زعماء تاريخيون وقادة ومثقفون كبار وحقوقيون احتضنتهم النقابة أبرزهم الروداني، اليوسفي، المانوني

«الاتحاد الاشتراكي»

كان الفعل النقابي، منذ المهد الوطني، هو المحك والمدرسة للفعل الوطني والسياسي. وفي الاحتكاك مع الشعبة النقابية، تلقى الوطنيون الكبار دروس الواقع الحقيقية وتعلموا أيضا المقاربة المبنية على التحليل الملموس للواقع الملموس. وليس صدفة أن القادة الكبار، كانوا منذ الوعي الأول يدركون أن تأطير العمال وتطوير العمل النقابي هو إحدى المدارس الكبرى لتكوين الذات أولا، ثم تكوين الأنوية الصلبة لحمل المشاريع المستقبلية، سواء تعلق الأمر بالتحرر الوطني أو بالتحرر من أغلال الاستغلال، أو من أجل بناء المجتمع الديموقراطي والعادل.
لا نخفي على القراء أن التطورات التي تعرفها بلادنا حديثا كانت وراء سؤال بسيط، وهو ما إذا كانت النقابة والفعل النقابي مازالا قادرين على إنقاذ السياسة ، بالعودة الى بدايات الانحياز الوطني والديموقراطي والتقدمي في البلاد لكل من ارتبط اسمه بهذا الجانب.
ليس اعتباطيا أن جزءا من النخبة المغربية، من مستويات ومشارب عديدة ، تربى في الفعل الميداني، طلابيا ونقابيا ومهنيا ومركزيا وعماليا .. إلخ. كما أن حاصل القول هو أن الإطار النقابي شكل شرطا ضروريا للعمل اليساري في العالم وفي المغرب أيضا، بل ارتبط ذلك بتواجد الاحزاب اليسارية والاشتراكية والشيوعية والتروتسكية وما إلى ذلك، وكان وقتها التوجه الدعوي يعتبر أن النقابات، بهذا المعنى، ««حوض من حياض الجحيم، فاجتنبوه لعلكم تفلحون».
في تاريخنا الوطني العريق والشامخ، أسماء قادة أفذاذ اقتربوا أو عاشوا أو نظموا في إطار الفعل النقابي. منهم الوطني المقاوم كـ: الروداني واليوسفي، ومنهم الشهيد كعمر بنجلون، ومنهم الاطار الحقوقي كالأستاذ المنوني ومنهم التكنو قراطي ! كعبد اللطيف الجواهري .. ومنهم الصحافي كمحمد اليازغي ،… الخ
لقد أصبح فضاء إنتاج النخبة متغيرا نسبيا، ومع اتساع التأطير الدعوي أصبحت «نقابة السماء والدعوات حاضرة بشكل كثيف في الفضاء المدني، وهو ما يطرح قضيتين اثنتين من الخطورة بمكان: تأزيم الفعل النقابي ، هل هو مقدمة لتجفيف منابع الفعل الديموقراطي والتأطير السياسي وإنتاج النخب المرتبطة بالأرض.
ثم: انزياح قارة الفعل النقابي الى قارة الفعل الدعوي، الذي يشكل بدوره انزياحا للنخبة، من نخبة الفعل التحديثي الديموقراطي الى نخب مرتبطة بالطائفة والتسليم بالماضي؟
في انتظار جواب أهل الاختصاص، نقوم بجرد سريع، في الجزء الأول من ملفنا هذا، لارتباط الأسماء الكبرى للنخبة بالعمل النقابي ..وإنتاج النقابة ، السياسي والوطني والمهني في مغرب اليوم.
ونستحضر ولا شك اليوم دور السياسة في تحصين الفعل النقابي وفتح الآفاق له، بل ربما تحريره من كل عناصر التلجيم التي طبعت مسيرته، وربما علقت انصهار المكونات النقابية في ما هو استراتيجي خدمة البلاد ..

