عن موقع الحوار المتمدن

ا

مقدمة:
احتلت قضية الصحراء المغربية مكانة مهمة ومتميزة ضمن أولويات السياسة الخارجية المغربية, بالشكل الذي أثر بشكل كبير على الملامح الكبرى لهذه السياسة, منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي.
و قد تميزت هذه السياسة إجمالا بالاعتدال والانفتاح, وتبلور هذا الاعتدال في العديد من المناسبات الإقليمية والدولية, ونذكر في هذا السياق: الموقف المغربي الرسمي من حرب الخليج الثانية ومن قضية الشرق الأوسط.. ويبدو انفتاح السياسة الخارجية المغربية من خلال التفاعل مع المتغيرات الدولية سواء على المستوى الاقتصادي المرتبط بمحاولات تفعيل الاتحاد المغرب العربي ونسج علاقات اقتصادية مع مختلف القوى الدولية كالاتحاد الأوربي والولايات المتحدة التي تمكن من عقد اتفاقية منطقة التبادل الحر معها والسياسي عبر الانخراط في بناء مجتمع حداثي وديموقراطي, وذلك بعد تكليف عبد الرحمان اليوسفي بتشكيل الحكومة, وتوسيع هامش الحريات واحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا(1), وكذلك من خلال نسجه لعلاقات ديبلوماسية مع مختلف الدول والمنظمات الدولية, ومساهماته الفعالة ضمن أنشطة هذه الأخيرة وانخراطه في الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق السلم والأمن الدوليين وإرساء التعاون مع مختلف الدول المشاركة في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام في مختلف المناطق المتوترة في العالم ككوسوفو وهاييتي والكونغو.. وإلغاء حوالي 90 مليون دولار من ديونه المستحقة لصالح الدول الإفريقية الأكثر فقرا, خلال انعقاد القمة الإفريقية – الأوربية بالقاهرة في الثالث والرابع من أبريل لسنة 2000 (2) ورفع كل الحواجز الجمركية على الموارد المستوردة من هذه الدول.
ومعلوم أن المرجعية الدينية للمغرب المرتبطة بالمذهب المالكي وكذلك الموقع الجغرافي الهام الذي يحتله أسهما بشكل كبير أيضا في بلورة هذه الخصائص التي تميز سياسته الخارجية.
رغم الجهود الكبيرة التي بذلت بصدد قضية الصحراء المغربية التي تحقق بصددها إجماع وطني انخرطت فيه كافة القوى السياسية, والنتائج المهمة التي تحققت في هذا الإطار, تميزت مقاربة هذا الملف في البداية بنوع من الانغلاق, حيث احتكرت وزارة الداخلية تدبيره, بالشكل الذي أضفى على هذه المقاربة طابعا أمنيا حال دون مساهمة العديد من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في إغنائه وتفعيله, وقد بدا واضحا قصور هذه المقاربة في أواخر التسعينيات عندما تبين وجود عدة دول على الهامش اقتنعت بطروحات الخصوم وتجاوبت معها بشكل مثير.
وبعد تولي المعارضة لعدة مناصب حكومية في أواخر التسعينيات في مرحلة أولى, واعتلاء الملك محمد السادس للحكم, بدا أن هناك حاجة ملحة لإحداث تغيير على السياسة الخارجية المغربية وبخاصة على مستوى تدبير هذا الملف الحساس, وهو ما تبلور على مستوى عدة واجهات.
أولا: مفهوم السياسة الخارجية
إن السياسة الخارجية هي كل السلوكيات السياسية الهادفة والناجمة عن عملية التفاعل المتعلقة بعملية صنع القرار الخارجي للوحدة الدولية, فالسلوك السياسي الخارجي لأية وحدة دولية هو عبارة عن حدث أو فعل ملموس تقوم به هذه الوحدة الدولية بصورة مقصودة وهادفة للتعبير عن توجهاتها في البيئة الخارجية(3), فيما يعرفها البعض الآخر بأنها: عبارة عن برنامج عمل للتحرك الخارجي, يتضمن تحديدا للأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها, والمصالح التي تحرص على تأمينها وصيانتها, والوسائل والإجراءات التي تراها ملائمة لذلك, وفقا لما تعتنقه من مبادئ ومعتقدات, ويضيف نفس الباحث أن رسم السياسة الخارجية تبدأ ببيان الأهداف التي تسعى الدولة إلى بلوغها وفق ما تؤمن به من معتقدات, وتنتهي بتحديد الوسائل والإجراءات الكفيلة بتحقيق تلك الأهداف, وتعتمد هذه العملية على عنصرين رئيسيين: المعلومات المتعلقة برسم السياسة الخارجية وصانعو تلك السياسة(4).
أما الديبلوماسية التي عرفها قاموس أكسفورد بكونها: “إدارة العلاقات الدولية عن طريق المفاوضات, أو أسلوب معالجة وإدارة هذه العلاقات بواسطة السفراء والممثلين الدبلوماسيين”, فهي لا تضع أسس السياسة الخارجية وإنما تنفذها, وتحاول أن توفر لها الوسائل اللازمة لتنفيذها وتحقيق أهدافها(5).
وعلى مستوى بلورة هذه السياسة, فعادة ما يتم تقسيم الآليات الرسمية لصناعة السياسة الخارجية إلى مؤسسات داخلية وأخرى خارجية, فالأولى تتركز بالأساس في مؤسسة الرئاسة التي غالبا ما تحظى باختصاصات دستورية هامة في هذا الشأن( توقيع المعاهدات, اعتماد وبعث السفراء, الإشراف على المفاوضات الخارجية, التمثيل الخارجي للدولة..), ثم وزارة الخارجية باعتبارها الجهاز التنفيذي الذي يتولى تدبير الشؤون الخارجية للدولة ومتابعتها مع مختلف الفاعلين الدوليين (رعاية مصالح الدولة ورعاياها في الخارج, تمثيل الدولة في الملتقيات الدولية, تكريس التعاون مع مختلف الدول والمنظمات الدولية..).
أما الثانية, فتتركز أساسا في البعثات الديبلوماسية المنظمة بموجب اتفاقية فيينا الموقعة بتاريخ 18 أبريل 1961 والقنصلية المحددة بموجب اتفاقية فيينا الموقعة بتاريخ 24 أبريل 1963.
