الانتصار الدبلوماسي المغربي المتمثل في إجهاض محاولة توسيع مهمةالمينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، يعني أن المغرب يتمتع برصيد دولي من الثقة والمصداقية ليس فقط في ما أنجزه لحد الساعة من إصلاحات دستورية وحقوقية، ولكن أيضا بقدرته على ترسيخها وتعميقها بشكل لا رجعة فيه. وفي نفس السياق، الدور البارز للنظام الدولي في متابعة وتقييم والتأثير في ما يقع في الصحراء. ومن ثم، فإن هذه المعاينة تضعنا أمام تحديات كبيرة يفرضها إدراك النظام الدولي لما نقوم به، وفي نفس الوقت طبيعة تفاعلنا معه والإجابات التي نقدمها . فمقاربتنا لقضية الصحراء ينبغي أن تنطلق من تقدير عقلاني للقوى والتيارات التي تؤثر بشكل أو بآخر في مسارها. ولا ينبغي أن يبقى الأمر مقتصرا على ردود انفعالية أو لحظية . فمن المفروض ان القائمين على السياسة الخارجية المغربية قد استفادوا من الدروس النابعة من تدبير هذا الملف خاصة في لحظات قلقه .
لقد أعادت المبادرة الأمريكية القاضية بتوسيع مهمة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان ، وما رافقها من تعبئة لإفشال ذلك المسعى ، التذكير بمجموعة من القضايا التي ستظل محور النقاش اعتبارا إلى أن هذا الانتصار الدبلوماسي لا يعني انتصارا نهائيا، ولا طيا للملف، بل إنه يمثل جولة في مباراة مازالت أطوارها متواصلة، طالما أن خصوم الوحدة الترابية في حالة تربص مستمر
1- نحن وأمريكا
في سياق ردود الفعل إزاء المبادرة الأمريكية ، سارع البعض إلى المطالبة بمراجعة للعلاقات مع الولايات المتحدة ، واعتبر البعض الآخر أنه لا يمكن الثقة في أمريكا لأنها دولة لا تحركها إلا المصالح .وفي هذه الأحكام الكثير من التسرع والانفعال . لنذكر ببعض البديهيات في هذه القضية:
أولا : إن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الشاملة الوحيدة في العالم .وهي بذلك الأكثر تأثيرا في مصير العالم .لكن في نفس الوقت فهي لا تستأثر لوحدها بالقرار الدولي. وهي ترتبط مع المغرب بعدة روابط منها ما هو استراتيجي ومنها ما هو اقتصادي. وبكل المقاييس ، فإن العلاقات المغربيةالأمريكية هي علاقات متميزة . لكن أمريكا لها مصالحها ولها انشغالاتها ذات البعد الكوني . ثانيا : في ما يتعلق بقضية الصحراء، لا يخرج الموقف الأمريكي عن ضرورة البحث عن تسوية متفاوض حولها ومقبولة من جميع الأطراف كما صاغتها مقررات مجلس الأمن ذات الصلة . وهي تنظر بارتياح إلى المبادرة المغربية المتعلقة بالحكم الذاتي، أي بصفة عامة ، فإن موقفها أكثر تفهما للمغرب في ما يتعلق إجمالا بتسوية هذا الملف . لكن الموقف- الأمريكي أيضا محكوم باعتبارات أخرى. صحيح أن المصلحة كما أشار الى ذلك الواقعيون هي محرك السياسة الخارجية للدول، لكن في نفس الوقت من الخطأ اختزال مفهوم المصلحة في تحقيق أغراض مادية محضة. فالمصلحة يمكن أن ترتبط بتحقيق أهداف ذات حمولة رمزية أو قيمية، أي غير مادية بالضرورة. ومما يعطي هذه النفحة للمصلحة كون السياسة الخارجيةالأمريكية ، كما لاحظ ذلك هنري كسنجر دائما، تواجه النقاش حول ما إذا كان النظام الدولي محكوما بالبحث عن السلطان La puissance ، وبحجة الدولةLa raison d?Etat أو محكوما بالقيم والإيديولوجيا . إن بنية اتخاذ القرار في الولايات المتحدة متعددة وليست مطلقة . فهي نتاج لتفاعل عدد من التيارات الفكرية والفاعلين واللوبيات وكذلك الرغبة في تغيير الأمور . وهي بذلك ليست انتصارا لاتجاه وحيد ، بل هي في العمق انعكاس لنوع من المزج بين مختلف الاتجاهات المتصارعة في تعاطيها مع قضية معينة. وبينت الممارسة الأمريكية خاصة منذ الرئيس جيمي كارتر ، ان صدمة الفيتنام قد خلقت تيارا ليبراليا في تعاطيه مع القضايا الدولية . وقد ازدهر مع كلينتون ومع الرؤساء الديموقراطيين . وهو يعطي للقيم بمفهومها الليبرالي أهمية أكبر جعلته لا يتردد في الدفاع عن التدخل في الكوسوفو، ولو خارج المشروعية الدولية . في نفس السياق ، لاحظنا نوعا من الانقسام داخل الكونغريسالأمريكي . ففي الوقت الذي طالب عدد لا يستهان به من البرلمانيين الأمريكيين الإدارة الأمريكية بمساندة مبادرة الحكم الذاتي، لم يتردد البعض الآخر في الضغط من أجل تقرير مصير الشعب الصحراوي .
