الرجل الذي رافق الكبار وبقي كبيرا.. الحاج محمد وكدة.. من الزرقطوني إلى عمر بنجلون

لحسن العسبي

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

الخميس 9ماي 2013

تجمعني بالرجل علاقتان.. علاقة الجيرة وعلاقة القرابة والإنتماء إلى نفس القبيلة السوسية الجنوبية.. الحاج محمد وكدة رحمه الله، فتحت عيني على الحياة فوجدته صديقا حميما لوالدي، عبد الله العسبي، وكانت من ذلك النوع من الصداقة التي تعني علو حائط الثقة بينهما.. كنت أراه يوميا يمشي شامخا في الدرب القديم (درب البلدية بسيدي عثمان)، وكان دوما بشوشا لا يكاد يتسرب القلق قط إلى عينه وخاطره. وكان دؤوب الحركة بشكل كان يثير الفتى الذي كنته هناك، قبل أن أغادر مع عائلتي إلى حي آخر بالدارالبيضاء. ورغم أننا لم نعد جيرانا فقد بقي حضوره طاغيا في أحاديث العائلة. العائلة الصغيرة والعائلة السياسية الأكبر “الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية”. ورغم كل الغنى الذي ميز سيرته النضالية، كان الرجل جام التواضع ولم يكن من النوع الذي يتسابق لمقدمة المشهد، أو ليزايد بسيرته تلك أمام العالمين.
كان بيته (ولايزال) عند واحدة من زوايا الأزقة المحاذية للسوق العمومي القديم لدرب البلدية بسيدي عثمان، وكان الفضاء المحيط به يشع بقوة حضوره كرمز لمناضل ومقاوم يجر وراءه سيرة نظيفة للفعل البناء في العلائق والمواقف. وكانت سيرته تسبق خطوه أمام الناس، بل كان علامة من علامات معنى النزاهة التي تنسب لكل منتم حينها للحركة الإتحادية. كانت سيرة الحركة تلك من سيرة رجالها. واليوم برحيله تعود تفاصيل تلك السيرة منضوضة بهية أمام الخاطر، عن معنى أن يكون رجل من بسطاء الناس قويا بفعله المؤثر في صناعة المعاني الجميلة والمواقف النظيفة أمام المغاربة. وهي سيرة حين كان يتابعها الناس كانوا يتمثلونها وتمنحهم فرصة للتماهي ولأن يكونوا في مستواها السامي النظيف. وأذكر أنه حتى شباب الحي ممن كانت تشتط بهم حرارة الشباب (وأعيانا رعونته)، كانوا ينيخون صامتين حين عبوره أمامهم هو وجيل كامل من صحبه ورفاقه (أذكر من بينهم ذلك الشاب الأسمر المندفع جدا والعنيف رحمه الله “كتكوتي” الذي توفي في حادثة سير قرب سينما العثمانية). مما يؤكد أنه كانت لهم هيبة تربوية رمزية بين الجميع في ذلك الحي الشعبي.