لقد أصبح من مهام الدبلوماسية الأساسية الخروج عن محيط العلاقة الثنائية التقليدية إلى محيط العمل لخير الإنسانية وازدياد التعاون الدولي وصيانة السلام واستقرار الأمن عن طريق تنمية العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية, وشجب ما بين الأمم والشعوب من فجوات بين التقدم والتخلف في هذه الميادين.. ولهذا أصبح نمو هذه العلاقات وحجمها رهنا بما تحدده دبلوماسية كل دولة وسياستها الخارجية من اعتبارات.. وطبيعي أن تتطلب هذه المهام الجديدة إدراكا من جانب الدبلوماسي لظروف سير الحياة الدولية في عصره, ومدى قوة ونفوذ أو تأثير دولته في هذا المضمار(6).
وإذا كانت المفاوضات هي إحدى أهم التقنيات والوسائل الدولية لتسوية المنازعات وإدارة الأزمات الدولية(7) فإن فعالية هذه الأخيرة تظل رهينة بوجود مجموعة من المهارات والاعتبارات(8):
1 – التمرس التام بالأصول والممارسات والإجراءات الدبلوماسية الشفوية والكتابية.
2 – الفهم الكامل للمشكلة محل النزاع من حيث الخلفية والظروف والتطورات والنتائج المحتملة.
3 – الفهم التام لقدرات دولته ومدى قوتها وضعفها وما يمكن استخدامه من وسائل مباشرة في حل النزاع.
4 – الفهم الواضح لطبيعة الأساليب التي يمكن استخدامها في كافة مراحل المفاوضات.
5 – القدرة على إعطاء التنازلات والوصول إلى تسوية دون التفريط بالمصالح الحيوية لدولته.
6 – الإعداد الجيد للمفاوضات من خلال المعرفة اللازمة بالأساليب التفاوضية للدولة المضيفة.. والمعرفة اللازمة بالأوضاع الإقليمية والدولية القائمة عند التفاوض.. والمعرفة الواقعية بسلوك المفاوض الرئيسي الذي يمثل الدولة المضيفة..
7 – التمتع بالصبر والجلد والمرونة والنفس الطويل.
ثانيا: الفاعلون الأساسيون في حقل السياسة الخارجية المغربية
يبدو من خلال كتابات المتخصصين في هذا المجال, أن هناك رأيان متباينان: الأول تقليدي, يركز على الفرضية التي تعتبر أن السياسة الخارجية في المغرب تظل مجالا محفوظا للملك, انطلاقا من الأساس الدستوري الذي يمنحه مكانة متميزة في هذا السياق (الفصل 19 الذي يعتبر الملك بموجبه أميرا للمؤمنين و ممثلا أسمى للأمة ورمزا لوحدتها.. والفصل 24 الذي يتيح له إمكانية تعيين الوزير الأول.. والفصل 25 الذي بموجبه يرأس المجلس الوزاري, والفصل 30 الذي يمنحه صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية والفصل 31 الذي بموجبه يعتمد السفراء لدى الدول والمنتظمات الدولية ويعتمد لديه السفراء وممثلي المنظمات الدولية, وتوقيع المعاهدات والمصادقة عليها – باستثناء تلك التي تترتب عنها أعباء مالية للدولة والتي تتطلب صدور قانون بصددها من قبل البرلمان-, ثم الفصل 74 المتعلق بإعلان حالة الحرب), وهي الإمكانيات التي تجعل من الملك ليس مجرد فاعل, بل في نفس الوقت محددا للسياسة الخارجية(9).
والثاني, حديث ويعتمد رؤية واقعية وسياسية, ويرى بأن هناك شركاء آخرين يساهمون إلى جانب الملك في نسج السياسة الخارجية المغربية, كالوزير الأول ووزير الخارجية – وبخاصة بعد صدور مرسوم 20 يناير 1995 – وباقي الوزراء ومؤسسة البرلمان من خلال الديبلوماسية البرلمانية..
فالوزير الأول بموجب الدستور المغربي, يتحمل مسؤولية تنسيق النشاطات الوزارية (الفصل 65 من الدستور) عكس ما هو عليه الأمر في الدستور الفرنسي – مثلا – الذي ينص على أن الوزير الأول يقود عمل الحكومة, الأمر الذي يجعل منه فاعلا ثانويا في هذا الشأن الحيوي, غير أن هذا الأخير بإمكانه أن يؤثر بدوره بصفة فاعلة في بلورة القرارات ذات الطابع الخارجي عبر تحركاته الديبلوماسية في الخارج وكذا من خلال ترأسه للمجلس الحكومي.
ويلاحظ أن هذه المؤسسة قد انتعشت في السنوات الأخيرة, وبخاصة بعد وصول المعارضة إلى الحكومة, حيث أسهمت في تطوير دور هذه المؤسسة على مستوى التأثير في مسار الديبلوماسية المغربية, سواء على المستوى الاقتصادي والتجاري أو على مستوى قضية الصحراء المغربية.
فقد قام الوزير الأول(عبد الرحمان اليوسفي) بعدد من الزيارات إلى مختلف الدول واستثمر علاقاته الخارجية, بالشكل الذي أسهم في تراجع حوالي 13 دولة عن اعترافها بالجمهورية الصحراوية المزعومة, علاوة على ذلك أسهم في تحسين صورة المغرب في كثير من دول العالم(10).
وبناء على مرسوم 20 يناير 1995, أصبح وزير الخارجية يتمتع بمهام وسلطات لا تخلو من أهمية على مستوى مساهمته في بلورة السياسة الخارجية للدولة, فهو يتولى مهمة إعداد وتنفيذ عمل الحكومة في الميادين التي تهم علاقات المغرب الخارجية, وذلك من خلال:
توجيه العمل الديبلوماسي والقيام بتنمية التعاون الدولي وتنسيق جميع العلاقات الخارجية والحرص على التوفيق بينها وبين سياسة المغرب الخارجية(11).
ويمكن أيضا لباقي الوزراء التأثير في السياسة الخارجية للدولة في إطار بلورة الاتفاقات التي تعقد على المستوى الثنائي أو الجماعي والتي لها علاقة بالقطاعات التي يشرفون عليها, كوزارة المالية ووزارة الصيد البحري..
كما يمكن للبرلمان أن يلعب دورا ملموسا في صياغة هذه السياسة بموجب نصوص الدستور, سواء من خلال وسيلة التشريع القانوني المرتبط بالمصادقة على بعض الاتفاقيات أو إعمال الرقابة على النشاط الخارجي للحكومة.
فالاتفاقيات والمعاهدات التي تترتب عنها أعباء مالية تتطلب موافقة البرلمان قبل مصادقة الملك عليها (الفصل 31 من الدستور), كما أن تقنيات ملتمس الرقابة أو سحب الثقة (الفصول: 75, 76, 77 من الدستور) وكذلك الأسئلة الشفوية والكتابية المتاحة لهذه المؤسسة في مواجهة الحكومة كوسيلة للرقابة.., تمكنها أيضا من المساهمة في صياغة السياسة الخارجية للدولة.
