تعارض الطائفية مع الوطنية

محمد بوبكري

يُوَحِّد دعاة الإسلام السياسي في أذهانهم بين ذواتهم وبين الدّين، ما يعني أنهم يعتبرون أنفسهم يُجسِّدُونَ الإسلام الذي لا وجود له خارجهم، ما لم يرد في القرآن المجيد، فالآخرون، في اعتقادهم، إما غافلون عن قضية الدِّين أو علمانيون كفار… تبعا لذلك، فهم يعتدون على حقوق المختلفين عنهم ويرغبون في تطبيق حد الردّة عليهم. وبذلك، لا تعمل التصريحات التكفيرية لدعاة الإسلام السياسي إلا على إشعال فتيل الصراع الطائفي في مجتمعنا، وهو ما يُعد تهديدا للاستقرار. فقد سبق لهم أن كفّروا الدولة والمجتمع والصحافة ووسائل الإعلام والمثقفين والمبدعين، ومازالوا مستمرين في ذلك، ما يمثل شكلا من محاولات هزِّ ثقة الناس في هذه المؤسسات، إذ المقصود من وراء ذلك هو هدم الدولة ذاتها خدمة للعولمة التي أصبحت توظفهم ضد وطننا ومجتمعنا…
ويعود سقوط هؤلاء الدعاة في فخ كراهية الوطن إلى أنهم يعتبرون طوائفهم أرفع شأنا من كل الكيانات الأخرى، بل يعبِّر هوسهم بطوائفهم تلك إلى أنها عندهم هي الوطن والعقيدة في آن. كما يرجع ذلك إلى ارتباط تنظيماتهم الطائفية بكيان أممي أوسع مدى، ينتشر في ما يفوق السبعين دولة وينضوي تحته أفراد من جنسيات مختلفة، وهو ما يجعل هذه التنظيمات الطائفية بدون ولاء للوطن : المغرب. .
وعندما يكون المجتمع والوطن هشين وضعيفين، تنتعش أحلام هذه التنظيمات التي تتجاوز الوطن وتعبِّر عن شعورها بعدم الانتماء إليه والكفر به، ما يجعل رغباتها قابلة للتوظيف من قبل العولمة المتوحشة التي ترغب في محو الدولة الوطنية. هكذا، فالتحديث والبناء الديمقراطي هما الحل، إذ يُقَوِّيان المواطنة والوحدة الوطنية ويصونانهما. وبدون ذلك ستعمل العولمة على سقي بذرة الطائفية في تربتنا وتقويتها بغية توظيفها لتفجير الوطن.
يمكن أيضا تفسير تَكَوُّن التفكير الطائفي عندنا بانغلاق دعاة الإسلام على أنفسهم لمدة طويلة من الزمن، حيث دخلوا كهف العزلة وابتلعتهم ظلمته، وانعزلوا عن المجتمع والعالم المحيط به اللذين يتغيران باستمرار جراء تأثيرات العصر والزمن المتغير بسرعة على إيقاع الثورة المعلوماتية، فقبعوا في عزلتهم الأيديولوجية، وبات فكرهم يتعارض جذريا مع روح العصر، وبدأوا يناقشون ويخططون انطلاقا مما اعتنقوه من فكر تكفيري لا أصل له في النص القرآني، بل إنه ابتداع مدمّر للوطن ولذواتهم.
ونتيجة عزلتهم القاتلة هذه، لم يتمكن دعاة الإسلام السياسي من التعرف على تجارب دول صغيرة في آسيا وأمريكا اللاتينية استطاعت أن تفهم النظام الدولي الجديد وتصبح شريكا فاعلا فيه، إذ تمكنت من استعمال خيالها لتطوير أفكار وسياسات أهَّلتها للنجاح بمجهودها الذاتي، حيث تخلصت من الفقر في سنوات قليلة، وحققت تقدما اقتصاديا مهمّا… بفصلها الدين عن السياسة. لذا عندما سئل رئيس سيريلانكا عن سر تقدم بلاده، أجاب: «عندما أردنا الصلاة توجهنا صوب مكة، وعندما أردنا التقدم توجهنا صوب اليابان».
