…مصطفى المتوكل / تارودانت

 

…قد لانحتاج هنا الى التفصيل والتاصيل  في تعريف الحلال والحرام وسنكتفي بالقول البسيط بان الحلال هو كل فعل او قول او شيئ لم يحرمه الله ولا  ا لرسول  ….ذلك ان الاصل في الاشياء الاباحة كما يقول العلماء والفقهاء …فالحلال يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ..اما الحرام فيعاقب فاعله ويثاب تاركه …وفعلي يثاب ويعاقب يدخل فيه الاجر بالحسنات واضعافها والعقوبة بالسيئة …

اما في السياسة  وفي الامور الوضعية المرتبطة بالحياة اليومية والعامة فلا نقول هذا حلال وهذا حرام …بل نقول هذا مسموح به عرفا او قانونا او ممنوع ومحظور  ..ويترتب على هذا ان كل فعل او قول لم يصدر بصدده نص قانوني او قاعدة عرفية بالمنع  مع ترتيب العقوبة عليهاو عدم ذكرها  فحكمه انه مباح ولا حرج في القيام به …وهنا لا يترتب على ذلك بالضرورة ثواب دنيوي بقدر ما له علاقة بابراز تقدم في الوعي وتطور في الادراك والتربية والتمدن في مسايرة للتطور  المعرفي والعلمي و تغير في الحياة الاجتماعية …..وما دام ذلك الفعل فيه مصلحة وفائدة للناس كانوا مؤمنين او غير مؤمنين فان الشرع يرتب على  كل ما فيه مصلحة وخير ثوابا بشكر الناس واثنائهم على صاحبه كما له على ذلك حسناتتكون له يوم الحساب في ميزانه

وفي هذا قيل “…من لم يشكر ….”وروى  النعمان رضي الله عنه حديث  { من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل ، والتحدث بنعمة الله عز وجل شكر وتركها كفر …

وفي نفس السياق يدرج الفقهاء  قاعدة  ” اينما كانت المصلحة  فثم شرع الله…” مع شرط عدم اخراجها عن دلالاتها المنطقية والمعقولة …

فالحرام المنصوص عليه بشكل قطعي في النصوص الدينية يبقى دائما حراما ولا تنتفي عنه تلك الصفة بحكم او راي بشري

اما المسموح والممنوع في المجتمع المدني الذي يضبط بالعرف والعادات والثقافات الوضعية وبالقوانين والتشريعات البشرية المتلائمة مع راهنية حاجيات الانسان ومتطلبات مرحلته في جميع مجالات الفعل البشري ..فلا يصح ان نطلق عليها لفظ الحلال والحرام بمعانيها الشرعية لانه قد يكون فيها الباس الحق على فعل باطل او العكس …على اعتبار ان الحاكم او المشرع كان فردا او مؤسسة قد يلجا الى توظيف الدين واحكامه لتبرير وتمرير وفرض سياساته الظالمة او المنحرفة او الخاطئة ….فيخلط بشكل متعمد او عن جهل بشكل تعسفي بين احكام ما لاجدال في تحريمه بالنص الشرعي وبين الراي المكتوب او الصادر امر بشانه فينسب بالشطط السياسي على الدين  او بالتعسف  الى الدين الذي هو  براء منه ومنهم …

 

وهكذا عندما نغوص في تاريخنا الى ما بعد الخلافة الراشدة …سنجد غرائب وعجائب ومفارقات ما انزل بها الله من سلطان ولا يستسيغها عقل ولا منطق.. فخلط البعض خلطات تجعل الباحثين وحتى العامة في حيرة من امرهم تجاه ذلك التطاول والراي المخل بالضوابط الشرعية نفسها ….. فنجد من افتى بتحريم الانتخابات …كما نرى من افتى بتحريم عدم المشاركة فيها  حيث اعتبر بعضهم ان عدم التصويت ” حرام شرعا” …ومنهم من قال بان زيارة القدس حرام ومنهم من افتى بانها حلال …ومنهم من قال بان تغيير الجنسية حرام ومنهم من اجازذلك  …ومنهم من  قال  بتحريم الصور  ومنهم من قال بحلية ذلك ..ومنهم من كفر لابسي السراويل ومنهم من قال بالاباحة  …ومنهم من افتى بالاستشهاد من اجل المذهب في مواجهة مذهب من نفس العقيدة ومنهم من تشدد في تحريم ذلك  …ونجد في الفتاوي عددا  ضخما من الاقوال  التي تحرم اليوم ” بالدليل و البرهان”؟؟  وتحلل غدا او تراجع مواقفها” بالدليل والبرهان”؟؟ بمواقف تجعل المتتبع كان مواطنا عاديا او مهتما في حيرة من الامر  …