ولقد ازداد دور البرلمان في صياغة هذه السياسة في ظل التغيرات الدولية والوطنية المرتبطة بتوسيع هامش المشاركة السياسية وتفعيل الديموقراطية وتزايد دور المجتمع المدني في الحياة السياسية.
وعموما – وكما يرى أحد الباحثين- فإن هذا التنوع لا ينفي وجود هرمية تجعل من الملك المحدد الأساسي للسياسة الخارجية, اعتبارا للأدوار التي يقوم بها في النسق السياسي المغربي, غير أن ذلك لا يسمح بالقول باحتكاره لهذا المجال فتدخل الوزير الأول, وكذا وزارة الخارجية, علاوة على البرلمان, أمر تمليه الاعتبارات الدستورية والتشريعية والوظيفية, خاصة في ظل نظام سياسي يسعى إلى تشييد دولة الحق والقانون والمؤسسات(12).
ثالثا: الإطار التاريخي والقانوني لقضية الصحراء المغربية
مباشرة بعد حصول المغرب على استقلاله, أكد محمد الخامس بمحاميد الغزلان سنة 1958 على مغربية الأقاليم الصحراوية وضرورة تصفية الاستعمار في هذه المنطقة.
إلا أن المغرب لم يتمكن من طرح قضية المطالبة برحيل إسبانيا عن أقاليمه الجنوبية أمام الأمم المتحدة إلا في سنة 1964, وقد تجاوبت الجمعية العامة بشكل إيجابي مع مطالبه, عندما حثت إسبانيا على منح الاستقلال لهذه المناطق بموجب القرار 1514 المرتبط بتصفية الاستعمار.
ولقد عملت إسبانيا في بداية السبعينيات من القرن المنصرم على تشجيع المد الانفصالي بهذه الأقاليم بالشكل الذي يتعارض بشكل صارخ مع الحقوق الشرعية للمغرب على ترابه.
وفي مواجه ذلك, عمل المغرب على مواجهة هذه المحاولات وحذر كلا من الجزائر وموريتانيا من مسايرة الطرح الإسباني, وموازاة مع هذه التحركات الإسبانية سارع المغرب إلى توضيح حقوقه وشرح مواقفه و مواقف إسبانيا المعادية لدى مختلف الأطراف عربيا وإقليميا ودوليا.
وتعززت جهود المغرب تجاه تأكيد حقوقه على أقاليمه الجنوبية, بعدما أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي رأيها الاستشاري بتاريخ 16 أكتوبر 1975 والذي أكدت فيه أن الصحراء لم تكن عند احتلالها من قبل إسبانيا أرضا خلاء ولا مالك لها, كما اعترفت بوجود روابط قانونية وعلاقة ولاء (البيعة) بين بعض القبائل الصحراوية وسلاطين المغرب والمجموعة الموريتانية, غير أنه اعتبر أن هذه الروابط لا يمكن أن تلغي مبدأ تقرير المصير الشعوب كما نص عليها القرار 1514 الصادر عن الجمعية في دورتها الخامسة عشر (13). ولم يكن هذا الرأي مجرد حكم يمكن الاستناد إليه, ولكن كان أيضا حجة لإخراج هذه القضية من كهفها المظلم(14).
وأمام هذه المعطيات, نظمت المسيرة الخضراء في السادس من شهر نونبر 1975 وذلك بمشاركة 350 ألف مواطن باتجاه الصحراء, حيث اخترق المشاركون فيها الحدود التي كانت تفصل بين المغرب وهذا الإقليم تحت أنظار أفراد القوات الإسبانية, وقد شكل ذلك صفعة قوية لإسبانيا, التي أصبحت بحكم أوضاعها الداخلية لا تقدر على مواصلة مخططها الاستعماري بالإقليم, نتيجة احتضار رئيسها الجنرال فرانكو, وبداية دخولها مرحلة تحول سياسي على إثر وفاته, واستعادة خوان كارلوس العرش الإسباني(15).
وفي ظل هذه الأجواء أصدر مجلس الأمن قراره رقم 380 وأكد فيه على أهمية التفاوض بين الأطراف المعنية لتسوية النزاع طبقا للفصل 33 من ميثاق الأمم المتحدة, قبل أن يوقع المغرب وموريتانيا من جهة أولى وإسبانيا من جهة ثانية معاهدة مدريد في 14 نونبر 1975 التي أدت إلى رحيل القوات الإسبانية عن المنطقة وتقسيم إدارتها بعد ذلك بين المغرب وموريتانيا, الأمر الذي لم يرق الجزائر التي كثفت من محاولاتها وجهودها الديبلوماسية الرامية إلى التأثير على مسار القضية بعد أن فرضت نفسها من خلال جبهة البوليساريو, وحاولت الترويج لحق “الشعب الصحراوي” في تقرير مصيره في المحافل الإقليمية (إفريقيا) والدولية وجلب الاعتراف الدولي بالجمهورية المزعومة.
وبعد انسحاب إسبانيا من الأقاليم الصحراوية في 26 فبراير 1976 وبعد تخلي موريتانيا عن مطالبها في الصحراء وانسحابها منها في 19 غشت سنة 1979, تولى المغرب الإدارة الكاملة على هذه الأقاليم كجزء من ترابه, وفي المقابل نهج استراتيجية عسكرية صارمة في مواجهة الهجمات التي كانت تشنها البوليساريو. وفي نفس الوقت نهج سياسة تنموية طالت مختلف المجالات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية.. بهذه المناطق والتي لم تكن تقل في أهميتها عما كانت تحظى به الأقاليم المغربية الأخرى من عناية واهتمام, الأمر الذي أسهم في عودة العديد من قادة الجبهة السابقين إلى الوطن الأم.
وعندما أعلن الملك الراحل الحسن الثاني عن موافقة المغرب على إجراء “استفتاء تأكيدي” في الأقاليم الصحراوية خلال انعقاد أشغال مؤتمر القمة الإفريقية الثامنة ما بين 24 و 27 يونيو 1981 في نيروبي بكينيا, تحركت منظمة الوحدة الإفريقية وشكلت لجنة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء, حيث تجاوب المغرب مع هذه الآلية الإفريقية التي طالما طالبت بها جبهة البوليساريو.