ابراهيم الروداني:« الأب الصغير»

==================

يعرف ابراهيم الروداني بملامحه الوطنية السياسية، وبتاريخه في المقاومة وخوض حرب التحرير، لكن ابراهيم، سليل نواحي تارودانت، المزداد في 1932، هو الابن البار لمغرب الطبقات السفلى، والفئات المغربية المتعددة.
«تجول« طويلا في دروب القوات الشعبية ، باع الكتب كما باع قوته العضلية كميكانيكي في بيضاء الأربعينيات والخمسينيات. استقر به طوافه الاجتماعي كصاحب عمل لبيع مادة جافيل ، ثم بائع بالتقسيط للحوم في الحي الأوربي، في الساحة المعروفة اليوم بساحة باندونغ، (وقتها كانت قلب الحي الأروبي(.
من بين الاصدقاء الذين ربط بهم علاقة النضال السياسي والنقابي في نفس الوقت، عبد الرحمان اليوسفي وعبد الرحيم بوعبيد وحميدو الوطني. وقتها كان الزمن زمن السياسة والنضال الوطني ، في أوساط الشرائح الاجتماعية من عمال وحرفيين وتجار صغار والمتمدرسين القلائل.
في مارس 1955، عندما تم الإعلان عن تأسيس التنظيم العمالي المغربي، الاتحاد المغربي للشغل، كشف الروداني عن الوجه المهم في حياته، الأب الصغير، كما كان يسميه المقاومون والوطنيون. فهو كان من بين المؤسسين للعمل النقابي وللاتحاد، الى جانب الطيب بن بوعزة. والمحجوب بن الصديق، ويعتبر الروداني من الذين ساندوا ودفعوا بالمرحوم المحجوب الى قيادة النقابة الفتية.
وقد كتب عنه محمد لومة مطولا، ومما جاء في كتاباته إنه:
ولد سنة 1907 (حسب بطاقة عضوية المقاومة ـ ذات الرقم 201625 بتاريخ 25 أبريل 2007.
(مصادر أخرى كالأنترنيت تؤكد ميلاده ـ خطأ في 1921)..) بقرية آيت علا ـ كطيوط ـ دائرة تارودانت.
تلقى تعليمه الأول في المسجد وفي المدارس العتيقة في قبيلته. وكان تعليما متواضعا على أية حال.
التحق بالدار البيضاء في عنفوان شبابه، أي حوالي سنة 1932 ، حيث تعاطى عددا من المهن البسيطة كعامل في قطاع البناء ومساعدا في إصلاح السيارات، وبائع خردة… وغيرها.
وبفضل مواظبته وحسن سلوكه استطاع مراكمة رأسمال جيد ساعده لاحقا في شق طريقه في الحياة بشكل عصامي ملحوظ.
يؤكد الفقيه البصري بأن ابراهيم الروداني التحق بعد ذلك بفرنسا، حيث اشتغل ثم انتسب لصفوف النقابة الفرنسية (C.G.T) لبعض الوقت قبل أن يعود للمغرب.. بينما تجهل عائلة الروداني هذا الأمر كلية.
امتلك معملا لتعبئة أكياس الملح بالبيضاء، ثم معملا لمادة (جافيل) في مدينة القنيطرة قبل نقله لعمارة في ملكية الحاج عابد السوسي بالدار البيضاء في زنقة (موناستير)، تلك العمارة التي كان يسكن بها في بداية خمسينات القرن الماضي ـ كما أكد لي ذلك مرارا المرحوم عبد الله ابراهيم ـ كل من إبراهيم الروداني وأحمد الطويل، فضلا عن عبد الله إبراهيم نفسه وزوجته، قبل أن ينجبا أطفالا.
بسبب نشاطه، الحزبي المبكر، كان رفاقه ينادونه بلقب (بولكانين، الرئيس السابق لمجلس السوفيات الأعلى بسبب حماسه وقدرته على الخطابة) كما أخبرني المقاوم السابق أحمد أرباب بمدينة القنيطرة.
