احمد عصيد

عن موقع اش بريس

الخميس 25 ابريل 2013

يطرح موضوع الجهوية الموسعة تحديا كبيرا على النخب السياسية والمدنية المغربية، حيث يدعوهم جميعا إلى التفكير بشكل مختلف في مغرب ممكن خارج النموذج التقليدي للدولة الوطنية المركزية، وهو أمر من الصعوبة بمكان إذا علمنا بأن معظم هذه النخب قد تربت على مدى نصف قرن على ثوابت الدولة المركزية وبديهياتها السياسية والإيديولوجية، أي أنّ معظم الفاعلين الرئيسيين هم بشكل أو بآخر أبناء “الجاكوبينيزم”، وخاصة منهم المثقفون.

ومن المفارقات أنّ ضعف إلمام نخبنا بموضوع الجهوية الموسعة و المتقدمة، ومحدودية الطروحات التي بلورتها حتى الآن بهذا الصدد، والتي عكستها الأحزاب السياسية التي تقدمت بمقترحاتها إلى اللجنة الإستشارية المكلفة بالموضوع، لا يتلاءم مع واقع التردي العام الذي ترجع أسبابه العميقة في شتى القطاعات إلى التمركز المفرط للدولة، و هذا معناه أن الطبقة السياسية المغربية و النخب المدنية ظلت تحاول إيجاد الحلول للمشاكل المطروحة والأزمات المتلاحقة من داخل النسق السياسي نفسه الذي كان مسؤولا عنها.

ولعلّ المشكل لا ينحصر هاهنا في مدى قدرة النخب المغربية على استيعاب التحديات الجديدة والتفكير فيها، بل يخصّ أيضا ـ وهذا أمر على قدر كبير من الأهمية ـ مدى قدرتها على تأطير الساكنة وتحسيسها بأهمية المشروع الجديد وإعدادها للإنخراط فيه، هذا إذا افترضنا توفر إرادة فعلية لدى السلطة لإقرار جهوية موسعة حقيقية، وإن لم يكن الأمر يتعلق فقط بتدبير سياسي ظرفي لملف الصحراء الذي اعتبر منطلقا لهذا النقاش بعد مبادرة الملك باقتراح الحكم الذاتي كحل سياسي لهذه القضية.

إن أولى المنطلقات في اعتقادي لإنجاح سياسة جهوية موسعة بالمغرب تبدأ من الجهات ذاتها، بإشراك أكبر قدر من المواطنين في هذا الورش الكبير والهام بالنسبة لمستقبل المغرب، فمعضلتنا اليوم في هذه المرحلة من تاريخنا تكاد تتلخص في أننا “نخبة في حالة شرود”، حيث مضينا قدما في معالجة تفاصيل إشكاليات التحديث والدمقرطة تاركين المجتمع وراء ظهورنا تؤطره قوى التقليد في إطار نزعة نكوصية مناقضة لقيم الديمقراطية. وهذا ما يجعل أولى الأولويات العمل في عمق المجتمع من أجل تغيير العقليات، و جعل النسبة العظمى من المواطنين على بينة من الرهانات الحالية، ومنخرطة في الدينامية الجديدة المطلوبة لإنجاح الإنتقال نحو الديمقراطية.

ثاني المنطلقات أن تكون ثمة قناعة مبدئية بإمكان الإنتقال مع الجهوية الموسعة إلى نموذج للدولة مغاير لنموذج الدولة الوطنية المتمركز، ذلك أن عدم وجود استعداد مبدئي لهذا الإنتقال، و استمرار التشبث بـ”ثوابت” النموذج السابق سيؤدي حتما إلى الإلتفاف على سياسة الجهوية و تحجيمها ثم خنقها دون أن تعطي الثمار المرجوة.

