متابعات

الثابت والمتحول في القضية الوطنية

يونس مجاهد


يحـــتدم الـــــجدل حول تطورات القضية الوطنية، وهذا أمر طبيعي كما يحصل في كل القضايا، حيث تختلف المقـــــــــاربات والـتحاليل، في متابعة التطورات أو في تقييم المواقف، وما نشهده حاليا من نقاش بخصوص تداعيات فشل المبادرة الأمريكية، التي حاولت إسناد مهمة مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء، يخضع أيضا لنفس القاعدة.
غير أن ما نريد مناقشته في هذا الصدد هو المحاولات التي تنهجها بعض «التحاليل»، من أجل البحث عن المبررات لتمرير وجهة نظر مناهضة للمغرب، دون أن تتجرأ على الجهر بموقفها الأصلي المساند للانفصاليين. ومن بين هذه التبريرات التي برزت بقوة، ضمن هذا المنهج، التركيز على مسألة حقوق الإنسان، ودعم الموقف الذي تعمل عليه منظمة كيري كينيدي، كذراع سياسي متحيز للجزائر، ولا علاقة له بحقوق الإنسان.
لا يمكن لأحد أن يدعي أن حقوق الإنسان تحترم في كل بلدان العالم، ومن بينها أمريكا، التي تحتفظ بأكبر معتقل في العالم، وتحتفظ بسجناء خارج أي إطار قانوني، ناهيك عما تقوم به إسرائيل تجاه الفلسطينيين، وهيهات أن نقارن بين ما يحصل في غوانتانامو وكذلك في المعتقلات الإسرائيلية، وبين ما حدث في اكديم ايزيك، حيث أحجمت القوات المغربية عن الرد بالعنف على الهمجية والتخريب الذي أدى الى قتل أحد عشر فردا من القوات المساعدة.
لا أحد طالب بمراقبة دولية على غوانتانامو أو على إسرائيل أو على بلدان أخرى تنتهك فيها حقوق الإنسان بالجملة، وتعتدي على المتظاهرين وتعتقل المخالفين في الرأي، ولا نعتقد أن الوضع في الصحراء، رغم بعض التجاوزات التي يمكن تسجيلها على سلوك الأمن، يصل الى هذا الحد، فنحن أمام وضع يختلف جذريا عن الواقع في تندوف، حيث لم تسمح الجزائر حتى بإحصاء من تسميهم باللاجئين، من طرف المندوبية السامية، كما توصي بذلك العديد من توصيات مجلس الأمن.
المبرر الآخر الذي ينبغي أن نناقشه، هو ما يسمى بالأداء الدبلوماسي «الضعيف» للمغرب، وحتى في هذا يجب أن نكون نسبيين، فالنصر الذي حققه ضد المخطط الأمريكي، والتقدم في إقناع العديد من القوى بجدية ومصداقية مبادرة الحكم الذاتي، والنجاح في استعادة بلدان إفريقية ومن أمريكا اللاتينية وآسيا، لسحب الاعتراف بجمهورية الوهم الصحراوية، وغيرها من الخطوات، تؤكد أن الصورة ليست سوداء على هذا المستوى، وطبعا هذا لا يمكن أن يلغي كل الانتقادات الوجيهة التي توجه للدبلوماسية المغربية.
لكن أن نجعل من هذه الانتقادات، مدعاة للهجوم على الحقوق الوطنية المغربية، فهذا أمر آخر، ولا ينبغي أن يكون محاولة أخرى للتستر على دعم الانفصال بطريقة ماكرة.
المسألة الأخرى التي تقدم من طرف البعض لمهاجمة المغرب، هي الوضعية الاقتصادية والاجتماعية، وهذه مشكلة حقيقية، لكنها ليست دراماتيكية، حيث لا تعيش الأقاليم الصحراوية حالة تختلف كثيرا عن باقي الأقاليم، وفي جميع الأحوال لا يمكن أن تكون مبررا لأية دعوة انفصالية، خاصة وأن الأزمة عامة حتى في أكثر البلدان تصنيعا.
ماذا تبقى بعد هذه المبررات؟ ربما قد يبدع أصحابها أفكارا أخرى حتى لا يدخلوا في كنه الموضوع، أي هل يعترفون بالحق المغربي في استرجاع أرضه وحقوقه من الاستعمار الإسباني، وينهي حالة الصراع الذي تغذيه وترعاه وتموله دولة الجزائر، المحكومة من طرف طغمة عسكرية، حولت بلدا غنيا بثرواته الطبيعية الى بلد من أفقر بلدان العالم.
هذا هو عمق الموضوع. ينبغي أولا أن نصطف مع طرف في هذه القضية، هل نحن مع استرجاع المغرب لحقوقه أم أننا مع الانفصال وتسليم الصحراء للجزائر؟.
لا يوجد خارج هذه المعادلة أي اختيار آخر. وبعد أن نختار موقفنا يمكن أن نناقش كل شيء، لكن المقاربة حتما ستختلف، عندما نحدد اختيارنا. ستختلف في مناقشة موضوعات حقوق الإنسان والأداء الدبلوماسي والمسألة الاجتماعية و مشاكل النظام المغربي… لكن يبقى كل هذا هو المتحول، أما الثابت فهو الموقف الوطني الذي لا يمكن أن تنال منه مؤامرات الجبناء، مهما حاولت البحث عن تبريرات حتى لا تعبر عن موقف واضح.

2/5/2013