كما امتلك متجرا لبيع اللحوم بالتقسيط بالحي الأوروبي قرب ساحة باندونغ بالبيضاء. وبحكم نشاطه التجاري، نسج الرجل علاقات واسعة مع كافة شرائح المجتمع البيضاوي من مغاربة وأجانب، بمن فيهم عناصر الشرطة الفرنسية، والتي ساعدته كثيرا في نشاطه الوطني باستغلاله لهذه العلاقة لمعرفة ماذا تدبره الشرطة للوطنيين.
في وقت وجيز، أصبح واحدا من الأطر النشيطة لحزب الاستقلال في الدار البيضاء، وفي (منظمة اتحاد الجنوب) التي يعتبر إحداثها نقلة نوعية في مسار حزب الاستقلال كحركة إصلاحية سياسية، اعتقادا من أصحاب الاتحاد أن العمل السياسي استنفد أغراضه بعد أزمة بين محمد الخامس والإقامة العامة عام 1951 حينما رفض توقيع 30 ظهيرا. ولكن حزب الاستقلال لما أحس بأهمية المنظمة بعث بالهاشمي الفيلالي وأبو الشتاء والجامعي للقيام بتفكيكه، وهو ما حصل تفاديا لغضب القيادة السياسية، لكن الأساس بقي وكلفت القيادة السياسية الزرقطوني بمتابعة مهمة تفكيك الاتحاد. ولأن هذا الأخير شعر بصدق نواياهم انضم إليهم لتتشكل أول خلية فدائية برئاسته وعضوية كل من التهامي نعمان وحسن العرايشي وسليمان العرايشي وعبد السلام بناني ، إلى جانب عبد الله الصنهاجي وحميدو الوطني.. وغيرهم.. قبل تحول هذه المنظمة إلى منظمة فدائية تحت اسم (المنظمة السرية) برئاسة الشهيد محمد الزرقطوني.
زج به في سجن (دار كوم) بدرب اليهودي قرب شركة التبغ بعد أحداث 20 غشت 1953 لفترة قصيرة، ثم اقتيد إلى سيدي بنور حيث كان مجبرا على إقامة محروسة لعدة أيام لثنيه عن مواصلة نشاطه الحزبي والسياسي.
لقد كان عزم إبراهيم الروداني على إنشاء الاتحاد المغربي للشغل معللا ومبرزا في أنه كان يعتقد بضرورة فتح جبهة ثانية ضد الاستعمار الفرنسي، وتشتيت قواه البوليسية للتعجيل بعودة السلطان الشرعي محمد الخامس من خلال الإمساك بعجلة الإنتاج الوطني في مختلف مرافقها من فوسفاط ونقل وغيرها. بدليل أن أول إضراب عام لمدة أسبوع قبل تأسيس الاتحاد المغربي للشغل سنة كاملة نظم (في 20 مارس 1945)، وهو الإضراب الذي خرج من بيت الروداني وأدى إلى طرد العشرات من الموظفين. وانتقل الروداني إلى مرحلة أخرى وثانية في تأسيس الاتحاد كجبهة ثانية لمواجهة المحتل وتفكيك قواه القمعية التي تكرست في اجتماع 20 مارس 1955 بدرب بوشنتوف.
وللتوضيح، فإن عدم ورود إبراهيم الروداني في قيادة الاتحاد المغربي للشغل رغم أنه صاحب كل التحضيرات وممول كل مصاريفها، يعود إلى أنه لم يكن أجيرا، بل هو رب عمل، وكان عضوا قياديا في فرع حزب الاستقلال .
ساهم مساهمة كبرى في تحضير أجواء تشكيل (الاتحاد المغربي للشغل) حيث استأجر منزلا لهذه الغاية في درب بوشنتوف (قريبا من شارع الفداء حاليا) حيث حضر ستون مندوبا نقابيا من مختلف أطراف المغرب إلى معمل ـ جافيل ـ بزنقة موناستير المملوك لإبراهيم الروداني قبل نقلهم إلى مقر المؤتمر التأسيسي، وذلك بتاريخ يوم الأحد 20 مارس 1955 في أجواء من السرية المطلقة، لم تستطع عيون المخابرات الفرنسية الانتباه إلى كافة مراحل تنفيذها.. قبل ذيوع نتائج المؤتمر على صفحات وسائل الإعلام الأجنبية آنذاك.