ان قضايا السياسة ومجالات تطبيقها ليست ثابثة ولا جامدة ولا تخضع لمعيار واحد ووحيد في الافعال التطبيقيةفي الواقع المعيش  للسياسات بل تحتاج الى مرونة ومتابعة وحنكة في تدبير المشاكل ومعالجتها وفي تقرير المنهجيات الملائمة للظرفية والمصلحة الراجحة في العلاقات داخل الدولة وفي ارتباطها بالدول والمنظمات والهيئات الدولية والعربية والاسلامية والقارية  حتى تضمن لنفسها وجودا مشرفا وقويا ومتميزا بين الامم نظرا لتقاطع المصالح وتداخلها بشكل يستحيل الفصل فيما بينها …

ونسوق هنا قصة وقعت للامام مالك مع “الاميرابو جعفر المنصور” الذي امر بتعميم “الموطا” على الامصار والزام الناس بالاخذ به..فاعترض الامام وقال ” يا امير المؤمنين لاتفعل هذا فان الناس قد سبقت اليهم اقاويل وسمعوا احاديث ورووا روايات واخذ كل قوم بما سبق اليهم وعملوا به ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم وان ردهم عما قد اعتقدوه شديد. فدع الناس وماهم عليه وما اختاره كل اهل بلد منهم لانفسهم “…وهذا من فقه الامام وتقواه ….

ففي عالم السياسة المتحول والمتغير نجد العديد من العلماء يسعون لاستمالة السلطات والانسياق معها لتبرير قراراتها ومواقفها واجراءاتها ولنا في التاريخ القديم والحديث امثلة غريبة وعجيبة كما نجد ساسة يمررون باسم الدين ما يريدونه ويلبسون سياساتهم وفق ذلك رداء “الحلال” و”الحرام “وكاننا بصدد حالات استمرار نزول الالهام التشريعي الروحي على البعض ؟؟ ….ونسوق هنا مقالة ليحيى بن سعيد  التي يقول فيها ..” ما برح المستفتون يستفتون فيحل هذا ويحرم هذا فلا يرى المحرم ان المحلل هلك لتحليله ولا يرى المحلل ان المحرم هلك لتحريمه”

ويقول ابن تيمية  كذلك ” ولكن كثيرا من الناس ينسبون ما يقولونه الى الشرع وليس من الشرع . بل يقولون ذلك اما جهلا واما غلطا واما عمدا وافتراء ”

لكل هؤلاء وغيرهم نقول ان من يحكم الناس عليه ان ينسب برامجه الانتخابية والسياسية والحكومية في الاقتصاد والاجتماع والتربية والعلاقات الدولية ووو لحزبه ونفسه فان اصاب – فرايه ضمنا يفترض فيه ان يكون خطا – فذلك لايعني ان اراء الاخرين غير صحيحة بالضرورة…وان اخطا فالخطا يجب ان يتحمل تبعاته كفرد او كحزب او كتحالف ولو حصل حوله اجماع الامة …اما ان يتمادى البعض في التحليل والتحريم السياسي فقد يصلون الى درجة تكفير من يخالفهم الراي والنصح والفكر لالشيئ الا انه خالفوا الراي السياسي الحلال او عملوا بالراي السياسي الذي سماه بعض الحكام في سياساتهم بانه حرام  وهذا هو المدخل للفتن والضلال الظلام …

ومما جاء في فلسفة التربية عند الامام علي رضي الله عنه قوله فقد قال علموا اولادكم غير ما علمتم فانهم خلقوا لزمان غير زمانكم…وفي هذه القاعدة العلمية العديد من الحكم والاشارات الثورية …

واختم مقالتي هاته بمقتطف مختصر من مقال باحد المواقع الاسلامية الدعوية …”….أما اجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم فيما لا وحى فيه ، والتى هى ثمرة لإعماله لعقله وقدراته وملكاته البشرية ،..  فنرى كيف كان الصحابة ، رضوان الله عليهم فى كثير من المواطن وبإزاء كثير من مواقف وقرارات وآراء واجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم يسألونه – قبل الإدلاء بمساهماتهم فى الرأى – هذا السؤال الذى شاع فى السُّنة والسيرة:
” يا رسول الله ، أهو الوحى ؟ أم الرأى والمشورة ؟.. ” فإن قال: إنه الوحى. كان منهم السمع والطاعة له ، لأن طاعته هنا هى طاعة لله.. وهم يسلمون الوجه لله حتى ولو خفيت الحكمة من هذا الأمر عن عقولهم ، لأن علم الله – مصدر الوحى – مطلق وكلى ومحيط ، بينما علمهم نسبى ، قد تخفى عليه الحكمة التى لا يعلمها إلا الله… أما إن قال لهم الرسول – جوابًا عن سؤالهم -: إنه الرأى والمشورة.. فإنهم يجتهدون ، ويشيرون ، ويصوبون.. لأنه صلى الله عليه وسلم هنا ليس معصومًا ، وإنما هو واحد من المقدمين فى الشورى والاجتهاد…”

(.)