لكن من يعرف، حقيقة، كل تفاصيل سيرة الرجل النضالية؟ .. هم قلائل جدا للأسف اليوم. سيرته منذ جاء الحاج محمد وكدة من قريته “أتوغا” النائمة في أعالي جبال الأطلس الكبير، عند قدم جبل سيروا، بقيبلة آيت عثمان، غير بعيد عن قرية والدي “آيت عشت” من ذات القبيلة، التابعة اليوم لجماعة أربعاء أسايس، بدائرة تالوين بإقليم تارودانت. هناك في تلك القرية، التي تجاور سكنى عالية للنسور والتي تجاور شلالات دائمة الجريان قادمة من ثلج الأعالي، في تلك القرية تعلم الطفل الذي كانه ليس فقط معنى الإباء ومعنى العزة في النفس، بل تعلم أيضا معنى المقاومة. مقاومة جبروت الظلم الذي كان يرمز إليه زبانية الباشا التهامي لكلاوي، الذي كانت قبيلته “إكلوا” ملاصقة لذات جبل سيروا العالي ب 3350 مترا غير بعيد عن “الفايجة” الشهيرة هناك. وتعلم أيضا قيم التعايش مع إخوته المغاربة الأمازيغ من الديانة اليهودية، كون قريته تلك مع قرية أخرى من ذات القبيلة إسمها “إهوكارن”، كانت تضم أكبر تجمع للمغاربة اليهود بقبيلتنا “آيت عثمان”. بالتالي، فحين شد الرحال إلى الدارالبيضاء في شبابه الأول، بحثا عن سماء عمل أرحب وعن ممكنات رزق أقل ألما، من دل السخرة الذي كان يقاومه آباؤه ضد شيوخ وقياد ومسخرين باشا مراكش الشديد البأس، انخرط في قطاع عمال البلدية ضمن فرقة البستنة، وبقي فيها حتى تقاعد منها. وكان طبيعيا أن ينتهي به المطاف للإستقرار في حي درب البلدية بسيدي عثمان، كونه الحي الذي سيضم دور ومنازل ثلاث فئات عمالية بدأت تتشكل في الدارالبيضاء بقوة في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات من القرن الماضي. وهي عمال قطاع البلدية وعمال قطاع الكهرباء “لاسامدي” وعمال شركة النقل العمومية “الطاك”، وكانوا كلهم من القطاعات العمالية الحاسمة التي ستلعب دورا في تأسيس المركزية النقابية المغربية “الإتحاد المغربي للشغل”، إلى جانب عمال كوزيمار وعمال الجوطونا بالميناء، برعاية كاملة من الشهيد المهدي بنبركة سنة 1955.
هكذا وجد المرحوم محمد وكدة، الشاب حينها، نفسه في معمدان الفعل الوطني العمالي النقابي، وأيضا في معمدان الفعل السياسي الحزبي ضمن حزب الإستقلال، الذي سيتحمل فيه مسؤوليات محلية بالدائرة التاسعة بسيدي عثمان، لهذا الحزب حينها. وكان قبل ذلك عضوا في خلية سرية للمقاومة رفقة صديقه ورفيقه وابن قبيلتنا الآخر، المرحوم عمر أحوروك، الذي كان يترأس خلية تابعة لخلايا الشهيد محمد الزرقطوني، والذي كان معروفا بجرأته الكبيرة في الفعل الميداني، بدليل مبادرته غداة السنة الأولى للإستقلال إلى القيام بمحاولة إزالة تمثال ليوطي المتحدي بساحة الأمم بقلب الدارالبيضاء، فتمت تصفيته رحمه الله ضمن عمليات تصفية رجال المقاومة في السنة الأولى للإستقلال، حيث اختطف ونقل إلى شاطئ المحمدية وهناك تمت تصفيته رميا بالرصاص، وظلت جريمة اغتياله لبسا غير معروف التفاصيل إلى اليوم. وفي سنوات الإستقلال الأولى كان المرحوم محمد وكدة يتحمل مسؤولية أمين المال في فرع حزب الإستقلال بدرب البلدية (الدائرة 9)، رفقة ابن قبيلته الآخر امبارك أسفدال الذي كان كاتبا لذات الفرع. وحين انشق فريق الإتحاديين عن حزب الإستقلال، التحق كل فرع تلك الدائرة الإستقلالية بالمهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد والفقيه البصري وعبد الله إبراهيم وعبد الرحمان اليوسفي والمحجوب بن الصديق، في الحزب الجديد “الإتحاد الوطني للقوات الشعبية”، أي أن جماعة السوسيين من تالوين قد التحقوا كلهم هناك بالحركة الإتحادية. فتم تأسيس الفرع الجديد للإتحاد بذات المكتب في الدائرة 9 بالزنقة 80 من درب البلدية. وكان بيته رحمه الله مكانا مفتوحا للتجمعات النضالية على مدار الأسبوع، وكان ملجأ لكل مناضل يجتاز مرحلة امتحان نضالي صعب. كان ذلك البيت، كما يؤكد والدي عبد الله العسبي، خلية نحل حقيقية. وكانت ميزة الحاج محمد وكدة أنه رجل مقدام مبادر ورجل ميدان بامتياز. وكان رفيقه الكبير حينها نقابيا وحزبيا هو المرحوم يوسف الرزواني، الكاتب العام السابق لنقابة عمال البلديات التابع للكونفدرالية الديمقراطية للشغل والذي انتخب عضوا بالبرلمان المغربي نائبا عماليا في ما بعد.