وإذا كانت وتيرة تدفق المعلومات بطيئة في عصر الثورة الصناعية، فإن عصرنا الحالي يطبعه تدفق كبير في حجم المعلومات لم يسبق له مثيل، فهو يشكل حافزا لتحصيل مختلف المعارف السياسية والاقتصادية. لكن انغلاق جماعات الإسلام السياسي على نفسها، فكرا وممارسة، جعلها بعد الوصول إلى الحكومة، تحت ضغط بعض القوى العظمى، تكون عاجزة عن تطوير أية رؤية أو مشروع لتدبير الشأن العام، ففشلت في ذلك، ولجأت إلى إلقاء اللائمة على غيرها مستعملة خطابا يكفر ما عداها ويعتبره مسؤولا عما نعاني منه من مشكلات شتى. كما أن حكومتنا «الملتحية» كثيرا ما تلجأ إلى نعت المطالبين بحقوقهم بالتحريض على الفوضى وأنه لا يمكنها حل مشاكلهم لأن الإمكانات المتاحة دون ذلك، متجنبة الاعتراف بأنها لا تمتلك القدرات على تطوير أي مشروع، وأن ما وعدت به المواطنين خلال حملتها الانتخابية كان مجرد وعود كاذبة وغير مدروسة.
لا يعي دعاة الإسلام السياسي أن تقوقعهم في أيديولوجيتهم الدينية المنغلقة، وعزلتهم النفسية التي لا تزال تأسرهم هي ما حال دون انخراطهم في هذا العصر واستيعاب معارفه وتملك أدواته العالم، ما شكل عائقا في وجههم وشلهم وجعلهم عاجزين عن معرفة كيفية إدارة المؤسسات الحكومية، فأصبح بعضهم يتحدث عن وجود «مؤامرة» تستهدفهم، متناسين أن مؤامرة ما هي التي أوصلتهم إلى هذه الحكومة، وأن ممارستهم تشكل مؤامرة على الوطن والمجتمع…
ونظرا لعدم امتلاكهم لأية رؤية، فهم لا يعرفون سبيلا إلى كيفية الاستفادة من ذوي الخبرة والتخصص والمعرفة في حل المشكلات المتراكمة، والمضي في طريق ينهض بالوطن قولاً وفعلا. فكل شيء عندهم معكوس لأنهم عاجزون عن طرح الأسئلة ذات المعنى بالنسبة لأوضاعنا، فأحرى أن يبحثوا عن حلها. ويعود عجزهم عن صياغة الأسئلة الصائبة إلى أنهم لا يعرفون تحديد المشكلات لكونهم لم يراكموا المعرفة والخبرة الضروريتين لذلك. وقد نتج عن ذلك عجزهم عن القيام بتشخيص سليم لأوضاعنا، ما حال دون القيام بتطوير أهداف ملائمة تشكل رؤية للحاضر والمستقبل، ومن ثمة تطوير خطة استراتيجية لحل المشكلات على الآماد القصيرة والمتوسطة والطويلة. وهكذا مازالت الحكومة «الملتحية» تراوح مكانها، حيث غابت عنها نقطة البداية، لأنها لا تمتلك منهجية للعمل ولا رؤية ولا مشروعا.
لقد كان أمام هذه الحكومة أن تعقد مؤتمرا يشارك فيه أخصائيون وخبراء مختلفون مغاربة وأجانب تعرض أمامهم رؤيتها (إن كانت لها رؤية) للتنمية السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية..، وفسح المجال لهم لتقديم أوراق عمل لحل مختلف المشكلات التي يواجهها بلدنا حتى يستطيع أن يحقق التقدم، لكنها لم تفعل ذلك واكتفت بانتظار تعليمات صندوق النقد الدولي التي ستعمق الأزمة الاجتماعية، ما يهدد الاستقرار.
ليس طريق النجاح مغلقاً في وجه وطننا، بل إنه مفتوح أمامنا، حيث لدينا ثروات بشرية ومادية، لكن مشكلتنا تكمن في أن الحكومة «الملتحية» لا تمتلك الفكر والإرادة الكفيلين بإحراز النجاح، كما أن أيديولوجيتها الدينية لا تعلي من شأن الوطن والوطنية والمواطن، ما جعل أزمتنا تتفاقم والمخاطر تهددنا من كل حدب وصوب…
وبذلك، فالحكومة «الملتحية» التي تُدَمِّر الشأن العام من وراء الأسوار هي مأساة للوطن واغتيال لمستقبل الأجيال، إذ لا وعي ولا إحساس عندها لأنها في واد منحرف والشعب صابر في واد آخر ينتظر الفرج… لكن الطبيعة تكره الفراغ.

8/5/2013