وإذا كان المغرب قد اعتبرها وسيلة لتأكيد حقوقه الشرعية والتاريخية على إقليمه, فإن الجزائر رأت في هذه الآلية وسيلة للتحريض على فصل هذا الإقليم عن التراب المغربي وتشجيع طروحات الانفصال, وقد تقدمت في ذلك التحرك بأن جرت المنظمة الإفريقية إلى التنكر لآلية الحل الاستفتائي وإلى الانحراف عن ميثاقها بإقحام البوليساريو في حظيرتها في قمة أديس أبابا(نونبر 1984) (16), وأضحت بموجب هذا السلوك طرفا متواطئا في النزاع.
وهو ما دفع المغرب إلى الانسحاب من هذه المنظمة بالشكل الذي أتاح الفرصة لمنظمة الأمم المتحدة تدبير الملف وبخاصة على مستوى إيجاد حل عن طريق الاستفتاء.
رابعا: الجهود الأممية لتسوية النزاع, من استحالة الاستفتاء إلى البحث عن حل توافقي
في سنة 1988 تمكن الأمين العام السابق للأمم المتحدة السيد “بيريز دي كويلار” من إقناع المغرب والبوليساريو بمقترحاته السلمية لتسوية المشكل, الأمر الذي التي توج بالمخطط الأممي للتسوية والذي صادق عليه مجلس الأمن سنة 1991. ومن ضمن الأمور الأساسية التي نص عليها هذا المخطط هناك: وقف إطلاق النار تشرف عليه قوات الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) وإعداد الأجواء لتنظيم استفتاء(17), بعد تحديد هوية المؤهلين للمشاركة فيه, وهو ما سيعرف صعوبات جمة.
وبعد تعيين كوفي عنان لمبعوثه الأمريكي “جيمس بيكر” في مارس 1997 عمل هذا الأخير على إشراك الأطراف المعنية بالقضية (18) ضمن مفاوضات نظمت في كل من لشبونة ولندن, وهو ما أتاح إمكانية عقد اتفاقية هيوستن المرتبطة بتنظيم الاستفتاء, غير أن هذه الخطوة ستؤول إلى الفشل بفعل الصعوبات والعراقيل التي أثارتها كل من جبهة البوليساريو والجزائر بشأن الأشخاص الذين يحق لهم المشاركة في هذا الاستفتاء, الأمر جعل الدور الأممي ومشروع التسوية ينحصر زهاء عقد من الزمن (1991- 2000) في المنطقة على وقف إطلاق النار فقط.
وعلى الرغم من أن مجلس الأمن شجع في قراره رقم 1359 بتاريخ 29 يونيو الأطراف المعنية على بحث مشروع الإطار وعلى التفاوض بشأن المقترحات التي تود أن يتضمنها وكذا على بحث كل مقترح آخر للتسوية السياسية قد تتقدم به الأطراف من أجل التوصل إلى اتفاق مقبول من طرف الجميع, وفيما قبل المغرب التفاوض على أساس مشروع الاتفاق – الإطار بالمرونة اللازمة بهدف التسوية النهائية للملف, فقد اختارت الجزائر مسارا معاكسا لمقتضيات القرار ومرونة المغرب, حيث تقدمت بتاريخ 20 نونبر 2001 باقتراح للمبعوث الأممي في هيوستن يقضي بتقسيم الصحراء, وهو ما رفضه المغرب في حينه بشكل صارم “لأسباب قانونية وسياسية”.
وأمام هذه الصعوبات المتزايدة فرض على الأمم المتحدة البحث عن حل توافقي يمكن من تجاوز الإكراهات التي فرضها الحل القاضي بتنظيم الاستفتاء, حيث اقترح “بيكر” في شهر يناير من سنة 2003 على الأطراف ودون مشاورات مسبقة, مشروعه المرتبط بمخطط السلام, الذي حاول التوفيق فيه بين مقاربتين متنافرتين: مخطط التسوية ومشروع الاتفاق- الإطار, وهو ما سمي بالحل الثالث الذي حاول من خلاله المبعوث الأممي التوفيق بين مطالب الجانبين من خلال منح سكان المنطقة نوعا من الاستقلال الذاتي على المستوى التنفيذي والتشريعي والقضائي وتدبير الشؤون المحلية في أفق إجراء الاستفتاء. وقد اعتبر البعض أن هذا الحل منصفا لحقوق سكان المنطقة من خلال تمكينهم من إدارة شؤونهم في إطار لامركزية أكثر مرونة وانفتاحا, وأخذا بعين الاعتبار حقوق المغرب في وحدته الترابية وسيادته على مناطقه المسترجعة(19).
غير أن هذا المقترح ورغم تجاوب المغرب الكبير معه مع بعض التحفظات, سيعرف بدوره رفضا من قبل الجزائر والبوليساريو.
وبعد ذلك أعد المبعوث الأممي خطة أخرى للسلام, ومن ضمن ما تحدثت عنه هذه الأخيرة: “سلطة الصحراء الغربية” التي تتكون من سلطة تنفيذية يشرف عليها رئيس منتخب من طرف “شعب الصحراء الغربية” خلال السنة الأولى لبداية تنفيذ الخطة لمدة أربع سنوات أو إلى حين تغيير السلطة الحكومية بالصحراء الغربية. ويبدو الاختلاف واضحا بين “إدارة محلية” ترتكز على منطق إداري بحت و”سلطة” تقوم ضمنا على منطق سياسي(20).
وقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية الترويج لهذه الخطة والتلميح إلى إمكانية فرضها على الأطراف المعنية, غير أن المغرب أعلن رفضها, وفي هذه الأجواء تعزز الموقف المغربي بقرار مجلس الأمن رقم 1495 بتاريخ 31 يوليوز 2003 الذي دعا الأطراف إلى البحث عن حل سياسي للنزاع وأشار إلى عدم إمكانية فرض حل معين على الأطراف دون موافقتها(21).
وأمام هذه الإكراهات وفي ظل أجواء متوترة مرتبطة باستحالة إجراء استفتاء في المنطقة وتزايد تهديدات جبهة البوليساريو بالعودة للخيار العسكري وخرق اتفاق وقف إطلاق النار الذي اعتبرته مرتبطا بإجراء الاستفتاء, وتزايد تحامل الجزائر التي اعتبرت الاستفتاء هو الآلية الوحيدة الكفيلة بإيجاد حل للقضية..”(22), قدم مبعوث الأمين العام الأممي المكلف بملف الصحراء بيكر استقالته, مما أضفى مزيدا من الغموض والانتظار حول هذا الملف الذي يعتبر من أقدم الملفات الشائكة, ليخلفه بعد ذلك “ألفارو دي سوتو” الذي سبق أن كلف بالقضية القبرصية.
