متابعات … من مخاطر الحكومة «الملتحية» على الوطن

محمد بوبكري

لا يمنح وصول تنظيم سياسي معين إلى الحكومة شرعية فعل ما يرغب في فعله، والانفراد بالتعبير عن المجتمع طالما لم يتمكن من إنجاز ما وعد بإنجازه قبل دخوله إلى الحكومة. فالإنجاز هو أساس الشرعية لأية حكومة، حسب ظروفها وأهدافها ومطالب مجتمعها.. فما الذي تم إنجازه من قبل دعاة الإسلام السياسي الذين وصلوا إلى الحكومة بدعم أجنبي؟
يلاحظ المتتبعون للشأن العام في بلادنا أن المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية تتراكم دون حل، ولم تقم هذه الحكومة بمعالجتها بالمنطق الذي يؤدي إلى الإنجاز، إذ لم تتقدم لحد الآن بأي مشروع مُهَيكِل. كما أنَّ بلدنا يعاني كثيرا في عهدها من ضعف كبير في مجال التشريع لأنها جامدة خاملة لا تُطور أي مشاريع ولا تعرف سبيلا للإنجاز، بل إنها لا تتوقف عن تجويع الشعب المغربي وتجهيله وتشريده، وقد تتخذ قريبا قرارات ستكون لها انعكاسات كارثية عليه من شأنها أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار.
يعود ذلك إلى افتقارها إلى الخبرة في المجالين السياسي والاقتصادي، علما بأن السياسة تسبق الاقتصاد، إذ يشكل الفكر السياسي أساس الاختيار الاقتصادي وهو الذي ينير طريق سفينته ويرشدها…
ليست هذه الحكومة مؤهلة لهذه المرحلة، لأن إطارها المرجعي لا يمكنها من امتلاك مشروع سياسي واقتصادي قابل للإنجاز ومساير لروح العصر، إذ أنها لا تنهل إلا من فكر فقهاء القرون الوسطى الذي لن يحل أبدا مشاكل هذا العصر. وما يدلّ على ضياعها وشرودها هو أنها لا تعي تناقضاتها الصارخة، حيث تدَّعي الإسلام لكنها في الوقت نفسه لا تطبق إلا شريعة صندوق النقد الدولي، ما يكشف عن تهافتها وانقلابها على ذاتها وتوغلها في إغراق الوطن في أوحال الديون التي كانت تعتبرها ربا، وتعميقها لتبعيتنا للغرب الذي كانت تنعته بالطاغوت. وهذا ما يفسر عدم امتلاكها لأي خيال ولا أي قدرات خلاقة، فانحصر أداؤها في انتظار تعليمات المؤسسات المالية الدولية المطلوب منها تنفيذها، وإلقاء اللوم على الشعب مُحَاولة إيهامَه بأن مشكلاته أخلاقية وليست سياسية ولا اقتصادية ولا اجتماعية… !
لا تعي هذه الحكومة «الملتحية» أنها تعيش في عصر تغيرت فيه النظريات السياسية والاقتصادية، ما يجعلها تشكل سببا أساسا في تعميق الأزمة، وتجميد التحرك، وضرب الحريات، والعجز عن تحقيق أي إنجاز، خاصة في المجال الاقتصادي. وهي لا تدرك أن التنمية الاقتصادية لا تنهض إلا على استراتيجية تنموية، بناء على توافق مجتمعي، إذ يطورها أهل الخبرة والتخصص، وأصحاب العلم والمعرفة وذوو العقول القادرة على الإبداع والابتكار. فلا يتحقق النجاح في عصرنا هذا بتدوير الأفكار المرتبكة أو الأدعية، وإنما بإطلاق الخيال، وابتداع رؤى ومشاريع ملائمة لعصرنا الحالي ومتغيراته، مع إلمام المسؤولين بطبيعة العالم وما يجري فيه من تحولات على مستوى الأفكار والنظريات السياسية والاقتصادية، وأسباب نجاح الدول الصاعدة في تجاوز مشكلاتها المزمنة وتقدمها وازدهارها.