لذلك، فإن إدراكنا للولايات المتحدة لا يجوز أن يتم من خلال مقاربة تبسيطية وجامدة منطلقة من اعتبارات أخلاقية وعاطفية، بل لا بد من إقناع صانع السياسة الخارجية الأمريكية بجدية الإصلاحات ومصداقية المبادرات التي نقوم بها في أفق بناء مجتمع ديمقراطي حداثي بالرغم من العوائقوالإكراهات المختلفة ، وكذلك بقدرتنا التنافسية في المجال السياسي إذا قورنت بقدرات خصومنا الذين عجزوا بالرغم من الإمكانيات المادية الناجمة عن المداخيل النفطية عن بناء مجتمع قائم على سلطة المؤسسات والقانون .فمن الواضح أن تداعيات الربيع العربي قد أبرزت الطابع غير الديموقراطيللنظام في الجزائر ، ودفعت القيادة إلى تقديم تنازلات مادية لضمان الأمن والاستمرار .
بارتباط مع المبادرة الأمريكية، فقد تأكد من جديد الطابع التعددي والمتنوع للنظام الدولي . فقضية الصحراء ليست فقط مسألة داخلية، و لكنها باتت منذ سنوات قضية دولية تدار أساسا من طرف مجلس الأمن . وعندما نقول مجلسالأمن، فمن الواضح أنه بالرغم من النفوذ الذي تمارسه الولايات المتحدة، فإنها ليست وحيدة . ولا تملك كل الأوراق لفرض ما تريده . فالعالم الذي نعيش فيه اليوم يعرف تنوعا ونوعا من التعددية التي تغذيها الاعتبارات والإكراهاتالداخلية لكل دولة، وكذلك كيفية إدراكها لمصالحها. فمنظور فرنسا لمصالحها وللأوضاع في شمال إفريقيا وما يرتبط بها من تهديدات ناجمة عن منطقةالساحل، ليس مطابقا كلية للمنظور الأمريكي الذي يضع ضمن أولوياتهفضاءات أكثر أهمية بالنسبة لاستراتيجيته الكونية . وروسيا اليوم تسعى إلى إعادة التموقع دوليا، وهي لا تتردد في التعبير عن نفسها من خلال معارضة السياسة الأمريكية، كما نلاحظ ذلك جليا في ما يخص الوضع في سوريا .علاوة على ذلك ، فإن رفض إسبانيا تزكية المبادرة الأمريكية رغم تواجد الحزب الشعبي في الحكم ، قد أضعف الموقف الأمريكي، وفرض عليه مراجعة موقفه، بشكل يعطي الانطباع بأن ما وقع لم يكن إلا سحابة صيف عابرة لن تؤثر على العلاقات المتميزة بين المغرب والولايات المتحدة .
