لا ديمقراطية مع الإسلام السياسي

محمد بوبكري

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الاربعاء 24 ابريل 2013

تعاني الحياة الحزبية في بلادنا من غياب الشفافية والصراحة في خطاب أغلبية رؤساء الأحزاب، وخصوصا الدينية منها. فإذا أخذنا، على سبيل المثال، خطاب زعامات الإسلام السياسي التي تقول في العلن شيئا، ثم تقول نقيضه سرا، حيث تؤكد في العلن أنها ديمقراطية تحترم الحريات، لكنها تقول سرا بأنها ترمي في النهاية إلى إقامة دولة الخلافة، فكيف لنا أن نصدقها؟! فهي تقول شيئا وتخفي نقيضه، ذلك أنَّ الخلافة في جوهرها تناقض الديمقراطية تماما. ويبدو لي أنَّ جماعات الإسلام السياسي لا تستخدم الديمقراطية باعتبارها غاية في ذاتها، وإنما بوصفها وسيلة للاستحواذ على السلطة. وإذا ما تمكنت من إنجاز ذلك فعلا، فإنها ستستخدمها لإقامة نظام خلافة يعمل لأيديولوجيتها الطائفية.
ومن أدلة ذلك أن زعماء جماعات الإسلام السياسي لما وصلوا إلى الحكومة عندنا ضربوا عرض الحائط حق الإضراب والحقوق الاجتماعية والاقتصادية واللغوية والثقافية لأغلبية الشعب المغربي…، مساهمين بذلك في تعميق تدهور الحريات العامة والمستوى المعيشي في بلادنا، بل لقد أصبح من المؤكَّد أن الآتي أخطر، حيث عوضوا القرآن بأوامر صندوق النقد الدولي..
وأمام عجز «الحكومة» الملتحية عن حل المشاكل المؤسسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية…، فهي تكتفي بالترويج لخطاب ديني يزعمُ أن المشكلة عندنا «أخلاقية» لا غير وأن الحل أخلاقي، وهذا ما يُعد تحايلا في أجلى صوره. وبنشر المقولة السابقة، لا تكف جماعات الإسلام السياسي عن تكفير المختلفين معها. كما أنَّ الحكومة الملتحية لم تقم في يوم من الأيام بتصريح صريح وشفاف وواضح تدافع فيه عن حرية الفكر والوجدان، وتستنكر الدعوة إلى تطبيق حد الردّة وتدين الفكر الذي ينتج الإرهاب…، إذ الإرهاب في أصله فكر.
تبعا لذلك، فجماعات الإسلام السياسي تهدد التعايش السياسي والاجتماعي وتشكل خطرا عليهما، إذ تدفع في اتجاه حرمان الفكر المخالف لأيديولوجيتها من حرية التعبير، عاملة بذلك على نسف تساكن المواطنين وتعايشهم على اختلاف أديانهم، واتجاهاتهم الفكرية في وطن واحد يقتسمونه من دون أن يتدخل بعضهم في شؤون البعض الآخر، ما يضرب الحريات ويتعارض مع الدين والعقل. وإذا تمكنت هذه الجماعات من استلام مقاليد الحكم فعلا فستحول دون حرية المواطن، مما سيلحق ضربة قاسية بالمواطنة والوطنية والوطن، لأن الحرية الفكرية الديمقراطية الحقيقية لا تقدس كلام الفقهاء وتفصل الدين عن السياسة…، في المقابل ينبغي أن يخضع كل شيء للنقد والعقل، مما يفرض مواجهة الحجة بالحجة، والقلم بالقلم، والتعبير عن الاختلاف بدون التهديد بالقتل ورفض من له فكر مخالف، إذ لا دخل للسيف في ذلك. فلا يمكن إغلاق الباب أمام كل فكر لا يقدس كلام الفقهاء الذين هم مجرد بشر، لأن من حق الإنسان الحر أن يفكر كما يشاء وفي ما يشاء، إذ لا تطور ولا تنمية بدون التفكير بحرية… لكن جماعات الإسلام السياسي لا تقبل هذا لأنها ترفض حرية التفكير والتعبير وتحاربها، ما يعني أنها لو ملكت زمام الحكم فعلا لقضت على كل الحريات بحد سيف الردة وبذريعة حماية المقدسات. وبإيجاز، فمن المستحيل أن تتعايش الديمقراطية وحرية الفكر مع الخطاب التحريمي لهذه الجماعات، حيث لا يستقيم زواجها بالديمقراطية مهما قالت في خطابها المزدوج الذي لا يمكن الاطمئنان إليه. فهي لا تستعمل الانتخابات إلا مطية من أجل الوصول إلى الحكم فقط..
ليس الإسلام معاديا للديمقراطية ولا مخالفا لها، لكن جماعات الإسلام السياسي تُرَوِّج لحديث مكذوب على رسول الله يقول: «من بدل دينه فاقتلوه»، مع أنَّ الله والرسول لم يقولا ذلك، بل حاشى أن يقولاه، والحديث الذي يوافق القرآن هو حديث صحيح، وما عداه فهو باطل. فلا يوجد في القرآن حكم الردَّة، لأن الله يدافع عن الحريات بما في ذلك الحرية الدينية، إذ قال تعالى: «لا إكراه في الدين»…
إن الإيمان والكفر قضية شخصية، لا تدخل ضمن قضايا النظام العام، مما يستوجب عدم ممارسة الإكراه فيها، حيث يقول سبحانه: «قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ» (يونس، الآية 108). ثم يضيف: «إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ» (الزمر، الآية: 41)…

كما أن الرُّسُل هم فقط مبشرون ومبلِّغون، وليست لهم أي سلطة لإكراه الناس على الإيمان. يقول الله عز وجل: «فإن توَلَّوا فإنما عليك البلاغ المبين (<النحل، الآية: 82). وقد ورد أيضا في القرآن الكريم: «والذين اتخذوا من دونه أولياء، الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل» (الشورى، الآية: 6)…
إضافة إلى ذلك، فالهداية إنما هي من الله، وطبقا لمشيئته، والأنبياء أنفسهم لا يملكون وحدهم هداية الناس، لأن الله يقول: «ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء» (البقرة، الآية» 272)…
ثمَّ إنَّ الاختلاف والتعدد بين البشر هو مما أراد الله، ومما يفصل تعالى وحده فيه يوم القيامة، كما أن الإسلام يؤمن بالرسالات السابقة. يقول تعالى: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» (البقرة، الآية: 113). ثم يضيف: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين» (هود، الآية: 118). كما ورد في القرآن: «وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب» (الشورى، الأية:10)، «قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين» (الكافرون، الآية:1- 6)…
كما أنه لا يوجد حد دنيوي على الردَّة في القرآن، حيث يقول تعالى: أمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ» (البقرة، الآية: 108)، «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ» (آل عمران، الآية: 90)…
وبذلك يتضح أنَّ ما تقوم به جماعات الإسلام السياسي من عنف وإرهاب يتعارض مع القرآن، وبالتالي يجب تجديد الفكر الإسلامي اعتمادا على كلام الله، لأن كلام الله يوحدنا، بينما المذاهب والطوائف تفرقنا وتجعل بعضنا أعداء بعض، ما قد يؤدي إلى فنائنا…

4/24/2013