لقد بدأت هذه الحكومة عهدها بمواجهة حقيقة واضحة، وهي مهمة الإصلاح التي يلزمها مشروع وطني يشكل قاطرة لسير المجتمع في اتجاه التنمية والتقدم. لكن، لا يمكن صياغة هذا المشروع من قبل فريق بمفرده، لأنه يحتاج إلى رؤى وأفكار متنوعة يبتكرها ذوو التخصص، والخبرة، والمعرفة من أجل النهوض بجميع قطاعات المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وتعليميا ومعيشيا وصحيا… ونظرا لغياب ذلك، فقد توالت سلاسل الأخطاء نتيجة إدارة قطاعات الحكومة ومؤسساتها بلا مشروع أو برنامج سياسي واقتصادي، وظهور تردد وجمود يثيران الشكوك في من يملك القرار، ما نجم عنه خلط في مسارات الأمور أضعف الثقة في عملية صناعة القرار السياسي، فأصبحنا نرى في عيون المواطنين يأسا وغضبا خشية من استمرار استفحال الفقر والجهل… وقد يؤدي الاستمرار في الخطأ وعدم استئصال أسبابه إلى اتساع دائرة الغضب، مما يجعل سلوك الحكومة مرفوضا أخلاقيا ووطنيا… لذا، فإني، من فرط ظلم هذه الحكومة «الملتحية» للشعب المغربي، أشعر أن شيئا خطيرا سيحدث، وأن بوادره بدأت تتحرك في أحشاء الوطن، لأنه متى حلك الليل أنبأ بمرحلة عصيبة تهدد الاستقرار.
تتشدق الحكومة «الملتحية» باسم الإسلام آناء الليل وأطراف النهار، ويدَّعي زعماؤها أنهم وحدهم وكلاء السماء على هذه الأرض! ولم يتوقفوا عند حد التعبير عن رأيهم الذي نختلف معهم فيه، بل إنهم بدأوا بتكفير كل من جادلهم الرأي وعبَّر عن رأي مخالف أو معارض لرأيهم، ما يعني أنهم يطالبون بتطبيق حد الردَّة الدنيوي الذي لا وجود له في القرآن الكريم ولم يطبقه الرسول في حياته، حيث إن هذا الحد الدنيوي الذي ظهر في زمن الخلافة ليس له أصل في الدين، وإنما أملته ظروف سياسية ومالية…
ونظرا لرغبة دعاة الإسلام السياسي الجامحة في الاستيلاء على الدولة والمجتمع والقرفصة عليهما، فإنهم يحاولون ترهيب المثقفين بقطف رؤوسهم. لكن الصراع سيحتدم بين الطرفين، لأن رجل الدين يريد أن يكون الفنان والمثقف تابعين له، ما يكبل حريتهما، ويتنافى مع طبيعتهما. فالثقافة والفن تنهضان على الإبداع الذي يخضع لمنطق الجمال والقبح وحرية البحث والخيال، بينما يخضع فكر الإسلام السياسي لمنطق الحلال والحرام، وهذا ما لا يعيه دعاة الإسلام عندنا الذين وقفت ثقافتهم عند ما تعلَّموه من الوهابيين، أو ما وصلهم من ابن تيمية وابن القيم… إنهم لا يميزون بين القرآن المجيد وكلام الفقهاء الذين هم خطاؤون لكونهم بشرا مثلنا، وهذا يجعلهم لا يفهمون أن دائرة الاجتهاد هي من حيث طبيعتها متطورة حسب تغير الزمان والمكان ضمانا لمرونتها وتطورها. كما أن الآراء الاجتهادية لا تجاوز حجيتها قدر اقتناع أصحابها، الأمر الذي يستوجب عدم اعتبارها شرعاً مُلزما لا يجوز نقضه وليس الفقه على اختلافه كله صحيحاً، حيث يقول الرسول (ص): «يحمل هذا العلم من كل خلف عدول ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين».
يمارس دعاة الإسلام السياسي التعسف على الآيات القرآنية لمنحها معنى بعيدا عنها، وهم يتحايلون على صريح المعنى للوصول إلى معنى مخالف أو مناقض. ويشكل ذلك كله تلاعبا بكلام الله وتسخيرا له في خدمة الأهداف السياسية الخاصة وأهواء النفوس، وهو ما يعدَّ أشنع عمل وأبشعه، حيث يقول سبحانه «وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (النور، الآية: 15).
هكذا، يستند دعاة الإسلام السياسي إلى عقلية فاسدة تنقل من الكتب القديمة بغير تمييز، متناسية الحديث الشريف «إن الله يبعث على رأس كل مائة من السنين لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها» (رواه أبو هريرة)، ويعود الرسول الكريم ليؤكد: «سيخرج من أصل هذا الدين قومٌ يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
لذا، على المبدعين والمفكرين والأدباء التصدِّي لسحابة الظلام التي توشك أن تغطي سماء المغرب لتجعل شمسها تخسف وقمرها يكسف، وإلا على الوطن ومستقبله السلام.

…عن موقع جريدة الاتحاد الاشتراكي5/1/2013