المغرب العربي.. هل تتجاوز بعض الأطراف أوهام الماضي؟

عبد الرحمن العمراني


المعروف والمفهوم في أدبيات الاندماج الجهوي أن بناء الوحدات الاقتصادية والاستراتيجية وتعهدها بما يفضي الى ا لاستقرار والنجاح، يتوقف الى حد بعيد على الزعامة أو الزعامات السياسية – زعامات قوية تلهم البناء وتمده بمقومات الاستمرار بما يجعله مركز جذب وجاذبية بالنسبة للشعوب المعنية بالبناء الوحدوي .
والشاهد أن زعماء المغرب العربي وقتها فهموا وكانوا مستوعبين تماما لهذا المقتضى والمتطلب حينما بادروا الى عقد لقاء طنجة التاريخي، وتواعدوا على جعل هذا المشروع الكبير أولوية في أجندتهم السياسية.
والواضح كذلك من أدبيات الاندماج الجهوي ومراجعه التطبيقية أن مفهوم الزعامة السياسية لا يعني، ولا يقبل أن يتحول الى رغبة طرف من أطراف المجموعة في أن ينفرد أو يتفرد كقوة إقليمية، بما يجعل المجموعة ذاتها مجرد عنوان لهذه القوة الإقليمية أو أحد مظاهرها المعلنة.
وهكذا مثلا، فإن قوة الزعامة السياسية وعنفوانها عند انطلاق تجربة الاتحاد الاوربي في بدايتها الاولى مع مجموعة الفحم والحديد، تمت في إطار تفاهم بين البلدين الأوربيين الرئيسيين اللذين شكلا وقتها قطب رحى المجموعة، أي المانيا وفرنسا. ولم يخطر ببال أحد ضمن البلدين أن يجعل من هذه المجموعة مرتكز قوة إقليمية قد لا تكون فيها المجموعة سوى العلامة الظاهرة. مثل هذا لم يحدث في أول تجربة اندماج حديثة ناجحة.
ولم نسمع في تجربة الميركسور ولا في تجربة الأسيان. في كل من الفضاء الامريكولاتيني والفضاء الآسيوي أي أحد من الأقطار سعى للاستفراد بالمركز الاقليمي الاول، أو القوة الاقليمية المهيمنة باسم الزعامة السياسية. وبذلك ضمنت الاطراف المكونة للمجموعتين التوازن الذي دفع بالبناء الى الامام. وجعل على سبيل المثال المبادلات التجارية البينية داخل المجموعة الامريكولاتينية «الميركسور» تتضاعف عشر مرات في ظروف عقدين من الزمان.
ولم نسمع ضمن مجموعة الأسيان الاسيوية، وفيها قوى إقليمية حقيقية، أن أحد الاطراف، أطل برأسه فوق الجميع مطالبا – أو مهددا بممارسة دور ريادي.
وضمن المجموعة الافريقية ورغم هزات وانتكاسات عرفتها مسلسلات الوحدة والإدماج بعد فترة الخمسينيات والستينيات على إثر انتصار القطريين (نموذج الرئيس هوفويت بوانيي) على الوحدويين (نموذج الزعيم الراحل كوامي نكروما) فإن الأمور استقرت في النهاية على تطور إيجابي خلال العقدين الأخيرين: وهكذا مثلا، ففي مجموعة التعاون الاقتصادي لدول غرب افريقيا «إيكواس»، وهي أهم تجمع جهوي بخمس عشرة دولة وبين أعضائها الفرانكوفيين والانجلوفونيين ما بينهم من ملابسات التاريخ وظروف المرحلة الاستعمارية، لم نسمع أن قطرا عبر بالتصريح أو بالتلميح أو بالعمل، ما يفيد أنه يعتزم استخدام المجموعة لأغراض القوة الاقليمية أو الزعامة الجهوية.
في المغرب العربي سارت الأمور في اتجاه معاكس تماما، وبما جعل المشروع المغاربي ورشا مؤجلا باستمرار، سنوات فقط بعد انمحاء أثر تلك المرحلة المتوهجة التي كان لقاء طنجة التاريخي سنة 1958 إحدى علاماتها البارزة والمضيئة.
لماذا هذا الاستثناء وما الذي يفسر هذا التعثر المتكرر الذي جعل الظنون تخيب والآمال تخبو بعد أن صدقنا لفترة، بعد التوقيع على اتفاقية مراكش، أننا دخلنا منعطفا جديدا قد ينفض الغبار عن هذا المشروع. منعطف اعتبرنا أن ظروف نهاية الحرب الباردة قد تكون ساعدت عليه.
لماذا هذا الاستثناء المغاربي في تجارب الاندماج؟
من المؤكد أن الجواب لا يمكنه أن يكون إلا جوابا مركبا يستحضر الماضي البعيد والقريب قدر استحضاره للحاضر الماثل، ويدمج الأبعاد الاقتصادية بالجوانب والمستويات السياسية، ولكننا نود التأكيد هنا على معطى نعتبره حاسما في موضوع هذا التعثر، له صلة بفهم معين لبعض الأطراف للزعامة السياسية: لقد فهم الحكام الجزائريون وحولوا الفهم إلى عقيدة أن الزعامة السياسية الضرورية لبناء الوحدة الجهوية تعني لعب الدور الاقليمي الأول في المنطقة، مدفوعين بمقدرات الغاز والبترول وبعض من مرتكزات نزعة عالم ثالثية جرى توظيفها خلال أوج قوتها خلال السبعينيات، وانتقلت العدوى خلال مرحلة معينة إلى ليبيا القذافي ولم يكن ذلك فهم الشعوب، بل كان فهم نظم سياسية أتخمتها السلطة الزائدة وزكتها استقطابات القوة والنفوذ خلال مرحلة الحرب الباردة.
والنتيجة الآن تعثرات مشروع مؤجل باستمرار وآمال مجهضة وقدرات موقوفة الفعالية، واستمرار أوهام الدور الاقليمي الأول المعرقلة بالعناد لكل فهم متجدد لحقائق العصر من طرف حكام الجزائر.

…عن موقع جريدة الاتحاد الاشتراكي4/27/2013