خامسا: من التدبير الأحادي لقضية الصحراء المغربية إلى الانفتاح المحسوب
إذا كانت مقاربة هذه القضية قد دشنت بمسيرة خضراء شكلت نموذجا لمشاركة الشعب في تدبير قضية مصيرية بالشكل الذي أعطاها بعدا من المشروعية والمصداقية, فإن ما تلا ذلك من تدبير منفرد وأحادي أثر سلبا في مسار القضية, ذلك أن الإجماع الكبير الذي حظيت قضية الصحراء المغربية لم يستثمر بالشكل المطلوب وبخاصة على مستوى الانفتاح على مختلف الفاعلين في تدبير هذا الملف الحيوي.
ومع كل ذلك فلا يمكن نفي الجهود الكبرى التي بذلتها الديبلوماسية المغربية منذ طرح القضية باتجاه استكمال الوحدة الترابية, ففي مواجهة الجزائر التي طالما وقفت إلى جانب جبهة البوليساريو ديبلوماسيا وماليا وعسكريا.. ظل المغرب يراهن على الحوار, ورغم استئناف العلاقات الدبلوماسية المغربية – الجزائرية في مايو 1988 وما تلاها من انعقاد لقمة تأسيس اتحاد المغرب العربي في مراكش بتاريخ 17 فبراير 1989, فإن العلاقات بين البلدين تميزت بالمد والجزر تبعا للتطورات التي عرفتها هذه القضية.
ومع تدشين المرحلة المرتبطة بإعداد أجواء الاستفتاء, تعامل المغرب بإيجابية مع الجهود التي قادتها الأمم المتحدة مع الحرص على حقوقه تجاه أقاليمه الجنوبية, وتفنيد مزاعم الجبهة والجزائر, وفي هذه الفترة وما قبلها تبين بشكل واضح أن الديبلوماسية المغربية المتمثلة في وزارة الخارجية لم تكن هي الطرف الأساسي في تدبير هذا الملف, فقد هيمنت عليه وزارة الداخلية التي كان يديرها السيد إدريس البصري, والذي أحكم قبضته على مجموعة من المؤسسات والاختصاصات من خلال بعض رجاله, ومن ضمنهم العامل المكلف بالتنسيق مع المينورسو, وبفعل نفوذه وعلاقته الوثيقة مع الملك الراحل, فإن القوى السياسية المغربية بمختلف مشاربها لم تنتقد هذا المنحى, بل تركت الأشياء تسير بهذه الوثيرة(23).
غير أن الملاحظ في هذه الفترة أنه وعلى الرغم من هذه التحديات التي طرحتها قضية الصحراء كملف محوري أمام الدبلوماسية المغربية, فقد ظلت الأخيرة حاضرة بقوة على مستوى المساهمة في تدبير الشؤون العربية والإسلامية والتفاعل الإيجابي مع مختلف القضايا الدولية.
غير أن الأمور ستتغير مع وصول المعارضة للحكومة في مرحلة أولى واعتلاء محمد السادس للعرش في مرحلة موالية.
فمع مجيء حكومة التناوب بدا أن هناك إرادة باتجاه تفعيل السياسة الخارجية المغربية على مستوى الانفتاح على مختلف الفاعلين السياسيين, وقد عملت بفضل ذلك على مواجهة مختلف المحاولات التي كانت تستهدف عرقلة مسلسل التسوية السلمية للقضية.
وبعد اعتلائه الحكم, عمل الملك محمد السادس على تعزيز مكانة المغرب دوليا والدفاع عن الوحدة الترابية.. وتعميق البعد التضامني والإنساني للدبلوماسية المغربية في المساهمة الفاعلة لوضع ضوابط وأخلاقيات دولية بناءة دفاعا عن القضايا التنموية لبلدان الجنوب وخاصة في إفريقيا, وذلك بالموازاة مع “العمل المتواصل لدعم علاقات المغرب في محيطه وتوسيع دائرة علاقاته السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية سواء على المستوى الجهوي أو الدولي”(24).
وتأكدت هذه الرغبة في خطاب 20 غشت عندما أكد الملك محمد السادس على ضرورة: “تأهيل جهازنا الديبلوماسي وتحديثه وتجديده وإعادة انتشاره, ويتعين أن تشمل هذه الإصلاحات في نفس الوقت كلا من هياكل وزارة الخارجية والتعاون ومهام التحريك والتنسيق والمتابعة المنوطة بها, وكذا أنشطة هيئاتها الديبلوماسية والقنصلية وأساليب عملها”, وهو ما عملت وزارة الخارجية على بلورته ميدانيا.
ومن جهة أخرى, تبين في ظل هذه المتغيرات أن هناك إرادة ملكية تهدف نهج مقاربة جديدة لملف الصحراء تهدف إشراك بعض الفاعلين, وتحاول إيجاد حل للقضية من خلال الإدماج الديموقراطي.. وقد تم في هذا الصدد الحد من الدور المهيمن لوزارة الداخلية بعد إقالة وزير الداخلية السابق السيد إدريس البصري, وإشراك وزارة الخارجية في تدبيره وتعيين سفير منسق لدى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو).
وفي ظل هذه المحاولات التي تنبئ بتوجه جديد للسياسة الخارجية نحو قضية الصحراء, حاول مختلف الفاعلين تكثيف جهودهم باتجاه تدبير فاعل للملف.
فالملك محمد السادس ومن خلال خطبه ولقاءاته بمختلف القادة والزعماء ظل يؤكد على حقوق المغرب التاريخية في صحرائه, وعبر عن استعداد المغرب نحو بلورة حل سياسي ينهل مقوماته من التحولات الديموقراطية التي يشهدها المغرب, وبشكل لا يتعارض مع سيادته تجاه هذه الأقاليم.
وقد جاءت الزيارة الملكية إلى العديد من دول أمريكا اللاتينية – بما فيها دول تعترف رسميا بالجبهة – في شهر دجنبر 2004 لتدشن مقاربة جديدة أكثر فاعلية ونجاعة في إدارة هذه القضية, فقطع العلاقات أو تحجيمها وسد أبواب الحوار مع الأطراف التي تعترف ب”البوليساريو”, يمكنه أن يأتي بنتائج عكسية تماما, فحقوق المغرب على صحرائه ثابتة ومؤكدة, والمغرب بحاجة إلى إيصال تصوراته إلى هذه البلدان, كما أن من شأن تأسيس علاقات متينة مع هذه الدول تتجاوز العلاقات الديبلوماسية السطحية إلى علاقات اقتصادية وثقافية متينة ودينامية تنبني على تبادل المصالح عوض المجاملات.. أن ينعكس إيجابا نحو بلورة مواقف إيجابية من قضية الوحدة الترابية(25). ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس إلى عدد من دول إفريقيا في شهر مارس 2005.