2- نحن والجزائر
كل الذين درسوا شيئا من الجيو سياسية يعرفون جيدا أن العامل الجغرافي هو عنصر دائم في تحديد العلاقات الخارجية لدولة ما. ومن ثم ، فهو قد يساعد على مزيد من الترابط والتفاعل . وقد يكون عنصر تنافر، وعبئا على العلاقة بين الطرفين . وهذا هو حال العلاقة المغربية الجزائرية التي لم تستطع أن تتجاوز حالة الحرب الباردة الرسمية ، ومن تجلياتها الواضحة استمرار إغلاق الحدود البرية بين الدولتين منذ سنة 1994 . سياسة اليد الممدودة التيباشرها المغرب لم تفض لحد الساعة إلى تغيير في هذه الوضعية، لكن إغلاق الحدود لم يحل دون تدفق البضائع القادمة من الجزائر نحو المنطقة الشرقية،وفي مقدمتها النفط . في علمي ليست هناك لحد الساعة دراسات مدققة حول انعكاسات هذه الوضعية على اقتصاد البلدين، ومن هو المستفيد والخاسر من هذه العملية . وقد يكون من المفيد أن يقوم المجلس الاقتصادي الاجتماعي والبيئي بدراسة موضوعية ومعمقة حول انعكاسات هذه الوضعية على المجتمعين المغربي والجزائري خاصة المناطق الحدودية.
في الوقت الذي لا يضع المغرب أي شرط لإعادة فتح الحدود، فإن الجزائرتعتبر أن المسألة سياسية تحتاج إلى حل بعض القضايا من بينها تأمين الحدود لمنع كل تهريب وخاصة ما يتعلق بالمخدرات والقبول بالموقف الجزائري إزاء مشكلة الصحراء، وتوقيف الحملات الإعلامية. ربما تبقى العقبة الكأداء هي معرفة ما إذا كان من الممكن من الناحية العملية فصل موقف الجزائر من قضية الصحراء عن الجوانب الأخرى في العلاقة ؟ هذه مسألة صعبة لا سيماإذا أدركنا التباعد القائم في تقييم منظور الواحد للآخر في ما يتعلق بهذه القضية . فالموقف الجزائري إزاء الصحراء ليس فقط كما تريد الجزائر تسويقه على أساس أنه موقف مساند للشرعية الدولية، بل إنه موقف دولة طرف مناوئة ومدافعة بشكل نشيط عن أطروحة خصوم الوحدة الترابية المغربية، وهو أمر ينتصب باستمرار كلما تعرضت قضية الصحراء لمستجد كما هو الأمر بالنسبة لمقترح توسيع اختصاصات المينورسو . هل يعتبر هذا الموقف بنيويا أم أنه مرتبط بأشخاص أو مؤسسة معينة ؟ يمكن أن نميل إلى الاتجاه الأول، وهو ما يعني أنه بصرف النظر عن التحولات التي قد تعرفها الجزائر خاصة في سياق تطور الحالة الصحية للرئيس الجزائري ، فلا يمكن أن نتصور تغيرا في السياسة الجزائرية إزاء مشكلة الصحراء، على الأقل على المدى القصير . ومن ثم ، فإن العلاقات المغربية الجزائرية ستراوح مكانها، وستظل مطبوعة بحالة من المد والجزر . وبفعل ذلك ، فإن التنافس المغربي الجزائري سيظل ثابتا على جميع الواجهات، مما سيضيع على الدولتين فرصا كثيرة، لا سيما على المستوى المغاربي الذي لن يتقدم بدون القاطرة المغربية الجزائرية. ما الذييمكن فعله ؟ ليس الشيء الكثير .
ففي مثل هذه الأوضاع، فإن الدبلوماسية المغربية ستستمر في التطلع إلى إنماء التعاون خاصة في المجال الاقتصادي الذي يوفر إمكانيات واضحة لتحقيق النمو في حال استغلالها بشكل مشترك، مع الحرص على استثمار كل الفرص لتغيير هذا الوضع الذي لا يلائم تطلعات الشعوب المغاربية نحو الوحدةوالديموقراطية و التنمية المستدامة .