كانت جماعة الإتحاديين الكبرى بدائرتي حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية بدرب البلدية (الدائرة 9 والدائرة 18) أغلبها منحدرة من منطقة تالوين بإقليم تارودانت وكانوا كلهم منتمين لقطاع البلدية وقطاع الكهرباء وقطاع التجارة المتوسطة والصغيرة. وكان الشهيد عمر بنجلون والمرحوم إبراهيم الباعمراني (الذي توفي سنوات بعد ذلك ببني ملال) هما من يشرف على تأطير مناضلي تلك الدائرتين طيلة سنوات الستينات. وكان ذلك الفريق من المناضلين الإتحاديين والعمال هم من هندسوا الحملة الإنتخابية الأولى لسنة 1960 البلدية، ثم الحملة الإنتخابية البرلمانية لسنة 1963. ونجح في الأولى باكتساح حينها المرحوم عبد القادر الصحراوي، فيما تم التزوير بكثافة في الثانية لصالح محمد رضى اكديرة (مؤسس حزب الفديك) ضدا على ترشح المناضل الإتحادي المرحوم عبد الحي الشامي الخزرجي (الذي توفي منذ شهور قليلة). وكان تجمع شهير للشهيد المهدي بنبركة بملعب دار الشباب سيدي عثمان “لاجونيس” قد قلب الموازين كلها في المنطقة، حين جاء الحاج محمد وكدة ورفاقه بأواني طينية (كدرة) وشرعوا في تكسيرها أمام الجماهير المحتشدة كناية عن تكسير صورة المرشح المنافس المرحوم رضى كديرة.
سنة بعد ذلك، حين بدأت عمليات اعتقال مجموعة شيخ العرب (التي كانت متمركزة في درب البلدية بسيدي عثمان ودرب ميلا القريب منه)، اعتقل كل من المرحوم مبارك زولوطي ووالدي عبدالله العسبي وصديقه عمر بوسلام، بعد اغتيال شيخ العرب يوم 7 غشت 1964 ببلوك البلدية غير بعيد عن مسجد سيدي عثمان الشهير، وبعد تعذيب شديد بدرب مولاي الشريف اعترف المرحوم مبارك زولوطي بأسماء ثلاثة مسؤولين حزبيين بالدائرتين 9 و 18، هم محمد وكدة وصديقه الضاوي وكاتب فرع الدائرة 18 مولاي عبد السلام زغنان، فشملتهم حملة الإعتقالات. وبعد 3 أسابيع من التعذيب والإستنطاق تبين للجهات الأمنية أن لا علاقة لهذا الثلاثي الحزبي بالخلية المسلحة، فتم إطلاق سراحهم، خاصة أنه لم تضبط معهم أسلحة. بينما تم الإحتفاظ بكل من مبارك زولوطي ووالدي عبد الله العسبي وصديقه في الخلية ضمن مجموعة شيخ العرب، عمر بوسلام، وبقيا في المحاكمة سنتين ونصف السنة بالدارالبيضاء ومراكش، بعد أن قضوا شهورا في معتقل درب مولاي الشريف مجهولي المصير بالقيد في اليد والعصابة على العينين على مدار الساعة.