وعلى مستوى مؤسسة الوزير الأول, ومع تقلد السيد عبد الرحمان اليوسفي مسؤولية هذا المنصب, عمل هذا الأخير على تعزيز العلاقات المغربية مع العديد من الدول في مختلف الميادين والمجالات, وبخصوص قضية الصحراء استثمر العلاقات التي كانت تربطه مع مختلف الزعماء في كل من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأوربا وجولاته وزياراته المتعددة إلى مختلف البلدان, للتعريف بالقضية ومن كسب تعاطف وتجاوب العديد من الدول مع حقوق المغرب تجاه الصحراء, بالشكل الذي أسهم في تراجع عدد كبير من الدول عن اعترافها بالجمهورية المزعومة للبوليساريو.
أما بخصوص الديبلوماسية البرلمانية فقد استفادت من توسع هامش الحريات والديموقراطية الذي عرفه المغرب في السنوات الأخيرة, فرغم ضيق الهامش القانوني الذي يؤطر مشاركة البرلمان في صناعة القرار الخارجي للمغرب, إلا أن هذه المؤسسة تمكنت من خلال بعض التحركات تحقيق مجموعة من المكاسب الإيجابية لصالح القضية.
وفي هذا الصدد يقول السيد عبد الواحد الراضي رئيس مجلس النواب(26): “خلال الولاية التشريعية الحالية (1997-2002) حرصنا على أن نعطي للديبلوماسية البرلمانية المغربية ولعلاقات واتصالات المجلس الخارجية نفسا وبعدا جديدين, مستغلين جميع علاقاتنا العربية والأوربية والمتوسطية والأمريكية ومع دول العالم الثالث من أجل الدفاع عن قضايانا الوطنية”.
وقد أسهمت هذه الديبلوماسية من خلال دحض المزاعم الانفصالية للخصوم أمام مختلف المجموعات والشخصيات البرلمانية ومواجهتها بالدلائل والحقائق القانونية والتاريخية والميدانية في تراجع العديد من الحكومات عن مواقفها المعادية لقضية الصحراء المغربية.
فقد “حرص المجلس على تحسيس مختلف البرلمانات الوطنية بمشروعية هذه القضية.. ومحاصرة خطط مرتزقة البوليساريو ومن يقف وراءهم في عدد من المواقع, وخاصة في البرلمان الأوربي الذي أنشأ المجلس مع أعضائه فريقا خاصا, شكلت قضية الوحدة الترابية للمملكة أهم محاور اتصالاته.
ووقف المجلس في وجه أي محاولة لتواجد المرتزقة في أي من المنظمات البرلمانية الإقليمية والدولية, كما حاصر وتصدى لأي محاولة لإثارة هذه القضية من غير زاوية نظر الشرعية التاريخية المؤكدة لمغربية الصحراء(27)”.
وفي ضوء هذه المعطيات, وأمام المحاولات الجزائرية الرامية لعرقلة أية تسوية للمشكل, وجه المغرب بتاريخ 26 شتنبر من سنة 2004 مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة, أكد فيها أن الجزائر ومنذ بداية السبعينيات من القرن المنصرم وهي تستهدف بسلوكاتها ومواقفها النيل من الوحدة الترابية للمغرب, حيث “اتخذ تورط الجزائر في قضية الصحراء أشكالا عديدة ومتنوعة: التزام عسكري ودعم مالي ولوجيستيكي وتعبئة وتأطير ديبلوماسيين ومخالفات للقانون الدولي الإنساني”. وجاء في المذكرة أيضا أنه ومباشرة بعد تكليف السيد “ألفارو دو سوتو” من قبل الأمين العام للأمم المتحدة بمهمة “مواصلة العمل مع الأطراف ومع بلدان الجوار من أجل البحث عن حل سياسي عادل ودائم ومقبول من طرف الجميع.. لوحظ بكثير من الأسف أن بعض الأطراف المعنية بهذا النزاع تقوم بحملة ديبلوماسية مفاجئة مرفوقة بتعاليق خاصة ومن نوع جديد والتي تهدف على ما يبدو إلى مزيد من التأخير في التوصل لأي حل سياسي توافقي ونهائي”(28).
وكرد فعل على مختلف الحملات الدعائية المغرضة الجزائرية التي استهدفت سمعة المغرب وحقه في استكمال وحدته, جاء في المذكرة: “أن وضع المغرب تجاه الصحراء ليس علاقة دولة أجنبية أو قوة محتلة كما زعم الرئيس الجزائري في رسالته الموجهة للأمين العام للأمم المتحدة والمنشورة في 18 غشت كوثيقة رسمية للجمعية العامة.. وإلى مجلس الأمن.. وهذا المفهوم ليس له أدنى علاقة بالوضع في الصحراء, حيث لم تكن هناك أي حرب مع دولة أخرى ولا أي احتلال لتراب هذه الأخيرة”(29).
ورغم نجاح الخصوم في التأثير على مواقف بعض الدول إزاء الوحدة الترابية مثلما هو الشأن بالنسبة لجنوب إفريقيا التي اعترفت بما يسمي بالجمهورية الصحراوية, فقد نجحت الديبلوماسية المغربية بشكل موازي أيضا في إقناع صربيا ومونتنغرو بسحب اعترافهما بهذه الجمهورية المزعومة.
وتمكنت في هذه الفترة أيضا من تحييد الدور الأمريكي وكسب مزيد من الدعم الفرنسي والإسباني وبخاصة بعد رحيل حكومة أثنار ومجيء ثاباطيرو.
ومن جهة أخرى تبين أن التطورات الأخيرة التي لحقت قضية الصحراء وما فرضته على المغرب من تحديات وأولويات, أثرت بشكل سلبي على مستوى تراجع المشاركة الفاعلة للديبلوماسية المغربية ومبادراتها في تدبير القضايا العربية والإسلامية والدولية.
سادسا: نحو سياسة خارجية مغربية أكثر انفتاحا وفعالية
رغم ما تحدثنا عنه بصدد المحاولات الرامية إلى الانفتاح على مختلف القنوات الأخرى باتجاه المشاركة في تدبير قضية الصحراء المغربية خارجيا, إلا أن هذه الجهود تظل بحاجة إلى مزيد من التعزيز والتأطير الدستوريين, بالطريقة التي تفتح آفاقا كبرى وواسعة أمام هؤلاء الفاعلين لمزيد من المساهمة المباشرة في بلورة كل القرارات الخارجية للدولة الأساسية منها والثانوية.