وثالث المنطلقات هو ملحاحية اعتماد العنصر الثقافي في مشروع الجهوية الموسعة كعنصر جوهري بجانب العناصر التي تحظى بالأولوية، حيث يلاحظ في النقاش الدائر حول الجهوية منذ شهور أنّ المتناظرين يميلون إلى التركيز في نقاشهم على أسباب التنمية المادية في الجوانب الإقتصادية المالية والإدارية والتقطيع الجغرافي إلخ.. وهو ما يظهر تبرم الناس من التهميش الإقتصادي الخطير لعدد كبير من الجهات التي ظلت مدة غير يسيرة خارج المشروع الوطني للتنمية، كما يظهر أيضا مقدار تهميش الثقافي وهامشيته في مشاريع الدولة.

ونرى بهذا الصدد أنّ من المعضلات الكبرى للدولة المغربية حاليا عدم القدرة على البث عبر نقاش متعدد المستويات في “هويتها”، وهو ما يمكن أن يسائل الثقافة الرسمية عن مدى توفيرها للأسس العميقة للديمقراطية في النفوس والأذهان و القيم، ذلك أن الثقافة لا تطرح إلا عندما تتوفر الإرادة الواضحة لخدمة الإنسان باعتباره قيمة القيم، ولكونه غاية في ذاته أي كائنا ذا “كرامة”.

في هذا الصدد سأحاول أن أركز في موضوع الجهوية على الأسس الثقافية التي عادة ما يتمّ إغفالها، والتي في حالة عدم توفرها سيظل مشروع الجهوية مجرد تقنيات إجرائية بدون “روح”، مما قد يفرغ الجهوية من معناها العميق، ذلك لأن الجهة ليست مجرد امتداد مادي بل هي أيضا شخصية ثقافية وعبقرية تأسست في التاريخ.

1) الخصوصية المنفتحة كأساس للتقسيم الجهوي:

تتحدّد الجهة ثقافيا من خلال مجموعة من الخصوصيات الثقافية واللغوية الغالبة في النسيج الإجتماعي للجهة، ونقول الغالبة لأنه لا توجد جهة في المغرب يمكن القول عنها إنها ذات ثقافة “خالصة”، غير أن التخوف الذي يعبر عنه السياسيون هو في أن تتحول الجهة عبر تكريس الخصوصيات السوسيوثقافية إلى كيتو Getto مغلق يقوم على بعث النعرات القبلية المضادة للوحدة الوطنية الجامعة. والحقيقة أن الخصوصية نوعان اثنان: خصوصية منفتحة وخصوصية مغلقة، والفارق بينهما أن الأولى تفاعلية تعيش جدلا عميقا بين مكوناتها وباقي المكونات الأخرى عبر دينامية الأخذ و العطاء الذي يشكل مصدر اغتناء و إغناء، بينما تنزع الثانية نحو التقوقع والعزلة ونبذ الآخر والخوف من “الإختراق”، مما يؤدّي إلى إضعافها بسبب وقوعها في الجمود والعزلة.

إنّ جدل الجهوي و الوطني و الكوني يتحقق عبر هذه الهوية المنفتحة التي تتداخل فيها عناصر إنسانية بين هذه المستويات الثلاثة، حيث يشعر المواطن بتراتبية الإنتماء إلى الجهة و إلى الوطن و إلى الإنسانية عبر قيم تتبادل الأخذ و العطاء بشكل عميق، بسبب توفرها على نفس العناصر الإنسانية التي تتخذ تلوينات مختلفة لكنها لا تفقد طابعها الإنساني.

يتضح مما سبق أنّ الخصوصية الثقافية بمعناها المنفتح والتفاعلي عامل نهضة حقيقي بالنسبة للجهة، لأنها تمكن من تقوية اللحام الإجتماعي والإنسجام المطلوب بين السكان في إطار الجهة، وهي الروابط التي تشكل دينامو الإنتاجية الإجتماعية المحققة للتنمية.

يجعل هذا من الخصوصية الثقافية أحد المنطلقات العقلانية للتقسيم الجهوي الأمثل، خاصة إذا كان الهدف من الجهوية الموسعة هو إنجاح مشاريع التنمية بشكل أفضل، وهو ما سيسمح بتجاوز التقسيم الجهوي الحالي (16 جهة) المبني على هواجس أمنية ضيقة، وإفساح المجال للجهات التاريخية التي قد لا يتعدى عددها ست جهات كبرى.