اليوسفي، المحامي النابع من المعمل

=======================

في تفاعلات هذا الجيل، يبرز اسم عبد الرحمان اليوسفي كإنتاج خالص للعمل الوطني، المنطلق من قاعدة العمل الميداني والمرتبط بالعمل والمأجورين.
كان عمره 20 سنة عندما بدأ نشاطه في تأطير الطبقة العاملة في الدار البيضاء، الى درجة ارتبط اسمه باسم معمل كوزيمار في العاصمة الاقتصادية، بل ارتبط بالتنظيمات الفئوية ، من قبيل فريق كرة القدم التابع للمعمل. وقد استمر اليوسفي في تأطير العمال الى حدود 1949، وهي السنة التي انتقل فيها للدراسة في فرنسا، وكانت تلك المناسبة مجددا للاحتكاك بالتأطير النقابي في المهجر، عندما تولى قضايا المهاجرين ومتابعة نشاطهم الوطني والعمالي في فرنسا، وقد كان وقتها يتابع دراسته بها.
وعلى ذكر الدراسة، فقد تلقى اليوسفي تكوينه الحقوقي وهو في غمرة النضال النقابي.
ولد عبد الرحمن اليوسفي في 8 مارس 1924 (العمر 89 سنة) في طنجة، حصل على ليسانس في القانون وعلى دبلوم الدراسات العليا في العلوم السياسية ودبلوم المعهد الدولي لحقوق الإنسان.
محام لدى محاكم طنجة من 1952 إلى 1960. عميد سلك المحاماة في طنجة 1959. عضو في حزب الاستقلال 1943. عضو الأمانة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية من 1959 إلى 1967. رئيس تحرير جريدة «التحرير» الصادرة عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. المندوب الدائم للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الخارج منذ تأسيس الحزب سنة 1975. عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ مؤتمره الثالث عام 1978. الكاتب العام المساعد لاتحاد المحامين العرب من 1969 إلى 1990. الكاتب العام للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منذ وفاة كاتبه العام السابق عبد الرحيم بوعبيد في 8 يناير 1992. وزير أول من 4 فبراير 1998 إلى 9 أكتوبر 2002.
كرس عمله من 1944 إلى 1949 لتنظيم طبقة العمال بالدار البيضاء. كرس نشاطه من 1949 إلى 1952 لخدمة العمالة المغربية المهاجرة في فرنسا. شارك في تنظيم وإدارة حركة المقاومة وجيش التحرير بعد عزل الفرنسيين للملك محمد الخامس من 1953 إلى 1956. أسس مع المهدي بن بركة ومحمد البصري ومحجوب بن صديق وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنشق عن حزب الاستقلال سنة 1959.
اعتقل في دجنبر 1959 مع محمد البصري مدير «التحرير» بتهمة التحريض على العنف والنيل من الأمن الوطني للدولة والأمن العام ثم أفرج عنه. اعتقل في يوليوز 1963 مع جميع أعضاء اللجنة الإدارية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بتهمة التآمر وصدر عليه حكم بالسجن مدة سنتين مع وقف التنفيذ، وقد عفي عنه عام 1965. توجه عبد الرحمن اليوسفي في نوفمبر 1965 إلى باريس للإدلاء بشهادته كطرف مدني في محاكمة مختطفي المهدي بن بركه وبقي منذ ذلك الوقت في فرنسا لمدة 15 سنة مختارا النفي. حكم عليه غيابيا في جلسات محاكمة مراكش (1969 – 1975) وطالب المدعي العام بإصدار حكم بالإعدام على اليوسفي. صدر حكم بالعفو عنه في 20 غشت 1980 وعاد إلى المغرب في أكتوبر 1980.
وقد ظل قدره النقابي يطارده الى حين أشرف على اتخاذ القرار بإنشاء الفدرالية الديموقراطية للشغل في 2002، على إثر ما وقع في المؤتمر السادس للاتحاد الاشتراكي وأيضا في الكونفدرالية.