ورغم ما عرفته السياسة الخارجية المغربية على مستوى تدبير قضية الصحراء من بعض النتائج الإيجابية, وتدبير يتسم بضبط النفس والاقتناع بأهمية الخيار السلمي بعيدا عن كل تصعيد عسكري قد يغرق المنطقة في صراعات خطيرة(30), إلا أن نتائجها لم تكن بحجم الإمكانيات المتوفرة للمغرب وبحجم الإجماع الوطني الذي يحظى به هذا الملف وبخاصة على مستوى الانفتاح باتجاه إشراك فعاليات وشركاء آخرين لإثراء وإغناء تدبير هذا الملف, الأمر الذي عرضها لعدة هفوات (مثلا لم يتم استثمار ضعف إسبانيا – التي لا تزال تحتل مناطق أخرى من المغرب- قبل كسب العضوية في الاتحاد الأوربي لتنضم بشكل واضح إلى صف المغرب باتجاه استكمال وحدته الترابية باعتبارها الدولة المحتلة) وتنازلات أثرت بشكل ما في مسار هذه القضية الحيوية.
فإذا كانت الجزائر تراهن على مجموعة من الأوراق كالنفط في سبيل عرقلة مسلسل التسوية في المنطقة وتوظيفها كوسيلة لإغراء بعض الدول للانضمام إلى طروحاتها, فإن المغرب يملك بدوره مجموعة من الأوراق بإمكانه توظيفها باتجاه دحض مزاعم وطروحات الخصوم, فهناك الإجماع الوطني حول هذه القضية والذي انخرطت فيه مختلف الفعاليات السياسية والثقافية والجمعوية, وهنالك كذلك أهمية وضرورة السير الجدي نحو تعزيز الحقوق والحريات وتكريس الممارسة الديموقراطية وتفعيل الجهوية واللامركزية, واستثمار العلاقات الجيدة للمغرب مع مختلف الدول العربية والإسلامية والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة وإقناع الأطراف التي طالما رفعت مواقف مناهضة للوحدة الترابية للمغرب, بأهمية وجود مغرب مستقر وقوي بالنسبة إليهم أيضا(31).
وإذا كان الخصوم قد تحركوا بفاعلية على مستوى الترويج للطروحات الانفصالية من خلال تجنيد قنوات هيئات المجتمع المدني في هذا الشأن, فإن المغرب وبفضل جالياته المتواجدة بمختلف دول العالم والمقتنعة والمؤمنة بشرعية قضية الصحراء – شأنها في ذلك شأن كل المغاربة- قادرة على الانخراط الإيجابي في دحض طروحات الخصوم والترويج للقضية من وجهة نظر المغرب, وهو ما يتطلب تنسيقا وتواصلا دائما بين هذه الجالية وبين البعثات الديبلوماسية والقنصلية المغربية في الخارج, كما أن الطفرة النوعية التي يعرفها المجتمع المدني المغربي بإمكانها المساهمة بشكل ملموس في هذا الاتجاه.
تخللت السياسة الخارجية العديد من العوامل التي حدت بشكل كبير من فعاليتها في علاقتها بقضية الوحدة الترابية, فمعظم علاقات المغرب الديبلوماسية والاقتصادية والتجارية والثقافية, كانت تتركز نحو دول أوربا, في حين لم تحظ مختلف دول العالم بنفس الاهتمام, ولعل من تداعيات ذلك هو فتح المجال “للخصوم” من أجل تقديم معطيات مغلوطة ومزيفة لهذه الأطراف بالشكل الذي يجعلها تقتنع بطروحاتهم ومواقفهم من قضية المغرب الترابية.
كما أن الإجماع الذي تحظى به قضية الوحدة الترابية في أوساط المجتمع المغربي بكل فعالياته وفئاته, لم يستثمر بشكل أكثر خدمة لهذه القضية ذاتها, ولعل من شأن انفتاح المسؤولين على مختلف الفعاليات السياسية والاقتصادية وفعاليات المجتمع المدني والمثقفين والباحثين والاستئناس بمواقفهم وآرائهم واجتهاداتهم وجهودهم.. أن يقوي هذه الدبلوماسية ويثري مردوديتها(32).
وفي هذا السياق ينبغي استثمار كل الإمكانات المتاحة ومشاركة مختلف الفاعلين في تدبير هذا الملف واستثمار العلاقات المغربية مع مختلف القوى الدولية الكبرى, كالولايات المتحدة باعتبارها فاعلا محوريا في العلاقات الدولية والتي تربطها بالمغرب علاقات تاريخية طيبة(33), وبخاصة بعد توقيع اتفاقية التبادل الحر(34) وانخراط المغرب في الحملة “الدولية” التي تقودها الولايات المتحدة لمكافحة “الإرهاب” واعتبارها المغرب حليفا استراتيجيا لها خارج حلف الناتو, ثم العلاقات مع إسبانيا في ظل حكومة ثاباطيرو وبخاصة وأن البلدين كانا حريصين على توقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار سنة 1991, كما أن إسبانيا تشكل الشريك الاقتصادي للمغرب بعد فرنسا, وتحتضن عددا كبيرا من المهاجرين المغاربة وتجمعهما معا ملفات وقضايا مشتركة من قبيل: مسألة مكافحة الإرهاب والمخدرات, وقضية الهجرة وملف الصيد البحري (35).

الهامش:

1- تبلور هذا التوجه بشكل كبير في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات, حيث تم تأكيد هذه الرغبة في ديباجة الدستور المغربي.
2- إدريس لكريني: القمة الإفريقية – الأوربية وحوار الفقراء والأغنياء, جريدة الميثاق الوطني، المغرب، بتاريخ 28 أبريل 2000
3- زايد عبيد الله مصباح: الديبلوماسية, دار الجيل, بيروت/ دار الرواد, ليبيا, الطبعة الأولى 1999 ص 31
4- عطا محمد صالح زهرة: في النظرية الديبلوماسية، منشورات جامعة قار يونس, بنغازي, ليبيا, الطبعة الأولى 1993, ص 20
5- زايد عبيد الله مصباح: مرجع سابق, ص 32
6- عز الدين فودة: ما الديبلوماسية ؟ الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر 1971, ص 74 و ص 75
7- أنظر في هذا الشأن: إدريس لكريني: إدارة مجلس الأمن للأزمات العربية في التسعينيات, أزمة لوكربي نموذجا, أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق, قانون عام, كلية جامعة محمد الخامس, أكدال, الرباط 2001 غير منشورة, ص 24 و 25
8- باسل رؤوف الخطيب: المفاوضات الدبلوماسية التقليدية, مجلة الدراسات الديبلوماسية, العدد السادس 1990, معهد الدراسات الديبلوماسية للخارجية السعودية, ص 22, مأخوذ عن الحاج محمد غومريس, السياسة الخارجية المغربية مقاربة إبستمولوجية وتجريبية, دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع, الرباط, الطبعة الأولى 2001, ص 60 وما بعدها.
