة وفتوى من أفتى بتكفير الشهيد عمر   إن لم نقل إنها دعوى ضد كل  الاتحاديين في شخص الكاتب الاول لحزب القوات الشعبية.
إن المتربصين بالاتحاد الاشتراكي بداية الخمسينات وفي عقود الستينات والسبعينات ،وحتى اليوم، هم نفس الجهة مع تغيير في بعض الوجوه والمواقع. هدفهم أخطر من القتل أي محو جزء هام من تاريخ شعبنا، وتزوير الحقائق والقضاء على الاتحاد الاشتراكي منبر الاحرار والشرفاء والعلماء والمناضلين الثوريين ، ومن وراء مؤامراتهم تلك يريدون تركيع الشعب وتدجينه  وإخضاعه بمسميات وأفكار هي أقرب الى الاستعباد والعبودية التي تجعل من الناس أتباعا ومريدين ومهللين بأسماء من يعتقدون أنهم المفوض لهم التحكم في الرقاب والعقول والمسارات.
إنهم يزرعون الفتن والصراعات والتشكيك في مصداقية حزب القوات الشعبية، بإصدار فتاوى الضلال وصناعة الكذب بطرق هي أقرب الى طريق شياطين الجن والانس منها لأي طريق آخر  يبتغي مرضاة الله. يريدون عرض الحياة الدنيا الزائلة بالمحافظة على مقاعد، وبكسب  أخرى  بالمؤسسات للتمكن من بسط حراس جدد للاستبداد للحلول محل المخزن القديم البدائي الذي يرى استمراره بزوال غيره ممن يخالفونه الرأي، إزالة بدنية وسياسية وفكرية …إنهم يجمعون حطبا لا يصلح إلا أن يكون لإشعال الفتن.. ووقودا لجهنم  ويسعون دون حرج ليكونوا مفلسين  في الدنيا قبل يوم القيامة  وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ..: أتدرون من المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال صلى الله عليه وسلم : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته من قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار .. “رواه مسلم”.
فأية سياسة هاته وأي تدبير لأمور الأمة ينتهج في بلادنا زمن التكنولوجيات الحديثة ومجتمعات المعرفة ودول العلم والبناء الاقتصادي والمجتمعي والفكري؟ وأي ربيع مغاربي هذا الذي هب علينا محملا ومشبعا برياح شرقية ” من الشرقي” قضت وتقضي على كل ما هو أخضر ويعد  بالثمار الناضجة المفيدة؟
وهل من السياسة ادعاء عدم العلم بحقيقة الأزمة الاقتصادية والمالية ببلادنا؟ وهل من الصدق القول إن المعارضة كانت كاذبة عندما نبهت وحذرت من انزلاقات السياسة الحكومية وانعكاسات قراراتها الخطيرة على الشعب الكادح ..ليتبين بعد حين حقيقة من يعد الناس بأوهام الرخاء وتوزيع الاموال على الفقراء بإلغاء صندوق المقاصة أو بغير ذلك من التدابير الكلامية التي كانت تراهن على قصر نظر الشعب، وانخداعه بمظاهر وتصاريح الحزب الاغلبي الذي لم يعد الناس يعرفون هل نحن أمام حكومة منبثقة عن صناديق الاقتراع تمثل كل الشعب أم حكومة حزب واحد ينسب لنفسه كل ما يريد ويعتقد أنه جميل، ويلقي باللوم على غيره ممن يشاركه الاغلبية أو يدعمه من خارجها  حسب اعتقاد الحكومة وبعض احزابها -  للإجهاز على الاستحقاقات المقبلة  ليتسنى لهم – حسب ما يبيتون – تأسيس الدولة والحكم الذي يريدون لأنفسهم وأمثالهم بأن يكونوا هم وحدهم من يتناوب على الحكم بالوراثة “الحزبية” كما هو حال بعض دول الشرق الاسيوية.. وأن كل من خالفهم فهو  عدو لهم وكل كلامه وأفكاره باطل والى زوال ومنع ..
وأختم هذه المقالة بحديثين شريفين
1) “بادروا، بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً”
2)قال رسول الله ..قال تعالى “أيحب أحدكم أن يأكل للحم أخيه ميتا فكرهتمـوه”: لما عُرج بي، وذلك ليلة الإسراء والمعراج، مررت بقوم لهم أظافر من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، قلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم”.
إن الاتحاد لن يهزم ولن يحارب بالكذب والبهتان والطعن والتكفير والاشاعات الكاذبة لأنه مؤمن بعدالة الله ورعايته ونصرته للمظلومين.. والاتحاد كان هدفا لكل الظلمة عبر تاريخه  ،ونسأل الله اللطف كما نسأله أن يخفف ما نزل والله المستعان.
ملاحظة.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه” في سياق الحديث وما بين القوسين هو من القران الكريم اي ” ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه” سورة الحجرات الاية12

4/22/2013