عمر بنجلون :سيد الكينونة المتحولة

======================

من عين بني مطهر (بركنت التي تنطق بركم في المنطقة الشرقية) رأى النور من والد عامل، طبع حياته الى الابد بالانحياز الدائم الى الشغيلة . تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى وجدة، إلى أن حصل على القسم الثاني من البكالوريا. التحق بالتنظيمات الحزبية للشبيبة المدرسية بوجدة. وفي أكتوبر 1955 وقف إلى جانب بعض زملائه لإبلاغ احتجاجهم إلى المسؤول الفرنسي عن بعض التصرفات.
انتقل بعدها إلى كلية الحقوق بالرباط، وبعدها سنة 1957 إلى باريس، بموازاة دراسته بكلية الحقوق في السنة الثالثة والمدرسة العليا للبريد والمواصلات. صادف حلول عمر بنجلون في فرنسا تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. أصبح رئيسا لجمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا لسنة 1959-1960 ، وهي السنة الجامعية التي حصل فيها على الليسانس ، ودبلوم المدرسة العليا للبريد.
عاد إلى المغرب في يونيو 1960 ، وأسندت له مسؤولية جهوية في البريد بالدار البيضاء ، وانغمس كليا في العمل النقابي في جامعة البريد التابعة للاتحاد المغربي للشغل. فاصطدم مع قيادة الاتحاد المغربي للشغل، واختطف لدوره وحضوره المكثف داخل جامعة البريد.
انتقل سنة 1962 إلى العمل بالمديرية الجهوية للبريد بالرباط ، مواصلا نشاطه في جامعة البريد ، وفي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وعاد في نفس السنة إلى باريس لاجتياز امتحان دبلوم الدراسات العليا في القانون العام. في ماي 1962، أصبح عضوا في اللجنة الإدارية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، بعد انعقاد مؤتمره الثاني.
المواجهة مع النقابة