2) التاريخ الإجتماعي المحلي:

من البديهي أنّ إقرار جهوية موسعة، والذي من شأنه أن يتجاوز عوائق وحدود الدولة المركزية، سيتطلب قراءة جديدة لتاريخ المغرب خارج الرواية الرسمية للتاريخ، هذه الاخيرة التي كانت تمر من العاصمة نحو الجهات عبر القنوات التي تحتكرها السلطة (التعليم، الإعلام، الخطب الرسمية، الإدارة)، والتي كانت تهدف إلى تقوية شرعية السلطة عبر التركيز على معطيات ورموز وإخفاء أخرى وتغييبها. إنّ الحاجة إلى رواية معينة للتاريخ إنما تكون مُلحة في غياب الآليات الديمقراطية أو في حالة هشاشتها، بينما يقتضي الإنتقال إلى الجهوية الموسعة، التي هي أحد أشكال التدبير الديمقراطي المعقلن، التخلي عن الشرعية القائمة على انتقاء عناصر تاريخية أو صناعة رموز الهوية حسب حاجات الدولة المركزية، واعتماد التاريخ الإجتماعي المحلي الذي من شأنه أن يُعرّف بالجهات بشكل أكثر عمقا ووضوحا، ويسمح بإعادة كتابة تاريخ المغرب انطلاقا من الجهات، فإذا كانت لسياسة المركزية التأحيدية حاجاتها، فإن للديمقراطية التعددية حاجاتها أيضا، وأولها المعرفة.

ومعلوم أن من شأن التاريخ الإجتماعي المحلي أن يعيد الإعتبار لرموز الجهات وأبطالها وشخصياتها التاريخية وأعلامها وتوبونيمياها الأصلية، و هو عمل من شأنه أن يعمق المعرفة بالجهة و الإعتزار بالإنتماء إليها، و عبرها بالإنتماء إلى المغرب، كما أنّ من شأن هذه الدينامية أن تخلق مناخا ثقافيا حيويا عماده البحث والإكتشاف والتجديد.

لقد ظهر ت هذه الرؤية في وقت مبكر لدى بعض أعضاء النخبة المغربية منذ فترة الحماية و فجر الإستقلال، و كان منشأها الغيرة و نعرة الإنتماء إلى جهة أو مدينة، فألّف المختار السوسي “المعسول ” في تاريخ سوس، و كتب محمد داوود عن تاريخ تطوان، وعبد الرحمان بن زيدان عن تاريخ مكناس و الصديقي عن الصويرة إلخ..، غير أن الدولة المركزية التي تأسست على النمط اليعقوبي الفرنسي جعل هذا الإهتمام بالتاريخ المحلي يتوارى وراء هموم تقوية رموز الدولة المركزية، وأصبحت الجهات هوامش لمركز محظوظ، وأضحى الإهتمام بها مضيعة للوقت و عملا لا طائل من ورائه في سوق الممتلكات الرمزية الذي وضع الأشياء في تراتبية تخضع لأولوياته الخاصة.

و في إطار التوجهات الجديدة نحو جهوية موسعة سيكون بعث هذه الروح الإيجابية التي تحسن الربط بين ما هو محلي و جهوي و ما هو وطني جامع، أمرا ضروريا.

لقد آن الأوان أن نعيد للجهات شخصيتها الثقافية التي ترسخت على مدى قرون طويلة، و أصبحت تمثل بصيغة ما “عبقريتها”، والتي تميزت بتجارب فريدة في الديمقراطية المحلية في السياق التقليدي، وأن نمنحها إمكانية الإسهام التنموي في سياق جديد هو السياق العصري الديمقراطي الذي يتجاوز القبيلة إلى المفهوم الحديث للجهة، كما يتجاوز الروابط التقليدية إلى الرهانات التنموية الحالية.