3 – مسألة حقوق الإنسان
من الواضح أن هذه المسألة أصبحت من القيم البارزة التي تؤثر على السياسة الخارجية العالمية. وقد ازدادت أهمية مع تنامي تكنولوجيات الاتصال الحديثة،التي مكنت من نقل كل ما يقع ومن إعطائه طابعا عالميا وكونيا . ولا يمكن اليوم لأية دولة اليوم أن تسمح بانتهاك حقوق الإنسان دون أن تتعرض لشكل من أشكال المساءلة الدولية ، خاصة إذا لم تكن دولة تتوفر على مصادر ردعية تخفف من انتقادات المحيط الخارجي. هناك شعور دولي عام بكون المغرب قد انخرط بشكل لا رجعة فيه في هذا الورش الإنساني الكبير. وقد كرس دستور 2011 هذا التوجه بفعل الحيز الذي خصه لهذا المجال، حيث نادى باحترام حقوق الإنسان والديموقراطية والشفافية والحكامة الجيدة . كما تم إحداث أدوات لتفعيل تلك الحقوق ، في مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان ،بلجنه الجهوية، الأكثر تمكنا بالخصوصيات المحلية ، علاوة على بعض المنظمات المستقلة المعنية بهذا القطاع. وفي نفس المستوى، يعمل المجتمع المدني جاهدا على منع، أو على الأقل إدانة كل انتهاك لحقوق الإنسان .وأخيرا يسعى المغرب إلى فتح مجاله أمام الهيئات الدولية ، سواء منهاالأممية أو تلك المنتمية للمجتمع المدني للتحقيق في أوضاع حقوق الإنسان في المغرب . لكن دوليا يبدو، وكان كل ذلك مازال غير كاف . فالأمر يتطلب جهودا أخرى ، وهو أمر لا ينكره أحد إذا أدركنا أن استنبات حقوق الإنسان في مجتمع في حالة انتقال يتطلب عمليات تغيير متعددة، وفي بعض الأحيان قد تبدو متضاربة ومتنافرة .
أكثر من ذلك تكتسي هذه العملية صعوبة إضافية في ما يخص الصحراء .ينبغي الإقرار أن مسألة حقوق الإنسان في هذه المنطقة ليست من قبيل المطالبة بحقوق عادية. فهي لا تخلو من دلالة سياسية تتوخى الركوب على هذه الورقة لتحقيق مآرب سياسية تتماهى مع الدعوات الانفصالية . لذلك ، فإن معالجة هذا الملف ليست بالأمر الهين . فما هي حدود احترام حقوق الإنسان بالنسبة لأفراد يدعون إلى الانفصال ؟
هناك الكثيرون الذين ينتقدون ما يسمونه بالمقاربة الأمنية في معالجة هذاالملف ، وهي دعوى صحيحة لو أن الأمر كان عاديا . فبالرغم من الشوائب التي شابت تدبير الملف ، والتي ينبغي العمل على تجنبها مستقبلا ، فمن الواضح أن مقاومة النزعة الهادفة إلى استعمال حقوق الإنسان لأغراض سياسية يتطلب استراتيجية مندمجة، والكثير من الصبر لعزل الجماعات المناهضة للوحدة الترابية والداعية للانفصال . فما هو أساسي اليوم هو تجنب استعمال القوة ، وفي نفس الوقت منع حدوث حالة من الفوضى يمكن أن يستثمرها الخصوم دوليا لتبرير إحداث آلية دولية لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء . بمعنى آخر لا مناص من تعميق التدبير الديموقراطي للاحتجاج ،ولو كان يتجاوز الحدود . وقد يدخل في هذا السياق أهمية تشجيع تعدديةحقيقية بمساهمة الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني لمصاحبة التطورات المختلفة التي تشهدها هذه المنطقة .