في يناير 1963 انتخب عمر بنجلون مندوبا إلى المؤتمر الثالث للاتحاد المغربي للشغل. في مدخل مقر المؤتمر اختطف واحتجز وعذب في قبو لمدة يوم كامل ، إلى جانب آخرين من جامعة البريد.
شارك في الحملة الانتخابية التشريعية في مايو 1963 ، في كل من الدار البيضاء ووجدة. عاد مرة أخرى إلى وجدة في يوليوز 1963 ، بمناسبة إعداد الانتخابات البلدية والجماعية ، وتم اعتقاله يوم 16 يوليوز في اجتماع اللجنة المركزية الموسع بالدار البيضاء ، واتهم على إثره بتحضير مؤامرة ضد النظام . صدر ضده حكم بالإعدام في مارس 1964، بتهمة تسريب أسلحة من الجزائر إلى المغرب . صدر العفو يوم 14 أبريل 1965 على عدد من المحكوم عليهم ، ومنهم عمر بنجلون ، ثم تعرض للاعتقال مرة ثانية يوم 16 مارس 1966، وأمضى في السجن مدة سنة ونصف ، وأطلق سراحه في 21 شتنبر 1967.
اشتغل بنجلون كمحام، وعمل إلى جانب عبد الرحيم بوعبيد ومحمد الصديقي في الإعداد لمحاكمة مراكش في صيف 1971 ، والتي بدأ الاستعداد لها منذ يوليوز حتى شتنبر 1970 .
كان من بين المعتقلين في السجن العسكري أحمد بنجلون ، الأخ الأصغر لعمر ، الذي اختطف مع سعيد بونعيلات من مدريد أواخر يناير 1970 ، وبعد انطلاق حملة الاعتقالات التي مست نشطاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، منذ 16 دجنبر 1969.
يوم 13 يناير 1973، توصل بطرد ملغوم في ليلة عيد الأضحى، وهي عملية اغتيال ضد كل من عمر بنجلون ومحمد اليازغي، فنجا بنجلون من الاغتيال ، في حين انفجرت القنبلة الأخرى في وجه اليازغي، في نفس اليوم الذي تم إعدام الضباط المتورطين في محاولة الانقلاب الثانية. وفي نفس الشهر وإلى غاية شهر مارس اندلعت حوادث مسلحة في مدن الدار البيضاء ووجدة ، وتأججت بالمواجهات المسلحة بين عناصر الجيش وخلايا التنظيم السري التي تسرب جزء منها من الحدود الجزائرية المغربية ، فأعلن بلاغ حكومي في شهر أبريل 1973، عن توقيف أنشطة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وتم اعتقال عشرات الناشطين وأغلبية الأطر الحزبية ، في حين تمكن بعضهم من اللجوء إلى الخارج ، بينما اعتقل عمر بنجلون يوم 9 مارس 1973 ، وأدى هذا إلى محاكمة الحزب والناشطين في محاكمة القنيطرة في صيف 1973، وبعد يناير 1975 ، عند إطلاق سراح الأطر الحزبية، تسلم عمر بنجلون إدارة جريدة المحرر يوم 23 نونبر 1974 ، مباشرة بعد خروجه من السجن.
في يناير 1975 انتخب عمر بنجلون عضوا في المكتب السياسي، نظمت عملية اغتيال للرجل أمام بيته ظهيرة 18 دجنبر 1975 ، بواسطة عناصر من الشبيبة الإسلامية.
مسيرة عمر وسط النضال النقابي لا تعادلها سوى حرارة إيمانه بعدالة المطالب والقضية كلها. ولا تعادلها ايضا سوى مجهوداته من أجل توضيح الرؤية:فقد كان من بين قلة قليلة اعتبرت التفكير في قضايا الطبقة العاملة مسألة ضرورية وتستحق الاجتهاد.
وكان يدرك أن الوحدة لا بد لها من وعي تاريخي يسندها لكي تكون الطبقة العاملة في قلب المعادلات، وفي قلب التحصين التاريخي للعدالة.