ومن هنا نلح على أهمية إعادة تقسيم الجهات على أساس التكامل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، في إطار المنافسة الشريفة بين الخصوصيات المنفتحة على الإطار الوطني، وهو ما يحول دون تحويل الجهات إلى إطارات مغلقة، ويمكنها بالتالي من التبادل التضامني والتفاعل المطلوب فيما بينها .

3) جهوية النظام التربوي:

كانت الدولة المركزية قد أقامت منظومتها التعليمية منذ الإستقلال على قيم وطنية مركزية، وعلى رموز موحدة كان الهدف منها خلق الشعور بالولاء المشترك للدولة، مما أضعف حضور الجهات في المدرسة وغيب الخصوصيات المحلية وأغلق المدرسة على محيطها، وخلق الكثير من الجهل بالمغرب وتاريخه، و كانت من أكبر تبعات هذا الإختيار شيوع الهدر المدرسي وغربة المضامين الدراسية ـ التي تعتمد على الأجنبي بنسبة كبيرة ـ عن الوسط الإجتماعي والأسري للمتمدرس، وإرساء ثقافة التبعية والتقليد للآخر على حساب الإبداع الأصيل.

و لهذا من الضروري في إطار الجهوية الموسعة أن تحتل ثقافة الجهة مكانها الطبيعي ضمن المواد الدراسية بجانب المضامين الوطنية، وهو ما يساهم في إدماج الفرد في محيطه ويمكنه بالتالي من الإسهام في التنمية الوطنية عبر تنمية الجهة التي ينتمي إليها، والتي لن يسعى إلى مغادرتها بحثا عن مكان له في دولة العاصمة، فقد جعلت المركزية عامل الهجرة بالنسبة للمواطنين رهانا وحيدا لإثبات الذات في كل القطاعات، عبر الإنتقال من المركز إلى الهامش، وكان التعليم أبرز المؤسسات التي برز فيها هذا الخيار منذ البداية.

لقد أبدع السوسيولوجيون مفهوم “الطمأنينة الإجتماعية” للدلالة على حالة الفرد المندمج في محيطه بشكل طبيعي، والقابل للإنتاج مع الآخرين ولمّ جهوده معهم، ولكنهم أكدوا على أنّ هذه “الطمأنينة” تنشأ قبل كل شيء في المدرسة، التي عليها أن تحرص في مضامينها الدراسية على ربط التلميذ بمحيطه القريب وإشعاره بالأمن الثقافي والروحي والعاطفي، ولعلّ هذا يتحقق بنسبة كبيرة في مطابقة المضامين الدراسية مع متطلبات الجهة وحاجاتها.

4) جهوية الإعلام والإتصال:

انتهجت السلطة المركزية منذ الإستقلال سياسة إعلامية قائمة على هاجس خلق التجانس المطلق l’homogénéisation بين كافة المواطنين والجهات، وهو خيار جعل السلطات تخلق إعلاما جهويا على مقاس الإعلام المركزي ووفق توجهاته وأولوياته، فكانت القنوات الإذاعية الجهوية منابر لتسويق بضاعة المركز في الهوامش، ولم يكن يسمح للخصوصي الجهوي بالظهور إلا بمقدار ضئيل جدا وفي حدود نظرة المركز إلى الهامش، والتي شاءت أن تجعل من المحلي مجرد “فولكلور” لإمتاع نخبة المركز والسواح الأجانب، ويفسر هذا الأسباب التي جعلت الإذاعة الأمازيغية مثلا، وهي إذاعة وطنية تتواجد في المركز نفسه، لا تتعدى في نطاق بثها تغطية نسبة 13 في المائة من مجموع التراب الوطني خلافا للإذاعة المركزية الناطقة بالعربية والفرنسية، والتي تمت تقوية أجهزة الدفع لديها لتخاطب الجميع. طبعا يتعلق الأمر هنا بالخضوع لثوابت الدولة التي أقرّت الإزدواجية اللغوية العربية/الفرنسية كنهج مركزي، ما جعلها تنظر إلى الأمازيغية كعائق أو عنصر تهديد لقوة المركز وللإنسجام الإجتماعي الداعم لخيارات العاصمة.