9- الحسان بوقنطار: السياسة الخارجية المغربية, الفاعلون والتفاعلات, شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع, طبعة 2002, ص 17
10- الحسان بوقنطار: مرجع سابق, ص 31
11- أنظر نص المرسوم كاملا ضمن: الحاج محمد غومريس, المرجع السابق, ص 96 و ما بعدها.
12- الحسان بوقنطار: مرجع سابق, ص 16
13- الحسان بوقنطار: مرجع سابق, ص 59
14عبد الهادي مزراري: الصحراء المغربية, قرار الملك والشعب, مطبعة النجاح الجديدة 1997, ص 45
15- الطاهر النوفالي: الصحراء المغربية بين مشروعية الاندماج ومشروع الانفصال, ص28
16- حسن عبد الخالق: البوليساريو لعبة تحت المجهر, مطبعة إليت, الرباط 1992 ص 5
17- اعتبر المغرب هذا الاستفتاء تأكيديا لمغربية الصحراء, فيما اعتبرته جبهة البوليساريو والجزائر بمثابة مدخل لتقرير المصير والانفصال.
18- تبعا لمخطط التسوية, يعتبر المغرب وجبهة البوليساريو طرفان معنيان بنزاع الصحراء, والجزائر وموريتانيا طرفان ملاحظان باعتبارهما تأويان لاجئين فوق ترابهما. انظر: الطاهر النوفالي, مرجع سابق, ص 116
19- أحمد بودراع: نزاع الصحراء المغربية, خطة بيكر الثانية تبدد فرص السلام الموعود, دفاتر سياسية, المغرب, عدد 59 دجنبر 2003, ص 18
20- أحمد بودراع, مرجع سابق ص 18
21- وقبل ذلك عقد لقاء بين الملك محمد السادس والرئيس الأمريكي جورج بوش على هامش انعقاد الدورة 58 للجمعية العامة, حيث أوضح هذا الأخير أن الولايات المتحدة لا تنوي فرض حل معين على المغرب دون رضاه.
22- جاء ضمن أحد التصريحات للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والمعادية للوحدة الترابية أن: “وجود الأمم المتحدة في الصحراء لا يمكن أن يتحول بسبب ما اعتبره عرقلة المغرب لعملية السلام, إلى مجرد عملية لمراقبة “الاحتلال الاستيطاني”.
23- الحسان بوقنطار: مرجع سابق, ص 67 و 68, وفي هذا الصدد أيضا ذكر الأستاذ عبد الهادي بوطالب أن القرارات الجوهرية المتعلقة بهذه القضية اتخذها الملك الراحل الحسن الثاني, فلم يكن يحيط بها إلا بعض المقربين. أنظر: الحسان بوقنطار: المرجع السابق أيضا, ص 18
24- جاء ذلك في كلمة السيد الطيب الفاسي الفهري, الوزير المنتدب في الشؤون الخارجية بمناسبة افتتاح اليوم الوطني للديبلوماسية المغربية, الرباط بتاريخ 08-05-2003
25- أنظر في هذا الشأن: إدريس لكريني في حوار مع جريدة الأحداث المغربية بصدد الزيارة الملكية للعديد من دول أمريكا اللاتينية. عدد 2142 بتاريخ 07- 12- 2004
26- حصيلة أشغال مجلس النواب, الولاية التشريعية 1997- 2002, العلاقات الخارجية والديبلوماسية البرلمانية, منشورات مجلس النواب 2002 ص 3
27- حصيلة أشغال مجلس النواب, مرجع سابق, ص359
28- مقتطف من المذكرة التي وجهها المغرب إلى الأمين العام للأمم المتحدة, منشورة ضمن جريدة الاتحاد الاشتراكي, المغرب, عدد 7715 بتاريخ 27 شتنبر2004
29- المذكرة التي وجهها المغرب إلى الأمين العام الأممي, المرجع السابق
30- يعتقد البعض أن قضية الصحراء انفردت بخاصية أساسية وهي “السلام” بحيث أن المسيرة الخضراء أعطت كل الدلائل على أن المغرب لا يريد الدخول في مسلسل المواجهة أيا كانت الظروف, سواء تعلق الأمر بالخصوم المرتزقة أو بالقوى الدافعة في المنطقة وخارجها. عبد الهادي مزراري: مرجع سابق ص 84
31- في هذا الصدد يرى أحد الكتاب: أن المغرب لو تخلص من هذا المشكل المفتعل, لكان بوسعه أن يتحرك بكل حرية لضمان مواقف أكثر جرأة, تساعد من ناحية على ضمان الاستقرار في الجزائر واعتراض سبيل العدوان الدولي على الجماهيرية الليبية, كما يكون بإمكان الجزائر أن تفرض مواقف أكثر ثقلا على مستوى علاقات الاتحاد بالدول والمجموعات الأخرى.. كما يكون أيضا بإمكان ليبيا أن تتحرك بالسياسة التي تجلب أفضل النتائج.., عبد الهادي مزراري: مرجع سابق, ص 165
32- أنظر في هذا الشأن: إدريس لكريني في حوار مع جريدة الأحداث المغربية, بصدد الزيارة الملكية للعديد من دول أمريكا اللاتينية, مرجع سابق
33- حيث كان المغرب أول دولة تعترف باستقلال الولايات المتحدة, كما أن أول اتفاقية وقعتها هذه الأخيرة مع دولة أجنبية, كانت اتفاقية الصداقة والتعاون مع المغرب, كما أن أول بعثة ديبلوماسية أمريكية جرى افتتاحها, كانت في المغرب أيضا. أنظر نص الحوار الذي أجرته جريد الخليج (الإمارات) مع وزير الخارجية والتعاون المغربي محمد بنعيسى, منشور بتاريخ 08-08-2004
34- يعد المغرب أول دولة إفريقية وثاني دولة عربية توقع هذا الاتفاق مع الولايات المتحدة.
35- أنظر إدريس لكريني في حوار مع أسبوعية البيضاوي (المغرب) بصدد تطور العلاقات المغربية الإسبانية, العدد 106 بتاريخ 09 يونيو 2004
ملحوظة: هذه الدراسة نشرت بمجلة التاريخ العربي، جمعية المؤرخين المغاربة، الرباط، عدد 35 صيف    2005 .

الخميس 25 ابريل 2013