مثقفون،،صحافة وطلبة..
لعل المشتل الثاني، بعد مشتل المقاومة، في تربية النقابيين أو في تربية العمل النقابي للسياسيين والاطر المغربية، كان هو الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
وفي الاطار النقابي للطلبة، وقبله الإطار التلاميذي، تكونت أطر اليسار المغربي المعارض، وفيه تربت على العمل الميداني وعلى اختبار الافكار على محك الواقع.
أسماء عديدة عاشت هذا المسار، ولن نغالي إذا قلنا إن كل الذين نعرفهم اليوم من وجوه المعارضة اليسارية والديموقراطية، مروا من مقاعد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
بعض الأسماء مدهشة، من قبيل عبد اللطيف الجواهري، مدير بنك المغرب. فهذا الرجل الذي يتولى أكبر بنك في بلاد المغرب الأقصى، وسط أعاصير الأزمات القادمة من الشمال، يظهر في صورة من صور الستينيات ، إلى جانب الأستاذ محمد الصديقي، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي سابقا، وأحد رجال القانون الكبار في بلادنا، وهما يترأسان لقاء للجنة العلاقات الخارجية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
لكن كان من الذين تربوا في المعارضة داخل نقابة الطلبة، من تعرضوا لأحكام بالإعدام كما هو حال حميد برادة، الذي ترأسه في ظروف القمع الشرس، وصاحب توليه الرئاسة، المحاكمات بخصوص عملية قيل إنها تستهدف ولي العهد أنذاك المرحوم الحسن الثاني.
وعرفت النقابة أيضا بروز أسماء فتح الله ولعلو ومحمد الحلوي .
وقليلون يعرفون أن عبد الواحد الراضي ، بدأ نشاطه السياسي كنقابي ، حيث ساهم في تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، لما التحق بجامعة السوربون، حيث كان من مؤسسي كونفدرالية طلبة شمال إفريقيا.
النقابة في رحاب الجامعة كانت تعني النقابة الوطنية للتعليم العالي، ومن أبرز رؤسائها، عبد الواحد الراضي الذي تولى قيادة الاتحاد الاشتراكي والبرلمان المغربي، في لحظات حرجة من تاريخ الانتقال الديموقراطي، وما زال يشغل منصب رئيس اتحاد البرلمانات الدولي.. وكان قد تولى المهمة في الظروف الصعبة ما بين 1968 و1974، وهي الفترة التي ترأس فيها شعبة الفلسفة بكلية الاداب والعلوم الانسانية بالرباط.

محمد اليازغي ، نقابة الصحافيين

===================

اختار الصحافيون، أرباب نشر ومدراء ومهنيين، محمد اليازغي زعيما للنقابة الوطنية للصحافة في 1977، أي في بداية الانفراج السياسي في مغرب السبعينيات، لكن بعد أن كان قد تعرض لمحاولة اغتيال بواسطة طرد ملغوم توصل به في نونبر 1974، في نفس اليوم الذي نفذ فيه الإعدام في حق معتقلي 1971.
وسيرة محمد اليازغي النقابي قلما تظهر للمواطن العادي في خضم سيرته السياسية والتنظيمية ، ففي السبعينيات كان اليازغي من المناضلين الذين حضروا للمؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، المؤتمر الذي تبنى استراتيجية النضال الديمقراطي، وساهم هو في التقرير التنظيمي للحزب ولما اغتيل عمر بن جلون في دجنبر 1975 أصبح اليازغي مديرا لجريدة المحرر التي منعتها السلطات من الصدور إثر أحداث 20 يونيو 1981.
في يوليوز 1963 اعتقل مع عدد من مناضلي حزب القوات الشعبية، وفي الذكرى الأولى لاختطاف المهدي بن بركة زج به في السجن، وعقب هزيمة يونيو 1967 وأثناء قيامه بالتعبئة الشعبية تم اعتقاله لمدة سنة دون تقديمه للمحاكمة ونفس المدة قضاها سنة 1970 بين سجني الرباط ومراكش.
وبعد الطرد الملغوم ، اعتقل في يونيو من نفس السنة وقدم للمحاكمة أمام المحكمة العسكرية بالقنيطرة، ومن بوابة السجن اقتيد إلى الإقامة الجبرية بإفران إلى أن أطلق سراحه سنة 1974.
وفي شتنبر 1981 وعقب بيان للمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حول القضية الوطنية، قضية الصحراء المغربية، اعتقل اليازغي رفقة الكاتب الأول للحزب الفقيد عبد الرحيم بوعبيد ومحمد الحبابي وحكم عليهم بالسجن لمدة سنة قضوا نصفها بسجن بميسور قبل أن يطلق سراحهم.

المانوني: تروتسكي نقابي في البلاط!