ورغم أنّ السلطة سمحت في الآونة الأخيرة بظهور قنوات إذاعية خاصة إلا أن ذلك تمّ في إطار ضوابط جعلت معظم تلك القنوات رغم تعدديتها تنتج خطابا متماهيا مع خطاب الإعلام المركزي، مع بعض التنويع على مستوى أساليب العمل ونسبة الحرية المتاحة. يفسر هذا الأسباب التي جعلت هذه الإذاعات (باستثناء اثنتين) لا تذيع أية برامج بالأمازيغية. كما يفسر عكسيا أسباب النجاح الباهر لإذاعة “راديو بلوس” التي تصدرت ترتيب القنوات الإذاعية الخاصة بعد أن قررت بث نسبة 70 في المائة من برامجها بالأمازيغية.

وإلى حدود الساعة ما زالت السلطة ترفض الترخيص بإنشاء قنوات تلفزية جهوية، معبرة بذلك عن خوفها من انسحاب من تبقى من مشاهدي إعلامها المرئي المركزي.

سيكون أمرا حيويا وضروريا توسيع مفهوم الجهوية إلى المجال الإعلامي خاصة السمعي البصري، مما يفرض تمكين الجهات من قنوات تلفزية وإذاعية تعايش قضايا الجهة وواقع سكانها وتخاطبهم بلغتهم، وتعكس واقع الجهة على شتى المستويات، وخاصة منها مستوى الإبداع الثقافي والأدبي الشفوي والمكتوب، وباللغات المختلفة، وهو ما سيجعل المبدع عبر الإعلام المحلي أقرب إلى ساكنة منطقته، كما سيمكنه ذلك من الإطلالة على جمهور وطني من خلال نافذة التبادل بين الجهات.

5) رعاية التراث الثقافي جهويا:

لم تستطع الدولة المركزية إنقاذ الكثير من عناصر التراث المادي والرمزي المتواجد في الجهات المختلفة من المغرب، والتي ضاع الكثير منها أو تضرّر بسبب الإهمال، و يكفي أن نشير كمثال حي على لامبالاة المركز بالثروات الثقافية للهامش ما حدث مؤخرا من تدمير كلي لمائة من المقابر القديمة بجنوب المغرب والتي تعود إلى ما قبل ميلاد المسيح بقرون، وكذا إلى سرقة العديد من النقوش الصخرية التي تعود إلى آلاف السنين بسبب تواجدها في العراء بدون أية حماية، في الوقت الذي تمت فيه العناية خلافا لذلك ببعض عناصر الثقافة في شكلها الرسمي، وهو ما يستوجب في إطار سياسة جهوية موسعة تجاوزه بتوفير الإمكانيات الضرورية لإنقاذ التراث المعماري والثقافي المادي واللامادي للجهات.

إنّ الغنى الثقافي والحضاري للمغرب يبرز أوضح ما يكون في جهات المغرب المختلفة، وهو غنى تمّ توظيفه بشكل جزئي واختزالي لا يخلو من تشويه لأغراض سياحية، في الوقت الذي ظلّ فيه معظم المغاربة يجهلون القيمة الحقيقية لممتلكاتهم الرمزية والمادية المتوارثة، حيث أدّى المنظور الفلكلوري ليس فقط إلى تحنيط عناصر ثقافية حية بل وإلى فصلها عن بعضها البعض وتقديمها كقطع غيار صدئة لآلة قديمة. نخصّ بالذكر هنا ما تمّ فعله بالفنون الأمازيغية التقليدية التي تمّ “إخراسها” بفصلها عن اللغة وعن الكلمة الشعرية، وعن السياق السوسيوثقافي ومنظومة القيم، وتحويلها إلى إيقاعات وحركات غالبا ما يتمّ التدخل في توجيهها استجابة لحاجات لا علاقة لها بروح هذه الفنون.