لم تكن محنة الإعتقال تلك لتوقف مسيرة الحاج محمد وكدة النضالية نقابيا وحزبيا، بل واصل تحمل مسؤولياته التنظيمية وبقي على صلة بالشهيد عمر بنجلون بذات الإصرار والعزيمة. وكان ممن لعبوا دورا لوجيستيا تنظيميا مؤثرا في الإعداد للمؤتمر الإستثنائي لحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975، حيث تطوع حينها لتجميع المناضلين وتأسيس الفرع الجديد لسيدي عثمان وتحمل فيه المسؤولية مرة أخرى. مثلما كان له دور حاسم في تأسيس نقابة البلديات التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، حتى خانته ظروفه الصحية، وتقدمه في العمر. وبقي كما كان دوما، ذات الفتى المقدام الذي جاء من أعالي الأطلس الكبير، وفيا لما آمن به من فكر وطني وسيرة نضالية بناءة، مع التزامه الديني الذي لم يكن في خصومة قط مع التزامه السياسي الوطني. وشكل بذلك عنوانا لسيرة الحركة الإتحادية، التي حين نستعيد بعد تفاصيلها اليوم، إنما نستعيد ذاكرة جيل كامل من خلال سيرة رجل، مناضل من القاعدة، آمن بالعمل الميداني وأعطى الكثير من وقته وصحته وماله للفكرة السياسية الوطنية التقدمية الإتحادية التي آمن بها وبقي وفيا لها حتى لقي ربه. رحم الله الحاج محمد وكدة وكل العزاء لعائلته الصغيرة وعائلته الكبيرة.

وحسب مصادر مطلعة، فإن هذا الملف ينذر بإسقاط رؤوس كبيرة من رجال السلطة ومنتخبين، وهو ما ستكشفه التحقيقات الجارية .
فقد خرج صباح أمس العشرات من سكان دوار زمران التابع لجماعة تسلطانت قرب مراكش للاحتجاج على إحالة ثلاثة مستشارين جماعيين على النيابة العامة في ملف الترامي على أرض الدولة بالمنطقة المذكورة.
وقالت مصادر من السكان إنه وقع حصار الاحتجاجات من قبل القوات العمومية التي تواجدت بشكل مكثف، ووقوع مواجهات بين الطرفين. فيما أكد مصدر من الدرك الملكي أنه لم تحدث مواجهات، وأن القوات العمومية تراقب الوضع دون أن تتدخل.
واستعمل المتظاهرون سيارات هوندا ودراجات تربورتر ومكبرات الصوت، مرددين شعارات منددة باعتقال المستشارين الجماعيين الثلاثة، معبرين عن تضامنهم معهم . ولم تسجل إلى حدود منتصف نهار يوم أمس أية اعتقالات أو إصابات.
وعلمت الجريدة أن وفدا عن الساكنة استقبل من طرف الكاتب العام لعمالة مراكش أمس بحثا عن حل المشاكل المطروحة.
وتطور الموقف بتسلطانت بعدما أحالت مصالح الدرك الملكي على الوكيل العام للملك دفعة جديدة يشتبه في تورطها في تسهيل الترامي على ملك الدولة بالمنطقة، وتضم هذه المجموعة، كما سبق ذكره، ثلاثة مستشارين وستة موظفين بالمكتب الوطني للماء و 12 كهربائيا.
ويعتبر السكان أن هذا الملف فيه حيف كبير في حقهم، بعدما قاموا ببناء محلاتهم، وأنفقوا في ذلك مدخراتهم، معتبرين أن المقاربة التي نهجتها السلطة لا تشكل بديلا للضرر الذي لحقهم.
ويتهم الأظناء بتسهيل الحصول على شواهد إدارية للسكان مكنتهم من الارتباط بشبكة الماء الصالح للشرب في محلات بنيت فوق أراض في ملك الدولة.

9/5/2013