======================

تصفه السيرة الرسمية بأنه «من أهم الشخصيات العمومية المغربية. إنسان مُلتزم، صبور، يشتغل دون ضجيج »
والمنوني حاصل على الإجازة في القانون ، شعبة القانون العام والعلوم السياسية سنة 1965، وعلى دبلوم الدراسات العليا في القانون العام سنة 1970، وعلى دكتوراه الدولة في القانون العام بجامعة غرونوبل بفرنسا سنة 1975. وهو أستاذ بكلية الحقوق بالرباط منذ سنة 1969 ،وهو عضو سابق بالمجلس الدستوري ، والرئيس المؤسس للجمعية المغربية للقانون الدستوري، وعضو هيئة الإنصاف والمصالحة.
صدرت للمنوني العديد من المؤلفات باللغة الفرنسية من بينها «المؤسسات السياسية والقانون الدستوري» و»تاريخ الأفكار السياسية» و»العمل النقابي العمالي بالمغرب» و»الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
في يوم 03 غشت 2011 ذكر بلاغ للديوان الملكي أن الملك محمد السادس ، استقبل بالقصر الملكي بالرباط ، عبد اللطيف المنوني وعينه مستشارا لديه.
وأضاف البلاغ أن الأستاذ المنوني يتوفر على كفاءات علمية وخبرة واسعة في صياغة القوانين ، أبان عنها في مشواره الطويل كأستاذ جامعي أهلته لترؤس اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور ، حيث أبان عن ثقافة عالية في الحوار والتواصل ، وخصال حميدة في المعاملات ، زيادة على إلمامه الكبير بالمجال السياسي والاجتماعي للمغرب .
كان المنوني عضوا بالمجلس الدستوري خلال الفترة (1994- 2008)، وبهيئة الإنصاف والمصالحة (2004-2006)، وباللجنة الاستشارية للجهوية.
ومثل المنوني، الذي تولى رئاسة الجمعية المغربية للقانون الدستوري منذ تأسيسها سنة 1994 إلى سنة 2008 ، المغرب منذ سنة 2008 في اللجنة الأوروبية من أجل الديمقراطية عن طريق القانون.
وشارك عبد اللطيف المنوني، عضو اللجنة التنفيذية للجمعية الدولية للقانون الدستوري (2002- 2005) والعضو المؤسس لجمعية القانونيين المغاربيين، سنة 2001 في أشغال اللجنة المكلفة بمراجعة الدستور بمملكة البحرين.
الفقيه الدستوري، كان أولا فقيها ميدانيا في الحياة الطلابية، وفي الساحة العامة، المسماة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي تربى فيه ورباه أيضا على أفكاره، وأصبح رئيسا له ، في السنة السوداء من سيرة العرب العصرية، سنة الهزيمة ، حيث كانت الافكار تمور والعالم العربي كله، يتفاعل مع واقع الهزيمة في 1967. بعد الرياضيات مرن تفكيره على العلوم السياسية، وعلى الواقع السياسي، ثم على الواقع النقابي من خلال أطروحة دكتوراه الدولة حول «««النقابية العمالية في المغرب»». المنوني اتحادي الطبع والمزاج ، والفكرة والفعل، حيث رابط دوما في الجبهة، مهما كانت العواصف، وفكر والمجتمع في عز الحراك، وتحرك والمجتمع في عز التفكير ، كما وقع في منتصف السبعينات. فالمنوني، بهذا التوصيف ترأس اللجنة العمالية لحزب القوات الشعبية ، التي كانت مشتل التفكير في البديل النقابي الذي رأى النور تحت اسم الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.. هذا المسار الغني، هو الذي يضعه دوما في خدمة البلاد من كل مواقعها وفي كل مواقعها، والطالب مدى الحياة في مدرسة الوطنية والتفكير التقدمي، هو أيضا، «أستاذ مدى الحياة» كما عينه جلالة الملك .. الأستاذ المنوني، الذي خبر الفضاءات المتاحة للفكر الدستوري، كما خبر مواطن الداء والألم، من خلال مشاركته في هيئة الانصاف والمصالحة، وصل »كاملا« الى الاستشارة الملكية.

7/5/2013