تسمح هذه المرتكزات والمهام التي حددناها كمنطلقات لنجاح الجهوية الموسعة، بإعادة تأسيس مفهوم “الوطنية المغربية” على أسس صلبة وشاملة ممتدة في مناطق المغرب وجهاته، وتجاوز المفهوم الأورثوذوكسي الإختزالي للوطنية الذي ظهر سنة 1930، والذي تمّ نحته تحت ضغط شروط تاريخية لم تعد قائمة منذ عقود طويلة، كما تمّ تبنيه بعد الإستقلال وتكريسه في السياسة الرسمية في التعليم والإعلام والخطاب الرسمي، غير أنه لم يعد يفي بالقصد بعد التحولات الكبيرة التي عرفها المجتمع المغربي خلال نصف قرن الأخير، حيث لم تؤدّ عملية التأحيد إلى إقبار التنوع الثقافي واللغوي بقدرما عمقت أسئلته وجعلتها أكثر ملحاحية.

لقد كان مفهوم الوطنية القديم، الذي يختزل المغرب في “العروبة والإسلام” ملقيا إلى هامش النسيان بثقافة وهوية أغلبية الشعب المغربي، مفهوما يمتد من أعلى إلى أسفل، من المركز نحو الهوامش، وآن الأوان في إطار سياسة الجهوية الموسعة أن يعاد بناء المفهوم من أسفل في اتجاه الأعلى، وهو الخيار الصحيح.

وفي هذا الإطار لا بدّ من التمييز في العديد من القضايا بين ما يتمّ تدبيره والحسم فيه مركزيا قبل تصريفه في الجهات، وما يتمّ تدبيره في إطار الجهات نفسها، فاللغة الأمازيغية التي هي لغة وطنية وإرث للمغاربة كافة، لا ينبغي أن تعتبر لهجات متفرقة تترك للجهات، بل لا بد بموازاة ذلك من استكمال بناء اللغة الأمازيغية الموحدة، والتي ينبغي أن تكون لها أسوة باللغة العربية مكانتها في النظام التربوي الوطني، قبل أن يتمّ تصريفها عبر الدينامية الإجتماعية للجهات من خلال فروعها و”لهجاتها” الملازمة لثقافة الجهات بالمغرب. وهو نفس ما يتمّ بين العربية المعيار ولهجاتها.

ومن هذا المنطلق فالرأي الذي عبر عنه بعض الفاعلين الأمازيغيين خاصة بشمال المغرب، والذي هدفه تكريس لهجة “تاريفيت” كلغة قائمة الذات لجهة الريف، هو من باب التراجع المؤسف عن المبادئ التي أرستها الحركة الأمازيغية منذ عقود، كما أنه تنازل عن الخيار الأقوى بالنسبة لمستقبل اللغة الأمازيغية التي لا مكان لها في المؤسسات إلا كلغة حقيقية وطنية وموحدة. والمطلوب حاليا هو التفكير بشكل متوازن وبعيدا عن النعرات الضيقة في إيجاد الملاءمة المطلوبة بين خيار اللغة الموحدة الذي هو خيار سياسي استراتيجي ووطني لا غنى عنه، وبين خيار النهوض بالأمازيغية من خلال الجهوية الموسعة التي ستعطي دورا أكثر حيوية للهجات المحلية، والتي ستحتاج دائما إلى خزان اللغة الموحدة لكي تغتني وتتقارب وتتمعير بالتدريج.

غير أنه يجدر بنا في الختام أن نلتفت إلى أهمية الجانب القانوني من الموضوع، فالطموحات المعبر عنها أعلاه لا تتسع لها الوثيقة الدستورية المعتمدة في بلادنا، رغم التعديلات التي طالتها سنة 2011، بل يمكن القول إن الإطار القانوني ما زال ضيقا عن الطموحات المعلنة من طرف القوى الحية بالمغرب، حيث من غير الممكن الإنتقال بنجاح إلى تطبيق جهوية موسعة على أساس الوثيقة الدستورية الحالية، مما يحتم تعديلها حتى تتماشى مع الشعارات والأهداف المعلنة سواء من طرف السلطات العليا أو المجتمع السياسي والمدني.