4 – مبادرة الحكم الذاتي : إلى أين ؟
بعد مرور ست سنوات على تقديمها إلى مجلس الأمن ، ما زالت مبادرة الحكم الذاتي تمثل الأرضية الوحيدة الموصوفة من طرف المجلس بالجدية وذات المصداقية. لكن خصوم الوحدة الترابية يسعون إلى تقويضها من خلال تحويل الأنظار إلى قضايا من قبيل حقوق الإنسان واستغلال الثروات . وفي مواجهة ذلك يعتبر البعض أن أحسن رد مغربي إنما يكمن في المبادرة إلى تطبيق الحكم الذاتي بشكل انفرادي دون موافقة الطرف الآخر. وشخصيا لست مقتنعا بهذا الطرح لعدة أسباب : أولها أن هذه المبادرة صاغها المغرب كإجابة عن فشل مقاربة الاستفتاء في وضع تسوية للقضية . فهي موجهة إلى المنتظم الدولي الذي ما فتئ منذ 2004 يطالب الأطراف بتقديم مقترحات عملية لتجاوز المأزق الذي كانت تتردى فيه هذه القضية . وهي تستهدف وضع تسوية نهائية تضع حدا لهذا النزاع المصطنع . وهذا يعني الاعتراف العالمي بسيادة المغرب على صحرائه. ولن يتحقق ذلك دون توافق من جميع الأطراف طبقا لمقتضيات القرارات التي اتخذها مجلس الأمن في إطار الفصل السادس . هذا التوافق ينبغي أن يتكرس باستفتاء للسكان المعنيين وفقا لمبدأ تقرير المصير ومقتضيات ميثاق الأمم المتحدة ، كما نصت على ذلك الفقرة الثامنة من وثيقة المبادرة المغربية المقدمة إلى مجلس الأمن . في نفس السياق ، فإنه في حالة قبول الأطراف لهذه المبادرة، فإنه سيتم تعديل الدستور المغربي حتى يتم إدماج الاستقلال الذاتي لمنطقة الصحراء ضمن بنوده . لذلك ، فإن الذين يتحدثون عن تفعيل هذه المبادرة ربما يخلطون بينها وبين اللامركزية الموسعة،وهو إصلاح لا ينطبق فقط على الصحراء، بل ينخرط ضمن الإصلاحات التي يقوم بها المغرب ولا تهم المجتمع الدولي . فكما هو واضح ، فإن تفعيلاللامركزية الموسعة يمكن أن يبدأ بالمناطق الجنوبية . وهو لا يعني تطبيق الحكم الذاتي الذي يبقى ورقة للتفاوض لا يمكن تفعيلها إلا باتفاق من الأطراف وبتزكية من مجلس الأمن .
لذلك بدل الحديث عن تطبيق مبادرة الحكم الذاتي بشكل انفرادي ، ينبغي التركيز على الإبقاء على هذه المبادرة في الأجندة الدولية كحل وسط يمزج بين مبدأي تقرير المصير واستكمال الوحدة الترابية . فالخصوم يراهنون على تآكل المساندة التي لقيتها، ونحن نراهن على حيويتها لأن منطق تطور هذه القضيةيزكيها . كما أن المناهضين لها لا يتوفرون على بديل باستثناء تكرار اسطوانة الاستفتاء الذي نعرف أنه لم ينظم لاستحالة القيام بذلك رغم الاتفاق الذي أصبح ساري المفعول في سنة 1991 .
يتطلب الأمر مراجعة حكامة هذه المنطقة، وينبغي أن يتم ذلك بذكاء لا يكسر خصوصيات المنطقة . فالإقرار ببعض الأخطاء التي ارتكبت في تدبير شؤون المنطقة لا يمكن أن يفضي إلى مقاربات قد تكون مغرية ديموقراطيا ، و لكنها قد لا تتوفر على الموارد الكافية لتحقيق النجاعة للتغيير المنشود .
من الواضح أن لحظات القلق التي تعرفها مسيرة تدبير ملف الصحراء لا ينبغي أن تكون مبررا لجلد الذات ، ولا إلى الهروب إلى الأمام . هناك أشياء كثيرة تحققت سواء على المستوى الدبلوماسي أو على المستويات الأخرى ،وهناك هفوات ارتكبت . ويبقى أن تدبير هذا الملف ليس بالأمر الهين . إنه يتطلب تقييما مستمرا لكافة أبعاده وتعقيداته، وإصرارا على المضي في ترسيخ الوحدة الترابية على اساس قيم الديموقراطية وسيادة القانون، وعلى توعية العالم بالتهديدات التي قد تترتب عن النزعات الانفصالية في ظل محيط مضطرب وقلق .